الألمعي: شعراء تهامة أنبغ من شكسبير!

امتزج شعره بالأرض وسكنت قصائده القرية وعبقت برائحتها

إبراهيم طالع الألمعي
إبراهيم طالع الألمعي
TT

الألمعي: شعراء تهامة أنبغ من شكسبير!

إبراهيم طالع الألمعي
إبراهيم طالع الألمعي

لم يتشرب أحد من الشعراء السعوديين رائحة القرية، مثلما فعل الشاعر التهامي إبراهيم طالع الألمعي، الذي أصبحت هضاب جبال ألمع وسفوحها، ووديان تهامة عسير وطبيعتها جزءا مكينا من تكوينه وثقافته. هناك، في جبال ألمع جنوبي السعودية ولد الألمعي عام 1951.
حتى في الشكل، الألمعي، الذي يحمل اسمه حافظ رمزين للمكان (طالع، ألمع)، حافظ على الشكل التقليدي لسكان المناطق المحلية هناك، فهو غالبا ما يحضر المنتديات والمناسبات بزيه التقليدي مرتديا البردة اليمانية.
وحين يصف نشأته في كنف القرية، يقول «قروي كان العالم لديه محصورا في 10 أسر في وادٍ ذي زرع تكتنفه الجبال العالية من جهات ثلاث.. وقرويون لا ضرورة لديهم لحذاء يفصل أجسادهم عن أرضهم، الحياة عندهم موجزة في شِيمَة وأرض ومواش ونحل}.
دراسته الابتدائية، كانت في قريته. يقول لصحيفتنا، إنه كان في منتصف الخمسينات يتجه لدراسته «الابتدائية مشيا على الأقدام في لظى هجير التّهائم لتحين العودة إلى المنزل لتناول رغيف الذرة ثم النَّشْرَة مع الغنم حتّى الغروب وكتاب الهجاء وجزء (عمّ) وقلم الرّصاص (أبو حوت) لحل الواجب..».
بعدها تلقى تعليمه المتوسط والثانوي في معهد أبها العلمي سنة 1972، كما حصل على ليسانس في علوم اللغة العربية وآدابها من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية اللغة العربية بالرياض عام 1976. وحصل على دبلوم الدراسات الإحصائية من معهد الإدارة العامة بالرياض لمدة عامين 1974 - 1975، كما حصل على دورة خاصة في اللغة الإنجليزية بكامبردج في بريطانيا.
دراسته الإحصاء أهلته للعمل إحصائيا، فتعليميا، مما دفعه للعودة إلى مسقط رأسه، ومنها جرى إيفاده إلى جمهورية الجزائر لمدة 4 سنوات للعمل في التعليم الجزائري، يقول: «تمكنت وقتها من الاطّلاع على أعماق الشعب الجزائري قيما وعزة وكرامة وحبا.. ومن هنا كانت الجدوى، ثقافيا واجتماعيا}.

* القرية المظلومة
يعد إبراهيم طالع الألمعي من الشعراء الذين اقترن شعرهم بالأرض وبالبيئة التي يعيشون فيها، فكل قصيدة تفوح منها رائحة المكان، ويمكن بسهولة رصد الأثر في عناوين قصائد في ثلاث مجموعات شعرية: «هجير»، «سهيل امْيَمَانِي}، «نِحلة سهيل»، وله ديوان تحت الطبع هو: «وافاطمة}.
ومن النثر، صدر له عدد من الدراسات والكتب، بينها: «الموت إلى الداخل}، «الشعر الشعبي نبض حياة»، «زمن وآفاق أمة - تعليمنا: الرسالة والهدف}، «منابت»، وكتابان بعنوان: «موجز المنجز» أحدهما ترجم إلى اللغتين، الإنجليزية والفرنسية. وكتاب: «توبة سلفي»، صدر عن دار طوى 2011، وكتاب: «من قيم الشعر الشعبي في عسير»، وله كتب مخطوطة منها: «القبيلة العربية - البِنَى والتَّحولات} - دراسة في بنيوية القبيلة العربية (مشترك)، وكتابان تحت الإعداد: «مدينة المؤمنين - نجران}، و«التصوف في عسير والمخلاف السليماني».
حضور القرية في شعره، جعله يقول في ديوان (هجير): غاصت القرية في أبنائها / أيهم برٌّ وأي القوم نافرْ.
ويعد إبراهيم طالع أن القرية لم تأخذ حقها من أبنائها الأدباء. يقول: «أشعر في داخلي بحاجة إلى نصرة كل مظلوم، وليس هناك مظلوم لدينا كالقرية التي صارتْ كمدن الملح التي أنشأها النفط لدينا، فقدْ صارتْ ذات أسوارٍ ودُسُر}.
ويضيف: «غابتْ عن قريتنا قرويتها، فلعلّ لهذا الشعور أثر في تعلقي بها... لكنّ الحقيقة أن الأرض نفسها أودية وجبالا هي الوفية، وتالله إني أشعر بأنها تستقبلني في إيابي بالغناء والاحتفال.. ينتابني لرؤياها ما ينتابك للقاء حبيبك بعد الفراق}.

* شاعر الأرض
يتعالى مفهوم الأرض والقرية في شعر إبراهيم طالع الألمعي، ليتجاوز المكان الذي نشأ فيه، فهو غالبا يجد فيه صورة مصغرة عن وطن كبير أحبه، وحبيبة تعلق بها.
وحين سألناه عن هذا الحضور الضافي للمعنى في شعره، وهل يخشى أن يحصره ذلك في نطاق محلي ضيق، قال: «الفنّ الحقيقي هو ما نبع من ذاتك: ذات المكان، ولا تغْتَرِرْ بكلمة (عالميّ)، فكثيرا ما ظُلِمَ هذا المصطلح، لأنّ كلّ نقطة في الكون عالمية.. أنت عالمي وأنا كذلك، ومتحف (اللوفر) عالمي ولكنّ حِصْنا من حصون (ألمع) أيضا عالمي، (شكسبير) عالمي لكنّهُ لنْ يصل مطلقا إلى درجة شاعرينا العظيمين (الهازمي - ابْرَ عَشْقَة) مثلا، حيثُ عشْقة علَمٌ على قرينته من الجنّ - حسب الأسطورة العربية في الشاعرية - ، ولاحظ: اسم الجِنّيّة وارتباطه بالعِشق!}.
يضيف: «لي رأي خاصّ في الشّعر، وهو ارتباطه بالمكان والذات النابعة منه، لا تقليد محفوظات الغير، والأرضُ بمضامينها جماليا وتاريخيا وقوميا هي الشّعر والحب والجمال..».
ويشير الألمعي إلى اثنين من عمالقة الشعراء في عسير، هما: محمد بن مانع الهازمي، والشاعر علي بن محمد بن شاهر عسيري، الملقب بـ«ابن عشقه}، وهو شاعر معروف ولد في عام 1889 وتوفي في 21 سبتمبر (أيلول) 2008 وعاش في جبل الأشقر في سودة عسير.
أما عن تهامة فيقول: «تهامة يا سيدي تختلف عن غيرها، فقد قال عنها النبي (ص) (تهامة كبِدْعِ العسل، أوله حلوٌ وآخره حلو) - والبِدْع: كوز مصوغ من الطين كانوا يضعون فيه العسل، وسُمي بدْعا لأنّ الإنسان يبْدعُه.. وليلها ليس كليل غيرها، فقد وصفته صاحبة «حديث أمّ زرع» بقولها في وصف زوجها أبي زرع: (أبو زرع كليل تهامة، لا حرّ ولا قرّ، ولا مللَ ولا سآمة).. والنّبي (ص) نفسه منها، ولذا يتبرّك المسلمون في أقطارهم بتسمية أبنائهم (التهامي)».

* المرأة وطن
حين يتغزل إبراهيم طالع الألمعي، فهو لا يرى حبيبته إلا مضمخة بعبق الأرض وهي تحرث الحقل وتستثير الينابيع. يقول: «هل جرّبتَ عاشقة تشْتعل حباّ، وتمتلئُ عروبة نقيّة، يختلط فيها عرقُ الكَدْح وعذوق الذّرة وسنابل الدّخن والقمح؟ هلْ جرّبت كادحة تعودُ مغربا من مراعيها ومزارعها لتجهيز حناّئها وتصفيف أطيابها العطريّة من البِرْكِ والرّيحان والشِّيح من أحواض منزلها ؟ لو حدثَ أنْ جرّبتَ هذا لأعطيتني كل الحقّ في الغوصِ أرضا بعيدا عن زحمة الكائنات على السطح...».
وهو لا يجد تعارضا بين صورة المرأة التي يعشقها وسط الحقل، وصورة المرأة كأرض ووطن. وحين نسأله عن هذا التداعي في المعنى، يجيب: «يصعب التفريق بين مكونات الوطن!، فالمرأة وطن، والأرض وطن، وانتماؤك وطن، واللغة وطن، واللحن وطن... والحقيقة: فعلا أخوف ما أخافه على أودية الحياة هو تصحّرها}.

* صراع مع الرقيب
حين يكتب إبراهيم طالع الألمعي الشعر يستحسنه الجميع.. ولكنه يختلف الناس من حوله حين يكتب المقالة، فتنهال عليه النبال والرماح، فهو كاتب مشاكس، ولديه سجل حافل مع الرقيب.. وحين سألناه: هل تتعمد المشاكسة في مقالاتك؟.. أجاب: «بالنسبة للمقالة - فأشهد الله وأشهدك - على أنني لا أبحث فيها عن مشاكسة ولا أفضّلُ رماحا، وأن ما وجّه إلي من رماح - عبر إيقافاتي الخمسة وللأسف - أمر يؤلمني كثيرا ويحزّ في نفسي، لأنني أعلم أنّ تلك الرماح ليست من ولي أمر (..) وأنّ كلّ ما أكتبه نابع من قلب الأرض التي لمْ يعدْ كثيرون ممّن فوقها ذوي علاقة بقلبها.. غير أنني مقتنع بقلبيّتي لها برماح أو بغيرها».
وبالنسبة لعلاقته المتوترة مع الرقيب، يرى أنها: «ليستْ متوتّرة (..) ومعروفٌ عنّي في علاقتي بأحبتي الإعلاميين أن الرقيب رقيبي بمفهومه هو لا بمفهومي أنا وهذا حقه مهما كان مستواه وقد وضع هنا، وأقول له بالنص: أنت الأفقهُ بالرقابة، فحافظْ على رزقك ورزقِ بنيك، ولا يسعدني قطع رزق إعلامي كي يقال إنك كاتب قوي، وقد طلبتُ من كل الإعلاميين عدم إشهار إيقافاتي، وأنْ تتمّ بهدوء».

* رثاء العولمة
سألنا إبراهيم طالع: في قصيدتك «رثاء عمر»، من كنتَ ترثي حين تقول:
كانَ عيبا على الرجالِ البكاءُ
وصمودا جفافُهمْ والرِّيَاءُ
يا ابنة العربِ شيمتي الصبرُ إلا
حينَ تغزوكِ دمعة خرساءُ
أجاب: «كنتُ أرثي المرأة العربية بكل مكوناتها القِيَمِيّة والجمالية والحياتية... ولا بدّ أنك معي في هذا، ثمّ لنا أن نطلق على هذا اختلاف الزمن والحياة وتغيراتها، أو العولمة، أو الحاجات، أو الشّعور بالنقص الحضاري (وهذا ما أميل إليه)، وإلا فلمَ تتعولم المرأة لدى غيرنا بثقافتها، ولدينا تنسلخ المرأة من ثقافتها وحقوقها وحتى نوع جمالها، حتى كتبتُ ذات مرة عن شُقْرَة العرب؟».
أخيرا، سألنا إبراهيم طالع: حين يستريح على جبال ألمع، كيف يرى الأفق من بعيد؟
أجاب: «أراه زحامَ كائنات بشريّة تتكاثر بمتواليات هندسية مادّة كلَّ الأيدي لطلب المال الجاهز دون مقابل إنتاجي أنتجوه.. أراه سربا من الجراد المُسَمَّمَة تغطّي الأرض والزرع.. أرى بشرا لا أرض لهم.. أرى ممثِّلين يزدحمون على تمثيل الدِّين تمثيلا يسيء إليه، ويصرون على أنّ ما لديهم هو من الله وما لديك هو من غير الله.. هناك خلط كبير في المفاهيم}.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.