هل تنفجر أميركا من الداخل في القرن الثاني والعشرين؟

المصري الأميركي عمر العقاد على خطى مكارثي

عمر العقاد
عمر العقاد
TT

هل تنفجر أميركا من الداخل في القرن الثاني والعشرين؟

عمر العقاد
عمر العقاد

ألقِ نظرة على الاستقطاب السياسي المضطرب في أميركا اليوم، وسيرتسم في مخيلتك سيناريو محبوكاً لاضمحلال إمبراطورية كبرى. لن تشطح بعيداً، ادخل على مواقع التواصل الاجتماعي لتتبين الشقاق الحامي. أمَّا الخيال فيسْلك سبيلاً متعرجاً من الاضمحلال حين يتهاوى كيان أقوى دولة في القرن الثاني والعشرين، على يد أبنائها أنفسهم. هذا على الأقل ما ترسمه الرواية الأولى للصحافي المصري عمر العقاد «حرب أميركية» المكتوبة باللغة الإنجليزية والصادرة عن دار نشر «راندوم هاوس» عام 2017. وكان العقاد قد ارتحل في أرجاء الأرض ليغطي أخبار الحرب في أفغانستان والمحاكمات العسكرية في خليج غوانتانامو والربيع العربي في القاهرة وحركة «الحيوات السوداء مهمة» في ولاية ميزوري الأميركية.
في الماضي أدارت أميركا كوارثها في الشرق الأوسط من على بعد مريح إلا أن فاجعة القرن الثاني والعشرين في رواية العقاد تقع في عقر دارها. ماذا لو انقلب السحر على الساحر وسددت أميركا أعتى أسلحتها وأشد سياساتها فتكاً ضد نفسها؟ ماذا لو أقبلت حربا أفغانستان والعراق إلى أرض الحرية؟ حينها يغتال انشقاقيٌّ رئيساً أميركياً في بداية الرواية وآخَر في نهايتها، وتقع المجازر المروعة لتتنبأ بربرية السحق والإبادة برؤية مستقبلية عالمة بالغيب، وتقُوم الميليشيات بالعمليات التفجيرية شمالاً وجنوباً، ثم تعجّ السماء بطائرات أطلقها محتلون عسكريون، وتبتلع المياه مدينة نيو أورلينز لنشهد «شعائر المعمودية لأميركا الجديدة».
يأمر الرئيس الأميركي «مجتمعَه الذكي» بالكف عن استخدام الوقود الحجري، ولكنْ لولايات الجنوب رأي آخر في قراره السيادي. مصلحة صناعة التعدين فوق كل اعتبار، ومعاول الحفر لا تمسك لديهم عن التنقيب والحرق. تذكِّرنا ثنائية الشمال والجنوب بالحرب الأهلية الأولى وصراعهما حول تحرير العبيد. هنا أيضاً يستاء الشمال من الانتهاك السافر لأوامره، فيسدد أسلحته البيولوجية جنوباً حيث يتأمل العقاد «أنانية الحرب وبلاهتها»، وانشغال الطرفين بنزاعات كونية ومحلية، تُعمل فأسها في التربة الأميركية. والخيط الواصل بينهما يتقصى أثر ضريبة الحرب المسعورة وتبعاتها على الاستقرار القومي.
يحتمي المواطنون البسطاء بحاويات من الصلب المموَّج عثروا عليها في فناء للسفن، وفي داخلها يهدد حياتهم الصدأ والعفونة. يربّون دجاجاً مهزولاً «كان على شفا التمرد أو الموت، ذبحوه قبل الأوان بأعناق مقحَمة بين مخالب جذع شجرة قريب». وإليهم تفد المؤن من المحْسِنين من القوتين العظميين الجديدتين، وهما الصين وإمبراطورية بوازيزي المتخيَّلة بشمال أفريقيا.
يحكي الراوي العجوز أن فيروساً عضالاً سجن الأميركيين في حَجْرٍ صحي إلى الأبد. مَن يحاول منهم الهرب لا ينال إلا رصاصة. ومَن لا يموت جوعاً يلبث في منزله الموصود بينما يفد إليه المشردون أفواجاً، عرايا حفاة يتسولون اللقمة: «هاجمت الكرة الأرضية البلدَ، ثم هاجمت البلدُ نفسَها. ثمة بطاقات بريدية عليها صور الجنوب الغربي قبل أن يتحول إلى جمر؛ صور لسهول الغرب الأوسط، لا نهائية، فارغة أسفل سماء بديعة الزرقة قبل أن تعج بنازحي الساحل. تذكِرة بصرية لما كانت عليه أميركا في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين: محلِّقة في السماء، هادرة الصوت، غافلة الذهن».
ومع تلويحها باحتمالية تفتيت الولايات إلى أمم مصغرة وفقاً للعرق والعقيدة والآيديولوجيا، تقترب هذه الرواية من الروايات النبوئية كروايات الكندية مارجريت أتوود، وروايات الإنجليزي جورج أورويل.
في بلورة زجاجية، يرمق العقاد «بسارات تيشتنات»، فتاة تتمرد على المجهول ولا تهاب النكبات، نستدعي معها شخصية كاتنيس في سلسلة أفلام «ألعاب الجوع». كانت في السادسة ربيعاً عند اندلاع الحرب الأهلية الثانية وتفشِّي وباء رسَمَ الندوب على صفحة أسرتها في عام 2074، وعلى خلفية من صراعات الأحزاب المتناحرة، يقُوم أمثالها من المنبوذين بدور أبواق البروباغندا. عندما يتواصل معها أحد المسؤولين في أثناء إقامتها في معسكر «الصبْر» للنازحين، يعلِّمها أن تبغض عدواً لا تفقه عنه شيئاً لتقع ضحية لآيديولوجيا العنف المجاني والعنف المضاد.
يخبرها أنه يفتش في الجنوب، حيث تُفَتِّت الهيراركية الاجتماعية المجتمع وفقاً للجغرافيا والطبقة، عن «أناس متفردين، أناس لو لديهم الفرصة والأدوات اللازمة، سيصمدون ويواجهون العدو نيابة عن الضعفاء». وحين يغريها بتحويلها إلى درع إرهاب بشري، تنثال على ذاكرتنا رواية فيليب روث «المؤامرة على أميركا» (2004) عندما تُقطِّع الأحداث القومية روابط الأسرة الأميركية إرباً إرباً.
إن ما بين أيدينا في «حرب أميركية» دراسة نبوئية عن سيكولوجية الحرب والعنف. ولا يصح تصنيفها في فئة الخيال العلمي، إذ يسود شعور بأنها مستقاة من واقعنا بما يضمه من إرهاب وعنصرية وصراعات وحشية على السلطة. الحقيقة أن معطياتها جديرة تماماً بالتصديق. فالعمل مقْنع بلا كلمة واحدة تُناقض العلم، لا أشباح ولا عفاريت ولا غيبيات. ليست تلك هي مصدر الخوف في هذه الأيام، وإنما الجهل بالعلم وتقلبات البيئة، والاثنان يستخدمهما المؤلف لوضع تأريخ لنهاية العالم كما نعهده.
لا محل للتفاؤل في هذه الرواية. السلام هش تنتهكه الفِرَق بين الأسبوع والتالي، ونفير الحرب الضروس ينطلق ليمزق حياة مشوَّهة في الأصل صنعها الناجون. حتى في لحظات الأمل لمَّا تضع الحرب أوزارها، يطلق إرهابي سلاحاً بيولوجياً يتسبب في فيروس يُهلك 100 مليون نسمة. ومثلها مثل رواية «الطريق» للكاتب الأميركي كورماك مكارثي، سوف يتردد صدى هذه الرواية المخيفة لأجيال مقْبلة، وذلك لمزاوجتها بين ثنائية القمع والمقاومة من جانب، وتدمير البيئة على يد البشر من جانب آخر. والقضيتان تتلقفهما تكنولوجيا القرن الثاني والعشرين لتحصد أرواح مئات الملايين.
لا شك أن عالم أميركا الميلودرامي المتفجر من الداخل سوف يلبث طويلاً في أذهاننا. يروي العقاد في النهاية كيف تنضج الفتاة البريئة لتتفجر قنبلة في وجه القوة العظمى، وكيف تؤرخ قوى الشر المطمورة حيواتنا ومعاشنا. لا يوجد حد فاصل بين الأخيار والأشرار في هذا العمل، الكل ينتهي النهاية نفسها. والأمة «المتقدمة» تُمزقها آيديولوجياتها المتضاربة بعد أن أضمرت في طياتها بذوراً تقوضها.



تمثال فؤاد حداد صاحب «المسحراتي» يزيّن «بيت الشعر العربي» بالقاهرة

تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)
تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)
TT

تمثال فؤاد حداد صاحب «المسحراتي» يزيّن «بيت الشعر العربي» بالقاهرة

تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)
تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)

زيّن تمثال للشاعر المصري الراحل فؤاد حداد «بيت الشعر العربي» في القاهرة (بيت الست وسيلة)، بعد أن أزاح المعماري حمدي السطوحي، رئيس صندوق التنمية الثقافية بوزارة الثقافة، الستار عن التمثال الذي أهداه لـ«بيت الشعر» الفنان المصري أسامة السروي.

جاء إهداء التمثال ضمن فعاليات صالون أحمد عبد المعطي حجازي الذي يقام في «بيت الشعر العربي»، وسط حضور كبير من الشعراء والمبدعين ومحبي الشعر في أمسية حملت عنوان أحد رواد شعر العامية المصرية «في حضرة فؤاد حداد» حضرها نخبة من الشعراء من بينهم أحمد عبد المعطي حجازي والشاعر أمين فؤاد حداد.

ويعد فؤاد حداد (1927 - 1985) من آباء شعراء العامية المصرية، ويأتي هذا التمثال تقديراً لقيمته بوصفه أحد أبرز رموز قصيدة العامية المصرية، وصاحب تجربة إنسانية ووطنية أسهمت في تشكيل ملامح الشعرية المصرية الحديثة، وتركت أثراً ممتداً في الوجدان الثقافي، وفق بيان لوزارة الثقافة، الاثنين.

احتفال في «بيت الشعر العربي» بتمثال فؤاد حداد (وزارة الثقافة)

ولد فؤاد حداد بحي الظاهر بالقاهرة لأب لبناني وأم سورية، وتعلم فى مدرسة الفرير ثم مدرسة الليسيه الفرنسيتين، واطلع على التراث الشعرى فى الكتب الموجودة بمكتبة والده، كذلك تعرف على الأدب الفرنسى، إثر دراسته للغة الفرنسية، مما أهله لبعض الترجمات الفرنسية، ويعد من رواد القصيدة العامية المصرية، وهو الجيل التالي في قصيدة العامية المصرية بعد بيرم التونسي.

كتب فؤاد حداد العديد من الدواوين الشعرية والأغاني التي قدمها عدد من المطربين، من أهم أعماله «المسحراتي» التي تغنى بها سيد مكاوى عام 1964، وكتب البرنامج الإذاعي «من نور الخيال وصنع الأجيال»، كما قدم لسيد مكاوي أيضاً أغنية «الأرض بتتكلم عربي»، فيما غنى له العديد من المطربين من بينهم محمد منير «الجيرة والعشرة»، وحنان ماضي «ما فيش في الأغاني كده ومش كده»، و«يالعروسة» و«صلينا الفجر فين» لعلي الحجار. وعرف بروحه المصرية الأصيلة واستلهامه التراث في الكثير من أعماله.

وقال المعماري حمدي السطوحي، رئيس صندوق التنمية الثقافية، إن إهداء تمثال فؤاد حداد لـ«بيت الشعر العربي» يحمل دلالة ثقافية عميقة، خصوصاً في هذا المكان التراثي الذي يجمع بين الفنون المختلفة ويحتفظ بقيمة معمارية وثقافية تتجاوز حدود المكان.

الفنان أسامة السروي يهدي «بيت الشعر» تمثالاً لفؤاد حداد (وزارة الثقافة المصرية)

وعدّ السطوحي «الالتقاء في هذا الفضاء بين الشعر بوصفه أحد الفنون، وبين التمثال الذي ينتمي إلى فن النحت، وبين جدران معمار تراثي قيم، يعكس طبيعة العلاقة التكاملية بين الفنون في التعبير عن روح الثقافة».

وأعلن الدكتور أسامة السروي أن تنفيذ التمثال استغرق أربعة أشهر، مؤكداً اعتزازه به لما يمثله فؤاد حداد من قيمة إبداعية استثنائية بالنسبة له.

وقال الشاعر سامح محجوب، مدير «بيت الشعر العربي»، إن فؤاد حداد حالة استثنائية في شعر العامية المصري، وهو من الآباء الكبار لفن الشعر، وجاءت أشعاره دائماً تمس نبض الشارع والبسطاء، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن الاحتفاء بفؤاد حداد وإهداء تمثال له لـ«بيت الشعر العربي» يدل على القامة الكبيرة التي يمثلها هذا الشاعر في الحركة الشعرية المصرية، على كافة المستويات، سواء الفنية أو الأسلوبية، أو حتى على مستوى الوزن والقافية والصور الجديدة النابضة بالحياة.


«لجنة الدراما» بمصر تنتقد إقحام حياة الفنانين في مسلسلات رمضان

لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)
لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)
TT

«لجنة الدراما» بمصر تنتقد إقحام حياة الفنانين في مسلسلات رمضان

لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)
لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)

انتقدت «لجنة الدراما» بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بمصر، إقحام حياة الفنانين الشخصية في مسلسلات رمضان، إذ رصدت اللجنة عدداً من سلبيات بعض الأعمال التي وقعت في فخ إقحام حياة الفنانين ضمن السياق الدرامي، واستخدام الحوار في بعض المسلسلات لتبادل رسائل مبطنة، إلى جانب وجود مشاهد عنف غير مبررة درامياً.

وجاء بيان «لجنة الدراما»، الأحد، بالتزامن مع جدل «الأكثر مشاهدة»، و«التلاسن العلني»، بين بعض نجوم مسلسلات الموسم الرمضاني خلال الأيام الماضية، الذي تسبب في أزمة كبيرة انتقدتها نقابة «الممثلين» المصرية، ووصفتها بأنها «حالة تراشق»، و«مهاترات»، و«معارك وهمية» غير لائقة، هدفها السعي وراء «الترند»، وأن مثل هذه السلوكيات لا تليق بتاريخ ومكانة الفن المصري.

من جانبها، قالت رئيسة «لجنة الدراما»، الكاتبة والناقدة الفنية المصرية ماجدة موريس، إن اللجنة رصدت وجود بعض مشاهد من مسلسلات درامية تم إقحام حياة الفنانين فيها دون مبرر، حيث تبين أنها رسائل شخصية يتم تمريرها لأطراف أخرى، وذلك لأول مرة في تاريخ الدراما التلفزيونية التي بدأت منذ ستينات القرن الماضي.

وأكدت ماجدة موريس في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن «الدراما يجب أن تكون بعيدة عن الحياة الشخصية، وأن تكون قائمة على سيناريو وكتابة جيدة، لأن المشاهد لا يشغله سوى الحكاية المحكمة التي تحتوي على رسالة توعوية أو محتوى ترفيهي».

وعدّت ما يجرى «مسؤولية فريق العمل كافة بداية من الكاتب والمخرج والمنتج، وغيرهم، ويجب الانتباه إلى هذه النقطة، وتجنب إقحام الحياة الشخصية، كما يجب على النجوم أنفسهم الانتباه لذلك، وتجنب الترويج لحياتهم على حساب الدراما».

جانب من اجتماع لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام (فيسبوك)

وتعليقاً على أزمة «الأكثر مشاهدة»، أكدت ماجدة موريس أن الصراع الذي يجري على «السوشيال ميديا»، خلفه فرق إلكترونية تعمل على ترويج بعض المسلسلات، وأن «الأرقام التي يتم الإعلان عنها ليست دقيقة ولا تعكس الواقع، كما أن المشاهد نفسه لا يشغله هذه الصراعات، بل القصة الدرامية الجيدة»، على حد تعبيرها.

وأصدرت «لجنة الدراما» بيانها، عقب مناقشة أعمال النصف الأول من موسم رمضان، لافتة إلى وجود طفرة في عناصر الإنتاج الدرامي، مثل الديكور والتصوير والموسيقى التصويرية والإضاءة والمونتاج.

وأشادت اللجنة بتوجه عدد من المسلسلات إلى إعلاء قيمة اللجوء إلى العدالة في إطار قانوني، من بينها «عين سحرية»، و«الست موناليزا»، و«وكان يا ما كان»، و«حد أقصى»، بعد أن كانت ظاهرة «أخذ الحق باليد»، قد انتشرت في مواسم درامية سابقة، كما أشادت اللجنة بتناول الأعمال الدرامية لقضايا وطنية وقومية واجتماعية، وأبرزها القضية الفلسطينية، عبر مسلسل «صحاب الأرض».

وأشارت اللجنة في بيانها، إلى وجود ضعف في بعض السيناريوهات، خصوصاً في الأعمال التي تمتد إلى 30 حلقة، إلى جانب انتشار ظاهرة الكتابة أثناء التصوير، وضغط الوقت وسرعة وتيرة التصوير للحاق بمواعيد العرض، مما أدى إلى وقوع عدد من الأخطاء التقنية والتنفيذية.

ولفتت اللجنة إلى غياب واضح للأعمال المكتوبة عن «الروايات»، و«الأعمال الأدبية»، إلى جانب غياب الأعمال الكوميدية المتميزة.

من جهته، أكد الناقد الفني المصري سمير الجمل، أن الدراما حالياً تعاني من ظاهرة «الترند»، حيث يحاول الجميع أن يكونوا في الصدارة، وأن ما يحدث في الوقت الحالي لم يكن في السباق؛ بل كانت المسلسلات الجيدة تحظى بالاهتمام دون الحاجة إلى اللجوء لمثل هذه الأمور غير المبررة.

وأضاف الجمل في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «بعض الأعمال الدرامية حالياً تعاني من تخبط كبير، حيث يتم اختراع أخبار وقضايا، وتسريب فيديوهات، وصراعات لتصدر (الترند)، وغياب المؤلف الحقيقي هو السبب في هذه الحالة».


أنطوان غندور يترجَّل وعبارته «صبحك بالخير ستنا بيروت» باقية في الذاكرة

آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)
آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)
TT

أنطوان غندور يترجَّل وعبارته «صبحك بالخير ستنا بيروت» باقية في الذاكرة

آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)
آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)

رحل الكاتب أنطوان غندور عن عمر ناهز 84 عاماً، نتيجة تدهور حالته الصحية. ولم يحضر جنازته سوى قلة من زملائه. فكتب المنتج إيلي معلوف، الذي كان من بينهم: «لا أعرف ماذا أكتب... عجبي أم عتبي؟ أين الوفاء لمن صنع هوية الدراما التاريخية، وصنع أبطالاً على المسرح والخشبة؟ وفي مأتمه ستة أشخاص».

ويُعدُّ غندور أول من كتب حلقة تلفزيونية لبنانية مدتها ساعة ونصف الساعة، ضمن سلسلتي «كانت أيام» و«أديب وقصة». وقد تجاوزت أعماله المائة، بين مسلسلات تلفزيونية وأعمال مسرحية وإذاعية وسينمائية، فضلاً عن أعمال وثائقية عُرضت على شاشات لبنانية وعربية. وطبع الشاشة الصغيرة بأعمال درامية حفرت في ذاكرة اللبنانيين، وأسهم في صناعة نجوم الزمن الجميل للدراما، من بينهم أنطوان كرباج، ونبيه أبو الحسن، وفيليب عقيقي، وإيلي صنيفر.

كتب غندور حبكات درامية ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بأرض الوطن، وصبغ مؤلفاته بتاريخ لبنان، ناقلاً وقائع من ذاكرته الاجتماعية والسياسية إلى الشاشة، ومحوَّلاً أحداثاً مفصلية إلى حكايات إنسانية قريبة من الناس.

سبق وكرّمته وزارة الإعلام بجائزة «رائد الدراما التاريخية» (فيسبوك)

كما عُرف بقدرته على مزج التاريخ بالدراما، فاستعاد في نصوصه محطات من التراث اللبناني وسِيَر شخصيات تركت بصمتها في المجتمع. وكان حريصاً على تقديم أعمال تُبرز الهوية اللبنانية وتوثِّق تفاصيل الحياة اليومية للناس، فبدت نصوصه أشبه بمرآة تعكس تحوّلات المجتمع وتقلباته عبر العقود. ومن أشهر مؤلفاته «بربر آغا»، و«أخوت شاناي»، و«أربع مجانين وبس»، و«رصيف البارزيانا» وغيرها. كما قدَّم للمسرح أكثر من عمل، بينها «طانيوس شاهين»، و«المير واستير»، و«القبقاب». وكانت له تجربة سينمائية لافتة من خلال فيلم «كلنا فدائيون» عام 1969.

وفي مسلسل «دويك»، من بطولة الراحل عبد الله حمصي المعروف بـ«أسعد»، حفظ اللبنانيون تحية هذه الشخصية الريفية الشهيرة للعاصمة: «صبّحِك بالخير ستنا بيروت».

نقيب الممثلين نعمة بدوي، الذي كانت تربطه علاقة وطيدة بالراحل، أشار في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه لا يمكن توجيه العتب لمن غابوا عن جنازة غندور. وقال: «في ظل الحرب التي يشهدها لبنان لا أستطيع لوم أحد لعدم مشاركته في وداع كاتب رائد. لكنني أحمل في قلبي غُصَّة لأنه رحل في جنازة خجولة بحضور محدود وغياب رسمي. فأنطوان غندور كان سيِّد النص الدرامي التاريخي على الشاشة والخشبة، وعرف كيف ينقل تاريخ لبنان إلى أجيال متعاقبة بأسلوب سلس ومشبَّع برائحة التراب. وكان يجدر بنا تقديره بما يليق بقامته الفنية. لكن البلاد برمتها منشغلة بالحرب، كما أن رحيله جاء على عجل، حتى إن ولديه لم يتمكنا من الوصول إلى لبنان لوداعه، إذ يقيمان في دول الخليج».

رحيل الكاتب أنطوان غندور عن عمر ناهز 84 عاماً (فيسبوك)

وكان الراحل أنطوان غندور قد ابتعد في السنوات الأخيرة عن الساحة بسبب تدهور حالته الصحية. وفي آخر ظهور له، خلال تكريمه من قبل «التجمع الوطني للثقافة والبيئة والتراث» في ديسمبر (كانون الأول) 2025، بدا متعباً وجالساً على كرسي متحرك أثناء تلقيه درعه التكريمي على خشبة مسرح جوزيف أبو خاطر.

ويستذكر النقيب نعمة بدوي مشواره مع الكاتب الراحل قائلاً: «تربطني به علاقة وثيقة. وكان أول من كسر حاجز بيروت الشرقية والغربية عندما طلب مني أداء بطولة مسرحية (المير واستير). يومها تعرَّض لانتقادات لأنه اختار ممثلاً من غير بيئته لتجسيد دور الأمير بشير الشهابي. لكنها كانت خطوة جريئة منه، اعتبرها جسراً لإعادة التواصل بين البيروتَين (بيروت الشرقية وبيروت الغربية) في فترة الحرب».

وُلد غندور في بلدة عين علق المتنية عام 1942، ومنذ طفولته المبكرة مال إلى القراءة والكتابة. ولم يكن قد بلغ العشرين من عمره عندما فقد والدته جميلة مراد. درس في مدرسة في جونية قبل أن ينتقل إلى جامعة الحكمة، حيث تابع دراسة علم النفس لعامين. تزوّج من زينب عازار ولهما ولدان، فادي وكريستيان. ومن أولى كتاباته سلسلة القصص «تحت شجرة الزيزفون».

نال جوائز عدة عن أعماله، بينها «صدفة» عام 2003 من بطولة تقلا شمعون، وبيار داغر، كذلك مسلسل «سقوط زهرة البيلسان» من بطولة إبراهيم مرعشلي، وجلنار شاهين، وفيليب عقيقي، وإخراج إيلي سعادة. وحاز عنه أيضاً جائزة التلفزيون الأولى في الكويت، وجائزة الحوار في جامعة الدول العربية، وعُرض على شاشة تلفزيون لبنان عام 1981.