اقتصادا السعودية والإمارات يشكلان 46 % من الناتج الإجمالي العربي

TT

اقتصادا السعودية والإمارات يشكلان 46 % من الناتج الإجمالي العربي

شكلت السعودية والإمارات نموذجاً جديداً من أشكال التحالفات الدولية بين الدول المتجاورة، وذلك من خلال وصول البلدين إلى مستويات عالية من التفاهمات وتوحيد الرؤى، إضافة إلى النشاط الكبير الاقتصادي على مستوى المنطقة والعالم، في الوقت الذي تعصف بالعالم تحديات جمة فيما يتعلق بالوضع الاقتصادي.
ويأتي هذا التحالف ليقدم إضافة في تعزيز العلاقات بين الرياض وأبوظبي على مختلف الأصعدة، حيث يشكل البلدان أكبر اقتصادات العالم العربي، في الوقت الذي يسعيان فيه إلى الاستفادة من عناصر القوة التي يمتلكانها، وترجمتها على أرض الواقع والاستفادة منها بشكل كبير، بما ينعكس على شعبهما خلال الفترة المقبلة. وقال سلطان المنصوري، وزير الاقتصاد الإماراتي، إن بلاده تتمتع بعلاقات ثنائية قوية ومتينة مع السعودية، كما تجمع البلدين روابط وطيدة تقوم على ثوابت الحضارة والتاريخ والقيم الإسلامية والعربية الأصيلة والمصير المشترك، مؤكداً أن العلاقات بين البلدين باتت تشكل نموذجاً فريداً للتعاون على الصعيدين الخليجي والعربي، وهي تشهد نمواً مستمراً في ظل الإرادة الثابتة لقيادتي البلدين بالارتقاء بهذه العلاقات، وقد تم اتخاذ العديد من الخطوات البناءة في هذا الصدد خلال المرحلة الماضية.
وأضاف أن قرار الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس البلاد بتشكيل لجنة للتعاون والتنسيق المشترك بين الإمارات والسعودية، بما يشمل كافة المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية والتجارية والثقافية، وغيرها، مثَّل خطوة أخرى بالغة الأهمية في توسيع آفاق ومستويات التعاون بين البلدين، بما يحقق مصالحها التنموية المشتركة، وتشمل آثاره الإيجابية مختلف دول المنطقة.
وأوضح أن اللجنة المشكلة سيكون لها دور بارز في تعزيز جهود البلدين للاستفادة من مقوماتهما التنموية الكبيرة، باعتبارهما أكبر اقتصادين عربيين، وتوظيف إمكاناتهما التجارية والاستثمارية الضخمة بما يدفع عجلة التنمية المستدامة في كل منهما، مشيراً إلى أوجه التشابه الكبيرة بين البلدين في الشأن الاقتصادي، ومن ضمنها الخبرات التراكمية الواسعة في مجالات التجارة والاستثمار والتطوير الاقتصادي، ما يجعل من اللجنة منصة حيوية لتطوير خطط واستراتيجيات ومبادرات تدعم مساعي البلدين في تحقيق التنمية والازدهار، وخصوصاً من خلال الاستثمار وإقامة المشاريع المشتركة في القطاعات ذات الأولوية مثل الصناعة والإنشاء والتعمير والنقل والخدمات اللوجيستية والبنية التحتية وغيرها.
وزاد المنصوري، وفقاً لما نقلته وكالة الأنباء الإماراتية أمس: «يضاف لذلك تنمية الشراكة بين القطاع الخاص في البلدين والاستفادة من تطورهما، حيث يمتلك البلدان شركات ومؤسسات رائدة متميزة، تمتلك حضوراً إقليمياً وعالمياً في العديد من القطاعات مثل الصناعات الغذائية والبتروكيماويات واللدائن والألمنيوم والإسمنت والقطاعات الخدمية كالنقل والموانئ والخدمات المالية وغيرها الكثير».
وقال وزير الاقتصاد الإماراتي إن «هناك العديد من الحقائق والمؤشرات الاقتصادية والتجارية التي تدعم هذا الجهد التعاوني بين البلدين، ومن أبرزها أن نسبة ما يشكله الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لهما مجتمعين من المتوقع أن يتجاوز 46 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للدول العربية لعامي 2017 و2018، مقارنة مع 41 في المائة بالمتوسط للفترة السابقة منذ 2000 وحتى 2016، وهو ما تبينه نشرة المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات، كما أن الإمارات والسعودية تستحوذان على ما تقترب نسبته من 53 في المائة من إجمالي التجارة الخارجية للدول العربية من السلع والخدمات».
وتأتي السعودية في المرتبة الرابعة عالمياً كأهم شريك تجاري للإمارات بإجمالي حجم للتبادل التجاري غير النفطي يقدر بنحو 19.5 مليار دولار خلال عام 2016، مستحوذة على ما نسبته 4.6 في المائة من إجمالي تجارة الإمارات غير النفطية لعام 2016، وأهم شريك تجاري خليجياً مستحوذة على ما نسبته 43 في المائة من إجمالي تجارة الإمارات غير النفطية مع دول مجلس التعاون لعام 2016، وكذلك أهم شريك تجاري عربياً مستحوذة على ما نسبته 27 في المائة من إجمالي تجارة الإمارات غير النفطية مع الدول العربية للعام نفسه.
وفي جانب الصادرات، تعد السعودية ثالث أهم وجهة عالمية لصادرات الإمارات غير النفطية والأولى عربياً، مستحوذة على ما نسبته 20 في المائة من إجمالي صادرات الإمارات غير النفطية إلى الدول العربية لعام 2016، وتستحوذ على ما نسبته 32 في المائة من إجمالي صادرات الإمارات غير النفطية إلى دول مجلس التعاون.
وأشار وزير الاقتصاد الإماراتي إلى أن السعودية تعد ثاني أهم وجهة عالمياً لإعادة التصدير من الإمارات مستحوذة على 9 في المائة من إجمالي إعادة التصدير في البلاد، فيما حلت الأولى عربياً بنسبة 29 في المائة من إجمالي إعادة التصدير للدولة العربية، وعلى صعيد دول مجلس التعاون تستحوذ ما نسبته 47 في المائة. أما في الاستيراد فإن 45 في المائة من الواردات الإماراتية من دول مجلس التعاون مصدرها السعودية، وتستحوذ المملكة على 28 في المائة من واردات الإمارات من الدول العربية. وفي المقابل، تأتي الإمارات في المرتبة السادسة عالمياً كأهم شريك تجاري للسعودية مستحوذة على ما نسبته 6.1 في المائة من إجمالي تجارة السعودية لعام 2016، وفي المرتبة الأولى عربياً وخليجياً كأهم شريك تجاري للسعودية مستحوذة على ما نسبته 56 في المائة من إجمالي تجارة السعودية مع دول مجلس التعاون لعام 2016.وفي جانب الاستثمار، فإن السعودية تستحوذ على ما نسبته 4 في المائة من رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر الوارد إلى الإمارات حتى نهاية 2015. وتأتي في المركز الأول عربياً مستحوذة على ما تقترب نسبته من 30 في المائة من رصيد الاستثمارات العربية المباشرة في الإمارات، وما نسبته 38 في المائة من رصيد الاستثمارات الخليجية في الدولة.

السعودية والإمارات في أرقام
> تستحوذان على 53 في المائة من إجمالي التجارة الخارجية للدول العربية من السلع والخدمات
> 19.5 مليار دولار حجم التجارة غير النفطية للسعودية مع الإمارات خلال عام 2016
> السعودية أهم شريك تجاري عربي للإمارات بالاستحواذ على نسبة 27 في المائة من إجمالي التجارة غير النفطية مع الدول العربية
> الإمارات في المرتبة السادسة عالمياً كأهم شريك تجاري للسعودية بنسبة 6.1 في المائة
> الإمارات في المرتبة الأولى عربياً وخليجياً كأهم شريك تجاري للسعودية مستحوذة على ما نسبته 56 في المائة من إجمالي تجارة المملكة مع دول مجلس التعاون



مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
TT

مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)

قال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، السبت، إن اتفاقية التجارة المؤقتة المبرمة مع الولايات المتحدة ستعزز شعار «صنع في الهند» من خلال فتح فرص جديدة أمام المزارعين ورجال الأعمال، وخلق فرص عمل للنساء والشباب، حسبما أفادت وكالة أنباء «برس ترست أوف إنديا».

كما شكر رئيس الوزراء الرئيس الأميركي دونالد ترمب على التزامه الشخصي بعلاقات قوية بين الهند والولايات المتحدة.

وقال مودي في منشور له على منصة التواصل الاجتماعي «إكس»: «إنه لخبر رائع للهند والولايات المتحدة الأميركية... لقد اتفقنا على إطار لاتفاقية تجارية مؤقتة بين دولتين عظيمتين».

وأضاف، إن هذا الإطار يعكس النمو المتزايد في العمق والثقة والديناميكية للشراكة الهندية الأميركية.

وأوضح مودي: «إنه يعزز شعار، صنع في الهند، عبر فتح فرص جديدة أمام المزارعين المجتهدين في الهند، ورجال الأعمال، والشركات الصغيرة والمتوسطة، ومبتكري الشركات الناشئة، والصيادين، وغيرهم. وسيولد توظيفاً على نطاق واسع للنساء والشباب».

وأكد مودي أن الهند والولايات المتحدة تشتركان في التزامهما بتعزيز الابتكار، وهذا الإطار سيعمق شراكات الاستثمار والتكنولوجيا بين البلدين.

وقال إن هذا الإطار سيعزز أيضاً سلاسل التوريد المرنة والموثوقة ويساهم في النمو العالمي.

وذكر ترمب أنه بموجب الاتفاقية، سيتم خفض الرسوم الجمركية على السلع القادمة من الهند إلى 18 في المائة، من 25 في المائة بعد أن وافق رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على التوقف عن شراء النفط الروسي.


منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

أعلنت الحكومة الكوبية مجموعة من الإجراءات لمواجهة أزمة الطاقة الحادة التي تعاني البلاد منها في ظل الضغوط الأميركية، من ضمنها اعتماد أسبوع عمل من أربعة أيام، والانتقال إلى العمل عن بُعد، وصولاً إلى إغلاق فنادق.

وقال نائب رئيس الوزراء أوسكار بيريز أوليفا فراغا، متحدثاً للتلفزيون الرسمي، إن هذه الضغوط «تدفعنا إلى اتخاذ سلسلة من القرارات، هدفها الأول ضمان الاستمرار لبلادنا، وتأمين الخدمات الأساسيّة من دون التخلي عن التطوير».

وأوضح محاطاً بعدد من الوزراء، ولا سيما وزراء العمل، والتربية، والمواصلات، أن «الوقود سيخصص لحماية الخدمات الأساسية للمواطنين، والنشاطات الاقتصادية الضرورية».

ومن بين التدابير المعلنة خفض أسبوع العمل إلى أربعة أيام في الإدارات الرسمية، وشركات الدولة، والعمل عن بُعد، وفرض قيود على بيع الوقود، والحدّ من خدمة الحافلات، والقطارات، فضلاً عن إغلاق بعض المرافق السياحية بصورة مؤقتة.

سيارات كلاسيكية تصطف في طابور للتزود بالوقود في ظل تحرك أميركا لقطع إمدادات النفط عن كوبا (رويترز)

وفي مجال التربية، سيتم تقليص مدة الحصص الدراسية اليومية، وسيجري التعليم في الجامعات وفق نظام شبه حضوري.

وقال موظف في مصرف، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طالباً عدم كشف اسمه: «في مكان عملي، طلبوا من الجميع العودة إلى منازلهم لمدة شهر»، موضحاً أنه بموجب التدابير المعلنة الجمعة سيواصل تلقي أجره الكامل لمدة شهر على الأقل.

وقال بيريز أوليفا فراغا، إن هذه التدابير ستسمح بادخار الوقود لاستخدامه في «إنتاج الطعام وتوليد الكهرباء» وستتيح «الحفاظ على النشاطات الأساسية التي تدر عملات أجنبية».

لكنّه أكّد أنه سيتم الحفاظ على الاستثمارات في الطاقات المتجددة، وأن البلاد ستواصل جهودها لزيادة إنتاج النفط الوطني الذي يمثل 30 في المائة من استهلاكها.

وأقامت كوبا 49 محطة كهروضوئيّة عبر البلاد خلال العام 2025، ما سمح برفع إنتاج الطاقة الشمسية من 3 في المائة قبل عامين إلى 10 في المائة حالياً.

«مرحلة عصيبة»

وكان الرئيس ميغيل دياز كانيل قال الخميس خلال مؤتمر صحافي نقله التلفزيون إن البلاد البالغ عدد سكانها 9.6 مليون نسمة تمر بـ«مرحلة عصيبة».

وأوضح أن الحكومة اعتمدت «مرجعية» هي التوجيهات التي أصدرها الزعيم السابق فيدل كاسترو خلال سنوات الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، الحليف الأكبر لكوبا، في 1991.

ولا يزال العديد من الكوبيين يذكرون تلك «المرحلة الخاصة» التي شهدت انقطاع التيار لنحو 15 ساعة في اليوم، ونقصاً في المواد الغذائية، وتوقف مصانع عن العمل، وشوارع مقفرة، أو خالية إلا من الدراجات الهوائية.

يستخدم الناس في هافانا الدراجة الأجرة للتنقل في حياتهم اليومية الجمعة 6 فبراير 2026 (أ.ب)

وبدأ اقتصاد الجزيرة الخاضعة لحظر أميركي مستمر منذ العام 1962، ينتعش اعتباراً من 1997، مستفيداً من تنمية السياحة، والاستثمارات الأجنبية.

وفي العام 2000، وقعت البلاد اتفاق تعاون مع فنزويلا في عهد الرئيس هوغو تشافيز (1999-2013) نص على إمدادها بالنفط مقابل إرسال هافانا أطباء، وأساتذة، وغيرهم من المهنيين.

إلا أن هذه الإمدادات توقفت بالكامل بعدما قبضت قوات خاصة أميركية على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال عملية نفذتها في مطلع يناير (كانون الثاني) في كاراكاس، فيما شدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الضغط على الجزيرة الشيوعية التي تعاني أزمة اقتصادية حادة مستمرة منذ ست سنوات.

ووقع ترمب مرسوماً ينص على إمكانية فرض رسوم جمركية مشددة على الدول التي تبيع النفط لهافانا. كما أكد أن المكسيك التي تمدّ كوبا بالنفط منذ 2023 ستوقف إمداداتها.

وتبرر واشنطن سياستها هذه مؤكدة أن الجزيرة التي تبعد 150 كيلومتراً فقط عن سواحل ولاية فلوريدا تشكل «خطراً استثنائياً» على الأمن القومي الأميركي.

وتتهم الحكومة الكوبية واشنطن التي لا تخفي رغبتها في أن يتغير النظام في هافانا بالسعي لـ«خنق» اقتصادها.


الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
TT

الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)

تبرز الأسواق الناشئة اليوم بوصفها أهم الركائز في خريطة الاقتصاد العالمي الجديد. فلم تعد هذه الأسواق مجرد وجهات استثمارية ثانوية، بل تحولت إلى محرك أساسي لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ومختبر فعلي للابتكار وتطوير سلاسل الإمداد الدولية.

ومع انعقاد مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة، يصبح التساؤل ملحاً حول طبيعة هذه القوى الصاعدة التي تجاوزت مرحلة «الدول النامية» لتصبح «القطب الجديد» الذي يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، معلنةً عن ولادة عصر اقتصادي تقوده الطموحات الجريئة، والإصلاحات الهيكلية الواسعة.

ما وراء «التحول الهيكلي»

تُعرّف الأسواق الناشئة بأنها الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية مهمة، تجمع بين خصائص الدول المتقدمة والدول الأقل نمواً. فهي دول تخلت تدريجياً عن الاعتماد على الزراعة وتصدير المواد الخام، واتجهت إلى بناء قواعد صناعية وتقنية أكثر تطوراً، مدعومةً بإصلاحات تشريعية وهيكلية تهدف إلى تعميق اندماجها في الاقتصاد العالمي.

وتعد هذه الأسواق حلقة الوصل بين الاقتصادات المبتدئة ذات المخاطر المرتفعة، وبين الأسواق المتقدمة التي تتسم بنمو منخفض ولكنه مستقر.

تجار العملات أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر أسعار الأسهم المركب (كوسبي) في سوق كوريا الجنوبية الناشئة (رويترز)

لماذا تسمى «ناشئة»؟

يعود المصطلح إلى ثمانينات القرن الماضي، حين ابتكره الخبير الاقتصادي أنطوان فان أغتمايل من مؤسسة التمويل الدولية. وقد جاء اختيار كلمة «ناشئة» ليعكس حالة البزوغ، والتحول، والتطور المستمر؛ فهي أسواق تنمو فيها الفرص بشكل متسارع، وتتطور أنظمتها المالية والرقابية بوتيرة تجعلها وجهة مفضلة لرؤوس الأموال الباحثة عن عوائد أعلى مقارنة بالأسواق المشبعة، مثل الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية.

ثقل ديمغرافي وجغرافي

تشكل الأسواق الناشئة أكثر من 80 في المائة من سكان العالم، ما يمنحها قاعدة شبابية ضخمة تمثل محركاً للاستهلاك والإنتاج في المستقبل. أما جغرافياً، فهي تمتد عبر آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، وتملك موارد طبيعية واستراتيجية هائلة، من النفط والمعادن النادرة، إلى مراكز تصنيع وتقنية فائقة التطور مثل الهند، والصين، وإندونيسيا، والبرازيل. هذا الانتشار يجعلها لاعباً محورياً في سلاسل التوريد العالمية وإعادة هيكلتها.

قاطرة النمو العالمي

تشير بيانات صندوق النقد الدولي ومؤسسة «ستاندرد آند بورز»، إلى أن الاقتصادات الناشئة تسهم اليوم بما يقرب من 65 في المائة من نمو الاقتصاد العالمي. وعند قياس الناتج المحلي الإجمالي بمعيار «تعادل القوة الشرائية» (PPP) (وهو مقياس يقارن حجم الاقتصادات ومستويات المعيشة بين الدول بناءً على القدرة الشرائية الحقيقية للعملات، وليس فقط أسعار الصرف)، يتضح أن إجمالي حجم اقتصادات الأسواق الناشئة قد تجاوز بالفعل حجم اقتصادات الدول المتقدمة.

ويعكس هذا التحول انتقال مركز الثقل نحو اقتصادات تمتلك شهيةً للنمو، وقدرة على استيعاب التحولات الصناعية والتكنولوجيا المتسارعة، بما في ذلك التحول الرقمي والطاقة المتجددة واقتصاد المعرفة.

من «بريكس» إلى النمور الجديدة

رغم اختلاف التصنيفات بين مؤشرات مثل MSCI وFTSE، تبقى مجموعة «بريكس» في مقدمة الاقتصادات الناشئة عالمياً. وإلى جانبها، تبرز دول مثل المكسيك وتركيا وإندونيسيا وفيتنام وماليزيا، التي باتت تُعرف بـ«النمور الآسيوية الجديدة». هذه الدول لا تكتفي بتطوير أسواقها المالية، بل تبني شراكات إقليمية وتكتلات اقتصادية جديدة تعزز حضورها في التجارة والاستثمارات الدولية.

السعودية... قائد الأسواق الناشئة بالمنطقة

لا يمكن الحديث عن بزوغ فجر الاقتصادات الناشئة دون التوقف عند السعودية، التي تحولت إلى «أهم سوق ناشئة» في المنطقة، ومحرك رئيسي للنمو الإقليمي.

وتصنف وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني المملكة باستمرار بصفتها سوقاً ناشئة رائدة في المنطقة، وتشير إلى أنه على الرغم من كون المملكة سوقاً ناشئة، فإن وضعها الائتماني القوي - المدعوم باحتياطيات ضخمة وإصلاحات مالية - يميزها ضمن هذه الفئة.

وتعد السوق المالية السعودية «تداول» الركيزة الأولى لهذا التفوق، حيث نجحت في التحول من سوق إقليمية إلى واحدة من أهم عشر بورصات في العالم من حيث القيمة السوقية. وبفضل انضمامها لمؤشرات عالمية مرموقة مثل MSCI وFTSE للأسواق الناشئة، أصبحت المملكة الوجهة المفضلة لتدفقات السيولة الدولية؛ إذ لم تعد البورصة السعودية مجرد مرآة لقطاع الطاقة، بل باتت تحتضن قطاعات تقنية ومصرفية وعقارية كبرى توفر للمستثمرين تنوعاً استثمارياً نادراً في الأسواق الناشئة التقليدية.

وسوف يكون قرار فتح السوق المالية (تداول) للاستثمار، وتخفيف القيود على الملكية الأجنبية، المحفز الإضافي لتدفق المليارات إلى المملكة.

فرص ومخاطر

تمنح الأسواق الناشئة المستثمرين بوابة ذهبية للوصول إلى معدلات نمو لا توفرها الاقتصادات المتقدمة، مع عوائد مجزية وقدرة فائقة على التنويع الجغرافي والقطاعي. ومع ذلك، يظل الاستثمار في هذه الأسواق محكوماً بـ«معادلة مخاطر» تتطلب نفساً طويلاً؛ حيث تبرز تقلبات العملات المحلية والمخاطر الجيوسياسية ضمن أهم التحديات، فضلاً عن «حساسية» هذه الأسواق تجاه قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي التي تتحكم في شهية المخاطرة وتدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود. ورغم هذه التحديات، تظل النظرة الاستراتيجية طويلة الأمد إيجابية؛ إذ لم يعد الاستثمار في هذه القوى مجرد خيار للتنويع، بل هو رهانٌ مستنير على المحركات الحقيقية للاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.