فتيل أزمة عدن ينطفئ و«الشرعية» تمارس مهامها

إطلاق أسرى المواجهات وتسليم معسكرات... والعقيد المالكي ينفي مشاركة الطيران

عناصر من مقاتلي المجلس الانتقالي في عدن أمس (أ.ف.ب)
عناصر من مقاتلي المجلس الانتقالي في عدن أمس (أ.ف.ب)
TT

فتيل أزمة عدن ينطفئ و«الشرعية» تمارس مهامها

عناصر من مقاتلي المجلس الانتقالي في عدن أمس (أ.ف.ب)
عناصر من مقاتلي المجلس الانتقالي في عدن أمس (أ.ف.ب)

أدت جهود تحالف دعم الشرعية في اليمن الذي تقوده السعودية إلى إعادة استقرار مدينة عدن والبدء في تطبيع الأوضاع، وذلك بعد أن تمكن التحالف من نزع فتيل المواجهات المسلحة التي كانت قد اندلعت الأحد الماضي بين القوات الحكومية والموالين لما يعرف بـ«المجلس الانتقالي الجنوبي».
ونفى المتحدث باسم قيادة التحالف العربي تركي المالكي، في تصريحات لقناة «الإخبارية» السعودية، ما أشيع عن قصف الطيران أي مواقع أو معسكرات في مدينة عدن، وقال إن التحالف «أكد إنهاء جميع المظاهر المسلحة في عدن».
وأفادت أمس مصادر في الحكومة اليمنية لـ«الشرق الأوسط» بأن «رئيس مجلس الوزراء أحمد عبيد بن دغر وأعضاء حكومته موجودون في القصر الرئاسي بمنطقة معاشيق، وأنهم يمارسون أنشطة الحكومة المعتادة ويعملون مع قيادة التحالف على إنهاء جميع مظاهر التوتر العسكري في المدينة وإعادة الأمور إلى نصابها قبل اندلاع مواجهات الأحد».
وكانت الفصائل المسلحة الموالية لما يعرف بـ«المجلس الانتقالي الجنوبي» الذي يقوده محافظ عدن السابق عيدروس الزبيدي خاضت اشتباكات مسلحة بدءا من يوم الأحد ضد ألوية «الحماية الرئاسية» في سياق تصعيد مناهض للحكومة الشرعية برئاسة بن دغر، وأسفرت المواجهات عن سيطرتها على عدد من المعسكرات والمواقع والمؤسسات الحكومية.
إلى ذلك أفاد المتحدث باسم الحكومة اليمنية راجح بادي، في تصريح مقتضب لـ«الشرق الأوسط»، بأن الهدوء عاد إلى مدينة عدن بفضل الجهود التي قادها التحالف، وأن المسلحين التابعين لما يعرف بـ«المجلس الانتقالي» رضخوا للتهدئة وقاموا بتسليم المعسكرات والمقرات التي استولوا عليها.
في السياق نفسه، أفادت مصادر ميدانية في عدن بأن مسلحي «الانتقالي» سلموا مقر اللواء الرابع حماية رئاسية في حي دار سعد شمال عدن إلى قوات حكومية محايدة أخرى بقيادة حمدي شكري الصبيحي، وأعادوا الأسلحة التي كانوا استولوا عليها بعد سيطرتهم على اللواء، كما سلموا مقر اللواء الثالث حماية ومبنى الأمانة العامة لمجلس الوزراء والمجمع القضائي، ومواقع حكومية أخرى في حي خور مكسر لقوة عسكرية بقيادة لؤي الزامكي.
وأكدت المصادر أن جهود التحالف لاحتواء الأزمة في عدن قادت إلى إطلاق الأسرى من كل الأطراف. وكشفت عن أن «لجنة مؤلفة من عدد من العسكريين زارت معسكري النقل والصولبان ومواقع احتجاز أخرى، وتسلمت الأسرى من الطرفين على ذمة المواجهات وأطلقت سراحهم جميعا».
وعادت الحياة إلى المدينة، وتحسنت الحركة تدريجيا، وفتحت الطرقات المغلقة بعد ثلاثة أيام عصيبة قضاها المدنيون تحت رعب الاشتباكات التي أدت إلى مقتل 21 شخصا، بحسب وزارة الصحة اليمنية وعشرات الجرحى.
وتسربت أنباء عن استمرار الجهود التي يقودها التحالف، وقالت مصادر جنوبية قريبة من «المجلس الانتقالي الجنوبي» إن قيادة المجلس الذي يرأسه الزبيدي لديها مرونة في مطلب إقالة الحكومة، لكنها متمسكة بحصولها على حصة ضمن قوامها الحالي.
وتقول الحكومة إنها التزمت بالتهدئة ووقف إطلاق النار الذي دعا إليه التحالف، وهو الأمر الذي استغلته قوات «الانتقالي» لمواصلة التمرد واقتحام المعسكرات والمقرات الحكومية.
وفي سياق متصل بالأزمة، ألغت الخطوط الجوية اليمنية أمس رحلاتها المقررة لليوم الثالث على التوالي في سياق المخاوف الأمنية، لكنها عادت وأعلنت أنها ستستأنف الرحلات ابتداء من اليوم وفقا لما أوردته وكالة (سبأ) بنسختها الرسمية.
وعلى صعيد متصل بالأزمة نفسها أعلنت الأمم المتحدة، أمس، أن فرقها في عدن عجزت عن إيصال مساعدات إلى 40 ألف نازح كانوا فروا من معارك في غرب اليمن ليجدوا أنفسهم هذا الأسبوع عالقين في حرب أخرى.
وفي شأن أمني آخر، قال شهود في مدينة عتق، وهي مركز محافظة شبوة (جنوب شرق)، إن قوات ما يعرف بـ«النخبة الشبوانية» التي دربتها قوات التحالف كثفت انتشارها أمس في المدينة غداة الهجوم الانتحاري الذي شنه تنظيم القاعدة على حاجز أمني شرق المدينة وأدى إلى مقتل نحو 22 جنديا.
وأفادت المصادر بأن القوات انتشرت في شوارع المدينة وعلى مداخلها الرئيسة ونصبت نقاطا للتفتيش في سياق حملة أمنية يعتقد أنها لملاحقة مطلوبين على صلة بالتنظيم.


مقالات ذات صلة

«مجلس الدفاع اليمني» يجدد تقديره لما تقدمه المملكة من دعم ثابت للشعب اليمني

المشرق العربي الدكتور رشاد محمد العليمي يرأس اجتماع مجلس الدفاع الوطني (سبأنت)

«مجلس الدفاع اليمني» يجدد تقديره لما تقدمه المملكة من دعم ثابت للشعب اليمني

أعرب مجلس الدفاع الوطني في اجتماعه اليوم برئاسة الرئيس الدكتور رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، عن اعتزازه بأداء القوات المسلحة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج القيادات الأمنية في وزارة الداخلية اليمنية خلال اجتماعهم (الشرق الأوسط)

الداخلية اليمنية تطيح بخلية تخريبية في مأرب

أطاحت وزارة الداخلية اليمنية بعناصر متهمة بالتخطيط لأعمال تخريبية في مأرب، بحسب مسؤول أمني رفيع أكد لـ«الشرق الأوسط» إصابة مساعد القائد والقبض على زعيم الخلية.

سعيد الأبيض (جدة)
العالم العربي العقيد الركن ماجد النزيلي المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية (سبأ)

الجيش اليمني يعلن تنفيذ 181 عملية ضد مواقع حوثية خلال 24 ساعة

أعلن الجيش اليمني، الأحد، تنفيذ 181 عملية عسكرية خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، استهدفت مواقع ومصادر نيران وقدرات تابعة للجماعة الحوثية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة خلال حوار مع صحيفة «الشرق الأوسط»

وزيرة الخارجية اليمنية: علاقة «تخادم» بين الحوثيين وإيران

ما نوع العلاقة بين الحوثيين وإيران؟ سألت «الشرق الأوسط» أفراح الزوبة، أول امرأة تتوسد وزارة الخارجية اليمنية، فأجابت: «أستخدم تعبير التخادم؛ لأنه يصف العلاقة».

بدر القحطاني (الرياض)
تحليل إخباري وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي خلال اجتماع مع قيادات عسكرية في مأرب (سبأ)

تحليل إخباري خبراء: قدرات اليمن الجوية تعيد رسم معادلة الردع مع الحوثيين

رأى خبراء عسكريون وسياسيون يمنيون أن دخول قدرات جوية جديدة إلى الخدمة لدى القوات الحكومية، يمكن أن ينقلها تدريجياً من موقع الدفاع والاستنزاف إلى المبادرة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

العليمي يجدّد التمسك باستعادة مؤسسات الدولة واحتكار السلاح

العليمي مع وزير الخارجية الياباني (رويترز)
العليمي مع وزير الخارجية الياباني (رويترز)
TT

العليمي يجدّد التمسك باستعادة مؤسسات الدولة واحتكار السلاح

العليمي مع وزير الخارجية الياباني (رويترز)
العليمي مع وزير الخارجية الياباني (رويترز)

جدَّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، تمسك بلاده باستعادة مؤسسات الدولة واحتكارها المشروع للسلاح، وبناء سلام عادل ومستدام يحمي سيادة اليمن ويمنع استخدام أراضيه لتهديد دول الجوار والممرات الدولية، بالتزامن مع استمرار التصعيد الحوثي على الساحل الغربي ومأرب وتعز وجنوب الحديدة.

وأكد العليمي، خلال استقباله وزير الخارجية الياباني توشيميتسو موتيجي، أن اليمن يقدر موقف طوكيو المُدين للهجمات الحوثية على المنشآت والموانئ المدنية والسفن التجارية، مشدداً على أن استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب واحتكار السلاح تمثل أساساً لأي تسوية سياسية قابلة للحياة.

وأدان الوزير الياباني، من جهته، بشدة سلسلة الهجمات الأخيرة التي شنتها الجماعة الحوثية، مجدداً التأكيد على أهمية تحقيق السلام في اليمن، وقال إن استقرار البلد المطل على مضيق باب المندب يرتبط بصورة مباشرة باستقرار وتنمية الشرق الأوسط والمجتمع الدولي بأسره.

ونقل الإعلام الرسمي أن العليمي أعرب عن تقديره للدعم الياباني للحكومة اليمنية، خصوصاً في مجالات خفر السواحل، متطلعاً إلى تطويره ليشمل التدريب والمراقبة والاستطلاع والإنقاذ ومكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة.

جانب من استقبال العليمي لوزير الخارجية الياباني (سبأ)

وقال موتيجي إن اليابان ستواصل دعم الحكومة اليمنية وتعزيز قدراتها في مجال إنفاذ القانون البحري، مشيراً إلى المساعدات الغذائية التي أقرتها بلاده في يوليو (تموز)، إلى جانب الدعم المالي والمساهمات البشرية المقدمة إلى مكتب المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن.

وتُعدّ اليابان عضواً أساسياً في شراكة الأمن البحري اليمنية، وتربط دعمها لخفر السواحل برؤيتها لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة، في وقت تتزايد فيه المخاطر التي تهدد الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب بفعل الهجمات الحوثية.

وكان العليمي قد دعا إلى توسيع التعاون مع اليابان في مجالات الأمن البحري والاتصال والبنية التحتية وتنمية الموارد البشرية والأمن الإنساني، إلى جانب الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى دعم التعافي وخلق فرص العمل والإنتاج.

إبقاء على الجاهزية

وجاءت تصريحات العليمي في وقت كان فيه مجلس الدفاع الوطني اليمني قد شدد، خلال اجتماعه برئاسة العليمي، على إبقاء الجاهزية العسكرية والأمنية في مختلف الجبهات عند أعلى مستوياتها، وتعزيز منظومة الإنذار المبكر وحماية المنشآت الحيوية والأعيان المدنية.

وأشاد المجلس بأداء القوات المسلحة في جبهات مأرب والساحل الغربي بمحافظة تعز، وما أظهرته من قدرة على التصدي للتصعيد الحوثي وإفشال الهجمات وتكبيد الجماعة خسائر في الأفراد والعتاد، مؤكداً أن استهداف مخيمات النازحين والأعيان المدنية والمنشآت الاقتصادية لن يحقق للحوثيين مكاسب ميدانية.

كما وجَّه بتوسيع عمليات الردع الجوي والصاروخي ضد مصادر التهديد، وتكثيف العمل الاستخباراتي والأمني لملاحقة الخلايا وشبكات التهريب والإمداد، بالتوازي مع إجراءات حكومية لمعالجة الأضرار الناجمة عن الهجمات الحوثية ورعاية المصابين وأسر الضحايا.

وجدَّد المجلس تأكيده أن المجتمع الدولي مطالب بترجمة مواقفه المنددة بالتصعيد الحوثي إلى إجراءات أكثر فاعلية لردع الجماعة وتجفيف مصادر تمويلها وتسليحها، في وقت تشهد فيه الجبهات تصعيداً متزامناً.

تصعيد حوثي

ميدانياً، قالت القوات المسلحة اليمنية إن وحداتها نفذت نحو 400 عملية هجومية خلال ثلاثة أيام ضد قدرات وعناصر الجماعة الحوثية، باستخدام الراجمات والمدفعية والطيران المسيَّر، وبمشاركة وحدات الجيش المنتشرة على خطوط التماس.

ووفق ما أعلنته القوات المسلحة، استهدفت العمليات مصادر تهديد وقدرات عسكرية حوثية، في إطار الرد على التصعيد المتواصل الذي تشهده جبهات عدة، قي حين تواصلت خلال الساعات الماضية المواجهات ومحاولات التسلل على خطوط التماس.

يمني يحمل طفلة مصابة عقب هجوم بطائرة مسيَّرة حوثية على حيس في جنوب الحديدة (أ.ف.ب)

وفي جبهة العنين بمديرية جبل حبشي، غرب تعز، أحبطت القوات الحكومية محاولة تسلل نفذتها عناصر حوثية باتجاه مواقع الجيش، بعدما رصدت الوحدات العسكرية تحركات المتسللين وأجبرتهم على التراجع.

وتتزامن هذه التطورات مع تصعيد حوثي متواصل على الساحل الغربي ومأرب، حيث سبق للجماعة أن كثَّفت هجماتها بالصواريخ والطائرات المسيَّرة ضد مواقع عسكرية ومنشآت مدنية ومناطق مأهولة، في مسار حذَّرت الحكومة اليمنية من أنه يهدد بإعادة توسيع نطاق المواجهة.

وفي أحدث تداعيات هذا التصعيد، أصيبت طفلتان، الثلاثاء، جراء انفجار مسيَّرة حوثية داخل منزل أسرة في ريف مديرية حيس جنوب الحديدة. وقالت مصادر محلية إن رؤى، البالغة 5 سنوات، وديالا، البالغة 10 سنوات، أصيبتا بشظايا، ونُقلتا في حالة حرجة من الخوخة إلى مدينة المخا لتلقي العلاج.

ويعيد استهداف المناطق السكنية والمنشآت المدنية إلى الواجهة المخاوف من اتساع آثار التصعيد على السكان، خصوصاً في الساحل الغربي، الذي يشهد منذ أسابيع هجمات حوثية متكررة طالت مدينة المخا وميناءها والمناطق المحيطة بها.

وتقول الحكومة اليمنية إن استمرار الهجمات الحوثية لا يمثل مجرد تصعيد داخلي، بل يفاقم المخاطر على أمن الملاحة الدولية، خصوصاً مع امتداد نشاط الجماعة إلى السفن التجارية والممرات البحرية المحيطة بباب المندب.


ألغام الحوثيين تحصد الثروة الحيوانية وتهدد الريف اليمني

مشروع «مسام» يدمر ألغاماً حوثية في الأراضي اليمنية (الشرق الأوسط)
مشروع «مسام» يدمر ألغاماً حوثية في الأراضي اليمنية (الشرق الأوسط)
TT

ألغام الحوثيين تحصد الثروة الحيوانية وتهدد الريف اليمني

مشروع «مسام» يدمر ألغاماً حوثية في الأراضي اليمنية (الشرق الأوسط)
مشروع «مسام» يدمر ألغاماً حوثية في الأراضي اليمنية (الشرق الأوسط)

لم تعد الألغام الأرضية والعبوات الناسفة التي زرعتها الجماعة الحوثية في مناطق يمنية عدة تقتصر في تداعياتها على قتل وإصابة المدنيين؛ إذ امتدت آثارها إلى الثروة الحيوانية، أحد أهم مصادر الغذاء والدخل ورأس المال بالنسبة إلى آلاف الأسر الريفية.

وتحوَّلت مناطق للرعي ومزارع وطرق في محافظات تعز وحجة والبيضاء ومأرب وأجزاء من ريف صنعاء، خلال سنوات الحرب، إلى مساحات محفوفة بالمخاطر، بعدما تسببت الألغام والعبوات الناسفة في نفوق أعداد من الأغنام والأبقار والإبل، وفق إفادات محلية وشهادات سكان.

وفي أحدث هذه الحوادث، نفقت رؤوس من الأغنام وأصيبت أخرى في منطقة مقبنة غرب محافظة تعز، جرَّاء انفجار عبوة ناسفة من مخلفات الحوثيين أثناء مرور قطيع باتجاه مناطق الرعي في عزلة القحيفة.

نفوق أبقار في محافظة حجة جرَّاء انفجار ألغام حوثية (فيسبوك)

وقال شهود عيان إن الانفجار أدى إلى نفوق عدد من الأغنام وإصابة أخرى، بينما عثرت قوات الجيش اليمني في جبهة مقبنة، عقب الحادثة، على 4 عبوات ناسفة أخرى قالت إن الجماعة زرعتها على طرق يستخدمها الرعاة للوصول إلى مناطق الرعي، قبل انتزاعها وإبطال مفعولها.

وسبق ذلك بأيام حادثة مماثلة في مديرية نهم بريف صنعاء؛ حيث أدى انفجار لغم أرضي إلى مقتل مواطن وابنه البالغ 17 عاماً، وعدد من المواشي، أثناء رعيهما للقطيع.

وقالت مصادر محلية إن المواطن إسماعيل عطية وابنه محمد لقيا حتفهما مع عدد من المواشي، إثر انفجار لغم في منطقة للرعي، في حادثة تعكس اتساع نطاق الخطر الذي تواجهه الأسر التي تعتمد على تربية الحيوانات في المناطق الريفية.

خسائر تتجاوز نفوق المواشي

يقول مزارعون ورعاة في مناطق متفرقة لـ«الشرق الأوسط»، إن خسارة المواشي بسبب الألغام تمثل ضربة مباشرة لمصادر رزقهم؛ إذ يعتمد كثير من الأسر على تربية الحيوانات لتأمين الغذاء وبيع الحليب واللحوم وتغطية النفقات اليومية.

ويضيفون أن نفوق كل رأس ماشية يعني خسارة جزء من رأس مال الأسرة الذي جرى تكوينه على مدى سنوات، في وقت يصعب فيه تعويض الحيوانات النافقة، بسبب تراجع الدخول وارتفاع أسعار الأعلاف وتكاليف النقل.

اتهامات للحوثيين بزرع الألغام في الطرقات وأماكن الرعي (إعلام محلي)

ولا يقتصر الضرر -حسب إفاداتهم- على نفوق الحيوانات؛ إذ يضطر الرعاة إلى تجنب مساحات واسعة كانت تمثل مصدرهم الرئيسي للرعي والمياه، ما يدفعهم إلى شراء كميات إضافية من الأعلاف أو نقل القطعان إلى مناطق أكثر أمناً، وهو ما يضاعف تكاليف التربية.

وفي محافظتي حجة والبيضاء، تسببت ألغام مزروعة في مناطق رعوية في نفوق أعداد كبيرة من الأغنام، بينما شهدت أجزاء من محافظة مأرب حوادث مماثلة طالت الحيوانات، بالتزامن مع استمرار المخاطر في الأراضي الزراعية وممرات الرعي.

ويقول مربو المواشي إن استمرار وجود الألغام يضعهم أمام خيارين صعبين: المخاطرة بإرسال قطعانهم إلى مناطق قد تكون ملوثة بالمتفجرات، أو إبقاؤها في أماكن أكثر أمناً نسبياً، مع تحمل أعباء إضافية لتوفير الغذاء والمياه.

وتزداد الخسائر حين تطول الحيوانات المنتجة؛ خصوصاً الأبقار والإبل، لما توفره من الحليب ومشتقاته، بينما يؤدي فقدان الأغنام والماعز إلى تقليص قدرة الأسر على زيادة قطعانها مستقبلاً، فضلاً عن خسارة مصدر محتمل للدخل في حالات الطوارئ.

مراعٍ تتحول إلى مناطق خطرة

يرى عاملون في القطاع الزراعي اليمني أن خطورة الألغام لا تنتهي بانتهاء المعارك؛ بل يمكن أن تستمر سنوات؛ خصوصاً في المناطق الريفية التي يصعب على السكان تحديد أماكن الألغام فيها، وتتغير معالمها بفعل الأمطار والسيول والنزوح.

ويشير هؤلاء إلى أن الألغام لا تقتل الإنسان والحيوان عند انفجارها فحسب، وإنما تترك آثاراً طويلة الأمد على الاقتصاد الريفي والأمن الغذائي وسبل العيش، عبر تعطيل النشاط الزراعي والرعوي، وتقليص الأراضي المتاحة للرعي، ورفع تكلفة إنتاج الغذاء.

إتلاف مجموعة من الألغام غير المنفجرة في المخا (مشروع مسام)

كما يتهم عاملون في القطاع الزراعي الجماعة الحوثية بتحويل مناطق الرعي إلى بؤر خطرة، عبر زراعة الألغام والعبوات في مسارات يستخدمها الرعاة. وتزداد المخاطر بالنسبة إلى المواشي التي تتحرك بحثاً عن الأعشاب والمياه، ولا يمكن التحكم في مساراتها، ما يجعلها عرضة للدَّوس على المتفجرات المدفونة.

وتُمثل المواشي بالنسبة إلى كثير من الأسر الريفية اليمنية رأس مال متحركاً ومصدراً أساسياً للمعيشة، ولذلك فإن خسارتها بسبب الألغام لا تعني فقدان حيوان فحسب، وإنما فقدان جزء من القدرة على توفير الغذاء والدخل ومواجهة الأزمات.

ويؤكد ناشطون محليون أن إزالة الألغام من الأراضي الزراعية ومناطق الرعي أصبحت ضرورة إنسانية واقتصادية، لحماية السكان والحيوانات معاً، وإعادة استخدام مساحات واسعة تعطلت فيها الأنشطة الزراعية والرعوية بسبب مخلفات الحرب.

وتأتي هذه الحوادث في وقت تتواصل فيه عمليات المسح والتطهير ونزع الألغام والتوعية بمخاطرها، التي ينفذها مشروع «مسام» السعودي، لتطهير الأراضي اليمنية من الألغام التي زرعتها الجماعة الحوثية في مناطق عدة.


تحذير أممي من تعميق الأزمة الإنسانية جراء هجمات الحوثيين

طفلة يمنية تتلقى العلاج في مستشفى بالمخا إثر إصابتها جراء هجمات الحوثيين (أ.ب)
طفلة يمنية تتلقى العلاج في مستشفى بالمخا إثر إصابتها جراء هجمات الحوثيين (أ.ب)
TT

تحذير أممي من تعميق الأزمة الإنسانية جراء هجمات الحوثيين

طفلة يمنية تتلقى العلاج في مستشفى بالمخا إثر إصابتها جراء هجمات الحوثيين (أ.ب)
طفلة يمنية تتلقى العلاج في مستشفى بالمخا إثر إصابتها جراء هجمات الحوثيين (أ.ب)

حذرت الأمم المتحدة من أن التصعيد العسكري الحوثي في اليمن، وما يرافقه من استهداف للمدنيين والمنشآت والموانئ والسفن التجارية، ينذر بتعميق الأزمة الإنسانية والاقتصادية في بلد يواجه أصلاً واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في العالم، بينما تتحرك الحكومة اليمنية لرفع جاهزية قطاعات النقل والتجارة وتأمين سلاسل الإمداد والمخزون الغذائي في مناطق سيطرتها.

ودق مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك ناقوس الخطر من التداعيات المتزايدة للهجمات الحوثية على البنية التحتية المدنية، محذراً من أن استمرارها يضاعف معاناة السكان، في وقت يعاني فيه ما لا يقل عن 18 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي.

وقال تورك، في تصريح نشره موقع الأمم المتحدة، إن على جميع الأطراف الالتزام بالقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، والامتناع عن توجيه الهجمات ضد المدنيين والأعيان المدنية، واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب سقوط قتلى وجرحى في صفوف المدنيين أو إلحاق أضرار بالمنشآت المدنية.

مسؤولون يمنيون يجهزون جثماني بحارين باكستانيين قُتلا في هجوم حوثي على سفينة شحن (أ.ب)

وأشار المفوض السامي إلى سقوط 17 ضحية مدنية جراء هجمات حوثية استهدفت مناطق خاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية منذ السادس من أغسطس (آب) الحالي، في مؤشر على اتساع نطاق المخاطر التي تهدد السكان والمنشآت المدنية بالتزامن مع التصعيد العسكري المتواصل.

وأكد تورك أن الشعب اليمني عانى «بشكل كبير جداً» جراء التركة المدمرة لسنوات الصراع والنزوح والأزمة الإنسانية، داعياً إلى خفض التصعيد وتجنيب اليمنيين المزيد من المعاناة، والوقف الفوري لأي أعمال قد تدفع البلاد مجدداً نحو صراع شامل.

هجمات في عدة جبهات

تأتي التحذيرات الأممية في أعقاب سلسلة هجمات حوثية طالت مواقع مدنية ومرافق حيوية، من بينها مخيم جو النسيم للنازحين في محافظة مأرب، حيث أصيب ستة مدنيين، بينهم طفل، وفق ما أوردته الأمم المتحدة.

كما طالت الهجمات ميناء المخا في محافظة تعز، ومضيق باب المندب، في تطور يربط بين مسارين متوازيين من التصعيد؛ أولهما يضغط على السكان والمنشآت داخل اليمن، والآخر يهدد حركة الملاحة والتجارة الدولية في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في المنطقة.

لحظة انفجار صواريخ حوثية أطلقت على ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)

ويحمل استهداف الموانئ والسفن التجارية تداعيات تتجاوز الأضرار المباشرة؛ إذ يمكن أن ينعكس على كلفة النقل والشحن والتأمين، ويزيد صعوبة وصول السلع إلى الأسواق اليمنية، في وقت يعتمد فيه ملايين السكان على الواردات لتلبية احتياجاتهم الأساسية.

وتزداد حساسية هذه التطورات في ظل هشاشة الاقتصاد اليمني وتراجع قدرة الأسر على تحمل أي ارتفاعات جديدة في أسعار الغذاء والسلع الأساسية، ما يجعل أي اضطراب في حركة الموانئ أو خطوط الإمداد عاملاً إضافياً في تعميق الضغوط المعيشية.

وفي هذا السياق، لا تنظر الحكومة اليمنية إلى التصعيد باعتباره ملفاً عسكرياً وأمنياً فقط، بل باعتباره تهديداً مباشراً لسلاسل الإمداد والأسواق والاستقرار التمويني، وهو ما دفع وزاراتها المعنية إلى التحرك على مسارات متوازية.

استنفار في قطاع النقل

في سياق هذه التداعيات، أجرى رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني زيارة تفقدية إلى وزارة النقل في عدن، للاطلاع على سير العمل في قطاعات النقل البري والبحري والجوي، ومستوى الجاهزية للتعامل مع التطورات الراهنة.

وعقد الزنداني اجتماعاً بقيادة الوزارة والهيئات والمؤسسات والشركات التابعة لها، جرى خلاله استعراض أوضاع قطاعات النقل وأولويات المرحلة المقبلة، إلى جانب خطط التعامل مع التصعيد الحوثي واستهداف الموانئ والمنشآت المدنية والسفن التجارية.

وبحسب الإعلام الرسمي، تناول الاجتماع أوضاع المنافذ البرية والبحرية والجوية ومستوى الاستعداد للتعامل مع مختلف الاحتمالات، بما يضمن استمرار حركة النقل والتجارة، وتأمين انسيابية حركة المسافرين والبضائع، والحفاظ على سلامة المنشآت الحيوية واستدامة الخدمات المرتبطة بها.

من آثار القصف الصاروخي الحوثي على ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)

وأكد الزنداني أن استهداف الموانئ والمنشآت المدنية، وفي مقدمتها ميناء المخا، والاعتداءات على السفن التجارية وتهديد الملاحة، تمثل تصعيداً خطيراً يستهدف الاقتصاد الوطني ومصالح المواطنين، وتتجاوز تداعياته حدود اليمن لتطال أمن الملاحة والتجارة الدولية في المنطقة.

وشدد على أن حماية المنشآت الحيوية واستمرارية عمل الموانئ والمنافذ وقطاعات النقل تمثل أولوية في المرحلة الحالية، موجهاً وزارة النقل برفع مستوى الجاهزية وتعزيز التنسيق مع أجهزة الدولة واتخاذ التدابير اللازمة للتعامل مع أي طارئ، وفق خطط واضحة تقلل آثار أي استهداف أو تعطيل محتمل.

وفي الوقت نفسه، ربط الزنداني بين مواجهة مخاطر التصعيد وإصلاح قطاع النقل، مشيراً إلى أن هذا القطاع يواجه اختلالات تراكمت خلال سنوات الحرب، وأن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من المعالجات المؤقتة إلى إصلاحات مؤسسية شاملة تعيد بناء قدراته وتفعّل دوره في الاقتصاد والخدمات.

وأكد أهمية استعادة ميناء عدن لمكانته بوصفه ميناء محورياً في المنطقة، وتعزيز قدراته التشغيلية والإدارية والفنية، معتبراً أن تطوير قطاع النقل يحتاج أيضاً إلى شراكة حقيقية مع القطاع الخاص وتوفير بيئة مؤسسية وتشريعية تسمح له بالمساهمة في تطوير البنية التحتية والخدمات.

حماية الغذاء والأسواق

في ظل هذه التطورات، شدد وزير الصناعة والتجارة محمد الأشول على رفع مستوى الجاهزية واليقظة وتعزيز العمل الاستباقي؛ لمواجهة أي تداعيات محتملة على الأسواق وسلاسل الإمداد والمخزون الغذائي.

وقال الأشول، خلال ترؤسه اجتماعاً موسعاً لمديري عموم مكاتب الوزارة في المحافظات الخاضعة للحكومة، إن التصعيد الحوثي واستهداف السفن التجارية والموانئ والمنشآت الحيوية، وفي مقدمتها ميناء المخا، يفرضان مضاعفة الجهود للحد من انعكاساته على حركة التجارة وكلفة الشحن والتأمين وتدفق السلع والأسعار.

ودعا إلى الانتقال من التعامل مع الأزمات بعد وقوعها إلى استباقها، من خلال رصد المؤشرات والتعامل معها في وقت مبكر، بما يحافظ على استقرار الأسواق ويحمي معيشة المواطنين.

صاروخ أطلقه الحوثيون على ميناء المخا اليمني في جنوب البحر الأحمر (رويترز)

ووجه مكاتب الوزارة بإعطاء المخزون الاستراتيجي من السلع الغذائية الأساسية أولوية قصوى، وإعداد قواعد بيانات محدثة بشأن الكميات المتوافرة ومدد التغطية التموينية والشحنات المقبلة والمخاطر المحتملة، إلى جانب تكثيف التواصل مع الغرف التجارية وكبار التجار والمستوردين لتذليل الصعوبات أمام النشاط التجاري.

وفي المقابل، شدد الوزير على عدم التهاون مع الاحتكار أو إخفاء السلع أو تخزينها بقصد افتعال الأزمات واستغلال احتياجات المواطنين، مطالباً بتكثيف الحملات الرقابية ومتابعة الأسعار والتحرك ضمن الصلاحيات قبل تحول أي اضطراب في الإمدادات إلى أزمة أوسع.

كما طالب مكاتب الوزارة برفع تقارير دورية تستند إلى الأرقام والمؤشرات والتحليل والتوصيات، بدلاً من التقارير الإنشائية، بحيث تتمكن الوزارة من اتخاذ قرارات سريعة في مواجهة أي اختلالات محتملة.