يوميات الود والخصام (2): تفاصيل عفو القذافي عن «الإخوان» والمعارضين لحكمه

زعماء «اللجان الثورية» لم يرحبوا بالمصالحة مع الليبراليين أو الإسلاميين لكن معمر كان قد قرر فتح صفحة جديدة

بوزيد دوردة رئيس المخابرات الليبي السابق في قفص المحاكمة بطرابلس في 2012 وينسب له فتحه باب المصالحة مع المعارضين (صورة أرشيفية)
بوزيد دوردة رئيس المخابرات الليبي السابق في قفص المحاكمة بطرابلس في 2012 وينسب له فتحه باب المصالحة مع المعارضين (صورة أرشيفية)
TT

يوميات الود والخصام (2): تفاصيل عفو القذافي عن «الإخوان» والمعارضين لحكمه

بوزيد دوردة رئيس المخابرات الليبي السابق في قفص المحاكمة بطرابلس في 2012 وينسب له فتحه باب المصالحة مع المعارضين (صورة أرشيفية)
بوزيد دوردة رئيس المخابرات الليبي السابق في قفص المحاكمة بطرابلس في 2012 وينسب له فتحه باب المصالحة مع المعارضين (صورة أرشيفية)

لوقت طويل ساد اعتقاد بأن الحرس القديم في نظام معمر القذافي ينحصر في الرجال الذين عضدوا حكمه، والذين كانوا يتخوفون من إجراء أي تغييرات في السياسة الليبية داخلياً وخارجياً. لكن تبين الآن أن هذا لم يكن صحيحاً على وجه الدقة.
في الحلقة الثانية من التحقيقات المستندة إلى وثائق واعترافات تنشر للمرة الأولى، تسلط «الشرق الأوسط» الضوء على الطريقة التي بدأ بها فتح الباب لعودة المعارضين الليبيين من الخارج، وتفاصيل العفو عن جماعة «الإخوان» وباقي زعماء وأعضاء الجماعات الأخرى.
يقول أحد أقرب رجالات سيف الإسلام إن العملية بدأت على يد رجل المخابرات الخارجية أبو زيد دوردة عام 2004، حين كان يشغل موقع مندوب ليبيا في الأمم المتحدة. وعزز هذه المعلومات أيضاً المسؤول السابق في «مؤسسة القذافي» الأهلية صالح عبد السلام، وزعماء قبليون، وقادة أمنيون، أشاروا إلى محاولات سابقة، سواء للعفو عن معارضين، أو لاستعادة «المجاهدين» الليبيين من أفغانستان بعد أن بدأت ليبيا عملية في الخفاء، شارك فيها صديق سيف الإسلام بنفسه لاستعادة قادة «الجماعة الليبية المقاتلة» من أفغانستان في عهد حكومة «طالبان».
تعود تفاصيل هذه العملية، التي لم تكن معروفة من قبل، إلى عام 2001، وقد كشف صديق سيف الإسلام الذي كان في الوفد المفاوض، أن طرابلس حاولت عقد صفقة لم تكتمل مع المُلا عمر، زعيم «طالبان»، تقضي بتسلم القادة والأعضاء الليبيين في «المقاتلة» الموجودين في أفغانستان. وكان من بينهم عبد الحكيم بلحاج، وسامي الساعدي، وخالد الشريف، وذلك مقابل وعود باعتراف ليبيا بحكم حركة طالبان، وضخ استثمارات لحكومتها، وحسن معاملة القادة الليبيين الذين ستسلمهم الحركة لطرابلس، لكن الحرب الأميركية على أفغانستان في تلك السنة أوقفت المشروع.
في تلك السنوات سادت أفغانستان عدة اضطرابات، تمثلت في اجتياح قوات الاتحاد السوفياتي للبلاد نهاية 1979، وكنتيجة لذلك انطلقت من جبال أفغانستان انتفاضة مسلحة، وتوافد ألوف المقاتلين من المنطقة العربية لطرد الروس من أفغانستان. لكن بعد خروج القوات الروسية عام 1989 أصبحت معظم الدول العربية تخشى من عودة هؤلاء إلى بلادهم، لأنهم أصبحوا أكثر تطرفاً وقدرةً على القتال. وكان بين هؤلاء من انخرط في جماعة تأسست في أفغانستان تحت اسم «الجماعة الليبية المقاتلة»، استعداداً لشن حرب ضد نظام القذافي، وكان من أبرز قادتها بلحاج.
يقول الصديق المقرب من سيف الإسلام عن هذه الفترة، التي عرفت بداية تفاوض الوفد الليبي مع المسؤولين في حكومة «طالبان»، «ذهبنا إلى قندهار للقاء المُلا عمر... استقبلنا أولاً وكيل أحمد متوكل، وزير الخارجية في حكومة (طالبان)، والمُلا عبد الجليل نائب وزير الخارجية... ثم استقبلنا الملا عمر. طلبنا منه أن يسلم لنا قيادات وأعضاء (الجماعة الليبية المقاتلة) الموجودة في أفغانستان، مقابل أن تنظر ليبيا في الاعتراف بنظام (طالبان)، وأن تساعدهم في تنفيذ مشروعات، منها مد طريق بين جلال أباد وكابل».
ويضيف صديق سيف مستعرضاً أجواء المفاوضات مع الملا عمر: «كان لقاءً غريباً... فعندما جاء الملا جلس على ما يشبه المصطبة المرتفعة عن الأرض، ولم يتحدث كثيراً. وأكثر من كان يتحدث هو المُلا عبد الجليل... وبعد ذلك قال زعيم (طالبان): (خلاص سننظر في طلبكم هذا). ثم استطرد المُلا عمر، وتحدث عن المقاتلين الليبيين في أفغانستان قائلاً: (هم ضيوف عندنا، لكن أنتم أيضا تهموننا، ولذلك لا نريد أن يتسببوا لكم في مشاكل)».
وبحسب الصديق المقرب من سيف الإسلام، فقد «جرى الاتفاق في ختام تلك المفاوضات مع (طالبان) على تشكيل لجان، وطلب المُلا عمر ضمانات بألا يتم التعرض لأي من الليبيين في (الجماعة المقاتلة)، بعد أن يعودوا إلى ليبيا. وقد كانت الدولة الليبية بشكل عام هي من أطلق هذه المبادرة. وأنا كنت طرفاً في المفاوضات من خلال المؤسسة التي يرأسها سيف الإسلام».
وعن أسباب توقف هذه الصفقة يضيف صديق سيف موضحاً: «كان يُفترض أن نعود مرة أخرى لأفغانستان لاستكمال المباحثات، لكن وقعت أحداث سبتمبر (أيلول) في الولايات المتحدة، وما جاء بعدها من تطورات»، حيث بدأت الحرب الأميركية ضد حكومة «طالبان». ورغم ذلك فقد عاد صديق سيف الإسلام إلى أفغانستان بعد اندلاع الحرب بنحو أسبوعين، وبدأ يشرف على قوافل إغاثة عن طريق «مؤسسة القذافي» إلى قندهار، وجلال أباد، وكابل، لمساعدة الشعب الأفغاني.
توالت الأحداث بعد ذلك، وأصبحت حكومة طالبان أثراً بعد عين، ثم اختفى معها المقاتلون الليبيون إلى أن ظهروا بقوة على الساحة في أحداث الربيع العربي. وفي ظل هذه التطورات المتسارعة كانت مجموعة فصائل أفغانية قد أسست «تحالف الشمال»، ودخلت في خلافات مع حركة طالبان المدعومة من الأفغان العرب، عقب خروج الروس من البلاد. وحين تم اغتيال أحمد شاه مسعود بكاميرا تصوير ملغومة، في التاسع من سبتمبر 2001 اتهم تحالفُه «المجاهدين العرب» باغتياله، وانسحبت القافلة الليبية بعد تسليم المساعدات لطرف في الهلال الأحمر. لكن بعد سقوط نظام «طالبان»، عاد الليبيون مرة ثالثة إلى هناك لأن «سيف الإسلام كان قد أطلق وقتها مبادرة لإعادة العائلات العربية التي تقطعت بها السبل أثناء الحرب في أفغانستان... وبالفعل فقد عدنا بمجموعتين... نحو 120 عائلة، ما بين ليبيين وأردنيين، وغيرهم»، حسب اعترافات المقرب من نجل القذافي.
كنتيجة لهذه الأحداث أصبحت أجهزة المخابرات الغربية تطارد زعماء الأفغان العرب، وترسل من تعتقله منهم إلى التحقيق والاحتجاز في المعتقلات، ومنها معتقل غوانتنامو الشهير، والدخول في صفقات لتسليم بعضهم إلى دولهم. وكان من بين هؤلاء، مرة أخرى، أمراء حرب ليبيون تم الزج بهم في السجون نفسها، التي سبقهم إليها متهمون ومحكومون في قضايا تخص الإسلاميين المتطرفين، وكان من أشهر هذه السجون سجن «أبو سليم»، سيئ السمعة في طرابلس.
وحسب مراقبين، فإنه لا يمكن تصنيف «الجماعة المقاتلة الليبية» إلا كتنظيم جاء في وقت متأخر لاستهداف نظام الحكم الليبي، مقارنة بالخصوم التاريخيين، الذي فروا من البلاد في وقت مبكر من السبعينات والثمانينات، مثل جماعة الإخوان، وجماعات يسارية وقومية وبعثية، وغيرها، كان معظمها مشتتاً في الخارج. لكن منذ عام 1988 بدأ نظام القذافي محاولات لنزع فتيل الخلافات مع معارضيه. وبهذا الخصوص يقول كاتم أسرار سيف الإسلام «في تلك السنة أفرج القائد (القذافي) عن السجناء الذين تآمروا ضده، والذين حاولوا قتله، ومزق قوائم الممنوعين من السفر، وفتح الأبواب... كانت هذه البداية».
أما المرحلة الثانية من فتح باب التفاهم مع الإسلاميين فقد جرت منذ نحو 14 سنة بأسلوبين مختلفين: أسلوب أمني صرف، وأسلوب آخر له طابع مدني جاء فيما بعد، حيث كانت الأجهزة الأمنية في حاجة إلى جسم يكون في الواجهة، وقد تمثل هذا الجسم في «مؤسسة القذافي». وقد بدأ هذا الموضوع بوزيد دوردة (مسجون حالياً في طرابلس)، حين كان مندوباً لليبيا في الأمم المتحدة عام 2004، حسب تصريحات صديق سيف الإسلام.
ويؤكد هذه الواقعة أيضاً صالح عبد السلام، المدير التنفيذي السابق لـ«مؤسسة القذافي»، بقوله «كان الأستاذ دوردة يحظى باحترام الليبيين، فكلفته الدولة آنذاك بالتواصل مع الموجودين بالخارج، ونجح في الوصول إلى نتائج جيدة، أدت لعودة ليبيين كثيرين إلى ليبيا. لم يكن هناك تركيز على جماعة الإخوان فقط، ولكن على الليبيين عموماً ممن كانت لديهم مشاكل سياسية، وكان من بينهم إخوان مسلمون وغيرهم».
ومن جانبه يضيف صديق سيف الإسلام موضحاً: «بدأ الأمر بلقاءات مع قيادات مختلفة في الخارج، منهم علي بوزعكوك، وناصر المانع، وعلي الريشي وأحمد القصير. وقد بدأ الأستاذ دوردة في تقديم تسهيلات لهؤلاء من أجل أن يعودوا، وأن يتم تيسير ذلك في إطار مصالحة مجتمعية... وسار الأمر هكذا». تولى دوردة بعد ذلك موقع رئيس جهاز الأمن الخارجي (المخابرات)، ليقف جنباً إلى جنب مع القادة الأمنيين الكبار في الدولة الليبية، مثل السنوسي، الذي كان رئيساً للمخابرات العسكرية، والتهامي خالد، الذي كان وقتها رئيساً لجهاز الأمن الداخلي. وانطلاقاً من عام 2005 وما بعده، كانت الظروف في منطقة الشرق الأوسط تبدو شديدة التعقيد، خصوصاً مع الضغط الأميركي للإصلاح الديمقراطي، وتخوف زعماء في المنطقة من الدعم الغربي لجماعات المعارضة، وعلى رأسها جماعة الإخوان.
في تلك الفترات ظهر بزغ نجم كونداليزا رايس، وزيرة الخارجية الأميركية السمراء، حيث اقترن اسمها مع ما كان يسمى بسياسة واشنطن المعتمدة على «الفوضى الخلاقة». وعلى هذا الأساس اتسم سلوك جماعات المعارضة في الشرق الأوسط بالجرأة. وفي المقابل كانت هناك ثقة كبيرة فيما يقوم به رجال القذافي الأمنيون المشار إليهم، رغم تحفظ زعماء من «اللجان الثورية». كما بدأت الدولة إجراء مراجعات مع الإسلاميين في السجون.
عن هذه المرحلة يقول عبد السلام «كان هناك تحفظ بالطبع لدى البعض من قيادات (اللجان الثورية)، وحتى بعض الأجهزة الأمنية... وكان بعض القادة يتحفظون على موضوع المراجعات».
لكن على كل حال بدأ حوار واسع في هذا الاتجاه، بإشراف دوردة، وعبد الله السنوسي قائد جهاز المخابرات العسكرية والتهامي. وأسفر ذلك عن تشكيل «لجنة أمنية» تولت التواصل مع المحتجزين في السجون الليبية، بمن في ذلك أمراء الحرب الأفغانية، الذين تسلمتهم ليبيا من الخارج. لكن كاد تنظيم القاعدة أن يفسد هذه المبادرة، حين أعلن من مركزه في أفغانستان، رفضه للمراجعات التي يقوم بها الإسلاميون في السجون الليبية. وبهذا الخصوص يقول عبد السلام «في ذلك الوقت من أواخر عام 2007، أعلن بعض قادة (الجماعة الليبية) في أفغانستان، مع أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة، أن الجماعة جزء من هذا التنظيم، وقد شكل هذا الأمر ضغطاً على الموجودين في السجن في ليبيا».
وأضاف أن «بيان تنظيم القاعدة المشار إليه، ساهم بشكل غير مباشر في جدية المراجعات، لأن قادة (الجماعة المقاتلة) وجدوا أنفسهم في وضع حرج أمام إعلان القاعدة». وكان الموجودون على الطاولة «قادة الجماعة الليبية» و«ممثلو الأجهزة الأمنية»، و«مؤسسة القذافي»، فقط.
لكن على أي أساس دخلت «مؤسسة القذافي» في هذه القضية الشائكة؟ كجواب على هذا السؤال يقول كاثم أسرار سيف الإسلام القذافي «كانت الأجهزة الأمنية وقتها في حاجة إلى جسم ضامن لكي يعمل على هذا الموضوع. و(مؤسسة القذافي) قامت بهذا، وكان يتولى هذه العملية الأخ صالح عبد السلام، المدير التنفيذي للمؤسسة في الوقت ذلك».
من جهته، يوضح عبد السلام نفسه أن مشروع المصالحة، الذي بدأه دوردة من خارج البلاد، تم نقله فيما بعد إلى داخل أسوار السجون في ليبيا. و«حتى ذلك الوقت لم تكن لـ(مؤسسة القذافي) أي علاقة بهذا الموضوع. وبعد عدة جولات بين الأجهزة الأمنية (السجان)، والمساجين، كان هناك شعور بفقدان الثقة بين الطرفين على الطاولة، فأعيد النظر في القضية، وبدأ التفكير في إيجاد مؤسسة ليست لها علاقة بالمؤسسة الأمنية لكي تتولى الإشراف على المراجعات. وعلى هذا الأساس تم التواصل مع مؤسسة القذافي ومع المهندس سيف الإسلام».
ووفقاً لعبد السلام، لم يكن قادة «الجماعة المقاتلة» في السجون يرحبون في البداية بأي دور لجماعة الإخوان، رغم أنه توجد صورة شهيرة للاحتفال بطي صفحة الماضي بين الإسلاميين والدولة، يظهر فيها سيف الإسلام مع كل من القيادي في إخوان ليبيا علي الصلابي، وبلحاج (مدرجان الآن على قائمة الشخصيات الإرهابية المرتبطة بقطر). وقد شارك هذان الرجلان عام 2011 في الانتفاضة المسلحة التي أطاحت بحكم القذافي.
يقول شاهد من النظام السابق «لم يكن لـ(الإخوان) أي دور في ليبيا حينذاك. ولم يكن لهم أي وجود في مفاصل الدولة. كما أن قيادات (الجماعة الليبية المقاتلة)، التي تصدرت المشهد بعد 2011، كقادة لما يسمى بالثورة، كنا قد أعدنا اعتقالهم أثناء الأحداث. هذا اعتراف أعلن عنه للمرة الأولى: لقد أدخلنا الشريف والساعدي السجن مجدداً ولم يشاركا في أحداث فبراير (شباط).
أما بلحاج فكان قد تمكن من الهرب إلى أن جاءت به قناة (الجزيرة) في سيارة إسعاف، وأدخلته لتصويره في باب العزيزية (مقر حكم القذافي) بطرابلس في 20 أغسطس (آب) كبطل مزعوم». ويضيف عبد السلام موضحاً: «لم يأت الصلابي منذ بداية المراجعات في 2007، ولم يكن على الإطلاق عموداً فقرياً فيها... وحين ظهر انتقلتُ أنا وهو إلى قادة الجماعة المقاتلة (في السجن)، فرفضوا أن يكون على طاولة المراجعات. ومكثنا في حوار حول هذه القضية لمدة ثلاثة أيام، وفي النهاية وافق قادة الجماعة المقاتلة على مضض على وجوده، واقتصر دوره على أنه كان من فترة إلى أخرى، يجلب للجماعة المقاتلة ما تحتاجه من كتب تساعدهم في الدراسات التصحيحية».
وعلى الجانب الآخر استمر قلق «الحرس القديم (بعض زعماء اللجان الثورية)»؛ حيث كانت لديهم شكوك في إجراءات «اللجنة الأمنية» تلك، سواء بالتصالح مع الليبراليين، أو الإسلاميين. لكن القذافي كان قد قرر، على ما يبدو، أن يمضي في طريق جديدة، حتى لو كان ذلك قد جاء بعد فوات الأوان.

* يوميات الود والخصام (1): سيف الإسلام... الأمل المتبقي لتوحيد أنصار نظام القذافي


قائد خفر السواحل اليمنية: سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها في البحر الأحمر

بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ)
بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ)
TT

قائد خفر السواحل اليمنية: سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها في البحر الأحمر

بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ)
بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ)

قال رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية، اللواء الركن خالد القملي، إن سيطرة الحوثيين على مدينة المخا وباب المندب وجزر البحر الأحمر تمثل «تحولاً نوعياً» في طبيعة التهديد الذي تشكله الجماعة، ويتجاوز استهداف السفن إلى توسيع شبكات التهريب، وتعزيز القدرة على رصد حركة الملاحة في أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية (الشرق الأوسط)

وكشف القملي، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، أن سفناً يستخدمها الحوثيون للتهريب باتت تجوب سواحل البحر الأحمر علناً، من دون إطفاء أجهزة التتبع، بعدما كانت تطفئها في السابق خشية ضبطها من خفر السواحل اليمنية.

وحذّر من أن المخاطر المرتبطة بالسيطرة على مواقع ساحلية وجزرية لا تقتصر على تهريب الأسلحة، بل تشمل تهريب معدات الاتصالات والتقنيات مزدوجة الاستخدام والمخدرات والمكونات العسكرية.

وشدد اللواء القملي على أن مواجهة هذه الشبكات تستدعي «ربط منظومات المراقبة والاعتراض على الضفتين اليمنية والأفريقية معاً»، والتعامل مع مسار التهريب بوصفه شبكة متكاملة تمتد من الساحل الصومالي وجيبوتي إلى باب المندب والساحل الغربي اليمني.

تغيّر طبيعة التهديد الحوثي

أكد رئيس خفر السواحل اليمنية أن التطورات الأخيرة في المخا وباب المندب وجزر البحر الأحمر غيّرت طبيعة التهديد الحوثي؛ إذ لم يعد، وفق تقديره، مقتصراً على الجانب العسكري المباشر أو حرية الملاحة، بل امتد إلى شبكات التهريب والصلات المحتملة مع تنظيمات مسلحة في المنطقة.

عناصر من خفر السواحل الجيبوتية خلال دورية سابقة في باب المندب (الشرق الأوسط)

وأوضح أن السيطرة على هذه المواقع تمنح الحوثيين قدرة أكبر على تأمين مسارات الإمداد البحري وتوسيعها بين الساحل الغربي اليمني والقرن الأفريقي، مستفيدين من طبيعة المنطقة الجغرافية وكثافة حركة القوارب الصغيرة والجلبات.

وأضاف: «بدلاً من الاعتماد على مسار واحد، بات في إمكان الجماعة، استخدام مواقع ساحلية وجزرية متعددة لاستقبال الشحنات وإخفائها وإعادة توزيعها، لكن الأخطر هو تنوع المواد التي يمكن نقلها عبر تلك المسارات، فإلى جانب الأسلحة، يفتح امتداد شبكات التهريب عبر خليج عدن والساحل الصومالي المجال أمام نقل معدات اتصالات وتقنيات مزدوجة الاستخدام ومخدرات ومكونات عسكرية، مع إمكان تغيير الطرق ووسائط النقل لتفادي الاعتراض».

ميناء المخا تعرض لأضرار واسعة جراء الهجمات الحوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة (إعلام محلي)

وكان القائم بأعمال السفارة الأميركية في الرياض نيل هوب اتهم إيران بامتلاك سفن عملت في البحر الأحمر ونفذت في السابق عمليات سيبرانية واستخباراتية لمصلحة الحوثيين، فضلاً عن نقل مكونات للصواريخ والطائرات المسيّرة، والمشاركة في نقل النفط عبر ما يعرف بـ«أسطول الظل».

ولفت القملي في هذا السياق إلى ما أوردته تحقيقات أممية بشأن تنويع الحوثيين سلاسل إمدادهم ومصادر حصولهم على الأسلحة والمعدات، عادّاً ذلك مؤشراً إلى تطور قدراتهم التنظيمية والتشغيلية.

باب المندب... ورقة ضغط

وحذّر رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية من انتقال الحوثيين من امتلاك القدرة على استهداف السفن إلى امتلاك مواقع جغرافية استراتيجية تتيح لهم مجالاً أوسع للرصد والإنذار المبكر والاستهداف قرب باب المندب.

وقال إن «وجود سواحل وجزر ومواقع قريبة من المضيق تحت سيطرة طرف يمتلك صواريخ وطائرات مسيّرة وزوارق مسلحة يرفع مستوى المخاطر أمام السفن العابرة، ويزيد احتمالات اضطراب الملاحة وارتفاع تكاليف التأمين والحماية، فضلاً عن احتمال دفع بعض شركات الشحن إلى إعادة توجيه رحلاتها بعيداً عن المنطقة».

وتابع بقوله: «لا تكمن الخطورة بالضرورة في قدرة الحوثيين على إغلاق باب المندب إغلاقاً كاملاً، بل في امتلاكهم القدرة على إبقاء المخاطر التي تواجه حركة الملاحة الدولية عند مستوى مرتفع، واستخدام الممر البحري ورقة ضغط متى أرادوا».

وتُظهر متابعة المنظمة البحرية الدولية لأمن البحر الأحمر استمرار اهتمامها بالهجمات التي استهدفت السفن والبحارة في المنطقة؛ كما مدّد مجلس الأمن في يوليو (تموز) 2026 تكليف الأمين العام تقديم تقارير بشأن هجمات الحوثيين في البحر الأحمر.

توسع الصلات مع جماعات مسلحة

وتطرق اللواء خالد القملي إلى بُعد آخر يراه مثيراً للقلق، يتمثل في احتمال أن تهيئ السيطرة على مواقع في باب المندب بيئة بحرية أكثر ملاءمة لتوسيع الاتصالات القائمة بين الحوثيين وشبكات مسلحة في القرن الأفريقي، وفي مقدمتها حركة «الشباب» الصومالية، عبر مسارات يصعب ضبطها بالكامل.

أكد القملي أن سيطرة الحوثيين على باب المندب تمثل «تحولاً نوعياً» في طبيعة التهديد الذي تشكله الجماعة (سبأ)

وحذّر من احتمال انتقال العلاقة من تبادل الأسلحة أو تهريبها إلى تعاون أوسع يشمل التمويل والمعدات والخبرات والتكنولوجيا والاتصالات، مستفيدة من شبكات التهريب القائمة بين اليمن والصومال.

ومن شأن حدوث ذلك، وفق تقدير القملي، أن يحوّل باب المندب من ممر لوجستي إلى حلقة وصل تشغيلية بين الحوثيين وجماعات مسلحة في القرن الأفريقي، ويوسع نطاق التهديد ليشمل خليج عدن والمنطقة المقابلة للساحل اليمني.

ربط منظومات المراقبة والاعتراض

أكد اللواء القملي أن الإجراءات الأمنية داخل المياه اليمنية، على أهميتها، لا تكفي وحدها للتعامل مع مسارات تهريب تمتد عبر الساحل الصومالي وخليج عدن وجيبوتي وباب المندب.

ودعا إلى تعزيز التعاون المباشر بين خفر السواحل اليمني ونظرائه في الصومال وجيبوتي، خصوصاً في تبادل المعلومات البحرية والاستخباراتية، وتتبع القوارب المشبوهة، وتنسيق عمليات الاعتراض.

باتت الجماعة الحوثية قادرة على استخدام مسارات متعددة لاستقبال الشحنات المهربة وفقاً للواء القملي (إ.ب.أ)

ويشمل هذا التعاون، وفق القملي، مراقبة حركة الجلبات وسفن الصيد التي تُستخدم لنقل الأسلحة والمخدرات والمعدات. لافتاً إلى أن «المتابعة الميدانية خلال السنوات الماضية أظهرت أن مكافحة التهريب في باب المندب لا تتحقق بالسيطرة على الجانب اليمني من الممر وحده، وإنما تتطلب ربط منظومات المراقبة والاعتراض على الضفتين اليمنية والأفريقية معاً».

وخلص رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية إلى أن التعامل مع الساحل الصومالي وجيبوتي وباب المندب والساحل الغربي اليمني بوصفها أجزاء من شبكة تهريب واحدة هو الأساس لمنع الحوثيين أو الجماعات المسلحة في القرن الأفريقي من استغلالها، والحيلولة دون تحول البحر الأحمر وخليج عدن إلى مساحة تتحرك فيها تلك الشبكات بحرية أكبر.


الحوثيون يختبرون ولاء الساحل الغربي اليمني بالتجنيد والجباية

فرض الحوثيون نمط إدارتهم في الجباية والتجنيد على السكان في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)
فرض الحوثيون نمط إدارتهم في الجباية والتجنيد على السكان في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)
TT

الحوثيون يختبرون ولاء الساحل الغربي اليمني بالتجنيد والجباية

فرض الحوثيون نمط إدارتهم في الجباية والتجنيد على السكان في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)
فرض الحوثيون نمط إدارتهم في الجباية والتجنيد على السكان في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)

«سنختبر ولاءكم في الجبهات وفي أعداد المجندين»... بهذه الجملة طالب القادة الحوثيون أعيان ووجهاء الساحل الغربي اليمني خلال الأيام الماضية، بعد سيطرة الجماعة على مناطق حيس والخوخة والمخا وصولاً إلى باب المندب.

فلم تكد الجماعة المتحالفة مع إيران تحكم قبضتها على مديريات الساحل الغربي، حتى بدأت بفرض منظومة من الإجراءات الأمنية والمالية والاجتماعية تستهدف إحكام السيطرة على السكان، عبر ابتزاز الوجهاء والأعيان لتجنيد مقاتلين، وإخضاع الأطفال والشبان لدوراتها الثقافية، وفرض الجبايات على التجار، بالتزامن مع حملات اعتقال ومداهمة ونهب لممتلكات خاصة ومرافق عامة.

وقالت مصادر محلية إن القادة الميدانيين الحوثيين ألزموا الأعيان والمشايخ ومسؤولي الأحياء، المعروفين بـ«عقال الحارات»، وهم أصحاب مناصب شبه رسمية، في بلدات وأرياف مديريات المخا وذوباب وموزع والوازعية في محافظة تعز، وحيس والخوخة في محافظة الحديدة، بتجنيد مقاتلين وإلحاق أطفال وشبان بما تسمى «الدورات الثقافية»، وحذرتهم من التخلف عن تنفيذ تلك المطالب.

وذكرت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، أن القادة الحوثيين أبلغوا الوجهاء والأعيان بأنهم يخضعون لـ«اختبار ولاء» بعد نحو 8 أعوام من سيطرة الحكومة الشرعية على المنطقة، وطالبوهم بإثبات ولائهم من خلال تنفيذ مهام تشمل التجنيد والتجسس على السكان وجمع الجبايات.

نازحون في مخيم قرب عدن هربوا من جحيم الحوثيين في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)

وقالت المصادر إن القادة الحوثيين دأبوا على تذكير هؤلاء الأعيان بأنهم يخضعون لاختبار ولاء، وعليهم إثباته من خلال رفد معسكرات التدريب والجبهات والدورات الثقافية بالشباب والأطفال.

وبحسب المصادر، حددت الجماعة حصصاً متفاوتة من المقاتلين والأطفال لكل منطقة وفق كثافتها السكانية، لكنها طالبت الوجهاء الذين رصدت تعاونهم مع السلطات المحلية خلال فترة سيطرة الحكومة بمضاعفة تلك الحصص، وتجنيد أقاربهم لإظهار «حسن النوايا».

حظر تجول غير معلن

بحسب المصادر، طالبت الجماعة الحوثية السكان في الساحل الغربي، بإقناع أقاربهم النازحين في مناطق سيطرة الحكومة بالعودة، لا سيما المنتمين إلى الجيش اليمني. وترجح المصادر أن يكون ذلك وسيلة لتجنيد بعض العائدين، أو اعتقالهم وإجبارهم على الكشف عن معلومات عسكرية وأمنية.

ولا تقتصر إجراءات السيطرة على التجنيد؛ ففي مديريتي حيس والخوخة، أفادت مصادر محلية بأن مسلحين حوثيين يتبعون ما تسمى «هيئة الزكاة»، داهموا محال تجارية وفرضوا على ملاكها مبالغ مالية، إلى جانب إلزامهم بتقديم مواد غذائية لعناصر الجماعة.

قادة حوثيون في مدينة الخوخة على الساحل الغربي (إعلام حوثي)

وطبقاً للمصادر، فإن الحوثيين احتجزوا عدداً من التجار الذين رفضوا دفع المبالغ المفروضة، ولم تطلقهم إلا بعد دفع المبالغ المطلوبة منهم إلى جانب غرامات تأخير.

وافتتحت الجماعة، بعد ساعات من سيطرتها على حيس، مقراً لما تسمى «هيئة الزكاة» في المديرية، ضمن مساعيها لفرض الجبايات على السكان والتجار، وتعويض خسائرها المادية في التصعيد العسكري وفقاً لمراقبين.

وفي المخا، تصاعدت المخاوف بين السكان مع استمرار الإجراءات الأمنية والمداهمات والاعتقالات، خصوصاً بعد احتجاز شابين من أبناء المدينة ونقلهما إلى منطقة البرح، الواقعة بينها ومدينة تعز باتجاه الشرق.

وتتحدث مصادر حقوقية عن اقتحام منازل واعتقال مدنيين وأشخاص تشتبه الجماعة في ارتباطهم بالقوات الموالية للحكومة، إلى جانب تقارير عن اعتقال صحافيين وناشطين.

واشتكى السكان من فرض قيود مشددة على الحركة والتجمعات، خصوصاً خلال ساعات المساء، ما يضطرهم إلى المبيت في منازلهم قبل مغيب الشمس.

30 ألف سلة غذائية في الساحل الغربي اليمني استولى عليها الحوثيون (إعلام حوثي)

وكشف عدد من الأهالي لـ«الشرق الأوسط»، عن اضطرارهم إلى ترك هواتفهم في المنازل بسبب إجراءات التفتيش التي تطالهم خلال تجولهم في الخارج أو مزاولة أعمالهم وأنشطتهم اليومية، وإجبارهم على فتحها والخضوع للتحقيق في حال اشتبه عناصر الجماعة في محتوياتها.

نهب المساعدات

تتزامن الإجراءات الأمنية والمالية الحوثية مع اتهامات للجماعة بالاستيلاء على ممتلكات ومرافق وموارد مخصصة للسكان. وقالت السلطات المحلية التابعة للحكومة اليمنية في الحديدة، إن الجماعة استهدفت عيادات طبية ومستودعات للغذاء والإيواء ومشروعاً للإمداد المائي مدعوماً من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية.

كما أدانت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل اقتحام مخازن تابعة لمركز الملك سلمان وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمات محلية ودولية في الساحل الغربي، والاستيلاء على محتوياتها الإغاثية، محذرة من أن تعطيل تلك المنشآت يعرقل وصول المساعدات إلى مستحقيها.

الحوثيون جيّروا خدمات المنشآت الحيوية والصحية في الساحل الغربي لصالح أنشطتهم (إعلام حوثي)

وقالت الوزارة إن العيادات المدعومة من مركز الملك سلمان كانت تقدم خدمات مجانية لنحو ربع مليون مستفيد سنوياً، تشمل الفحوصات والعمليات الجراحية والأدوية، معتبرة أن تعطيلها يضاعف الأعباء على المرضى والأسر الأكثر احتياجاً.

وفي مؤشر على اتساع نطاق التداعيات، وثق تقرير حقوقي 958 جريمة وانتهاكاً في مديريات الساحل الغربي، بينها المخا وذوباب والوازعية وموزع وحيس والخوخة، خلال الفترة من 3 إلى 11 سبتمبر (أيلول)، شملت الاعتقال والاختطاف والإخفاء القسري واقتحام المنازل ونهب الممتلكات، إلى جانب نزوح نحو 2300 أسرة.

وتشير هذه الوقائع، في مجملها، إلى أن السيطرة الحوثية على الساحل الغربي لا تتوقف عند التحول العسكري في خريطة النفوذ، بل تترافق مع محاولة لإعادة تشكيل الحياة المحلية وفق منظومة من الولاء والجباية والرقابة الأمنية، في وقت يدفع فيه المدنيون تكلفة إضافية من حريتهم ومواردهم ووصولهم إلى الخدمات الأساسية.


2300 حوثي بين قتيل وجريح في 8 جبهات خلال 3 أيام

غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)
غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)
TT

2300 حوثي بين قتيل وجريح في 8 جبهات خلال 3 أيام

غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)
غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)

تكبّدت الجماعة الحوثية خسائر بشرية وعسكرية كبيرة في ثماني جبهات يمنية، وفق حصيلة أعلنتها القوات الحكومية، في وقت تتركز فيه المواجهات الأشد في تعز ولحج، حيث تصطدم هجمات الجماعة المتواصلة بالضربات الحكومية الاستباقية ضمن مسعاها لتثبيت خطوط التماس وقطع طرق الإمداد القادمة من مناطق سيطرة الجماعة.

وقالت القوات المسلحة اليمنية إنها نفذت 706 عمليات استهداف نوعية ودقيقة في جبهات كتاف، والبقع، وعلب، والجوف، ومأرب والبيضاء، ولحج وتعز، مستخدمة الطيران الحربي والطائرات المسيّرة والقناصة والمدفعية وراجمات الصواريخ، مشيرة إلى أن هذه العمليات أسفرت، حسب حصيلتها، عن مقتل وإصابة 2316 عنصراً حوثياً خلال ثلاثة أيام.

وأوضحت القوات الحكومية أن العمليات طالت مواقع وعناصر وقدرات عسكرية للجماعة، وأدت إلى تدمير أو إعطاب ناقلات جنود وعربات وتعزيزات عسكرية ومنصات إطلاق صواريخ ومخازن أسلحة وعتاد ومعدات أخرى.

دخان يتصاعد من موقع للحوثيين استهدفه الجيش اليمني (رويترز)

وتعكس هذه الحصيلة، وفق رواية القوات المسلحة اليمنية، اتساع نطاق الاستهداف من خطوط المواجهة المباشرة إلى العمق اللوجستي للجماعة الحوثية، في وقت تدفع فيه الأخيرة بمزيد من العناصر والتعزيزات إلى الجبهات للحفاظ على مكاسبها الأخيرة في الساحل الغربي، وفتح مسارات ضغط جديدة على تعز.

معركة تعز

في تعز، بدت الجبهة الأكثر نشاطاً خلال الساعات الأخيرة، مع تزامن الهجمات البرية الحوثية مع ضربات جوية استهدفت مواقع التجميع والتخزين والتحرك.

ونفَّذ الطيران الحربي، وفق مصادر عسكرية رسمية خمس غارات على مواقع حوثية شرق المحافظة، شملت مفرق ماوية ومحيط مدينة الصالح ومعسكر الاستقبال التابع لسلاح المهندسين.

وقالت مصادر ميدانية إن الضربات جاءت بالتزامن مع اجتماع لقيادات عسكرية حوثية ووصول تحشيدات إلى المنطقة، وإن بعض الأهداف كانت تستخدم لتخزين الأسلحة والمعدات.

دخان يتصاعد إثر ضربة جوية استهدفت مواقع للحوثيين في شرق مدينة تعز (رويترز)

كما استهدف الطيران الحربي تعزيزات حوثية في منطقة المرزم بالربيعي غرب مدينة تعز، وقالت مصادر عسكرية إن إحدى الغارات أصابت دبابة وأدت إلى احتراقها.

وفي الجبهات الغربية، تصدت القوات الحكومية لهجوم حوثي في جبهة العنين، كما أفادت مصادر محلية بتصدي القوات الحكومية ومقاتلين من أبناء المنطقة لهجمات شنتها الجماعة على بني بكاري والعنين في جبل حبشي، عقب وصول تعزيزات حوثية كبيرة إلى المديرية.

وبالتوازي، استهدفت المدفعية الحكومية تجمعات ومواقع حوثية في الأقروض، والكدحة، وسائلة غراب، والجعشاء والزيبيا، كما دمرت مدفعاً في البحابح واستهدفت طقماً عسكرياً في ضاحة الرباح، وفق موجز للمركز الإعلامي لمحور تعز.

وأعلنت الدفاعات الجوية الحكومية إسقاط طائرة مسيّرة حوثية فوق جبهة الكدحة. وتواصلت في المقابل الهجمات الحوثية بالقصف المدفعي؛ إذ أطلقت الجماعة أكثر من ست قذائف باتجاه قرى في منطقة الضباب غرب تعز، متسببة، وفق مصادر محلية، في أضرار مادية بالمنازل وحالة من الذعر بين السكان.

نزيف الإمدادات

لا تقتصر المعركة بين القوات المسلحة اليمنية والحوثيين على المواقع الأمامية؛ إذ تحولت طرق نقل المقاتلين والعتاد أهدافاً رئيسية للعمليات الحكومية.

وتقول مصادر محلية إن الحوثيين دفعوا بمئات العناصر من اتجاه فرع العدين في محافظة إب باتجاه جبل رأس في الحديدة، على متن عشرات الحافلات، لتعزيز جبهات الوازعية، والبرح وبني عمر.

كما دفعت الجماعة بتعزيزات بشرية كبيرة باتجاه جبهة حيفان في تعز، في وقت تتحدث فيه مصادر ميدانية عن تحركات حوثية تستهدف الضغط نحو مديريات الشمايتين، والتربة والمقاطرة من أكثر من اتجاه.

وتشير هذه التحركات إلى أن الجماعة تسعى إلى الإبقاء على ضغطها العسكري غرب تعز، بالتزامن مع الدفع باتجاه حيفان والمناطق الشرقية والجنوبية، في محاولة لإيجاد مسارات متعددة نحو المحافظة.

وفي المقابل، تركز القوات الحكومية على استهداف التعزيزات قبل وصولها إلى خطوط القتال، مستفيدة من الطيران الحربي والمسيّر والمدفعية.

وقال الناطق العسكري ماجد النزيلي إن القوات الحكومية قتلت أربعة خبراء إيرانيين قال إنهم متخصصون في تشغيل وإطلاق الطائرات المسيّرة والصواريخ في محافظة تعز، دون إيراد تفاصيل عن هوياتهم.

ضغط في لحج

في لحج، تواصلت المواجهات على المحاور المتصلة بالساحل الغربي والمناطق المطلة على باب المندب، مع استمرار القصف والتحركات العسكرية في الوازعية، والمضاربة، ورأس العارة، والأغبرة وكهبوب.

وقالت مصادر ميدانية إن قوات العمالقة نفَّذت ضربات بطائرات مسيّرة ضد تجمعات وآليات حوثية في كهبوب، بالتزامن مع صد هجوم جديد للجماعة.

وتزامن ذلك مع تحركات عسكرية حكومية في جبهات الصبيحة، حيث تفقَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي، رفقة قائد المنطقة العسكرية الرابعة اللواء حمدي شكري، سير العمليات ومستوى الجاهزية في الخطوط الأمامية.

وأكد الصبيحي أهمية رفع الجاهزية واليقظة والاستعداد للتعامل مع التطورات الميدانية، مشيداً بثبات القوات في مختلف المواقع.

وتظهر تطورات تعز ولحج أن خطوط التماس منذ أيام لا تزال ثابتة نسبياً رغم كثافة الهجمات والتعزيزات، لكن ثبات الخريطة لا يعني هدوء الجبهات؛ إذ تحاول الجماعة الحفاظ على مكاسبها في الساحل الغربي، في حين تعمل القوات الحكومية على استنزاف القوة البشرية والعسكرية التي تدفع بها إلى مناطق القتال.

وتقول القوات الحكومية إن عملياتها استهدفت أهدافاً عسكرية، في حين تتبادل مع الحوثيين الاتهامات بشأن الأضرار المدنية الناجمة عن الغارات والقصف. وأكد النزيلي أن القوات الحكومية تلتزم، وفق قوله، باستهداف الأهداف العسكرية المشروعة وقواعد القانون الدولي الإنساني.