بخفة ودلال ومرح تحتل النساء معظم لوحات معرض الفنان عفت حسني «ألحان لونية»، المقام حالياً بقاعة بيكاسو بالقاهرة، يتقافزن فوق سطوحها وأعماقها، ويتحركن في ألوانها وخطوطها، بعوالمهن الدافئة الشيقة، كأنهن ظلال لحكاية على وشك أن تبوح بها اللوحات، أو خرجت للتو من صفحات كتاب «ألف ليلة وليلة» بعبقه التاريخي الأثير.
يحرص الفنان على هذا الجو، ويوظفه لصناعة بهجة بصرية، تقيه شرور وزحمة وعبثية الفضاء الخارجي الضحل، معززاً ذلك بتراسلات لونية ساطعة، من الأحمر والأزرق والأسود والأخضر، بدرجاتها المخففة والثقيلة، كما تتناثر السمات الأنثوية برشاقة محببة، مشكلة محور إيقاع شفيف، يشد العين إلى ما وراء نسيج اللوحات، فتبدو الشخوص وكأنها في نزهة خاصة، تذكرنا برائحة الحارة المصرية ونسائها الممتلئات بشهوة الحياة والفرح.
يبرز اللون بسطوته كعنصر حاسم في بناء الأشكال وترتيب علاقتها بالضوء والفراغ، كما ينعكس على طبيعة رسم الشخوص، حيث تتسم بقوة لافتة في بنيانها وتعبيراتها الغضة المتنوعة، تحدها خطوط حادة، وغليظة أحياناً، تشكل فضاء التعبير بالوجه والجسد معاً، بينما تبدو الشخوص في حالة ألفة تصل إلى حد «الدلع» مع محتويات عالمها، من رموز وعلامات على هيئة طيور وأسماك وزهور ونباتات وآلات موسيقية وقطط وأحصنة تجر عربات ذات طابع رومانسي أحياناً، تتوزع في الخلفية أحياناً، وتشاكس التكوين، وتلهو معه أحياناً أخرى.
ولا يحفل حسني في ألحانه اللونية، بأعماق متوهمة في اللوحة، تشدها إلى فضاء التجريد، بإيحاءاته الوسيعة المغوية، وإنما يهتم بالبساطة والتركيز، وتفجير الضوء من شخصية اللون نفسه، واصطياد عناصر التكوين من رموز ودلالات ابنة الفطرة والوجدان، لها مردودها الواقعي، في حركة الحياة وذاكرة المخيلة الشعبية، لذلك يبرز التكوين على السطح بشكل مباشر، ويسعى إلى إنضاجه بمفردات وغلالات زخرفية متنوعة... إنه يريد للوحاته أن تصل للمشاهد بالبساطة نفسها، من دون عناء في التأويل والتلقي، وأن يحس بدفء ألوانه، وأن ولعه بالنساء هو تجسيد للرقة والحساسية والشعور بالانتماء والاحتماء أيضاً.
يضعنا كل هذا أمام شكل من أشكال «الرسم السردي»، يقترب من روح الحكاية، ويلونها برموز وخطوط واضحة، تحيل إلى تجلياتها وإيقاعها في خطي البشر والواقع... ففي إحدى لوحات المعرض يقبع أسفل اللوحة مجموعة من عازفي الأرغول والمزمار، يشكلون حلقة تشب في وسطها راقصة بزي شرقي زخرفي شفيف، في مشهد يحيل المشاهد إلى جو الأفراح والموالد الشعبية، ولا تخلو هذه الرموز من دلالات تراثية موحية، فالأسماك والقطط والطيور والورود والأحصنة تنبض بحسية مشرّبة بروح من التراث الفرعوني والقبطي والإسلامي، تتقاطع الأنثى وتتجاور معها من الداخل والخارج معاً، فالسمكة داخل الجسد، تشي بأنه محارة تحتمي بها وتفتش عن مائها الخاص الحميم، والحصان يجر الوجه في نزهة مفتوحة بنغمية اللون على براح العاطفة والطبيعة، والقط يركض في أعلى التكوين كأنه حارس للوحة، والديك بعرفه الأحمر القاني يشكل صحوة البدن من جراب النوم والحلم.
في بعض اللوحات يلجأ الفنان إلى التعامل مع اللوحة كمرآة، يكثف عليها الحضور الأنثوي، ويكرره من زوايا متنوعة لخلق تمثيل فني أكثر إغواءً وجاذبيةً، مثيراً في غباره منحى صورياً ونفسياً للصورة، فالوجه هو ظل نفسه وقناعها أيضاً، والعناصر الأخرى مهما اقتربت أو ابتعدت عنه، ستظل صدى للصورة نفسها، وقناعاً لها، في اللوحة وفي الحياة.
يتكرر هذا الأسلوب في لوحات المعرض، لكنه تكرار لا يفضي إلى التشابه غالباً، بل يخلق مساحات جديدة للرؤية والتأمل. واللافت هنا أن الفنان لا يرهن حضور الأنثى واحتفاءه بها بصرياً، بوضعها في ثنائية ضدية مع الذكورة، فنادراً ما يحضر الرجل في اللوحات، وينحصر حضوره في رشرشة عاطفية عابرة على الصورة، في مقابل حضور أوسع وأعمق لكائنات ورموز الوجود الأخرى، وكأنها تشارك الفنان احتفاءه بالمرأة بمحبة وصدق.
13:30 دقيقه
عفت حسني يحتفي بالنساء في معرضه الجديد
https://aawsat.com/home/article/1131581/%D8%B9%D9%81%D8%AA-%D8%AD%D8%B3%D9%86%D9%8A-%D9%8A%D8%AD%D8%AA%D9%81%D9%8A-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B3%D8%A7%D8%A1-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF
عفت حسني يحتفي بالنساء في معرضه الجديد
صنعن بهجة بصرية بعوالمهن الدافئة الشيقة
الفنان مع إحدى لوحاته - تحتل النساء معظم لوحات معرض الفنان عفت حسني
- القاهرة: جمال القصاص
- القاهرة: جمال القصاص
عفت حسني يحتفي بالنساء في معرضه الجديد
الفنان مع إحدى لوحاته - تحتل النساء معظم لوحات معرض الفنان عفت حسني
مواضيع
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

