أسبوع لندن الرجالي للخريف والشتاء المقبلين... مُثقل بالمخاوف والأقمشة الخشنة

بسبب الأزمة الاقتصادية وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وخلوه من بعض الأسماء الكبيرة

لقطة جماعية من العرض الذي قدمه بيرتولد
لقطة جماعية من العرض الذي قدمه بيرتولد
TT

أسبوع لندن الرجالي للخريف والشتاء المقبلين... مُثقل بالمخاوف والأقمشة الخشنة

لقطة جماعية من العرض الذي قدمه بيرتولد
لقطة جماعية من العرض الذي قدمه بيرتولد

لخص المصمم ماثيو ميللر الوضع العام الذي شهده أسبوع الموضة الرجالي من الجمعة إلى الاثنين الماضي، بقوله: «عندما تكون جزءا من أي وضع أو حالة، فإنك لا تستطيع أن تتجرد منها لترى الصورة من كل الزوايا. من الآن إلى 2027 أو 2028 سنبقى نتكلم عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. حينها فقط ستتضح الصورة ونعرف كيف أثرت علينا حقيقة».
كان المصمم يشير إلى ما تتداوله أوساط الموضة وتتخوف من عواقبه منذ العام الماضي. عواقب بدأت تظهر تأثيراتها بالتدريج على أسبوع انطلق قويا ومُفعما بالتفاؤل منذ ست سنوات تقريبا بفضل انتعاش القطاع الرجالي، قبل أن تبدأ معاناته، مثله مثل غيره من القطاعات الإبداعية، بسبب الأزمة الاقتصادية، وقرار بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي وما ترتب عنه من انخفاض الجنيه الإسترليني وما شابه من أمور، أثرت على أسابيع الموضة ككل.
الأسبوع الرجالي مثلا انطلق يوم الجمعة الماضي من دون بعض الأسماء الكبيرة التي كانت تُسنده وتُضفي عليه البريق مثل «بيربري» و«ألكسندر ماكوين» و«توم فورد» وغيرهم. وللأمانة فإن لندن ليست الوحيدة التي ستعاني من هذا الانكماش في عدد بيوت الأزياء الكبيرة المشاركة في الأسابيع الرجالية تحديدا. فمنذ أن نادى البعض بدمج عروضهم الرجالية بالنسائية، فإن نيويورك فقدت «كالفن كلاين» و«تومي هيلفيغر» و«كوتش»، بينما فقدت ميلانو دار «غوتشي» وباريس كل من «بالنسياجا» و«سان لوران». فكل هؤلاء قرروا تقديم عرض واحد يُلخص اقتراحاتهم للرجل والمرأة على حد سواء.
بيد أن لندن مختلفة. فهي تتمتع بشخصية بريطانية لا تُظهر مشاعر الخوف وتتعامل مع كل العقبات بعقلانية. والدليل أنها في كل مرة يتعرض أسبوعها لأي نكسة أو وعكة تُخرج أقوى ما لديها، ألا وهو المواهب الصاعدة من جهة، والابتكار من جهة ثانية. أسلحة لم تخذلها لحد الآن. هذا الأسبوع اعتمدت على أسماء شابة مثل إدوارد كراتشلي، ودانيال فليتشر، وبوبي آبلي، وأوليفر سبنسر، ولو دالتون وهلم جرا ممن يعشقون الألوان الصارخة بالتحدي، في وجه قتامة الطقس أو التغيرات السياسية والاقتصادية.
وطبعا لا يمكن أن ينسى سلاحها القديم: «سافيل رو» أهم شارع للتفصيل الرجالي الذي تدربت على يد خياطيه مجموعة كبيرة من شبابها، أو على الأقل تأثروا بهم. هذا المزيج بين الكلاسيكي والمبتكر الجانح نحو المسرحي هو الوصفة التي تعتمدها العاصمة البريطانية كل مرة، وأثبتت أنها تعويذة فعالة لتجاوز المصاعب. أوليفر سبنسر مثلا واحد ممن أتقنوا التصاميم الحداثية ودمجوها بالتفصيل الكلاسيكي لا سيما فيما يتعلق بالسترات ذات الياقات المبتكرة. لو دالتون بدورها تعتمد هذه الوصفة بتطويعها الصوف والألوان الصارخة في تصاميم هندسية عصرية، فيما اختتم الأسبوع يوم الاثنين الماضي كل من المصمم الشاب كريغ غرين، والمخضرمة فيفيان ويستوود. كل منهما قدم سترات هندسية من قماش التويد مع نقشات مستوحاة من الملابس العسكرية. في عرض المخضرمة ويستوود، وحسب ما هتف به عارضوها، كانت الرسالة حربا دون قتلى.
ويستوود التي لا تقبل أن تسبح مع التيار وتستغل كل مناسبة لرفع شعارات سياسية أو إنسانية، لم تُغير جلدها ولا أسلوبها هذه المرة. لم تقدم عرضا بالمعنى التقليدي واقتصرت على فيلم مدته دقيقتان تقريبا تم تصويره ليلا على خلفية تظهر فيها أعلام الاتحاد الأوروبي ورمال.
بعيدا عن الشعارات السياسية وبعد عملية تفكيكية بسيطة، تكتشف أن الأزياء عبارة عن مزيج من الإيحاءات العسكرية التي استعملت فيها الأقمشة السميكة مع تركيز كبير على الألوان، بما في ذلك درجة من الوردي، ظهرت أول مرة خلال الحرب العالمية الثانية. كما أنها تعمدت أن تُناسب بعض التصاميم المُقترحة كلا الجنسين. لم تُفرق هنا بينهما فيما يتعلق بالأقمشة ولا النقشات ولا التصاميم. كانت هناك مثلا معاطف محددة على الخصر بأحزمة وأخرى منسدلة بأحجام واسعة. من وجهة نظر المصممة، فإن السبب ليس تكسيرا للفروقات بين المرأة والرجل بقدر ما هو حماية للبيئة. فعندما يستعملان نفس المنتج فإن الاستفادة تعم على الجميع وتقل العملية الاستهلاكية التي لا ضرورة لها.
ولأننا بصدد الحديث عن فيفيان ويستوود، فلا يمكن عدم الحديث عن جنوحها للغريب، باستعمالها لخريف وشتاء الموسمين المُقبلين قماش التارتان بسخاء، فضلا عن بعض التفاصيل مثل الكورسيهات غير المألوفة وماكياج العارضين وتسريحات شعرهم. غير أنها لم تكن الوحيد التي فكرت في أن تحقن عرضها بجرعة من الشقاوة والغرابة من خلال الماكياج. عدد لا يستهان به من المصممين الشباب قاموا بنفس الفعل مثل تشارلز جيفري وآخرون، وكأنهم يُريدون تذكيرنا بأننا في لندن، العاصمة التي حولت الجنون فنونا والعكس.
قد لا يتمتع الشاب كريغ غرين بتاريخ أو خبرة فيفيان ويستوود الطويلة، بالنظر إلى أنه أطلق داره في عام 2012 فقط، أي بعد تخرجه من معهد سنترال سانت مارتن مباشرة، إلا أنه برهن خلال هذه السنوات القليلة على مهارة وخيال خولا له الفوز بجائزة أحسن مصمم رجالي لعامين متتاليين. بعض المتابعين يقارنونه باليابانية راي كواكوبو، مؤسسة ماركة «كوم ذي غارسون. فتعامله مع الأحجام تُذكرنا بأنه كان يحلم أن يكون نحاتا بالأساس قبل أن يدرس تصميم الأزياء. تصاميمه تعكس هذه الميول، لأنه على الرغم مما توحيه عروضه من سريالية وغرابة، فإنك دائما تكتشف تحت كل الطبقات والأحجام الضخمة لغة شاعرية وعملية حسابية تجعل كل قطعة، على حدة، معقولة. فهو من القلائل الذين حققوا المعادلة الصعبة، إذ إن تصاميمه تلقى تهليلا من النقاد لفنيتها وإقبالا من قبل الشباب ونجوم هوليوود لأناقتها وتميزها في أرض الواقع، لا سيما وأنه لا يتجاهل الجانب التجاري، ويقدم دائما بنطلونات جينز وقمصان تضمن له حركة البيع للاستمرار.
عرضه هذا الأسبوع في منطقة «فوكسل» كان طبقا منوعا من الأزياء الهندسية المصنوعة من الأقمشة الثقيلة التي تصوب أنظارها نحو المستقبل عوض الماضي، رغم أنه استوحاها من ذكريات الطفولة حسب قوله: «عندما تكون طفلا تعتقد بأنك ستتمكن من التحليق عاليا عندما تكبر» لكنك تكتشف أنه لن ينمو لك أجنحة وأن كل ما يمكنك القيام به هو حماية نفسك. من هذا المنظور تعمد أن تأتي بعض القطع الواسعة وكأنها خيمة تحمي الجسم من البرد، بينما غطى الوجوه بأقنعة تأخذ أشكال ساعات الحائط القديمة، تبدو وكأنها دروعا واقية.
بالنسبة للمصمم أوليفر سبنسر، فارتأى أن يقوم بمقارنة بين الحاضر وبين حقبة السبعينات. فهو مُقتنع تماما بأن المرء يميل لا شعوريا إلى الاهتمام بمظهره أكثر في أوقات الأزمات. الترجمة كانت مزيجا من التمرد والحياة الليلية التي شهدتها لندن في السبعينات، والأسلوب «الداندي» المتأنق الذي يتميز به شارع «سافيل رو» والطبقة الأرستقراطية. والنتيجة كانت تنوعا يخاطب كل الأذواق والأجيال. وهو ما تعمده باعترافه بعد عرضه أنه «سواء كان الرجل في الـ25 أو الـ85 من العمر، فإنني أقدره وأضعه نصب عيني وأنا أصمم». بيد أن تفكيره لم يقتصر على الجنس الخشن من كل الأعمار، بل امتد إلى المرأة أيضا، التي قدم لها مجموعة عصرية ترقص على إيقاعات الروك أند رول، بمشاركة عارضات من مثيلات دايزي لو وجايد بارفيت وكاثرين هايوارد. الجميل فيما قدمنه أن الرجل الشاب يمكن تطويعه بطريقته.
كان لافتا أن الكثير من المصممين ركبوا موجة الجمع بين النسائي والرجالي وكأنهم يتحدون أولئك الذين هجروا الأسبوع على أساس الاكتفاء بعرض اقتراحاتهم للجنسين في الأسبوع النسائي. من هؤلاء نذكر كيكو كوستادينوف، الذي قدم مجموعتين مختلفتين تماما. تميزت الأولى بالأنوثة من خلال أسلوب الدرابيه، والثانية بروح مُستقبلية ووظيفية خصصها للرجل.
في المقابل كانت تشكيلة المصممة غرايس وايلز أبعد ما تكون عن العملية نظرا لأحجامها الضيقة وستراتها القصيرة. تحديها للمألوف والسائد حاليا شمل كل شيء بما في ذلك الإكسسوارات، حيث قدمت الأحذية الرسمية بدل الأحذية الرياضية التي كانت الحاضرة الأولى في معظم العروض. من جهتها ركبت المصممة وايلز بونر موجة التنوع العرقي وغاصت في عالم السود. قدمت تصورا جديدا يظهر فيه العارضون وكأنهم بحارة يصلون إلى ميناء كل سكانه من أصول متنوعة يلبسون ألوانا تعكس جذورهم، وتصاميم تناسب هوياتهم. جاء كان الغالب فيها التصاميم المفصلة على الجسم التي تجمع الابتكار بكلاسيكية عصرية.
هذا الأسبوع كانت كل العيون مصوبة نحو المصمم الأسكوتلندي، تشارلز جيفري، الذي تسلم جائزة أحسن مصمم صاعد خلال حفل توزيع جوائز الموضة البريطانية الأخير. عندما تسلم جائزته من جون غاليانو قال إنه لم يحلم أبدا أن يقابل قُدوته في تصميم الأزياء فما البال بأن يتسلم جائزة من هذا النوع منه شخصيا. قوة جيفري لا تكمن في تصميم الأزياء فحسب بل أيضا في نظرته الفنية كمنسق أزياء عمل طويلا في مجلة «لوف». أسلوبه يتميز بالابتكار المجنون، لأنه، مثل الكثير من أبناء جيله ممن تخرجوا في المعاهد البريطانية تحديدا، لا يعترف بالقيود عندما يتعلق الأمر بالإبداع. فماركته «لوف بوي» انطلقت من وحي حياة الليل بمنطقة «دالستون» شرق لندن المعروفة بتمردها وشغبها الفني. ويُعتبر المصمم أكبر مروج لأسلوبه لأنه لا يكشف عن وجهه، بل يغطي في معظم الوقت تحت قناع مرسوم بالألوان من الشعر والحواجب إلى الشوارب. غني عن القول إن تشكيلته عكست شخصيته وتمردها من خلال تصاميم جريئة، إن لم نقل صادمة. هو أيضا استعمل أقمشة التارتان بسخاء، مع فارق بسيط هو أنه أسكوتلندي المولد، وهذه اللفتة قد تكون مجرد حنين إلى الجذور.
- - حقائق جانبية
> رغم المخاوف والشكوك التي تُخيم على أسابيع الموضة الرجالية، فإن قطاع الأزياء والإكسسوارات الرجالية في بريطانيا وحدها شهد نموا بنسبة 2.8 في المائة في عام 2016 ليصل إلى 14.5 مليار جنيه إسترليني. وحسب دراسة قامت بها شركة «مينتيل» للأبحاث فإنه قد لا يشكل سوى 27 في المائة من مجموعة سوق الأزياء، إلا أنه ينمو بسرعة أكبر من نمو الأزياء النسائية
- يتوقع أن ينمو هذا القطاع بنسبة 12.43 ما بين عامي 2016 و2021 لتصل مردوديته إلى 16.2 مليار جنيه إسترليني
- 52 في المائة من الرجال اشتروا أزياء من مصممين معروفين خلال الثلاث سنوات الأخيرة مقارنة بـ43 في المائة فقط من النساء حسب دراسة «مينتيل»
- أكثر من رُبع عشاق الموضة (39 في المائة) مهتمون بالخدمات الخاصة مثل التفصيل على المقاس حسب الدراسة


مقالات ذات صلة

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

لمسات الموضة قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

«ميسيكا» تقدم إصدارها الجديد من خاتم «ماي توين توي آند موي My Twin Toi & Moi» بالألماس بمطعم «لابيروز» التاريخي حيث يلتقي الفن الباريسي بالتاريخ والجمال الخالد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على إرباك المتلقي ودفعه لإعادة النظر فيما اعتاده؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد.

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق منال عجاج تتألَّق في أسبوع الموضة بباريس 2026 بإبداعات ذات طابع معاصر

منال عجاج تتألَّق في أسبوع الموضة بباريس 2026 بإبداعات ذات طابع معاصر

سجَّلت المصمِّمة السورية منال عجاج حضوراً لافتاً ضمن فعاليات أسبوع الموضة في باريس لموسم ربيع وصيف 2026، الذي انطلق في 26 يناير (كانون الثاني)، حيث قدّمت رؤية…

«الشرق الأوسط» (باريس)
لمسات الموضة سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)

باتريك شلهوب وإدارة الترف في زمن الأزمات

في هذا المناخ المرتبك لم يعد النجاح مرهوناً بحجم الإبداع، أو التوسع وحدهما، بل بالقدرة على اتخاذ قرارات صحيحة تقرأ الحاضر، وتستبق المستقبل رغم ضبابية اللحظة.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة المصممة ڤيرا زولوتاريڤا (فيرا)

المصممة ڤيرا زولوتاريڤا... نشأة روسية وقلب مصري

مرت مصممة الأزياء الروسية ڤيرا زولوتاريڤا برحلة طويلة بداية من سيبيريا المتجمدة في روسيا وحتى استقرارها في مصر. تقول: «قصتي مع التصميم بدأت من عمر الثالثة،…

مروى صبري (القاهرة )

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
TT

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

بين بريق المجوهرات وقصة حب وراء إبداعها، وأروقة مطعم أيقوني يحمل بين جدرانه تاريخاً وقصصاً لا تُنسى، صُوّرت مجموعة «ميسيكا» و«لابيروز» الجديدة لتغذي كل الحواس وتوقظ الذاكرة بمناسبة «عيد الحب». ورغم أن «ميسيكا» علامة شابة وُلدت منذ نحو 21 عاماً، و«لابيروز» مطعم باريسي يعود عمره إلى 260 عاماً، فإنه حدث بينهما تناغم عجيب والتحام يجمع التاريخ والحداثة.

نسجت فاليري خيوطاً بين الماضي والحاضر عبر علاقة حب طويلة بالألماس (ميسيكا)

بمناسبة «عيد الحب»، اختارت «ميسيكا» أن تقدم نسختها الجديدة والحصرية من خاتم «ماي توين توي آند موي (My Twin Toi & Moi)»، في مطعم «لابيروز»؛ والسبب أن المطعم يتعدى أنه مكان فاخر لتناول أشهى الأطباق، إلى ما هو أكثر. فإلى جانب أنه رمز للفن الباريسي في العيش، فقد اشتهر عبر الأجيال بخصوصية أجوائه التي احتضنت قصص الحب وأسراره على مدى قرون.

بدأت قصة «لابيروز» عام 1766 عندما تأسس في عهد لويس الـ15، وسرعان ما ترسّخ في ذاكرة المجتمع الباريسي مكاناً فريداً من نوعه، وعنواناً للقاء الأحبة. وفي عام 1850، وتحت إدارة جول لابيروز، أصبح من أوسع وجهات «لوتو باريس» رواجاً، مستقطباً أسماء لامعة مثل موباسان، وزولا، وفيكتور هوغو، ورودان، وسارة برنار. وهذا العام انضمت فاليري ميسيكا إلى هذه الباقة من المبدعين. هي أيضاً تعشق الأساطير وقصص التاريخ وتتقن صياغتها بلغتها الخاصة.

فاليري تخدش المرآة بخاتم «كونكورد» المرصع بماسة سوليتير بوزن 6 قراريط (ميسيكا)

اكتشفت فاليري أن في صالونات هذا المطعم الخاصة تُروى أسطورة تعود إلى القرن الـ19 مفادها بأن النساء كن يتعمدن خدش المرايا بالأحجار الكريمة، وتحديداً الألماس؛ لاختبار أصالتها. هذه الخدوش لا تزال شاهدة على تلك اللحظات حتى اليوم، وكان من الطبيعي أن تُحفّز خيال المصممة.

يحمل خاتم «ماي توين» الجديد نقشاً خاصاً «Messika x Lapérouse» ليُخلّد هذه الشراكة الفريدة بالذهب والألماس (ميسيكا)

وهكذا وُلدت فكرة استحضار الرابط الأبدي الذي يجمع بين المرأة والألماس من خلال إصدار جديد من تصميم «ماي توين» الأيقوني. جاء هذه المرة مصنوعاً من الذهب الوردي ويجمع بين حجرين من الألماس يزن كلّ منهما 0.60 قيراط؛ أحدهما مقطوع على شكل الكمثرى، والآخر على شكل الزمرد، موضوعين وجهاً لوجه في تناغم عصري يعبّر عن مفهوم «تُوَا إيْ مُوَا (أنت وأنا)». يستمد الخاتم طابعه الرومانسي من امتزاج شكلين متناقضين يكمل كلاهما الآخر، وتحيط بكل حجر هالة من الياقوت الأحمر، في تباين لوني جريء يُجسّد قوة الحب والترابط. كما يعبّر التصميم عن فلسفة «ميسيكا» في الانسجام عبر التناقض بدل التماثل.

نغمات من الأحمر العميق وأطباق شهية شكلت خلفية للألماس (ميسيكا)

تقول فاليري عن هذه الخطوة: «(لابيروز) يلمس قلبي منذ زمن طويل، فهو يجسّد وجهاً من وجوه باريس؛ تلك المدينة التي يسطع فيها الضوء كأنّه صندوق مجوهرات. ما يزيد من أهميته بالنسبة إليّ كيف تُشكّل الألماسات جزءاً من روحه. هذا إضافة إلى أن تاريخه يحمل طابعاً من الحرية والجرأة المبطّنة، وهو ما يتناغم تماماً مع هوية دار (ميسيكا). أردت عبر هذا التصميم أن أنسج خيوطاً بين الماضي والحاضر، وأن أُحيي هذا الطقس الرمزي للحب والألماس الذي خلّف أثره على مرآة الحُب بإحساس بالغ بالرهافة».

الألماس والحب... علاقة أبدية لعبت عليها المصممة (ميسيكا)

لتجسيد هذه المشاعر تعاونت مع المصوّرة أوليفيا هودري لكي تتواصل هذه القصة عبر سلسلة من الصور مستوحاة من عالم «لابيروز» برومانسيته وغموضه، وهو ما يُفسِر الخلفية التي تغلب عليها نغمات الأحمر العميق والعناصر الحسيّة.


كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
TT

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

عُشاق الموضة، كما في أغنية عبد الحليم حافظ، «حائرون... يفكرون... يتساءلون في جنون»: أي عرض كان أفضل من غيره في الأسبوع الماضي؟ ما بين عرض «سكياباريللي»، الذي بلغ فيه دانييل روزبيري أقصى درجات السريالية، وأول تشكيلة «هوت كوتور» لماثيو بلايزي في «شانيل» مطبوعة بالخفة والنعومة، وصولاً إلى «ديور» حيث اجتمع الإبداع بالوفاء.

مزيح مُتنوع بدا فيه «الأسبوع» كأنه سباق أفكار أكثر منه عروضاً لفساتين وإكسسوارات تستعرض أساليب جديدة تحترم جينات كل دار... بل كشف عن ثنائية واضحة هيمنت على «الأسبوع»: سريالية كما في «سكياباريللي« في مقابل رومانسية كما تجلّت في «ديور». وفي كل الحالات، يبدو هذا الموسم كأنه يبحث عن معنى الاستمرارية.

أحجام كبيرة لكن مدروسة وتفاصيل تحفز الحواس وتوقظها كانت أكثر ما ميز تشكيلة جوناثان آندرسون (ديور)

اختلاف الأساليب جعل «أسبوعاً» كان إلى عهد قريب يخاطب شريحة قليلة جداً من النساء وراهن البعض على نهايته منذ عقد من الزمن يغلي بالأفكار... وهذا ما جعله يصمد في وجه الأزمات الاقتصادية التي مرت عليه... تجعله أحياناً يخفت، لكن جذوته لا تنطفئ. الفضل يعود هنا إلى مصممين مسكونين برغبة جامحة في الابتكار وزبونة جديدة تتوق إلى فرض ثرائها بأي ثمن.

باقة قدمها غاليانو إلى آندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (أ.ف.ب)

في التسعينات من القرن الماضي كانت هذه الزبونة تتوق إلى التفرد أكثر مما تتوق إلى استعراض جاهها؛ مما فتح الأبواب أمام مصممين بريطانيين لدخول الساحة الباريسية، مثل جون غاليانو والراحل ألكسندر ماكوين، وفيبي فيلو... وغيرهم. الخَضّة الفنية التي حدثت في تلك الحقبة شبيهة بما يحدث في الموسم الحالي. فنحن هنا نتابع دخول مصممين شباب بيوت أزياء كبيرة كانت في أمسّ الحاجة إلى دمائهم الفائرة لِخَضّها وإعادة الحيوية إليها، من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في دار «ديور»، من دون أن ننسى الأميركي دانييل روزبيري، الذي نجح منذ أكثر من 6 سنوات في وضع بصمته على دار «سكياباريللي». فكما فعل غاليانو وماكوين في التسعينات، يتعامل روزبيري مع «سكياباريللي»، وجوناثان آندرسون وماثيو بلايزي وغيرهما مع الـ«هوت كوتور» بوصفه منصة لتفجير المخيلة. ليس من الضروري أن تقدم أزياء تقوم على الجمال وحده؛ بل بإمكانها أن توقظ مشاعر مربكة تستفز الناظر وتجعله يُفكِر أيضاً.

عهد جوناثان آندرسون الجديد

متابعة لما اقُترح خلال «الأسبوع»، ستجعل ما عُرض لـ«ربيع وصيف 2026» باقياً محفوراً في الذاكرة بوصفه من أعلى المواسم دسماً من ناحية الإبداع، أو على الأقل هذا ما يقوله كثيرون بعد عرض أول تشكيلة من هذا الخط لجوناثان آندرسون، المدير الإبداعي لـ«ديور»... كانت أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس؛ لم يخرج فيها عن الإيقاع التاريخي للدار، وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً.

لم يخرج المصمم عن الإيقاع التاريخي للدار وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً (ديور)

يذكر أن الإعجاب به هنا لم يقتصر على الأزياء والإكسسوارات فقط، بل كسب القلوب وامتنان شريحة كبيرة من عشاق الموضة؛ لأنه أعاد الاعتبار إلى المصمم جون غاليانو... صرَح بأنه ملهمه وقدوته وأستاذه. أما سبب الامتنان؛ فيعود إلى أن الحنين إلى عهد غاليانو هو في جوهره حنين إلى الجرأة الإبداعية والخيال الجامح. بالنسبة إلى كثيرين، دخلت «ديور» بعد خروجه في عام 2011 مغضوباً عليه، حالة استقرار تجاري، لكنها فقدت تلك الصدمة البصرية التي تعيد تعريف الـ«هوت كوتور» بوصفه مساحة للسرد التاريخي والمغامرة.

في بودكاست أجراه جوناثان آندرسون مع عمران أميد، مؤسس موقع «بيزينس أوف فاشون (Business Of Fashion)»، قال إن جون غاليانو كان ولا يزال بالنسبة إليه نجماً ساطعاً، بدليل أن اسمه كان في مرحلة من المراحل مرادفاً لاسم الدار. أما على المستوى الشخصي، فعلّق بأن غاليانو علّمه، وهو لا يزال طالباً، أن «يحلم بالحجم الكبير». بعد التخرج استمات باحثاً عن رقم هاتفه على أمل أن يتدرّب لديه. في ذلك الوقت، كان غاليانو في ذروة مجده، فيما كان هو مجرد شاب في بداية الطريق، يراقب من بعيد ويختزن تلك التجربة في ذاكرته المهنية.

كانت تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2026» أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس (ديور)

نجح التلميذ ولم ينس مُلهمه، لا سيما أنه بات يتنفس إرثه في كل مكان داخل «ديور». عندما انتهى من تصميم مجموعته الأولى من خط الأزياء الجاهزة في العام الماضي، دعاه للأتولييه، ليعرضها أمامه ويسمع رأيه فيها. لم يتأخر غاليانو. حضر وأحضر معه كيساً مليئاً بالحلويات والسكريات من محل «تيسكو» الشعبي، وباقة سيكلامين، أو زهور «بخور مريم» مشبوكة بشريط أسود. هذه الباقة تحوَلت إلى الشرارة التي أشعلت كل شيء في مجموعة الدار لـ«ربيع وصيف 2026».

الإبداع والوفاء

باقة قدمها غاليانو لآندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (ديور)

يشرح جوناثان، وفق ما جاء في البيان الصحافي الذي وزعته الدار، أن مجموعته لـ«ربيع وصيف 2026»، بألوانها والتواءاتها والتفافاتها حول الجسم، ليست حنيناً أو اقتباساً حرفياً من الماضي، بل هي «عدسة تفسيرية يعاد من خلالها تفكيك الحاضر وإعادة تجميع عناصره لفتح احتمالات جديدة لتخيله»، مشيراً إلى أنه لا يحاول أن يكون بديلاً لقدوته، بل أن يكون استمراراً له. فـ«ديور»، وفق قوله، «ضخمة لا يمكن وضعها ضمن قالب نهائي، بل يجب التعامل معها على أنها عملية إبداعية مستمرة، تتغير وتتطور مع كل مصمم».

الحب بالورود والأزهار

من هذا المنظور يبدو استحضار الورود امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي، إذا أخذنا في الحسبان علاقة المؤسس كريستيان ديور بالورود والأزهار. وحتى إذا نسينا، فإن عطور الدار تُذكرنا بهذه العلاقة الأبدية، كذلك أول عرض قدمه راف سيمونز للدار بعد توليه قيادتها الإبداعية بعد خروج غاليانو. غرس مليون وردة في جدران وسقف «متحف رودان» وامتدت هذه الورود إلى التصاميم التي أخذت أشكال ورود متفتحة ومُلتفة من كل الجوانب.

استحضار الورود كان امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي (ديور)

أعاد سيمونز التجربة في تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2016»، حيث صمم ديكورها على شكل تلة علوّها نحو 59 قدماً وغطتها نحو 300 ألف وردة ديلفينيوم باللون الأزرق البنفسجي.

وفق «ديور»، فـ«إننا عندما نستلهم من الطبيعة، فإنها تُعلِمنا أنها لا تُقدّم خلاصات نهائية قاطعة، بل تكشف عن أنظمة في حركة دائمة؛ تتطوّر، وتتكيّف، وتتواصل عبر الزمن». ووفق هذا المنطق، تأتي الأزياء الراقية مختبراً للأفكار وللحرفية على حد سواء، بحيث تتحوّل التقنيات العريقة من ذاكرة الماضي إلى معرفة حيّة نابضة.

فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد في انسجام تام بين الجسد والأنا (ديور)

أما كيف ترجم آندرسون هذه الأفكار، فمن خلال فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية، أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد، في انسجام تام بين الجسد والأنا. ومع كل حركة، تفتتح حواراً آخر مع أعمال فنانة الخزف ماغدالين أودوندو، التي تعاون معها المصمم لخلق أشكال باستدارات جديدة، ستشكل إضافة لمفردات الدار من دون المساس بأسسها الراسخة.

جون غاليانو... الحاضر بقوة

حضور غاليانو العرض وجلوسه جنب آنّا وينتور؛ عرابة الموضة، كان كافياً لإعادة النقاش بشأن الإرث والمسؤولية وإمكانية البناء على الماضي بدل تفكيكه بنية إعادة بنائه من الصفر، لمجرد استعراض المهارات. فأشكال الورود هنا لم تكن مجرد زخرفة، بل لغة حب، تلخصت في باقة صغيرة قدمها أستاذ لمعجب، وجعلت حضوره جزءاً مؤثراً في سردية هذه اللحظة المؤثرة من تاريخ الدار.

أثره وتأثيره ظهرا أيضاً في الفلسفة العامة لمجموعة أظهر فيها آندرسون أنه يتشارك مع غاليانو قناعة أساسية مفادها بأن الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على فكرة قادرة على إرباك المتلقي ودفعه إلى إعادة النظر فيما يعرفه واعتاده. فوفق رأي آندرسون، يمكن أن تكون الصدمة أداة للبيع؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد للدار.

«سكياباريللي» تعود للإحساس

بينما اختار آندرسون مساراً عاطفياً يميل إلى الحلم أكثر، تعامل دانيال روزبيري، المدير الإبداعي في دار «سكياباريللي»، مع مفهوم الصدمة في خط الـ«هوت كوتور» بشكل دخل فيه مناطق الألم والنشوة.

يقول روزبيري إنه كثيراً ما يُسأل عن جدوى هذا الخط، «وردِّي ببساطة أنه ليس للحياة اليومية؛ بل هو مساحة تتيح لي التواصل مع ذلك الشاب بداخلي الذي اختار الخيال على الطرق المضمونة... فهو بالنسبة إليّ دعوة إلى التوقف عن التفكير العقلاني، والعودة إلى الإحساس».

نحتت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية (سكياباريللي)

بين الألم والنشوة

أطلق على هذه المجموعة لـ«ربيع وصيف 2026» عنوان «الألم والنشوة»... ألم الولادة ونشوة الاكتشاف، مما انعكس في «كل تفصيل فتحه المصمم على بوابات الإحساس عندما تقع العين على الفن وتتأمله» وفق ما جاء في البيان الصحافي للدار.

في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، وخلال زيارة خاصة إلى «كنيسة سيستينا (Sistine Chapel)» في روما، عاش المصمم لحظة تجلٍّ وهو يرفع عينيه إلى السقف.

شدّته رسومات أنجزها حشد من الفنانين، ثم يأتي مايكل أنجلو في عام 1508 ليضع لمساته ويُغير كل شيء... «في تلك اللحظة»؛ يقول روزبيري، «توقف التفكير وبدأ الإحساس، فبعد 40 عاماً، جاء أنجلو برؤية جامحة وصاخبة بصرياً ليقلب مسار الفن إلى الأبد. كانت أيضاً هشّة ورومانسية بامتياز، يمتزج فيها الألم بالنشوة، امتزاجاً مروّعاً وبديعاً. فمايكل أنجلو لم يشرح؛ فقط أذن للناظرين بفتح باب الإحساس عند تأمّل الفن».

الصحوة الإبداعية

صحوة المصمم الإبداعية ظهرت في ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ... اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير (سكياباريللي)

في لحظة التجلي هذه، قرر المصمم، ولأول مرة منذ سنوات، أن يتوقف عن التفكير في كيف يجب أن يبدو الشيء... «بدأت أُنصت إلى ما أشعر به في لحظات الإبداع. لم يعد النبض العاطفي يتمحور حول الشكل، بل حول الإحساس: كيف نشعر ونحن نعمل على إنجازه؟ يا لها من راحة... ويا لها من صحوة إبداعية» ظهرت في خطوط حادة تحولت إلى ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير.

استلهم روزبيري الألوان من طيور الجنة: الوردي والأزرق والزعفراني... وكذلك بعض الأشكال (سكياباريللي)

لكن المصمم يُؤكد أنها ليست تمرداً مطلقاً على الواقع؛ بل هي أيضاً احتفال بالمهارة الجماعية في المشاغل، وحرفية جسّدت ذروة الخيال والمهارة. الدانتيل المقصوص مثلاً نُفِذ بأسلوب نحتي ثلاثي الأبعاد، والريش، بنوعيه الحقيقي والاصطناعي، لُوّن وغُمِس في الراتينغ قبل أن يزين بالكريستال، فيما منحت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية. أما الألوان فمُستلهمة عموماً من ألوان طيور الجنة؛ الوردي، والأزرق، والزعفراني. بالنسبة إلى الإكسسوارات، وهي من العناصر القوية التي تفخر بها الدار وتميزها، فجاءت برؤوس طيور اصطناعية مصنوعة من ريش حريري، ومناقير راتينغية، وعيون لؤلؤية، إلى جانب رموزها الأيقونية مثل ثقب المفتاح.

ما نجح فيه روزبيري، وجوناثان آندرسون في «ديور»، أنهما لم يجعلا الصدمة، باختلاف لغتها، نقيضاً للحلم، بل جعلاها طريقاً للوصول إلى القلب.


أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
TT

أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)

لا يزال أسبوع الهوت كوتور لربيع وصيف 2026 بباريس مستمراً في إتحاف عشاق الموضة بأجمل الأزياء وأكثرها ابتكاراً. فهذا الموسم يختلف عما تابعناه لسنوات، بفضل دخول مصممين شباب إلى بيوت أزياء كبيرة بدأوا يضخونها بديناميكية غابت عن الساحة طويلاً. من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في «ديور» وهلم جرا من الأسماء الشابة، التي أكدت لحد الآن قدرتها على إبداع قطع تحاكي اللوحات الفنية، معتمدين على مهارات ورغبة في التميز عوض الاعتماد على إحداث الصدمات لمجرد خلق الجدل.

سفيرات دار «شانيل» بينلوبي كروز شارلوت أوف موناكو ونيكول كيدمان (شانيل)

لكن الملاحظ أن هذا الأسبوع، ومنذ انطلاقه، شهد غزواً غير مسبوق لنجمات وسيدات المجتمع، مثل ريهانا ونيكول كيدمان وبنيلوبي كروز ولورين سانشيز، زوجة الملياردير جيف بيزوس وهلم جرا.

قد يقول البعض إن الأمر عادي بحكم أن بيوت الأزياء تستضيف هؤلاء للحصول على مزيد من البريق في أسبوع قائم أساساً على البريق والتميز. وهذا صحيح لكن الجديد هذه المرة أن التغطيات الصحافية تكاد تتجاهل ما يجري على منصات عروض الأزياء في كثير من الأحيان لتُسلط الضوء على ما يجري خارجها أو في الصفوف الأمامية، بدليل التغطيات على وسائل التواصل تحديداً.

أصبح وجود نجمات في الصفوف الأمامية مسألة وجودية بالنسبة لبيوت الأزياء الكبيرة خاصة (رويترز)

النادي النخبوي يفتح أبوابه للعالم

هذا المشهد يعكس سؤالاً قديماً متجدداً: هل وجود النجمات يطغى على أهمية عروض الأزياء أم أنه يُغذيها ويمنحها حياة أبعد من المنصة؟ الجواب عن هذا السؤال يمكن أن نجده في تغير الزمن من جهة، وثقافة «الهوت كوتور» من جهة أخرى. فرغم الطابع النخبوي لهذا الخط وعدد زبوناته المحدود، فإنه لم يعد حدثاً مغلقاً كما كان عليه في السابق. فقد تبنى منذ سنوات استراتيجية التواصل مع جمهور أكبر عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن انتبه صناع الترف أن صورة واحدة لشخصية مشهورة وهي تصل إلى العرض أو تجلس في الصف الأمامي قد تحقق انتشاراً يفوق تأثير عرض كامل.

المصممون تقبلوا هذا الأمر أيضاً، فالحرفية العالية واحترام معايير الإبداع والاستثمارات الكبيرة التي يتطلبها هذا الخط، لا تساوي شيئاً إذا لم تصل ثمراتها إلى جمهور يحلم بها ويرغب في اقتنائها، أو على الأقل الانتماء على نادي التميز ولو من خلال عطر أو أحمر شفاه أو حقيبة يد.

لورين سانشيز رفقة زوجها جيف بيزوس مؤسس شركة «أمازون» لدى وصولهما عرض «سكياباريللي» (غيتي)

من هذا المنظور، فإن هذا الغزو المكثف هذا الموسم جزء من خطة مدروسة، تتداخل فيها الأدوار بين السفيرة الرسمية للدار مثل نيكول كيدمان والأميرة شارلوت أوف موناكو والنجمة الإسبانية بنيلوبي كروز كسفيرات لدار «شانيل» وبين الزبونة الجديدة مثل لورين سانشيز التي باتت تفرض حضورها في هذه العروض، وبين النجمة المؤثرة مثل ريهانا. هذه الأخيرة مثلاً اضطرت إلى تأخير عرض «ديور» ما يقرب الساعة انتظاراً لوصولها.

للزمن الجديد متطلباته

النجمة ديمي مور في عرض «سكياباريللي» (سكياباريللي)

هذا الكم من النجوم والاهتمام المتزايد بهم في هذا الموسم يتزامن مع التغيرات التي تشهدها الموضة ككل. فدار «فالنتينو» تقدم أول عرض لها بعد رحيل مؤسسها فالنتينو غارافاني، بينما قدَّمت دار «جيورجيو أرماني» عرضاً ذكَّر الكل بغيابه وكأنهم كانوا قبل ذلك يقاومون الإحساس بفقده. إضافة إلى كل هذا، فإن تصدر مصممين شباب المشهد في وقت عصيب بسبب تراجع الإيرادات، يُحتِم تقبل أن هذه الشخصيات بكل ما تثيره من ضجيج إعلامي ضرورية، كونها تلعب دور الوسيط بين الرؤية الإبداعية وبين جمهور واسع. لذلك فإن الاستثمار في حضور أسماء لامعة هو جزء من استراتيجية تعزز الصورة على المدى البعيد.