وزير خارجية لبنان: لا أحب تعبير «النأي بالنفس» في السياسة الخارجية

باسيل قال لـ {الشرق الأوسط} إن انتخابات سوريا غير كافية لكنها أفضل من لا شيء

جبران باسيل (تصوير: جيمس حنا)
جبران باسيل (تصوير: جيمس حنا)
TT

وزير خارجية لبنان: لا أحب تعبير «النأي بالنفس» في السياسة الخارجية

جبران باسيل (تصوير: جيمس حنا)
جبران باسيل (تصوير: جيمس حنا)

التقت «الشرق الأوسط» وزير الخارجية والمغتربين اللبناني جبران باسيل، خلال زيارته الأولى إلى لندن منذ توليه حقيبة الخارجية، إذ التقى بنظيره البريطاني ويليام هيغ، وحضر «القمة العالمية لوقف العنف الجنسي» في لندن.
وتولى باسيل المنصب وسط مناقشات داخل لبنان حول التحالفات السياسية في البلاد مع عدم الاتفاق على رئيس جديد للبلاد وتوتر سياسي على خلفية الأزمة السورية المتفاقمة. وقد شدد باسيل في الحوار على أهمية مواجهة المجموعات الإرهابية واحتواء الأزمة السورية، مشيرا إلى أن بلاده تواجه ضغوطا كبيرة بسبب الأزمة. ويتوجه الوزير إلى روما لحضور مؤتمر دعم الجيش اللبناني بعد غد الثلاثاء، بحضور أربعين دولة ومنظمة دولية. وفي ما يلي، أبرز ما جاء في الحوار:

* مع التطورات الأخيرة هذا الأسبوع تزداد المخاوف من انهيار العراق وسوريا.. هل تعتقدون ذلك ممكنا، وهل يمكن أن يكون لبنان عرضة لهذا الخطر.. فبرأيك هل انتهت حدود «سايكس - بيكو»؟
- طبعا هناك مشروع تفتيت المنطقة لتصير أشبه بالكيانات الطائفية للكيان الإسرائيلي، اليهودي، طبعا. وهناك مصلحة بهذا الأمر لنقل الصراع من صراع عربي - إسرائيلي، إلى صراع عربي - عربي، وتحديدا سني – شيعي، ومسلم – مسيحي، وللأسف تنجح إسرائيل ومن معها من دول غربية في تحقيق هذا الشيء، والعرب يذهبون على أقدامهم باتجاه الهلاك. إنما الأخطر من هذا الأمر، ربما، أننا اليوم في صراع عالمي بين حوار وصراع الحضارات، حوار الحضارات ينتج كيانات كبيرة يتعايش فيها الناس على اختلافهم، وصراع الحضارات ينتج كيانات صغيرة، كل كيان يقسم طائفيا، فمناطقيا، ثم يمتد الأمر إلى تقسيمات ثانية لا تنتهي. هذه مقدمة لصراعات وتفتتات تبدأ ولا تنتهي. هذا أمر محسوب ومتوقع، الخطر أن يكون القيادي والطليعي بعملية التفتيت مجموعات تتقن العنف وتبتغيه وسيلة لمشروع العنف الممزوج بكراهية قائمة على تقسيمات طائفية بغيضة تكفر الآخر وتسمح بإلغائه وقتله. هذا الخطر موجود، و«المجموعات» تعطى هذا الدور القيادي وكأن هناك رضا عن ذلك في المجتمعات التي تسيطر فيها، لكن الواقع لمن يعرف المنطقة أنه يعرف أن ذلك غير صحيح. يعني هذا ليس نمط الناس، لكن العجز العربي الحكومي السلطوي يجعل هناك قبولا في مرحلة أولى بمثل هذه البدائل. الذي سيحصل لاحقا أنه عندما تجرب هذه المجموعات سيكون هناك رفض لها وعدم احتضان، وسيكون هناك رد عكسي لإخراجها من المعادلة مثلما حصل في الجزائر في 1992، وفي مصر وتونس، ومثلما حصل في سوريا، ومثلما صارت محاولة في صيدا وطرابلس ولكن لم تأخذ حجما، لم تبدأ لتنتهي، ومثلما يحصل الآن في العراق. مع الأسف الوقت يكلفنا خسائر سياسية ومالية واجتماعية وبشرية كبيرة، لكن النتيجة ستعود لصالح المتحاورين في المنطقة، إنما نتائج التفتيت لا يمكن الكلام عنها، لكن بكل الأحوال لن تكون هذه الجماعات هي القائدة لمشاريع أوطان جديدة.
بعض الدول التي تدعم هذا التوجه باعتقادها أنها تساعد إسرائيل، أو أن تفتيت المنطقة يسهل التعامل معها والاستفادة من ثرواتها، ولا يدرك أن هذه الحالة ستتدحرج من دولة إلى دولة وصولا لها، وهذا التدحرج لن تكون أي دولة في منأى عنه. تركيا لن تكون بأمان، وبعد تركيا أوروبا، وأوروبا المتوسطية لن تكون بأمان لأن المتوسط سينقل هذه الحالة. لذلك ما يحصل في العراق ليس مفاجئا، وكان متوقعا، المفاجئ هو عدم وجود رد فعل غربي عليه مسبقا، واليوم رد الفعل اللاحق متأخر، والعواقب ستكون وخيمة إن لم يكن هناك رد فعل عليه.
* تقول إن إسرائيل ودولا أخرى لديها مصالح، لكن هناك دولا عربية تنفذ، وهناك دورا لإيران لا يمكن إنكاره. هل نحن مجبرون على حروب طائفية قبل العودة إلى حل سياسي وتفاهمات إقليمية تجنب المزيد من الاقتتال والخسائر؟
- هناك حاجة لتفاهم لمواجهة هذه التحركات التي هي ممتدة عقائديا وفكريا وتنظيميا بشكل واسع. ومواجهتها لا تتم موضعيا، فهناك حاجة لمواجهة عامة لننجح. التعامل الموضعي معها سيجعل من المستحيل احتواؤها في مكان، وسيكون انفلاتها على حدود ودول أخرى طبيعيا إذا لم تصر هناك حالة جامعة من التضامن الدولي والعربي، وسنذهب إلى حالات تشبه ما حدث في مالي والصومال وأفريقيا والمغرب العربي والدول المتوسطية. هذا التعامل الجزئي لا يصح. للأسف، هناك قدرة للعرب على المواجهة، فهي مسؤوليتهم. ولكن نتوجه إلى الغرب نتيجة العجز العربي، ولأن هذه الحالة ستصل إليهم. إنما إذا أراد العرب، فبالطبع باستطاعتهم. هم غير مدركين من جهة، ولو أدركوا فإن باعتقادهم أن هذه ضربة موجهة لإيران أو لدولة عربية أخرى أو لتحصيل نفوذ أكبر. التفكير الجزئي لا يوصل إلى التفكير الشامل للمواجهة.
* لبنان واجه الحركات الأصولية، ورأينا الخطة الأمنية في طرابلس. هل تشعرون بأن الوضع الأمني في لبنان بات تحت السيطرة؟
- طبعا، أولا لأن لبنان ليست له بيئة كبيرة تحتضن مثل هذه الحالات، لذا فإنها تظل حالات فردية ومحصورة. ثانيا لأن الجيش اللبناني لا يزال يمتلك القدرة والعقيدة الوطنية للقيام بهذا الأمر. ثالثا لأن للبنان الغطاء الدولي للقيام بهذا الأمر. هل يكفي ذلك؟ الأمر لا يكفي، هذه العناصر الثلاثة أساسية للهدوء، إنما لفرض معادلة سائدة وطويلة الأمد لتتكرس في لبنان هناك حاجة لحماية المحيط اللبناني، فكيف تجري حماية الوضع في لبنان رغم الوضع في سوريا والانفلات الموجود فيها؟ المقاربة الغربية والعربية في سوريا خاطئة، والبرهان العراق.. فهل كان يمكن أن يحصل ما حصل في العراق لولا ما يحدث في سوريا؟
* برأيك، الموقف العربي والغربي خاطئ، لكن ما هو الصواب.. وهل يمكن السكوت على ما يحدث في البلاد؟
- خاطئ لأن مقاربة العنف تولد العنف، وتلغي البدائل السياسية. المقابل هو ترك العملية السياسية تحصل من دون شروط مسبقة من الطرفين. لا يمكن لأحد أن يقول لا أسمح لفلان بأن يكون في موقع السلطة، ولا لفلان أن يقول إنه سيبقى في السلطة حكما. هذا الأمر يترك للشعب السوري بضمان دولي. ما يقرره الشعب السوري هذا خياره.
* هل كانت الانتخابات التي شاهدناها برأيك تمثل الخيار السوري الحر.. هل أعطت الشعب السوري حرية الاختيار؟
- بالنسبة للنظام، نعم، بالنسبة للمعارضة، لا. وبالتالي نتائج هذه العملية تمثل حكما شريحة كبيرة من السوريين، كم هي؟ لا أستطيع أن أقدر إلا إذا كان هناك اعتراف متبادل وعملية شاملة لكل السوريين ولكل الأراضي وبقبول مشاركة الجميع فيها. حينها يمكن إعطاؤها الشرعية الكاملة. اليوم اكتسبت شرعية طبعا. هل هي كافية؟ لا ليست كافية ما دام لا يوجد اعتراف دولي فيها ولا يوجد إجماع داخلي عليها، يعني غير كافية، إنما هي أفضل من لا شيء، وهي تعني أن السوريين قادرون على العملية الانتخابية إذا اتفقوا، فهم يتقاتلون وأجريت العملية الانتخابية من طرف واحد منهم. هذا أسقط حجة عدم إمكانية إجراء عملية انتخابية في هذا الواقع.
* لكن الواقع أن الانتخابات لم تكن حرة؟
- إجراء العملية الانتخابية ممكن. المرفوض هو النتائج، لأن كل واحد يفترض نتائج قبل العملية، وكل طرف يريد أن يفرضها على الآخر.
* العملية ممكنة أكيد، لكن الأطراف الخارجية لا تسمح للعملية السياسية بأن تسير. هل سياسة النأي بالنفس هي سياستك كوزير خارجية لبنان تجاه سوريا، خاصة مع الأطراف السياسية المختلفة في البلاد ودورها في سوريا؟
- أنا لا أحب تعبير النأي بالنفس، التعبير الصائب إبعاد لبنان عن المشاكل حيث لا يفيد تدخله في هذه المشاكل. لا يفيده ولا يفيد الدولة التي تدخل في شأنه. يجب تأمين المصلحة اللبنانية الجامعة، وأن تفيد الدولة الأخرى. هل نحن نتدخل في خيار الشعب السوري؟ لا، لا نتدخل، لكن الفكرة أننا من معرفتنا بالشعب السوري نقول إن ما يهمنا الوصول إلى الدولة السورية والحفاظ عليها لأن غيابها يعني المجموعات الخطرة المرفوضة من كل السوريين. ومن هذه الناحية يمكننا التدخل إيجابا. التدخل السلبي من فريق لبناني ضد فريق سوري ولو كانت له مبرراته لا يفيد لبنان من ناحية الإجماع الوطني والحفاظ على الوحدة الوطنية، يفيد فريقا قد يكون مصيبا فيه، ولكن لا يفيد الإجماع اللبناني.
* نسمي الأمور بأسمائها.. والتدخل اللبناني؟
- إنني أتكلم عن كل الأسماء، الأمر واضح، التدخل اللبناني في سوريا أخذ أشكالا عدة، سياسية ومالية وعسكرية. الأمر واضح، الكل تدخل في سوريا.
* لكن «حزب الله» تدخل فعليا في سوريا؟
- «حزب الله» تدخله كان معلنا، هو اعترف به، وأخذ شكلا مختلفا. تدخله كان مباشرا وحاسما في المعركة على الأرض في سوريا، لم يمر مرورا غير ملاحظ، وكان تأثيره كبيرا في الأزمة السورية. لكن، هل كان مفيدا للبنان؟ من نواح لم يكن مفيدا، لكنه كان مفيدا بسبب غياب الدولة اللبنانية عن ضبط العناصر الإرهابية التي ضربت لبنان إرهابيا. من هنا تأتي مسؤولية وأهمية وجود جيش يقوم بهذه المهمة الوطنية عن كل اللبنانيين، بدل أن يقوم فريق من اللبنانيين بها عنهم.
* مردود ما يحدث في سوريا كبير على لبنان. بالنسبة لوضع اللاجئين، المجتمع الدولي يعطي أموالا للمساعدة، ولكن ما هو الحل في معالجة تفاقم أعداد اللاجئين؟
- أول شيء في الحل أن تتوقف الأزمة العسكرية في سوريا. ثانيا أن تكون هناك إرادة فعلية دولية وإقليمية ولبنانية بإعادة كل السوريين إلى سوريا، وليس بإيجاد وسائل لاندماجهم في المجتمعات التي يوجدون فيها، تخفيفا لأعبائهم عن سوريا، وآثار ما ارتكبته الأيادي غير الإنسانية بالحرب السورية لا يمكن غسله بتحسين وضع اللاجئين. هذه الخطيئة الكبيرة لن تغفر لها نتيجة عمل إنساني تجاه النازحين بسبب الحرب التي حصلت في سوريا. يجب إزالة الأسباب لإزالة النتائج. يجب معالجة كل التداعيات حتى لا يبقى شيء في لبنان. والحكومة عملت خطة للانتقال من عملية تزايد متواصلة للنازحين إلى البدء بعملية إنقاص الأعداد عبر وقف دخول أي نازح لا يكتسب صفة نازح ولا يأتي من مناطق ملتهبة عسكريا.. وقريبا عبر اعتماد المعايير الدولية للنزوح، وبالتالي من لا يستحق بطاقة نزوح يجب نزعها عنه وعودته لسوريا.. وفي مرحلة ثالثة، فإن السوريين الذين لا يمكن عودتهم الآن إلى سوريا يجب توفير أماكن سكن لهم على الحدود اللبنانية - السورية أو داخل سوريا، مع توفير شروط السلامة والأمن وتوفير الحاجات الإنسانية لهم من الأمم المتحدة بشكل لا يسمح لأحد برفض هذا المشروع.
* تأمين اللاجئين داخل الأراضي السورية صعب، وإلا ما كانوا فروا.. كيف حمايتهم؟
- حمايتهم مسؤولية الدولة السورية، عندما يكونون على أرضها، ومسؤولية أي فريق على الأرض لديه السيطرة. من منهم لا يستطيع العودة إلى سوريا لأنه ليس لديه منزل أو هو ضد النظام ولا يريد العودة إلى سوريا، حينها الدولة اللبنانية تؤمن له على الحدود، في المناطق المعزولة على الحدودين، مكانا، والأمم المتحدة تؤمن اللوجيستيات المساعدة، ولبنان وسوريا والأمم المتحدة تضمن سلامته. هذا أمر لا يمكن لأحد رفضه، لأن البدائل غير مقبولة. لن يقبل لبنان مهما كان بإقامة مخيمات شرعية تحت علم الأمم المتحدة أو تحت أي علم على أراضيه. لن نسمح لهذا الأمر بأن يتم.
* هل يمكن الطلب من دول ثالثة استقبال اللاجئين السوريين؟
- لا يكفي.. هذا عمل مشكور مرحب به، لكن تأثيره محدود وضئيل، حيث إن فيه تمييزا كبيرا، إذ يطال فئة من السوريين الذين تنطبق عليهم مواصفات معينة، وبالتالي تصير هذه الفئة تنطبق عليها تمييزات دينية ومناطقية ووظائفية معينة غير مساعدة.
* أسألك عن موضوع أنت مهتم به شخصيا.. اللبنانيون في الخارج الذين تريدون مد الجسور إليهم حتى الذين لم يحصلوا على الجنسية من الآباء والأجداد، ما أعدادهم.. وما هي مشاريعكم تجاههم؟
- هؤلاء ثروة، وكل ثروة تحتاج إلى مسح وبحث عنها واستكشاف، ومن ثم من يستخرجها ويعتني بها ويستثمرها. بهذه الطريقة، هذا مشوار طويل، لا يمكن تقييم قيمة الثروة الآن. لا يمكن إعطاء إجابة عن الأعداد، وواضح أنها كبيرة ومنتشرة في العالم. أعدادها وقدراتها أضعاف ما موجود في لبنان، وإمكانياتها الاقتصادية والسياسية والأدبية والعملية كبيرة جدا، وتأثيرها في كل مكان. لذلك نعمل على بناء الشبكة اللبنانية التي تكون لديها امتداداتها لتعطي معنى للرسالة اللبنانية التي حجمها ليس بحجم لبنان، بل حجمها حجم اللبنانيين في العالم، حينها سيأخذ لبنان حقه في الرعاية وضرورة الحفاظ عليه. هذا عمل كبير ومن بين القضايا التي بحثناها مع البريطانيين لنعمل على تطويرها، حينها فإن اللبنانيين سيعاونون بعضهم بعضا، وكذلك الدول التي نتعاون معها. وسيجري ربط اللبنانيين ببعضهم بعضا وتكوين إطار منظم لهم ليستثمروا في لبنان، ليصدر لبنان منتجاته لهم، وليسوقوا لبنان ويعملوا رابطة تعارف، وللتأكيد على لبنانيتهم.. لا أن يجري تغييبهم حتى يحتل مكانهم شخص آخر، وذلك كي لا يكون اللبنانيون لغير اللبنانيين ونفقد الهوية اللبنانية.
* لننتقل إلى ثروة أخرى، وهي النفط والغاز الذي قد يغير من وضع لبنان ويعالج مصاعبه..
- هذا الأمر أكبر حتى من لبنان. الثروة كبيرة، لا يستفيد منها فقط لبنان بل كل المنطقة. سيكون النفط عامل استقرار للمنطقة، ويؤمن حاجات دول عربية وأوروبية. وإثره لن يصير على لبنان إلا أن تنطلق العملية السياسية، وله علاقة باعتبارات سياسية نسعى لتخطيها تحت قاعدة الشفافية والقانون والإدارة الجيدة للموارد البترولية ومنع الهدر. نريد أن نؤمن كل الظروف اللازمة لاستخراجها الاستخراج المفيد، كي يكون النفط نعمة للبنان لا نقمة نتيجة سوء الإدارة.
* هناك تخوف من نزاعات المنطقة بسبب النفط..
- أنا غير متخوف.. المكان الذي قد يثير نزاعا يمكن حصره، ولا يمكن أن يهددنا أحد في نزاع. نحن لنا حق أن نهدد غيرنا إذا هددنا بنفطنا. لا يمكن أن يكون له جو أمان وهو يضع لبنان في جو مضطرب. فإما نعيش الاستقرار والهدوء في كل منطقة المشرق النفطي والغازي، وإما نعيش حالة الاضطراب. وخيارنا الاستقرار والازدهار.. وهذا محفز من محفزات السلام.
* المنطقة لا تشير إلى التوجه إلى السلام..
- لا يهم، عنصر من عناصر السلام تأمين الازدهار للمجتمعات. عندما تعيش في فقر، ينتشر الإرهاب. وهناك عوامل تساعد باتجاه السلام.
* عندما زار وزير الخارجية الأميركي جون كيري لبنان، لم تكن حاضرا.. كنت في زيارة إلى الصين..
- نعم.
* لكن ما هي الرسالة التي وصلتكم من كيري؟
- الاستقرار للبنان ودعم الحكومة اللبنانية حتى لا يعيش البلد ومؤسساته في حالة تعطيل، وكانت رسالة جيدة في هذا المعنى. لكن صار هناك حديث لا يخص لبنان وطبعا لا نؤيده، ولكنه صار حديثا في الإعلام، ولم يعبر عن حقيقة رسالة الدعم. جاء الأميركيون بنية طيبة، على القليل بمعنى الرسالة، وتلقيناها بإيجابية، وسنتعامل معها على هذا الأساس. ما هو خارج لبنان غير معنيين به، لم نسمعه ولو انطلق من لبنان. سمعنا جيدا ما قيل عن لبنان.
* الكل مهتم باستقرار لبنان، لكن هناك مخاوف من الفراغ الرئاسي والاستحقاق البرلماني على الأبواب؟
- أولا مطلوب إجراء انتخابات رئاسية في أقرب وقت، بما يؤمن دستورية وميثاقية الاستحقاق ومن يشغله. لكن عدم حصول هذا الأمر يجب ألا يمنع حصول انتخابات نيابية. مطلوب انتخابات نيابية في موعدها، ونحن نحذر من الآن لوجود بعض النوايا لتأخير الانتخابات النيابية والتمديد للمجلس النيابي، وهذا فيه ضربة كبيرة للديمقراطية في لبنان. حجة سوريا سقطت لأن السوريين أمنوا انتخابات في بلادهم. يجب إجراء انتخابات بقانون انتخابي جديد يمثل اللبنانيين خير تمثيل وينصف المناصفة اللبنانية، المنصوص عليها بالدستور. عدم حصول هذا الشيء تهديد للاستقرار. ساعتها لا تنفع زيارة كيري ولا طلب الدول. الاستقرار وتأمينه بشكل طويل الأمد يعتمد على عملية سياسية تحترم الدستور.. وألا يكون استقرارا مؤقتا.. ونريد عملية سياسية نظيفة وطويلة الأمد.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.