ناج من «داعش» لا يفارقه صوت الساطور يقطع يديه... وآخر فقد عائلته وساقيه

«الشرق الأوسط» تنقل شهادات مصابين نزحوا إلى مخيم عين عيسى في ريف الرقة

أحمد حميدي فقد ساقيه وعائلته بقصف في ريف الرقة («الشرق الأوسط»)
أحمد حميدي فقد ساقيه وعائلته بقصف في ريف الرقة («الشرق الأوسط»)
TT

ناج من «داعش» لا يفارقه صوت الساطور يقطع يديه... وآخر فقد عائلته وساقيه

أحمد حميدي فقد ساقيه وعائلته بقصف في ريف الرقة («الشرق الأوسط»)
أحمد حميدي فقد ساقيه وعائلته بقصف في ريف الرقة («الشرق الأوسط»)

تبقى قصة أحمد حميدي، الشاب الثلاثيني، محفورة في ذاكرة والديه، اللذين يبكيان كلما عاد بهما المشهد إلى ذلك اليوم الذي أدمى قلب ابنهما البكر. أحمد المنحدر من حي الدرعية غرب مدينة الرقة كان متزوجا ولديه أربعة أطفال، ولدان وابنتان، يعمل سائق سيارة أجرة ينقل البضائع والخضراوات من السوق ويوزعها على المحلات والبقلات التجارية.
لكن حدثا أليما غيّر مجرى حياته. إذ بعد إعلان معركة تحرير الرقة في يونيو (حزيران) 2017، وكانت تعد سابقا أبرز معاقل تنظيم داعش في سوريا، من قبل «قوات سوريا الديمقراطية» بدعم من التحالف الدولي بقيادة واشنطن، ومحاصرة هذه القوات المدينة، ووصولها على مشارف حي الدرعية، تعرضت المنطقة التي يسكنها أحمد لنيران طيران التحالف، ويروي تلك اللحظات لـ«الشرق الأوسط»، قائلا: «تعرضنا لقصف شديد، وسقطت قذيفة فوق منزلنا، لقي ولداي الاثنان وعمي والد زوجتي حتفهم، نعم ماتوا كلهم أمام ناظري».
دفعت الحادثة أحمد ومن تبقى من عائلته إلى أن يلوذوا بالفرار بداية يوليو (تموز) العام الماضي، لكن طريق الهروب كان يخبئ له مزيدا من الألم. إذ خسر ما تبقى من عائلته. وقال أحمد: «وصلنا إلى مؤسسة الأعلاف شمال غربي الرقة، لتنفجر بنا عبوة ناسفة زرعها عناصر (داعش) في الطريق بقصد منع المدنيين من الهروب». الحادثة سيتذكرها أحمد طوال حياته، لأنها سلبت منه زوجته وابنته وفقد على أثرها ساقيه. وأضاف: «عائلتي كانت 6 أشخاص، بقينا منها أنا من دون ساقين، وأذني اليمنى لم أعد أسمع بها شيئا، وابنتي ذات السنوات الأربع أصيبت بالشلل وباتت مقعدة من شدة الانفجار».
توقف عن الحديث. اغرورقت عيناه بالبكاء. بكت معه والدته وأبوه وشقيقاته. وللتغلب على حالته يستعين أحمد بمهدئات الأعصاب والحبوب المنومة من أجل النسيان، كما يلجأ إلى الدخان ويشرب في اليوم أربع علب من السجائر. وتابع: «لحظات مثقلة بالذكريات الحزينة». أما ابن عمه محمود الذي لم يقف مكتوف الأيدي أمام حالة أحمد، فيأتي يوميا إليه في مسعى لإقناعه على الخروج لقضاء بعض الوقت خارج خيمته، الكائنة في مخيم عين عيسى الواقع على بعد 50 كيلومترا غرب الرقة. وقال: «في كل مرة يرفض الخروج، أصبح يخجل كثيرا سيما عندما يركب الكرسي، ويتحسس من ضحكات الأطفال ونظرات الناس، يعتقد أن الجميع يشفق عليه».
وذكرت منظمة الصحة العالمية والمنظمة الدولية للأشخاص ذوي الإعاقة، في تقريرها السنوي الصادر بتاريخ 13 ديسمبر (كانون الأول) 2017، أن «هناك ثلاثين ألف مصاب كل شهر بسبب الحرب في سوريا، وأن الحرب خلّفت مليونا ونصف المليون مصاب بإعاقة دائمة»، وبحسب التقرير يعيش 1.5 مليون شخص مع إعاقات مستديمة، «منهم 86 ألف شخص أفضت إصابتهم إلى بتر أطرافهم»، مشيرة إلى أن «الصراع الدائر هناك يحتدم باستخدام أسلحة متفجرة في المناطق المأهولة بالسكان».
غير أنّ عبد الستار الحاج محمد (48 سنة) المنحدر من حارة البدو بمدينة الرقة، والمقيم حاليا في مدينة الطبقة غرب الرقة، ورغم أن ساقه اليسرى بترت جراء انفجار لغم أرضي عندما حاول الهروب في سبتمبر (أيلول) العام الماضي، من قبضة عناصر تنظيم داعش، قام الرجل المكلوم بالتجول في الأماكن المدمرة والأحياء المهجورة في الطبقة، باحثا عن الخردة وأكياس البلاستيك ليبيعها في محلات مخصصة لشراء هذه المخلفات، مقابل مبلغ زهيد يكفيه لقمة عيشه وكسب قوت بيته.
وقال لـ«الشرق الأوسط»: «كنا سنموت إما برصاص قناص (داعش) وإما بقصف الطيران، لذلك قررنا أن نلوذ بالفرار، لكن فقدت ابني الأكبر، وتعاني زوجتي من ضعف في السمع منذ ذلك اليوم».
كما تعرض منزل عبد الستار في الرقة إلى القصف، ولا يمتلك المال الكافي كي يعيد بناءه من جديد، الأمر الذي دفعه للعيش مؤقتا في مدينة الطبقة حتى تنفرج حالته. وزاد: «مضطر أن أبقى هنا، وأعمل في جمع هذه الخردة حتى يفرجها الله... اللهم فكّ كربتنا».
وبحسب تقرير منظمة الصحة العالمية، فإن أقل من نصف المستشفيات والمرافق الصحية العامة في سوريا لا تزال تفتح أبوابها أمام المرضى، بَيْدَ أن أكثرها يفتقر إلى التجهيزات المناسبة لتقديم الرعاية إلى المرضى الذين يعانون من الإصابات، كما يوجد مركزان للتأهيل البدني (في دمشق وحمص) يوفران الأطراف الاصطناعية. ولفتت المنظمة الدولية إلى أن «القيود البالغة الشدة على إتاحة الرعاية الطبية» تسببت في تحول الإصابات التي يعاني منها كثير من الناس إلى اعتلالات دائمة.
من جهته، قال جلال نوفل، رئيس مركز الصحة النفسية في مدينة غازي عنتاب بتركيا، إنّ بتر القدم أو اليد أو قطعها بحد ذاتها خسارة كبيرة للإنسان، تترافق بالصدمة والمعاناة، لأن صاحبها خسر جزءا حميما من جسده. وقال إن المصاب يعاني من أمرين: «الأول يدعى ألم الطرف الشبحي، حيث قد يرافق هؤلاء شعور بالألم مكان الجزء المبتور، كأن يشعر الشخص بحاجة إلى حك يده المقطوعة»، فيما يدور الألم الثاني حول الصورة الاجتماعية المصاحبة للإنسان وخسارة جزء حميم من جسده، مشيراً: «تنعكس عليه اجتماعيا ويرافقه شعور أنه غير مقبول ومنبوذ ترافقها حالة من الخجل».
وتذكر إبراهيم العلي (28 سنة)، المتحدر من بلدة منبج بريف حلب الشرقي، 5 يوليو 2016، حيث كان ينتظر بفارغ الصبر استقبال أول أيام عيد الفطر، حيث تحولت أفراح العيد الملونة إلى لون أسود، إذ اقتاده عناصر تنظيم داعش الذين كانوا يسيطرون آنذاك على البلدة، إلى ساحة عامة وقطعوا يده اليمنى، بتهمة بيع دراجة نارية مسروقة.
وفي منزله الطيني المتواضع في منبج، قال إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»: «أتذكر صوت المقصلة التي بترت يدي وكأنّ ذلك حدث قبل قليل. تمنيت لو حكم القاضي بالموت على أن أعيش بقية حياته بيدٍ واحدة»، حيث لم يعد بمقدوره مزاولة أي مهنة، ويخجل من الخروج إلى الشارع والاختلاط مع الناس، لأن التنظيم تسبب في عاهة دائمة لديه، كما يفضل عدم الاختلاط مع الناس كثيراً، حيث يرافقه الشعور بالخجل والعار وندبة في القلب لا يشعر بها إلا من ذاقها.
أما زوجته وفاء فتشرح حالتيه النفسية والعصبية، فقالت: «يقضي معظم الوقت مستلقيا يدعي النوم، لكنه لا يتحدث مع أحد، أما في الليل فتنتابه حالات عصبية وعلى الرغم من تناوله حبوبا مهدئة فإنه لا تنفعه ولا يصدق متى تشرق الشمس». كما لفتت زوجته إلى أنّ إبراهيم وعندما يدخل المطبخ لتحضير الشاي أو تسخين الطعام «لا يستطيع رفع شيء بيده اليسرى، لأن اليمنى مقطوعة، ثم يبدأ بتكسير الصحون والكؤوس، وكل شيء يراه أمامه».
أما وليد إسماعيل (52 سنة) الذي فر صيف 2017 من مسقط رأسه في حي الرميلة بالرقة بعد اشتداد المعارك والقصف، رفقة زوجته وأطفاله الخمسة وعائلات ثانية، انفجرت بهم عبوة ناسفة تسببت بقطع قدمه اليمنى، وفقد عينه اليسرى، وتعرض وجهه لحروق بليغة، إلى جانب مقتل عشرة أشخاص حرقا أمام عينيه، جراء شدة الانفجار، وتحولت إلى كتل من الجثث المتفحمة.
وفي محاولته رواية تفاصيل الحادثة، قال بحسرة: «نجونا بأعجوبة، بعد الانفجار حملتني زوجتي وجاري على ظهرهما مسافة كيلومترين، وأسعفاني إلى مستشفى في تل أبيض، وبتر الأطباء قدمي شبه المقطوعة لمنع انتشار الغرغرينا».
لكن وليد لم يستسلم لوضعه؛ فبعد تماثله للشفاء ذهب إلى حداد وطلب منه صناعة ساق معدنية تساعده في المشي والتحرك، كما يستخدم قدمه اليسرى فقط في القيادة، وقال في ختام حديثه: «لن أنسى الحادثة طوال حياتي، لكن اليوم أجمل ومتفائل بغدٍ أفضل».


مقالات ذات صلة

فرنسا مستعدة لدعم القوات السورية في محاربة «داعش» والسيطرة التامة على السجون

المشرق العربي قافلة أميركية تنقل محتجزين من «داعش» على طريق في ضواحي الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 7 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

فرنسا مستعدة لدعم القوات السورية في محاربة «داعش» والسيطرة التامة على السجون

فرنسا مستعدة لدعم القوات السورية في محاربة «داعش» والسيطرة التامة على المعتقلات وتتمسك بالتطبيق الكامل لمضمون الاتفاق بين دمشق و«قسد».

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا أفراد من الشرطة الهولندية في أمستردام (أرشيفية - إ.ب.أ)

هولندا توقيف 15 شخصاً بشبهة الدعاية لتنظيم «داعش»

أعلنت الشرطة الهولندية، الثلاثاء، توقيف 15 شخصاً بشبهة الدعاية لتنظيم «داعش» على تطبيق «تيك توك»، واتهمتهم بمحاولة «تحريض الآخرين على ارتكاب جرائم إرهابية».

«الشرق الأوسط» (لاهاي)
المشرق العربي قافلة تحمل «دواعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)

تحقيقات العراق مع سجناء «داعش» بدأت «من الصفر»

شدد رئيس الحكومة العراقية، محمد شياع السوداني، الثلاثاء، على أن قرار نقل عناصر تنظيم «داعش» المحتجزين من سوريا إلى العراق جاء «بقرار سيادي».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مركبات عسكرية أميركية ترافق حافلات تنقل معتقلي تنظيم «داعش» من سوريا إلى العراق في مدينة القامشلي السورية - 8 فبراير 2026 (رويترز)

السوداني: نقل سجناء «داعش» من سوريا جاء بقرار عراقي

جدد رئيس الحكومة العراقية، محمد شياع السوداني، اليوم (الثلاثاء)، موقف العراق وحرصه على أمن ووحدة الأراضي السورية واستقرارها.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شؤون إقليمية قافلة تحمل عناصر من «داعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)

أنقرة: لا انسحاب عسكرياً من سوريا بعد

أكدت تركيا أن سحب قواتها من سوريا ليس مطروحاً، على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج الموقّع بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.