الألمعي: شعراء تهامة أنبغ من شكسبير!

امتزج شعره بالأرض وسكنت قصائده القرية وعبقت برائحتها

إبراهيم طالع الألمعي
إبراهيم طالع الألمعي
TT

الألمعي: شعراء تهامة أنبغ من شكسبير!

إبراهيم طالع الألمعي
إبراهيم طالع الألمعي

لم يتشرب أحد من الشعراء السعوديين رائحة القرية، مثلما فعل الشاعر التهامي إبراهيم طالع الألمعي، الذي أصبحت هضاب جبال ألمع وسفوحها، ووديان تهامة عسير وطبيعتها جزءا مكينا من تكوينه وثقافته. هناك، في جبال ألمع جنوبي السعودية ولد الألمعي عام 1951.
حتى في الشكل، الألمعي، الذي يحمل اسمه حافظ رمزين للمكان (طالع، ألمع)، حافظ على الشكل التقليدي لسكان المناطق المحلية هناك، فهو غالبا ما يحضر المنتديات والمناسبات بزيه التقليدي مرتديا البردة اليمانية.
وحين يصف نشأته في كنف القرية، يقول «قروي كان العالم لديه محصورا في 10 أسر في وادٍ ذي زرع تكتنفه الجبال العالية من جهات ثلاث.. وقرويون لا ضرورة لديهم لحذاء يفصل أجسادهم عن أرضهم، الحياة عندهم موجزة في شِيمَة وأرض ومواش ونحل}.
دراسته الابتدائية، كانت في قريته. يقول لصحيفتنا، إنه كان في منتصف الخمسينات يتجه لدراسته «الابتدائية مشيا على الأقدام في لظى هجير التّهائم لتحين العودة إلى المنزل لتناول رغيف الذرة ثم النَّشْرَة مع الغنم حتّى الغروب وكتاب الهجاء وجزء (عمّ) وقلم الرّصاص (أبو حوت) لحل الواجب..».
بعدها تلقى تعليمه المتوسط والثانوي في معهد أبها العلمي سنة 1972، كما حصل على ليسانس في علوم اللغة العربية وآدابها من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية اللغة العربية بالرياض عام 1976. وحصل على دبلوم الدراسات الإحصائية من معهد الإدارة العامة بالرياض لمدة عامين 1974 - 1975، كما حصل على دورة خاصة في اللغة الإنجليزية بكامبردج في بريطانيا.
دراسته الإحصاء أهلته للعمل إحصائيا، فتعليميا، مما دفعه للعودة إلى مسقط رأسه، ومنها جرى إيفاده إلى جمهورية الجزائر لمدة 4 سنوات للعمل في التعليم الجزائري، يقول: «تمكنت وقتها من الاطّلاع على أعماق الشعب الجزائري قيما وعزة وكرامة وحبا.. ومن هنا كانت الجدوى، ثقافيا واجتماعيا}.

* القرية المظلومة
يعد إبراهيم طالع الألمعي من الشعراء الذين اقترن شعرهم بالأرض وبالبيئة التي يعيشون فيها، فكل قصيدة تفوح منها رائحة المكان، ويمكن بسهولة رصد الأثر في عناوين قصائد في ثلاث مجموعات شعرية: «هجير»، «سهيل امْيَمَانِي}، «نِحلة سهيل»، وله ديوان تحت الطبع هو: «وافاطمة}.
ومن النثر، صدر له عدد من الدراسات والكتب، بينها: «الموت إلى الداخل}، «الشعر الشعبي نبض حياة»، «زمن وآفاق أمة - تعليمنا: الرسالة والهدف}، «منابت»، وكتابان بعنوان: «موجز المنجز» أحدهما ترجم إلى اللغتين، الإنجليزية والفرنسية. وكتاب: «توبة سلفي»، صدر عن دار طوى 2011، وكتاب: «من قيم الشعر الشعبي في عسير»، وله كتب مخطوطة منها: «القبيلة العربية - البِنَى والتَّحولات} - دراسة في بنيوية القبيلة العربية (مشترك)، وكتابان تحت الإعداد: «مدينة المؤمنين - نجران}، و«التصوف في عسير والمخلاف السليماني».
حضور القرية في شعره، جعله يقول في ديوان (هجير): غاصت القرية في أبنائها / أيهم برٌّ وأي القوم نافرْ.
ويعد إبراهيم طالع أن القرية لم تأخذ حقها من أبنائها الأدباء. يقول: «أشعر في داخلي بحاجة إلى نصرة كل مظلوم، وليس هناك مظلوم لدينا كالقرية التي صارتْ كمدن الملح التي أنشأها النفط لدينا، فقدْ صارتْ ذات أسوارٍ ودُسُر}.
ويضيف: «غابتْ عن قريتنا قرويتها، فلعلّ لهذا الشعور أثر في تعلقي بها... لكنّ الحقيقة أن الأرض نفسها أودية وجبالا هي الوفية، وتالله إني أشعر بأنها تستقبلني في إيابي بالغناء والاحتفال.. ينتابني لرؤياها ما ينتابك للقاء حبيبك بعد الفراق}.

* شاعر الأرض
يتعالى مفهوم الأرض والقرية في شعر إبراهيم طالع الألمعي، ليتجاوز المكان الذي نشأ فيه، فهو غالبا يجد فيه صورة مصغرة عن وطن كبير أحبه، وحبيبة تعلق بها.
وحين سألناه عن هذا الحضور الضافي للمعنى في شعره، وهل يخشى أن يحصره ذلك في نطاق محلي ضيق، قال: «الفنّ الحقيقي هو ما نبع من ذاتك: ذات المكان، ولا تغْتَرِرْ بكلمة (عالميّ)، فكثيرا ما ظُلِمَ هذا المصطلح، لأنّ كلّ نقطة في الكون عالمية.. أنت عالمي وأنا كذلك، ومتحف (اللوفر) عالمي ولكنّ حِصْنا من حصون (ألمع) أيضا عالمي، (شكسبير) عالمي لكنّهُ لنْ يصل مطلقا إلى درجة شاعرينا العظيمين (الهازمي - ابْرَ عَشْقَة) مثلا، حيثُ عشْقة علَمٌ على قرينته من الجنّ - حسب الأسطورة العربية في الشاعرية - ، ولاحظ: اسم الجِنّيّة وارتباطه بالعِشق!}.
يضيف: «لي رأي خاصّ في الشّعر، وهو ارتباطه بالمكان والذات النابعة منه، لا تقليد محفوظات الغير، والأرضُ بمضامينها جماليا وتاريخيا وقوميا هي الشّعر والحب والجمال..».
ويشير الألمعي إلى اثنين من عمالقة الشعراء في عسير، هما: محمد بن مانع الهازمي، والشاعر علي بن محمد بن شاهر عسيري، الملقب بـ«ابن عشقه}، وهو شاعر معروف ولد في عام 1889 وتوفي في 21 سبتمبر (أيلول) 2008 وعاش في جبل الأشقر في سودة عسير.
أما عن تهامة فيقول: «تهامة يا سيدي تختلف عن غيرها، فقد قال عنها النبي (ص) (تهامة كبِدْعِ العسل، أوله حلوٌ وآخره حلو) - والبِدْع: كوز مصوغ من الطين كانوا يضعون فيه العسل، وسُمي بدْعا لأنّ الإنسان يبْدعُه.. وليلها ليس كليل غيرها، فقد وصفته صاحبة «حديث أمّ زرع» بقولها في وصف زوجها أبي زرع: (أبو زرع كليل تهامة، لا حرّ ولا قرّ، ولا مللَ ولا سآمة).. والنّبي (ص) نفسه منها، ولذا يتبرّك المسلمون في أقطارهم بتسمية أبنائهم (التهامي)».

* المرأة وطن
حين يتغزل إبراهيم طالع الألمعي، فهو لا يرى حبيبته إلا مضمخة بعبق الأرض وهي تحرث الحقل وتستثير الينابيع. يقول: «هل جرّبتَ عاشقة تشْتعل حباّ، وتمتلئُ عروبة نقيّة، يختلط فيها عرقُ الكَدْح وعذوق الذّرة وسنابل الدّخن والقمح؟ هلْ جرّبت كادحة تعودُ مغربا من مراعيها ومزارعها لتجهيز حناّئها وتصفيف أطيابها العطريّة من البِرْكِ والرّيحان والشِّيح من أحواض منزلها ؟ لو حدثَ أنْ جرّبتَ هذا لأعطيتني كل الحقّ في الغوصِ أرضا بعيدا عن زحمة الكائنات على السطح...».
وهو لا يجد تعارضا بين صورة المرأة التي يعشقها وسط الحقل، وصورة المرأة كأرض ووطن. وحين نسأله عن هذا التداعي في المعنى، يجيب: «يصعب التفريق بين مكونات الوطن!، فالمرأة وطن، والأرض وطن، وانتماؤك وطن، واللغة وطن، واللحن وطن... والحقيقة: فعلا أخوف ما أخافه على أودية الحياة هو تصحّرها}.

* صراع مع الرقيب
حين يكتب إبراهيم طالع الألمعي الشعر يستحسنه الجميع.. ولكنه يختلف الناس من حوله حين يكتب المقالة، فتنهال عليه النبال والرماح، فهو كاتب مشاكس، ولديه سجل حافل مع الرقيب.. وحين سألناه: هل تتعمد المشاكسة في مقالاتك؟.. أجاب: «بالنسبة للمقالة - فأشهد الله وأشهدك - على أنني لا أبحث فيها عن مشاكسة ولا أفضّلُ رماحا، وأن ما وجّه إلي من رماح - عبر إيقافاتي الخمسة وللأسف - أمر يؤلمني كثيرا ويحزّ في نفسي، لأنني أعلم أنّ تلك الرماح ليست من ولي أمر (..) وأنّ كلّ ما أكتبه نابع من قلب الأرض التي لمْ يعدْ كثيرون ممّن فوقها ذوي علاقة بقلبها.. غير أنني مقتنع بقلبيّتي لها برماح أو بغيرها».
وبالنسبة لعلاقته المتوترة مع الرقيب، يرى أنها: «ليستْ متوتّرة (..) ومعروفٌ عنّي في علاقتي بأحبتي الإعلاميين أن الرقيب رقيبي بمفهومه هو لا بمفهومي أنا وهذا حقه مهما كان مستواه وقد وضع هنا، وأقول له بالنص: أنت الأفقهُ بالرقابة، فحافظْ على رزقك ورزقِ بنيك، ولا يسعدني قطع رزق إعلامي كي يقال إنك كاتب قوي، وقد طلبتُ من كل الإعلاميين عدم إشهار إيقافاتي، وأنْ تتمّ بهدوء».

* رثاء العولمة
سألنا إبراهيم طالع: في قصيدتك «رثاء عمر»، من كنتَ ترثي حين تقول:
كانَ عيبا على الرجالِ البكاءُ
وصمودا جفافُهمْ والرِّيَاءُ
يا ابنة العربِ شيمتي الصبرُ إلا
حينَ تغزوكِ دمعة خرساءُ
أجاب: «كنتُ أرثي المرأة العربية بكل مكوناتها القِيَمِيّة والجمالية والحياتية... ولا بدّ أنك معي في هذا، ثمّ لنا أن نطلق على هذا اختلاف الزمن والحياة وتغيراتها، أو العولمة، أو الحاجات، أو الشّعور بالنقص الحضاري (وهذا ما أميل إليه)، وإلا فلمَ تتعولم المرأة لدى غيرنا بثقافتها، ولدينا تنسلخ المرأة من ثقافتها وحقوقها وحتى نوع جمالها، حتى كتبتُ ذات مرة عن شُقْرَة العرب؟».
أخيرا، سألنا إبراهيم طالع: حين يستريح على جبال ألمع، كيف يرى الأفق من بعيد؟
أجاب: «أراه زحامَ كائنات بشريّة تتكاثر بمتواليات هندسية مادّة كلَّ الأيدي لطلب المال الجاهز دون مقابل إنتاجي أنتجوه.. أراه سربا من الجراد المُسَمَّمَة تغطّي الأرض والزرع.. أرى بشرا لا أرض لهم.. أرى ممثِّلين يزدحمون على تمثيل الدِّين تمثيلا يسيء إليه، ويصرون على أنّ ما لديهم هو من الله وما لديك هو من غير الله.. هناك خلط كبير في المفاهيم}.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».