نقاد السينما العرب أخلصوا لحبهم وواكبوا كل حدث وفيلم

الناقدة أمل الجمل من جيل جديد
الناقدة أمل الجمل من جيل جديد
TT

نقاد السينما العرب أخلصوا لحبهم وواكبوا كل حدث وفيلم

الناقدة أمل الجمل من جيل جديد
الناقدة أمل الجمل من جيل جديد

في سلسلة مقابلات أجراها الناقد صلاح سرميني بين عدد من النقاد العرب، مختارا أصواتا من المغرب ولبنان ومصر والجزائر والعراق من بين أخرى، طرح نقاط حوار تدور حول موقف النقاد السينمائيين العرب من المهنة التي يمارسونها ومع مفهوم النقد السينمائي على وجه التحديد.
وجاءت الإجابات مختلفة ومتعددة، وهو أمر طبيعي، لكنها صادقة وفي كثير من الأحيان عفوية. فالنقاد المشاركون، ومنهم رامي عبد الرازق وأمل الجمل وعبد الكريم القادري وأحمد تامر جهاد إلى جانب آخرين، من النخبة الجادة في عملها والتي تعتمد على حبها للسينما لكي تلعب الدور الثقافي الذي اختارته ولتساعد في نشره وإيصال المعلومة والرأي إلى القارئ الراغب.
والواقع أن هؤلاء وكثيرين سواهم، واكبوا السينما طويلا وتناوبت أجيالهم في محاولة تحليل أفلامها والكتابة عن مخرجيها وصانعيها وتياراتها ومهرجاناتها. كونوا تاريخا خاصا بهم قد لا ينظر إليه كوحدة عمل متصلة ومتواصلة لكنه، وبشكل مؤكد، نوع من التاريخ الذي واكب كل حدث وكل فيلم وكل صعود وهبوط لمخرج أو سينمائي من العالم العربي أو من خارجه.
* تاريخ مقروء وفي قراءة موجزة، يستطيع المرء أن يدرك هذه المواكبة من أكثر من زاوية ووجهة أو جانب. مثلا، كما أن السينما لم تكن اختراعا عربيا (والكلمة نفسها لا ترجمة محددة لها)، فإن النقد السينمائي لم يأت من لدن مجموعة من المثقفين العرب شاهدوا الأفلام الأولى، في الثلاثينات، فسبقوا العالم الغربي بالكتابة عنها. بالتالي، هي مهنة انتشرت بالضرورة الصحافية التي حتمت على صحف ذلك الحين الاهتمام بالعروض المسرحية والمعارض الفنية والإصدارات الكتبية. الفيلم جاء لاحقا بفضل الجمهور الذي أقبل على تجارب العروض السينمائية الأولى. إذ فعل الجمهور ذلك انبثقت رغبة المطبوعات اليومية والأسبوعية والشهرية بمتابعة هذه العروض لأن هناك جمهورا لها وإن كان من كتب في هذا الصدد آنذاك أبعد من أن يكون متخصصا سينمائيا أو على اطلاع شامل بهذا الفن الوليد وتجاربه وخلفياته.
عالميا، كان هناك زاوية نقدية أسبوعية قبل 101 سنة هي تلك التي قام بكتابتها بريطاني اسمه WG Faulkner في صحيفة «لندن إيفنينغ نيوز»، وسماها: «كينيما». الحلقة الأولى من هذه الزاوية ظهرت تحديدا في السابع عشر من يناير (كانون الثاني) سنة 1912. لكن هذا لا يعني أنه كان أول من كتب نقدا أو استعراضا نقديا لفيلم ما. الكاتب الروسي ماكسيم غوركي كتب سنة 1896، قبل إحدى عشرة سنة من قيام الحكم الماركسي، عن مشاهدته الأولى، حيث أعرب عن دهشته مما شاهد. صحيفة «ذا نيويورك تايمز» نشرت سنة 1895 مقالتين من مراسلها في باريس حول عروض الأخوين لوميير.
أول مجلة سينمائية (وبها صفحات غير سينمائية أيضا) صدرت بانتظام كانت مجلة «Variety» الأميركية التي لا تزال تصدر إلى اليوم. بعدها بعام واحد صدرت مجلة أخرى باسم «Talking Machine World». ثم في عام 1911 صدرت مجلتان الأولى باسم «Motion Picture Story Magazine»، والثانية باسم «Photoplay»، ثم صدرت، سنة 1914، مجلة سينمائية أميركية ثانية باسم «Movie Pictorial»، وبعدها بعامين صدرت مجلة ثانية باسم «Film Fun»، وما إن شرقت شمس العقد الثاني من القرن التاسع عشر حتى تكاثرت المجلات السينمائية: «Film Truth» و«Filmplay» و«Motion Picture Classic»
* الكم الكبير بما أن هذا ليس استعراضا تاريخيا أو زمنيا كما ليس مراجعة لتاريخ المجلات السينمائية، فإن ما هو ضروري هنا القول إن كل هذه المجلات احتوت على أشكال من النقد السينمائي والشكل الأكثر رواجا كان ذلك الجاد الذي يبحث في الخصائص وينقب في الجوانب ويقرأ في القضايا الفنية والأسلوبية. وهو نقد تزامن مع قيام الصحف العالمية بأسرها بالكتابة عن السينما في زوايا نقدية متواصلة مؤسسة بذلك صرحا ما زال مستمرا حتى اليوم.
على أن النقد السينمائي العربي إذ شق طريقه المتواصل منذ مطلع الأربعينات، على الأرجح، ولد طبيعيا في كنف الأعمال السينمائية العربية كما في كنف الأفلام الأجنبية وعلى نحو واسع. وتتالت الأجيال على نحو متواصل. فمن جيل الريادة الزمنية، إلى جيل الريادة المعرفية في مطلع الستينات ومنه إلى الجيل الحالي الذي يواصل حمل الرسالة ذاتها ولو أنه بات أكثر سعيا للاختلاف مستفيدا من تكنولوجيا المعلومات كما لم يكن ذلك متاحا، بهذا القدر، من قبل.
الفاصل بين جيل مثله كثيرون من بينهم سامي السلاموني وفتحي فرج وسعد الدين توفيق ورفيق الصبان وسمير فريد وكمال رمزي وعلي أبو شادي وإبراهيم العريس وأمير العمري وعدنان مدانات، وكاتب هذه الكلمات، وبين جيل أحدث من بين أبنائه مجدي الطيب وهوفيك حبشيان ونديم جرجورة ورامي عبد الرازق ومبارك حسني ومحمود عبد الشكور وأحمد شوقي وأحمد الملا وريما المسمار وأمل الجمل، وسواهم، ليس زمنيا. فبين هذين الجيلين هناك من دخل المجال في وقت لاحق للأول وسابق للثاني مثل ماجدة موريس وخميس الخياطي وعبد الكريم قابوس من بين آخرين.
الكم كبير بالفعل. عدا هذه الأسماء يمكن ضم العشرات سواهم منتمين إلى كل السنوات السابقة والحالية وما بينها. لكن الثابت أنه في حين يلتقي الجميع على الرغبة في الكتابة في فن السينما، فإن الغالبية تختلف في فن الكتابة النقدية ذاته. بكلمات أخرى، هناك مستويات مختلفة حتى بين الذين يدركون ويمارسون المهنة على نحو جدي لا هزل فيه. طبعا، هذا الزخم يستثني الذين يكتبون قليلا أو يواكبون القافلة حبا في الظهور ومن دون علم يمكنهم من الالتحام فعلا بالجسد النقدي الماثل. ولأن الرسالة النقدية ما زالت مهمة، نجد أن الكتابة لم تعد تعرف، من ناحية أخرى، مبدأ الأجيال على نحو صارم لأن العديدين من كتبة النقد في الستينات والسبعينات ما زالوا يمارسون المهنة إلى اليوم جنبا إلى جنب النقاد الجدد.
لكن هل يعني ذلك أن الوضع النقدي العربي في حال جيد.
الحال أنه جيد في أحوال وسيئ في أحوال أخرى. على الصعيد الأول يؤمن وجود الجيل الجديد مواكبة غير متقطعة وإيمانا حثيثا بالنقد كتعبير عن حب وتقدير كما كمهنة. أيضا من الحسنات أن الحرية الممنوحة للنقد السينمائي العربي أكبر من تلك الممنوحة للكثيرين من نقاد السينما في الغرب، ذلك لأن صحف هؤلاء تفرض عليهم الكتابة أساسا عن الأفلام الهوليوودية الكبيرة وتترك لهم حرية الكتابة عن الأفلام ذات القيمة الفنية في عدد محدود من السطور.
على الصعيد الثاني، هناك إفلاس وفوضى. إفلاس من قبل الذين لم يعودوا قادرين على التطور وتوقفوا عند مفاهيم ثابتة، وفوضى لأن جدار النقد منخفض يسمح لكل من هب ودب بأن يتحول إلى «ناقد سينمائي».
* هل يعرف الناقد أكثر من المخرج؟
* حاول النقد السينمائي أن يسد فراغا في إبداء رأيه وقراءته لما هو منجز من أعمال سينمائية. هذه المحاولة كثيرا ما ووجهت من قبل مخرجين بالصد وأحيانا بالعداء، لكونهم عدوا أن النقد أقل مرتبة من صنع الأفلام ذاته. لكن التجارب أثبتت أن نقادا كثرا حول العالم يعرفون أفضل ويشاهدون أفلاما أكثر، بل بعضهم لديه شعبية لا يصل إليها المخرج بسهولة، إذا ما وصل يوما.



ستيفن سبيلبرغ يعود إلى عوالم الغزو والخيال العلمي

توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)
توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)
TT

ستيفن سبيلبرغ يعود إلى عوالم الغزو والخيال العلمي

توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)
توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)

في الـ11 من الشهر المقبل، يُطلق المخرج والمنتج ستيفن سبيلبرغ فيلمه الجديد «يوم الكشف» (Disclosure Day)، وهو الفيلم السينمائي الـ40 له، بكونه أنجز 13 فيلماً تلفزيونياً قبل دخوله عالم السينما، ولاحقاً أنجز فيلمَي فيديو وفيلمَيْن قصيرين ما بين 1999 و2022.

في الواقع، فإنَّ فيلمه الأول الذي عُرض في صالات السينما، وهو «مبارزة» (Duel) سنة 1971، كان تلفزيوني الإنتاج داخل الولايات المتحدة، لكنه انتُخب للعروض السينمائية عالمياً خارجها، مثل حال عدد كبير من الأفلام المُشابهة في وضعيّتها آنذاك. و«مبارزة» كان فيلم طريق مع تشويق حاسم حول رجل أعمال بسيط تطارده شاحنة على طريق جبلي في ولاية أريزونا بهدف قتله. ذلك الفيلم، بالتالي، كان تشويقياً، رغم أنّ الحكاية كان يمكن لها أن تضع المطاردة بين عربة فضائية وأخرى أرضية.

سبيلبرغ يعود إلى ثيمته المفضلة: غزو الأرض (يونيفرسال)

عشرة

«يوم الكشف» (أو «يوم الإفصاح») هو خيال علمي عن موضوع غزو الفضاء للأرض. وبذلك، فهو الفيلم العاشر من هذا النوع من توقيع المخرج. هذا بالطبع إلى جانب عدد آخر من الأفلام التي اكتفى بإنتاجها واختار من يخرجها سواه.

الأفلام الـ9 السابقة هي التي بدأت بفيلم «لقاءات قريبة من النوع الثالث» (Close Encounters of the Third Kind) سنة 1977. هذا مع العلم أن سبيلبرغ أخرج فيلم هواة من هذا النوع، وفَّر تكلفته من مصروف الجيب سنة 1964، عندما كان في الـ18 من عمره، لكنه لا يُعدُّ فيلماً حقيقياً.

كان «لقاءات قريبة...» ثالث فيلم سينمائي فعليّ له بعد «ذا شوغرلاند إكسبرس» في 1974 و«جوز» (Jaws). وكلاهما كان من النوع التشويقي، وأفضلهما «جوز»، الذي حطم أرقاماً قياسية في صيف عام 1975. أما الأول فكان حكاية كوميدية مع تشويق حول خطف زوجين ابنهما من منزل عائلة عُهد إليها برعايته، وشرطي أجلساه في المقعد الخلفي من السيارة. لكن «جوز» هو تعامل سبيلبرغ الأول مع فن التشويق.

والتشويق سمة «لقاءات قريبة...» الذي تعامل مع غزاة من ذلك الطابق العلوي للفضاء.

كرَّر ذلك عام 1982 عندما أخرج «خارج الأرض» (E.T. the Extra-Terrestrial)، بعد فيلم كوميدي فشل تجارياً هو «1941»، وآخر مغامراتي حقق نجاحاً كبيراً هو «غزاة الفلك المفقودة» (Raiders of the Lost Ark) في 1981.

من «إي تي- خارج الأرض» (يونيفرسال)

مخلوقات متوحّشة

هذان الفيلمان هما الوحيدان، في سلسلة سبيلبرغ من أفلام الخيال العلمي، اللذان عكس فيهما نظرة تعاطفية مع مخلوقات الفضاء. ففي الأول دعا إلى التفاهم معها، وفي الثاني حوَّل الفكرة إلى ملهاة سريعة الإيقاع حول مخلوق فضائي عادت سفينة الفضاء إلى كوكبها من دونه.

وقبل العودة إلى قصص الفضاء، عمد إلى نوع آخر من أفلام الخيال العلمي، هي أفلام وحوش ما قبل العصور المدنية. ففي 1993 أنجز «جوراسيك بارك»، وتبعاً لنجاحه حقَّق، بعد 4 سنوات، جزءاً ثانياً في 1997. وللإيضاح، يرى المؤرخون وهواة التصنيف أنّ أفلام الوحوش هي نوع من الخيال العلمي، لكنه في الواقع ليس كذلك، وإن كان بعض العلم مُستَخدماً فيه.

النقلة الفعلية لسينما الخيال العلمي، التي حملت في طياتها عودة مكمّلة لفيلميه السابقين «لقاءات قريبة» و«إي تي»، وردت سنة 2001 عبر «ذكاء اصطناعي» (A.I. Artificial Intelligence)، حكاية الصبي غير البشري ديفيد (هايلي جويل أوزمنت) والعائلة التي احتضنته لمدّة لأنّ ابنها الفعلي يرقد في المستشفى. والفارق بين ديفيد وأي منتج اصطناعي آخر أنه مزوَّد بإمكانية الحبّ. وعندما يعود ابن العائلة من المستشفى سليماً، تكتشف العائلة أنها لن تستطيع احتواء الولدين، فتقرّر التخلّي عن ديفيد، الذي سيعاني طوال حياته من حبه للأم التي رعته حيناً (فرانسيس أوكونور).

مشكلة الفيلم الأكبر هي أنه عاطفي إلى حد يكاد يوازي التباكي، لكن فكرته رائعة، وتنفيذ سبيلبرغ له يضع الفيلم في مصاف الأعمال المهمّة في سينما النوع.

«يوم الكشف» هو الفيلم العاشر من هذا النوع للمخرج وسوف يُطلق في الـ11 من الشهر المقبل

بعد ذلك، في 2002، نجد سبيلبرغ في نطاق أفضل شأناً مع «تقرير أقلية» (Minority Report)، حول مستقبل يجد فيه المرء نفسه مُداراً ومحاطاً بتكنولوجيا لا قدرة له على تفاديها، خصوصاً إذا ما كان أحدهم في مركز القيادة يريد الإجهاز عليه.

عاد سبيلبرغ إلى النوع في عام 2005 في «حرب العوالم» (War of the Worlds)، وهو عن غزو من مخلوقات وحشية، من بطولة توم كروز، الذي لعب كذلك بطولة «تقرير أقلية». وكلا الفيلمين ناجح على معظم الأصعدة، كونهما عملين تشويقيين ينتميان فعلياً إلى نوع الخيال العلمي، علماً بأن «حرب العوالم» هو إعادة صنع لفيلم حقّقه بايرون هاسكن عام 1953.

الفيلم التاسع هو ذلك الذي أنجزه سبيلبرغ بعنوان «ريدي بلاير وان» (Ready Player One)، الذي تقع أحداثه في المستقبل (2045)، والمأخوذ عن لعبة فيديو مقتبسة بدورها من رواية. ولم يستقبله النقّاد جيداً، وواقعياً كان فيلماً لا يحمل السبب الكافي ليُنجزه سبيلبرغ.


شاشة الناقد: أفلام تتأرجح بين الغموض والتأمُّل في «كان»

من «رماد» (ملف مهرجان «كان»)
من «رماد» (ملف مهرجان «كان»)
TT

شاشة الناقد: أفلام تتأرجح بين الغموض والتأمُّل في «كان»

من «رماد» (ملف مهرجان «كان»)
من «رماد» (ملف مهرجان «كان»)

ASHES★★★

إخراج: ‫دييغو لونا ‬

مكسيكي | دراما

عروض: مهرجان كان (خارج المسابقة)

القلب في المكان الصحيح، لكنّ هذا الفيلم يفتقد القدرة التي تجعله أكثر تأثيراً مما هو عليه. دييغو لونا يختصر الطريق صوب عرض الحالات، ولو أدَّى ذلك إلى مواقف مبتورة وغير متّصلة على نحو سليم. حتى في مشهد البداية، حين نرى الأم إيزابل (أدريانا باز) تودّع ابنتها الصغيرة لوسيلا (آنا دياز) في صباح أحد الأيام، وتستقلّ سيارة تاكسي بعد أن توصيها برعاية أخيها الصغير. اللقطة، إدارةً وتنفيذاً، جيدة: الفتاة تراقب أمها وهي تتجه إلى سيارة التاكسي المُنتظرة. الشعور بأنّ هناك فتاة صغيرة تراقب حدثاً مؤلماً بصمت تؤلّفه اللقطة بنجاح، لكن التساؤل حول السبب غير واضح تماماً، لا حينها ولا لاحقاً.

ينتقل الفيلم بعد ذلك إلى 16 سنة لاحقة، عندما تحطّ لوسيلا وشقيقها الشاب في مدريد، ثم في لشبونة، للبحث عن أمها. أيضاً لا ذِكْر لكيف اعتقدت أنها تستطيع فعل ذلك، خصوصاً أنها ليست في رفاهية مادية تجعلها تنصرف لهذا البحث. ستجد عملاً خادمةَ شقق. ومرة ثانية، يستخدم تصوير داميان غارسيا المقارنة العاطفية، لكن على نحو مختلف. ففي أحد المَشاهد، لقطة للوسيا وهي تنظر من غرفتها الوضيعة نحو العمارات السكنية الفخمة التي تعمل فيها. هذه المقارنة تدعم ما سبق للمخرج أن أسَّسه منذ وصولها وأخيها إلى العاصمة الإسبانية. مشاعر الآخرين صوبهما باردة، والتعامل مع الشخصيات الإسبانية ليس إيجابياً إلا على نحو محدود، ولو أنّ هذا متوقَّع ويحدث في كلّ مكان.

هذا الوضع يجعل مشوار لوسيلا أبعد، وربما أهم، من مجرّد البحث عن أمها. فهي الآن تبحث عن سبل لحياة أفضل ولانتماء حانَ. الصلة هنا واضحة بين مساري الفتاة وأمها، لأنّ الحاجة إلى حياة أفضل هي الدافع للحياة، وصعوبة تحقيق هذه الحياة تتبدَّى سبباً وحيداً لهجرة الأم، ولو أنّ ذلك الإقدام ليس كافياً بقدر ما هو مفتاح الأحداث اللاحقة. ستعود لوسيا إلى المكسيك، حيث ستدرك أن وطن مولدها هو المكان الوحيد الذي يستطيع منحها تلك الهوية العاطفية.

DERNSIE ★★★

إخراج: ‫مايك مندَز ‬

الولايات المتحدة | تسجيلي

عروض: مهرجان كان (2026)

تنبع قيمة هذا الفيلم، الذي يدور حول مهنة الممثل بروس ديرن وجوانب من حياته الخاصة، من قيمة هذا الممثل أساساً، كما من جدّية ما يفصح عنه من ذكريات، وما يحتويه من آراء ومقابلات مع سينمائيين اكتشفوا فيه تلك الموهبة التي نقلته من مرحلة إلى أخرى بثبات.

بروس ديرن في «ديرنسي» (أ.ف.ب)

درس المسرح على يدَي إيليا كازان، لكنه لم يصرف وقتاً طويلاً على مسارح نيويورك، بل انطلق صوب هوليوود. وأسند المخرج وولتر هيل إليه دوراً جيداً في فيلم «The Driver» سنة 1978، وذلك في الحقبة ذاتها التي لعب فيها ديرن أدواراً شريرة، كما حاله في هذا الفيلم. بعض هذه الأدوار كانت في أفلام وسترن، وهو يذكّرنا بأنه كان أول ممثل يقتل جون واين في السينما عندما مثَّل أمامه في فيلم «The Cowboys» لمارك ريدل (1972).‬

ديرن حكواتي لا يُخفي ولا يتوارى، أو يحاول أن يكون دبلوماسياً، ممّا يضفي على الفيلم جملة من الحقائق والوقائع غير المعروفة عنه أو عن المحيطين به.

THE DREAMED ADVENTURE★★★

إخراج: فاليسكا غريسباخ

ألمانيا | بلغاريا | دراما

عروض: مهرجان كان (2026)

ينشد هذا الفيلم التحوّل من ثرثرة شبه متواصلة وسرد متقاطع وغير آبه بالتسلسل السليم إلى حكاية تشويقية، بفضل العناصر التي تحتويها القصة، ومنها الحبكة حول لقاء بين شخصين يختلفان عن باقي الشخصيات. ومنها أيضاً المكان والبلدة المهدَّمة بفعل الهجرة وتحولها إلى مكان غير آمن تسيطر عليه عصابة تهريب، ثم كذلك اختفاء أحد هذين الشخصين اللذين يقودان العمل الغامض. لكنّ غريسباخ تفعل كلّ ما في وسعها لتحاشي كل شيء يمكن له أن يؤدّي إلى سرد مشوّق أو مثير للاهتمام. كاميرتها تسجيلية الأسلوب، وما ينطلق على نحو يَعدُ بتأسيس منهج حكائي جيد، يتحوَّل بعد حين قصير إلى أحداث غير مترابطة وطويلة الأمد.

«المغامرة المتخيَّلة» (ملف مهرجان «كان»)

اختفاء سعيد (سليمان لطيف) المُفاجئ، لنا ولبطلة الفيلم، يدفع صديقته فيسكا (يانا راديفا) إلى البحث عنه وعن أسباب اختفائه.

وتحوم شكوكها حول زعيم العصابة المحلّية إيليا (ستويكو كوستادينوف)، مما يؤدّي بالفيلم إلى مسار مختلف وطويل الشأن، تستخدم خلاله المخرجة ممثلين غير محترفين وكاميرا محمولة وهاجس المحاولة في توجيه الموضوع بعيداً عن الأسلوب، أي أسلوب غير أسلوبها. والخلاصة، فيلم تقل مدته عن 3 ساعات، بينها نحو ساعة ونصف ساعة يختفي فيها بطله قبل عودته قبيل النهاية.

ولا بد من القول هنا إنّ هذا الالتباس في توجيه دفّة الفيلم صوب ما هو بديل لسرد تقليدي، يمنح العمل بعض الحسنات. فهو تأمُّل وعرض أفقي للمناخ العام للمنطقة والبلدة وما يدور فيها، أو بالأحرى ما لا يدور.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


مشكلات المرأة العربية عبر فيلمين جديدين في «كان»

«البارح العين ما نامت» (مهرجان كان)
«البارح العين ما نامت» (مهرجان كان)
TT

مشكلات المرأة العربية عبر فيلمين جديدين في «كان»

«البارح العين ما نامت» (مهرجان كان)
«البارح العين ما نامت» (مهرجان كان)

في نهاية فيلم «البارح العين ما نامت» (عُرض في قسم «نظرة ما» وهو إنتاج لبناني-فلسطيني، بدعم من «صندوق البحر الأحمر» و«مؤسسة الدوحة للأفلام»)، تسير بطلة الفيلم، ريم، في الحقول الممتدة رغم نداء شقيقها للتوقف والعودة إليه. إلى جانبها شاب يحب ريم ويناديها بدوره بالعدول عن السير نحو ما يبدو هدفاً مجهولاً وبعيداً عنهما وعن القرية التي يعيشون فيها، جنباً إلى جنب مع تلك المشكلات المتوارثة من جيل إلى آخر ومن زمن إلى زمن.

الكاميرا في فيلم ركان مياسي (المخرج والكاتب) تحرص على البقاء بعيدة بدورها. المشهد عام، من على مسافة مئات الأمتار، ينقله المخرج كما لو كان يرسم لوحة: الحشائش، والأشجار، والصخور، والأرض المفتوحة، والجبل في الواجهة.

الدافع الذي يجعل ريم (تؤديه ريم المولى) تنطلق مبتعدة وغير عابئة بالنداءات هو أنها وصلت إلى مرحلة عليها أن تتمرد على كل شيء، حتى ولو لم تكن البدائل جاهزة. تمرّدها على بيئة تخسر فيها المرأة مهما اتجهت، وتدفع الثمن حتى ولو لم تكن سبباً في المشكلة أو الخلاف.

إنه فيلم ذكي، لكنه يعاني من بعض النواقص في تأمين لُحمة أفضل بين مشاهده، خصوصاً خلال ربع ساعته الأولى على الأقل.

يدور حول فتاة تجد نفسها مطلوبة لتكون زوجة رجل لمجرد أن التقاليد تفرض ذلك، بعد أن تسبب شقيقها في صدم رجل من عشيرة أخرى بشاحنته. العشيرة تطالب بالزواج منها ومن شقيقتها جواهر فدية وإلا فالعقوبة القتل.

تقاوم ريم بصمت كل ما يُفرض حولها. حياتها، واحدة من قبائل البدو في سهل البقاع بلبنان، تشبه أنشوطة الحبل حول عنقها. وعندما يُفصل بينها وبين شقيقتها، تشعر بأنها خسرت معركتها مع الجميع. تركض مبتعدة، وفي ابتعادها رغبة في التحرر ونيل الحرية.

«فراولة» (لومن فيلمز)

على الرغم من أن الفيلم يتبنى وجهة نظر ريم، غير أنه لا يسعى إلى الحكم على التقاليد نفسها، ولا إلى تجريم الخيارات القليلة المتاحة. يصوّر قسوة الوضع على ريم وشقيقتها، لكنه لا يلج مطلقاً إلى تحويل الحكاية إلى فاجعة أو الشخصيات إلى خطابات كما فعلت أفلام أخرى.

عين ركان مياسي تحيط بالمكان المُعاش جمالياً. هذا الفيلم كان ينبغي أن يُعرض بنظام الشاشة الكبيرة لكي تحتل جمالياته المكانة التي تستحقها.

مراوحة

فيلم آخر عُرض في القسم نفسه هو «فراولة» (Strawberries، والعنوان الفرنسي: La Más Dulce)، وهو إنتاج مغربي-إسباني لليلى مراكشي، حول امرأة مغربية تُدعى مريم (تؤديها هاجر غريغا) تهاجر إلى إسبانيا للعمل في حقول الفراولة لمساعدة عائلتها. يُطلعنا الفيلم في مقدمته على أنها كانت سجينة لفترة قصيرة؛ هذه الخلفية ستعقد شهادتها لاحقاً عندما تحاول الكشف عن العبودية والفساد المستشري في مزارع الثمار، حيث يستغل البعض براءة بعض الفتيات ويجبرهن على الدعارة.

حسناء (تؤديها نسرين الراضي) هي الضحية التي يعالجها الفيلم. تريد مريم الوقوف إلى جانبها لكنها لا تستطيع، وبعد حين، عندما تعود حسناء من خلوة نظمها أحد مديري المزرعة مع أحد الأثرياء وهي على شفير الموت، تجد مريم نفسها مضطرة للكشف عما يجري. لكنها مرة أخرى تلتزم الصمت حفاظاً على عملها وخوفاً من ردّة فعل أشرار المكان.

نجلاء فتحي وعايدة رياض في «أحلام هند وكاميليا»

قصصياً، هذا يشبه المراوحة في مكان واحد لفترة طويلة قبل وصول الفيلم إلى لحظاته الأخيرة، حيث تُلقي مريم خطبة عصماءً أمام المحكمة لفضح ما يجري.

استمدت المخرجة الحكاية من حادثة حقيقية، لكنها تحافظ على نبرة غير حادة بما يكفي، بقدر ما هي فرصة لطرح الموضوع. يفشل السيناريو في ترتيب الأحداث بشكل أفضل، ويضر تردد مريم في الإفصاح أو عدم الإفصاح بالقضية المطروحة، إذ إن هذا التردد ليس جوهر ما سعت المخرجة إلى تحقيقه في الفيلم.

هناك لحظات صادقة تجمع بين النساء العاملات، تستحق المتابعة، لكن الفيلم لا يسير على خط واحد بل يتحرك أفقياً، مما ينتج عنه تشتت الغاية الأساسية.

السينما العربية سلطت الضوء على معاناة المرأة والقيود الاجتماعية عبر عقود من الأفلام

أفلام أخرى

المرأة العربية كانت موضوعاً ساخناً عبر العقود، وتطرّقت إليه أفلام متعددة مثل «الحرام» (هنري بركات، 1965)، و«ليل وقضبان» (أشرف فهمي، 1973)، و«أريد حلاً» (سعيد مرزوق، 1975)، بالإضافة إلى عدد كبير من الأفلام غير المصرية. كثير منها نبش في الأوجاع الناتجة عن هضم الحقوق والتقاليد، لكن بعضها لم يكن سوى توظيف لموضوع ينتهي بالإدانة من دون تقديم حلول.

المخرج محمد خان تناول موضوع المرأة في المجتمع المصري في أكثر من فيلم، من بينها «أحلام هند وكاميليا»، و«زوجة رجل مهم» (كلاهما 1988). الأول يتناول رغبات خادمتين في الانعتاق من سلطة اجتماعية تحاول كل منهما التخلي عن عذوبة الحياة وأحلامهما، والثاني يحكي معاناة زوجة ضابط مخابرات من فاشية زوجها وسوء معاملته.

خارج النماذج المصرية، انتشرت في السينمات العربية أفلام تنتقد وضع المرأة، من بينها بالطبع «وجدة» لهيفاء المنصور، و«صمت القصور» لمفيدة التلاتلي، إضافة إلى فيلم المخرجة اليمنية خديجة السلامي المنسي «أنا نجوم بنت العاشرة ومطلقة» (2015).