سوريا 2017: «تجميد» القتال وتلاشي «داعش» بانتظار الحل الروسي

سوريا 2017: «تجميد» القتال وتلاشي «داعش» بانتظار الحل الروسي
TT

سوريا 2017: «تجميد» القتال وتلاشي «داعش» بانتظار الحل الروسي

سوريا 2017: «تجميد» القتال وتلاشي «داعش» بانتظار الحل الروسي

الجنوب السوري
إذا كانت سنة 2016 انتهت بتوقيع أولي لمذكرة «خفض التصعيد» بين الضامنين الثلاثة، روسيا وتركيا وإيران، ومذكرة أخرى روسية - أميركية - أردنية، فإن 2017 تنتهي بترجمة عملية لذلك بحيث جرى «تجميد» الصراع بين قوات النظام السوري والمعارضة، وتركيز القتال ضد «داعش»، ما أدى إلى دحر التنظيم في معقله بالرقة على أيدي «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية - العربية المدعومة من التحالف الدولي، وفي دير الزور بأيدي قوات النظام وحلفائها بدعم من روسيا. سوريا تقف حالياً على مفترق طرق بين التعايش مع مرض عضال اسمه اللااستقرار، أو تلمس احتمالات تؤسس أركان حل مستدام.
تعتقد واشنطن أنها حققت اختراقاً بموافقة موسكو خلال اتفاق بين الرئيسين دونالد ترمب وفلاديمير بوتين في هامبورغ في يوليو (تموز) الماضي على «عدم وجود قوات غير سورية» في مناطق «هدنة الجنوب» السوري في درعا والقنيطرة والسويداء، ما يعني إبعاد تنظيمات تدعمها إيران و«حزب الله» عن حدود الأردن وخط فك الاشتباك في الجولان، مقابل قناعة موسكو بأنها جلبت واشنطن إلى التعاون العسكري بين الجيشين، رغم التوتر الكبير بينهما. تضمن اتفاق «هدنة الجنوب» تأسيس مركز رقابة في عمان، واحتفاظ المعارضة بسلاحها الثقيل والخفيف، وتحديد خطوط القتال، وبدء تبادل تجاري مع مناطق النظام، وتشكيل مجلس محلي معارض، واحتمال عودة اللاجئين من الأردن أو نازحين قرب الحدود.
وبعد مرور أشهر، لم تنفذ روسيا بنود الاتفاق. وعلى هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك) في دانانغ في فيتنام، توصل وزيرا الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون والروسي سيرغي لافروف إلى اتفاق أعلن باسم الرئيسين ترامب وبوتين في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) تضمن عناصر، بينها أهمية «خفض التصعيد» في جنوب سوريا قرب حدود الأردن وإسرائيل باعتباره «خطوة مؤقتة» للحفاظ على وقف النار، وإيصال المساعدات الإنسانية. وإذ استعرض الاتفاق «التقدم» في هدنة جنوب غربي سوريا، بموجب اتفاق الرئيسين في هامبورغ في 8 يوليو، رحّبا بمذكرة تفاهم جديدة أميركية - روسية - أردنية وُقِعت في عمان في 8 من الشهر الحالي لتنفيذ اتفاق تموز.
وكان مخططاً أن تعزز هذه المذكرة نجاح مبادرة وقف النار لتشمل «الخفض والقضاء النهائي على وجود القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب من المنطقة لضمان سلام أكثر استدامة»، في إشارة إلى عناصر الميلشيات الإيرانية و«حزب الله» المنتشرين بين دمشق وحدود الأردن والجولان المحتل. ومن المقرر أن يراقب مركز الرصد في عمان تنفيذ ذلك.
لكن احتمال التصعيد هنا يأتي من أن إسرائيل غير راضية عن نتائج الاتفاق، لأنه قيد حركة طائراتها في قصف أهداف لـ«حزب الله» أو تنظيمات إيرانية قرب الجولان أو جنوب البلاد، وقناعتها أن روسيا لن تستطيع تنفيذ إبعاد مجموعات إيران للانسحاب إلى «مسافة كافية»، ما يعني أنها ستلجأ إلى استئناف ضرباتها الجوية قرب دمشق ومناطق أخرى بين العاصمة السورية والجولان المحتل، ما يهدد بمواجهة لها بعد إقليمي ودولي.
الجيش الإسرائيلي أجرى في الفترة الأخيرة مناورات ضخمة قرب حدود سوريا. وأرسلت رسائل سرية وعلنية إلى موسكو بضرورة إبعاد «حزب الله» وإيران عن الحدود. ونشرت وسائل إعلام تقارير عن إقامة إيران قاعدة بين دمشق والجولان. وبعد الاتفاق الأميركي - الروسي، أعلن الإسرائيليون أنهم يريدون أن تبقى أيديهم حرة لضرب «أهداف إيرانية» في سوريا.
وسيكون هذا أحد عوامل التصعيد في سوريا، خصوصاً وسط تعزيز إيران وجودها والحديث عن إقامة قواعد عسكرية دائمة، ورهان أميركا على روسيا لـ«إضعاف» نفوذ إيران في سوريا، مقابل تلويح إسرائيل بالتصعيد والتعامل مع جنوب سوريا وجنوب لبنان على أنهما «جبهة واحدة». وتكرر القصف الإسرائيلي لمناطق قرب دمشق وسط مخاوف من توفر عوامل إقليمية لمواجهة.
هذا ليس التحدي الوحيد في الجنوب السوري، بل هناك أمران: الأول، اقتتال فصائل و«أمراء الحرب»: هناك حوالي 35 ألف مقاتل معارض كانت تدعمهم «غرفة العمليات العسكرية» بقيادة «وكالة الاستخبارات الأميركية» (سي آي إيه) سيكونون في نهاية العام من دون دعم ورواتب. وفي الوقت نفسه، مطلوب منهم أن يحاربوا تنظيمات موالية لـ«داعش» و«جبهة النصرة» في الجنوب. هذا فصل جديد من الصراع. قتال فصائل متشددة بدل قتال قوات النظام.
مطلوب من فصائل «الجيش الحر»، بموجب اتفاقات «خفض التصعيد»، أن تقاتل «داعش» وفكره عسكرياً وسياسياً، وتطرد «هيئة تحرير الشام» التي تضم «جبهة النصرة» بعد مهلة سماح، ما يعني احتمال حصول «اقتتال الإخوة» بين فصائل كانت تقاتل معاً ضد قوات النظام في مرات سابقة. ولا شك أن سيطرة فصائل على معبر الحدود بين سوريا والأردن وتراجع الدعم الخارجي، قد يؤدي إلى بروز دور «أمراء الحرب» جراء الحصول على ضرائب على خدمات وتجارة. وبرز تزامن بين قتال الفصائل لـ«النصرة» من جهة، وانسحاب تنظيمات محسوبة على إيران من جهة أخرى.
وفي غوطة دمشق المحاصرة، حيث تتفاقم المعاناة الإنسانية لمئات آلاف المدنيين، حيث تسود هدنة برعاية روسية - مصرية، يحصل أمر مشابه: اقتتال فصائل و«أمراء حرب». حصل الاقتتال سابقاً في الغوطة الشرقية لدمشق قبل أن ينضم «جيش الإسلام» إلى الهدنة في دوما ثم «فيلق الرحمن» في جوبر والغوطة الشرقية، لكن «هيئة تحرير الشام» لا تزال خارج الاتفاق. ونص اتفاق خفض التصعيد على «التزم الطرف الأول الجيش الحر منع وجود منتسبي هيئة تحرير الشام، في المناطق الخاضعة لسيطرته بمنطقة خفض التصعيد، ويشدد على موقفه الرافض لتنظيم داعش والنصرة، وفكرهما المتطرف في أي من مناطق سيطرته. في حال استعداد منتسبي جبهة النصرة للمغادرة مع أو من دون أسرهم إلى إدلب يتم توفير ضمانات للعبور الآمن من الطرف الثاني لهذا الاتفاق». وينطبق هذا على هدنة ريف حمص التي وقعت أيضاً برعاية روسية - مصرية.
هناك تحدٍ آخر يتمثل بهجوم قوات النظام، وهي مصممة على استعادة مناطق «خفض التصعيد» عندما تحين الفرصة ويأتي وقت ذلك، الأمر الذي عبر عنه وزير الخارجية وليد المعلم قبل أيام لدى تأكيده أن هذه المناطق «مؤقتة»، إذ لم تتغير خطة دمشق لـ«حل عسكري». هي تنتظر الفرصة المناسبة للانقضاض على مناطق المعارضة لـ«عودة الجميع إلى الدولة»، واعتبار «الهدنة فرصة للمصالحة مع الدولة». كما أن دمشق ترفض وجود مجالس محلية للمعارضة على عكس موقف موسكو ونصوص اتفاقات الهدنة. وظهرت أمس حشود في «مثلث الموت» بين أرياف دمشق ودرعا والقنيطرة، إضافة إلى معارك عنيفة في بيت جن غرب دمشق وقصف ومعارك شرق المدينة.
كانت وزارة الدفاع الروسية نشرت نحو ألف عنصر من الشرطة العسكرية الروسية (الشيشان) في مناطق «خفض التصعيد». انتشر بعضهم في القنيطرة ودرعا وغوطة دمشق وريف حمص. هم يشكلون سداً حالياً أمام طموحات دمشق التي تفتقر إلى الموارد البشرية في القوات النظامية، لكن مع مرور الوقت وزيادة الثقة في دمشق، قد تتحدى هذه القوات خطوط التماس وترضخ روسيا لدمشق لجهة بسط سيطرة «سلطة الدولة» و«الحفاظ على وحدة سوريا بموجب نص القرار 2254».

إدلب بين فكين
في إدلب نحو مليوني مدني وأكثر من خمسين ألف مقاتل من فصائل إسلامية ومتشددة ومعتدلة، بينها أكثر من عشرة آلاف في «هيئة تحرير الشام». تعتقد واشنطن بوجود عشرة آلاف من «القاعدة» باعتبار أن «النصرة» جزء من «القاعدة». لكن أنقرة نجحت بالوصول مع موسكو إلى حلول وسط بضم إدلب الواقعة قرب الحدود التركية إلى اتفاق «خفض التصعيد». وقامت الخطة الروسية - التركية على نشر مراقبين عسكريين أتراك في 12 نقطة في ريفي حلب وإدلب لعزل «النصرة»، والسماح للمجالس المحلية والمدنية والفصائل المعارضة المعتدلة بالبقاء في إدلب.
لكن هناك حرباً أخرى ستظهر مع مرور الوقت. بدأ التوتر بين «هيئة تحرير الشام» وفصائل إسلامية أخرى، بل إن قتالاً دموياً قد يحصل في الفترة المقبلة، وكانت بوادره عندما حصل الصدام بين «حركة نور الدين الزنكي» و«هيئة تحرير الشام» في ريف حلب.
هناك أيضاً، حرب أخرى ممكنة. واضح، أن إيران تدفع قوات النظام وميلشيات مؤيدة له كي تحارب في إدلب. وأعلن علي أكبر ولايتي مستشار مرشد الثورة الإسلامية علي خامنئي لدى زيارته حلب أنه يجب الهجوم على إدلب والرقة. وكانت طهران ودمشق و«حزب الله» وضعوا خطة للهجوم على إدلب. موسكو منعت حصول ذلك، لكن إلى متى سيبقى الفيتو الروسي محترماً من دمشق وطهران؟
الجديد هو أنه بعد طرد «داعش» من دير الزور الشهر الماضي، تحولت قوات النظام بقيادة العميد سهيل الحسن الملقب بـ«النمر» إلى ريف حماة الشرقي للتوغل باتجاه إدلب، بالتزامن مع حشود غرب إدلب ما يضعها بين فكي كماشة.
أيضاً، تركيا أعلنت أن لديها أولوية بعدم قيام ممر بين عفرين مناطق «وحدات حماية الشعب» الكردية، التي تصفنها أنقرة على أنها تنظيم إرهابي، والبحر المتوسط، ومنع قيام إقليم كردي شمال سوريا وجنوب تركيا. لذلك، يتوقع أن تقوم بعض الفصائل السورية بقتال «الوحدات» الكردية في المرحلة المقبلة.
إدلب هي المنطقة الثانية، التي تقيمها تركيا بالتفاهم مع روسيا. كانت الأولى شمال حلب بدعم عملية «درع الفرات» حيث سيطرت فصائل المعارضة على حوالي ألفي كيلومتر مربع. وحالت منطقة «درع الفرات» دون ربط إقليمين أقامهما «الاتحاد الديمقراطي الكردي» الذراع السياسية لـ«وحدات حماية الشعب»، هما الجزيرة وعين العرب (كوباني) وإقليم عفرين شمال حلب.

قلق كردي... وتركي
بعد هزيمة «قوات سوريا الديمقراطية» التي تضم في شكل رئيسي «وحدات حماية الشعب» الكردية شمال شرقي سوريا، لتنظيم داعش في الرقة، وسيطرتها على مناطق شرق نهر الفرات ومناطق عفرين بمساحة تشكل ربع سوريا البالغة 185 ألف كيلومتر مربع، يزداد القلق التركي لثلاثة أسباب: أولاً، بقاء السلاح الأميركي وغطاء التحالف الدولي بقيادة أميركا مع الأكراد. الثاني، اعتبار أكراد سوريا امتداداً لأكراد جنوب تركيا. الثالث، وجود كيان كردي سوري.
أنقرة ترى هذا مهدداً للأمن القومي التركي. هذا دفع إلى بدايات تنسيق بين إيران وتركيا ضد إقليم كردستان العراق، ومنع طموح رئيس الإقليم مسعود بارزاني إلى الاستقلال، وسيدفعهما إلى التنسيق ضد «غرب كردستان» (شمال سوريا) بما يشبه التنسيق الثلاثي الذي ضم أنقرة وطهران مع دمشق نهاية التسعينات ضد أكراد شمال العراق الذين حظوا بمنطقة حظر جوي.
أيضاً، رغم تطمينات واشنطن من أنه لا وعود سياسية لأكراد سوريا، وأن السلاح الأميركي والأوروبي سيُسحب من «وحدات الحماية» بعد القضاء على «داعش»، فإن الجيش التركي قد يجد نفسه مضطراً لتوسيع المواجهة ضد الأكراد والتوغل شمال سوريا، كما حصل قبل عقد في العراق. وتوقيع الرئيس ترمب قراراً تنفيذياً لتسليح «قوات سوريا الديمقراطية» بحوالي 400 مليون دولار، ورفع عددها من 25 إلى 30 ألفاً في منتصف ديسمبر (كانون الأول) زاد قلق أنقرة، خصوصاً أن ذلك جاء بعد وعود ترمب لنظيره التركي رجب طيب إردوغان بعدم تسليح الأكراد.
دمشق كانت غضت الطرف عن إنجازات الأكراد منذ منتصف 2012 لأنهم لم يكونوا أولوية. لكن مع مرور الوقت وزيادة الثقة وتراجع «الجيش الحر» يمكن فتح جبهة جديدة بين دمشق والأكراد، أو أن تغض دمشق الطرف عن ضربات يقوم بها الجيش التركي ضد الأكراد. حصل ذلك سابقاً في العراق قبل سنوات.
كما أن دمشق لم تقمْ بالكثير عندما دعم الجيش التركي فصائل «درع الفرات» لإقامة جيب بين حلب والحدود.
وكان مسؤولون في دمشق تحدثوا عن حرب مقبلة ضد الأكراد، بل إن نائب وزير الخارجية فيصل المقداد شبه «قوات سوريا الديمقراطية» بـ«داعش». وكرر مسؤولون إيرانيون هذا التهديد. واضح، أن العلاقة بين دمشق والأكراد تسير إما باتجاه التفاوض أو الحرب وانتهاء «زواج المصلحة» الذي كان قائماً منذ 2011، إذ إن قوات النظام لم تحارب «الاتحاد الديمقراطي» القريب من «حزب العمال الكردستاني» بزعامة عبد الله أوجلان، بحيث بات لديه نحو 70 ألف مقاتل وسلاح متطور من أميركا وأوروبا، بل إن دمشق ركزت على محاربة «الجيش السوري الحر».
كانت أميركا وروسيا تفاهمتا في مايو (أيار) على مناطق نفوذ، وجرى التأكيد على ذلك في اتفاق ترمب - بوتين في 11 نوفمبر. هناك الخط الساخن بين موسكو وواشنطن لمنع الاحتكاك شرق سوريا بين قوات النظام و«حزب الله» المدعومة من الجيش الروسي التي تقدمت نحو دير الزور من جهة، و«قوات سوريا الديمقراطية» التي يدعمها التحالف الدولي بقيادة أميركا لتحرير الرقة وريفها من جهة أخرى. لكن مع تحرير الرقة ودير الزور يزداد الضغط الروسي لإخراج الأميركيين من الشرق. كما أن إيران التي ترى الوجود الأميركي معرقلاً لطموحاتها ستختبر الأميركيين بوسائل عدة.
يدرك «الاتحاد الديمقراطي الكردي» الجناح السياسي لـ«الوحدات» أن واشنطن خانت أكراد العراق في السبعينات وشيعة العراق في التسعينات والعرب السنة في سوريا في السنوات الأخيرة. لذلك، لا يستبعد قياديون أكراد خيانة أميركية لأكراد سوريا بعد سنوات من القضاء على «داعش». بعض المسؤولين الأكراد يرى مصلحة في التروي في المعارك ضد بقايا «داعش» البالغ عددهم ثلاثة آلاف عنصر، لتكريس الوجود العسكري على الأرض في فيدرالية شمال سوريا، في حين يُهيئ مسؤولون أكراد آخرون أنفسهم لـ«معركة كبرى» أو مواجهة ضد قوات النظام السوري أو العشائر العربية التي يمكن أن تقوم بثورة ضد «قوات سوريا الديمقراطية» التي تهيمن عليها «الوحدات» الكردية شرق نهر الفرات. ويراهن مسؤولون أكراد على تعزيز العلاقة مع روسيا. البداية كانت بلقاءات بين قائد «وحدات حماية الشعب» الكردية سبان حمو ووزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، ثم تشكيل غرفة عمليات مشتركة في دير الزور.
هناك أيضاً عامل آخر. المواجهة ممكنة، خصوصاً أن إيران تريد اختبار مدى التصميم الأميركي لإدارة ترمب عسكرياً لتقليص النفوذ الإيراني وقطع طريق طهران - بغداد - دمشق - بيروت، سواء بالتمدد شمال قاعدة التنف الأميركية شرق سوريا باتجاه البوكمال، وتشجيع فصائل في «الحشد الشعبي» العراقي للتوغل شرق سوريا، ما يفسح المجال لاحتمال مواجهة مع «قوات سوريا الديمقراطية»، أو تفككها عرباً وأكراداً بعد فترة على استقرار مؤقت في هذه المنطقة المحررة من «داعش». إلى الآن، استوعب الطرفان الواقع وشكلا تنسيقاً بين «الحشد» و«سوريا الديمقراطية».

«سوريا المفيدة» ميليشيات وجيش
في مناطق قوات النظام التي تفتقر إلى الموارد الطبيعية، باعتبار أن الغاز والنفط شرق البلاد تحت سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» وحلفاء أميركا، بات موضوع إعادة الإعمار بمثابة «معركة» بسبب رفض دول غربية دعم ذلك دون حل سياسي مقبول، وغياب القدرة المالية لحلفاء النظام في روسيا وإيران لتعويض كلفة الدمار التي تتجاوز 220 مليار دولار أميركي. وكان لافتاً أن مبعوث الرئيس الروسي ألكسندر لافرينييف قدر كلفة الدمار بـ400 مليار دولار أميركي.
في المقابل، أعلنت 18 دولة في اجتماع بقيادة أميركية عقد في نيويورك في سبتمبر (أيلول) الماضي أنها لن تشارك في إعمار سوريا، ما لم يحصل حل سياسي ذو صدقية بناء على تنفيذ القرار 2254.
هذا سيؤدي إلى مشاكل كبرى في مناطق النظام. هناك أيضاً، بوادر معارك أخرى بين «أمراء الحرب» ورجال الأعمال الجدد الذي برزوا في اقتصاد الحرب، ويتنافسون على حصة في مستقبل البلاد التي زادت فيها معدلات الجريمة والفساد، وتراجعت الكفاية الإدارية وسلسلة ترابط السلطة.
لكن الحروب الأخرى المحتملة، هي بين ميليشيات تابعة لإيران تضم عناصر سوريين وأجانب يدينون بالولاء لطهران، ويقدر عددهم من السوريين والأجانب بنحو 70 ألف عنصر، وبين قوات النظام التي تضم الجيش وقوات تحاول روسيا الحفاظ عليها، عبر تشكيل ميليشيات تابعة لروسيا والقاعدتين الروسيتين في اللاذقية وطرطوس لموازنة النفوذ الإيراني. وكان قرار موسكو تشكيل «الفيلق الخامس» ضمن هذا السياق، خصوصاً أن قرار الرئيس بوتين عدم إرسال قوات برية والاكتفاء بالقوة الجوية ومراقبين من الشيشان، يعني اعتماد موسكو على الميليشيات التابعة لطهران، وزيادة الاحتقان بين الميليشيات الشيعة والغالبية السنية في سوريا، ما لم تؤسس موسكو ميلشياتها الخاصة في سوريا.
ويجب عدم نسيان التوتر الطائفي الموجود خصوصاً في دمشق، وبين العاصمة السورية وحدود لبنان ومناطق «حزب الله» حليف طهران في لبنان، بسبب زيادة وجود ميلشيات تابعة لإيران تتصرف على أساس طائفي وسط مساع إيرانية لإجراءات تغييرات ديموغرافية غير مقبولة من شريحة واسعة من السنة.

المسار السياسي

الاتفاق بين ترمب وبوتين في نوفمبر (تشرين الثاني)، تضمن التعاون بين جيشي البلدين لـ«محاربة الإرهاب» وهزيمة تنظيم داعش والحفاظ على اتفاق «منع الصدام» بين الطرفين، وسحب الميلشيات الإيرانية من الجنوب. كما أن بيان تيلرسون في يوليو كان بمثابة تسليم غرب سوريا إلى روسيا، لكن هذا ليس كافياً لسوريا والسوريين. لا بد من التركيز على البند الثالث في الاتفاق الأميركي - الروسي المتعلق بتنفيذ القرار 2254، إذ تضمن الاتفاق أن ترمب وبوتين «أخذا علماً بالتزام الرئيس الأسد بعملية جنيف والإصلاح الدستوري والانتخابات على النحو المطلوب بموجب قرار مجلس الأمن 2254».
وتابع البيان أن الرئيسين «يعتبران أن هذه الخطوات يجب أن تشمل التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن 2254، بما في ذلك الإصلاح الدستوري والانتخابات الحرة والنزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة، وفقاً لأعلى معايير الشفافية الدوليــــة، بمشاركة جميع السوريين، بمن فيهم أعضــــــاء الشـتات، المؤهلون للمشاركة».
هذا الاتفاق الجديد يتضمن تراجعاً إضافياً في موقف واشنطن من النظام السوري. التنازل الأول، كان بعد إطلاق عملية فيينا وتأسيس «المجموعة الدولية لدعم سوريا» من أكثر من عشرين دولة إقليمية وغربية برئاسة أميركية - روسية، ذلك بعد أسابيع على التدخل العسكري الروسي المباشر في نهاية سبتمبر (أيلول) 2015. وقتذاك، تراجع الاهتمام بـ«بيان جنيف» للعام 2012، ونص على تشكيل «هيئة حكم انتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة» إلى إقرار القرار 2254، ونص على ثلاثة بنود: تشكيل «حكم تمثيلي وغير طائفي»، وإقرار دستور جديد، وإجراء انتخابات.
الاتفاق الأميركي الجديد يتحدث عن «إصلاح دستوري» أي الإبقاء على الدستور الحالي للعام 2012، وجرى الاستفتاء عليه في ظل الحرب، وبغياب نحو ستة ملايين لاجئ سوري وسبعة ملايين نازح داخل البلاد. كما لم يشر الاتفاق إلى إجراء انتخابات رئاسية، بل كان فيه إقرار لموقف الرئيس الأسد عندما قال بعد لقائه لافرينييف في أكتوبر (تشرين الأول) بالموافقة على «تعديل الدستور وإجراء انتخابات برلمانية».
لكن الأمر المهم في الاتفاق، موافقة واشنطن على دعم عملية جنيف برعاية الأمم المتحدة. إدارة ترمب كانت خارج مسار عملية آستانة لاعتراضها على حضور إيران كـ«ضامن». وشاركت بصفة مراقب، لكن واضحاً أن الإدارة الأميركية باتت أكثر اهتماماً بإطلاق عملية جنيف، خصوصاً مع اقتراب انتهاء «داعش» شرق سوريا. لكن هذا يتطلب سلسلة من الخطوات. لا بد من رعاية أميركية - روسية، وعزم سياسي وراء المفاوضات السياسية، ولا بد من مشاركة الدول الإقليمية الرئيسية بحيث يجري الضغط على النظام والمعارضة للوصول إلى تفاهمات واتفاقات سياسية تتضمن «المشاركة السياسية» ووحدة سوريا.
لا شك أن إطلاق عملية سياسية تجمع بين مقاربتين «من تحت إلى فوق» ومن «فوق إلى تحت» سيكون أمراً مهماً. بمعنى، أن المجالس المحلية التي ظهرت في مناطق «خفض التصعيد» الأربع، وفي المناطق التي حررت من «داعش» يجب أن تكون مشاركة في العملية السياسية. أيضاً، لا بد من مشاركة القوى السياسية المعارضة في مفاوضات مع النظام، للبحث عن حل سياسي وعسكري في دمشق. هنا يبدو نموذج اللامركزية مفيداً لسوريا المستقبل: أقصى حد من السلطات للمجالس المحلية لكن من دون الوصول إلى التقسيم. والمهم، أن تكون المجالس المحلية قائمة على مناطق جغرافية، وليس ديموغرافية، ذلك التزاماً ببنود القرار 2254 الذي يؤكد على وحدة سوريا.
وهنا، باعتبار أن هناك عشرات آلاف المقاتلين في صفوف المعارضة والنظام، لا بد من البحث عن تشكيل مجلس عسكري مشترك يؤدي تدريجياً إلى التنسيق بين المقاتلين، وإصلاح أجهزة الأمن والجيش على أمر بدء برنامج زمني لنزع سلاح الميلشيات وخروج المقاتلين الأجانب من سوريا.
إن إطلاق عملية مضبوطة ومتدرجة تتضمن بعدين سياسي وعسكري، سيؤدي إلى إعادة تجميع مناطق «خفض التصعيد» كي لا تكون «مناطق نفوذ» لدول الخارج، بل أن تكون جزءاً من سوريا. أيضا، هذا يؤدي إلى توفير شروط العمل السياسي والبيئة الحيادية، كي يقرر السوريون مصيرهم، وأن تكون العملية السياسية «بقيادة سوريا وملكية سوريا»، كما نص القرار 2254. لاشك أن حلاً كهذا سيؤدي إلى إقدام دول أوروبية وأميركا ودول الخليج وحلفاء النظام على المشاركة في إعمار سوريا وتوفير الـ220 مليار دولار المطلوبة لإعمار البلاد.
تبدأ سنة 2018، باجتماعين. الأول، مفاوضات جنيف في 21 يناير (كانون الثاني). الثاني، مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي يومي 29 و30 يناير. موسكو تضغط على المعارضة كي تحضر سوتشي بشروط موسكو وقبول الرئيس الأسد واقتصار الحديث عن تشكيل لجنة دستورية كي يشكل هذا نصراً كبيراً لبوتين قبل انتخاباته في 28 مارس (آذار) للبناء على لقـــــاءيه الأسد في سوتشي وحميميم الأسابيع الماضية، ولقــــــائه (بوتين) مع نظيريه التركي والإيراني في نوفمبر. في المقابل، تضــــغط الأمــــم المتحدة لتكامل بين جنيف وسوتشي لإطلاق عملية سياسية بموجب 2254.
ستكون السنة المقبلة مفصلية لتحديد ما إذا كانت سوريا ستمضي باتجاه «الحل الروسي» أو «الحل السوري» لتحديد مستقبل البلاد في العقود المقبلة.



السيسي يؤكد استعداد مصر لتنفيذ أي تدخل تطلبه السعودية لحماية أمنها

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يؤكد استعداد مصر لتنفيذ أي تدخل تطلبه السعودية لحماية أمنها

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)

في إطار جهود مصر لوقف التصعيد في المنطقة، طالب الرئيس عبد الفتاح السيسي، السبت، البرلمان بعقد جلسة طارئة لتفويضه في اتخاذ أي إجراءات قد تطلبها السعودية، مشدداً على أن مصر «ستنفذ أي إجراء للدفاع عن الأشقاء في الخليج».

وقرر مجلس النواب المصري عقد جلسة عامة الأحد، وذلك «في ضوء طلب الرئيس».

ومنذ بداية التصعيد في المنطقة أكدت مصر مراراً دعمها لأمن الخليج، لكن هذه هي المرة الأولى التي يطلب فيها الرئيس المصري تفويض البرلمان، ما عده مراقبون تأكيداً على استعداد القاهرة لدعم أشقائها في الخليج وأن جهودها تندرج في سياق الدفاع وليس الهجوم.

وأكد الرئيس المصري، خلال حفل تخرج دفعة جديدة من الأكاديمية العسكرية بالعاصمة الجديدة، أن بلاده تقف بقوة لدعم حماية أراضي الأشقاء في الخليج، وقال: «نحن لا نبحث عن دور، لكن لا يمكن السماح بالمساس بأمن واستقرار الأراضي السعودية».

ودعا الرئيس المصري إلى وقف الحرب والتصعيد في المنطقة، مشيراً إلى أن «القاهرة ستنفذ أي إجراء لحماية أشقائها والدفاع عنهم، وفقاً لتوجيهات العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهد المملكة الأمير محمد بن سلمان»، مشدداً على أن أمن المملكة واستقرارها لا يمكن أن يكونا موضع تساهل.

وأضاف أن «هذا الموضوع يتطلب تصديقاً من البرلمان» موجهاً «الدعوة للبرلمان لعقد جلسة طارئة للتفويض إذا طلب منا ذلك». وتابع: «هذا الحديث لا يستهدف الحرب ولا الهجوم، وإنما الدفاع فقط».

وشدد الرئيس عبد الفتاح السيسي على «ضرورة عدم نسيان ما قدمته دول الخليج لمصر من دعم منذ عام 2013، موجهاً الشكر إلى دول الخليج على الدعم».

وسبق أن أكد الرئيس المصري، مراراً، أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري»، وأنه «لن يسمح بالمساس بأمن السعودية».

بدوره، قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي إن تصريحات السيسي بشأن الاستعداد لاتخاذ إجراءات لحماية الأشقاء في دول الخليج، إذا طُلب ذلك، «تحمل رسالة سياسية واستراتيجية واضحة، مفادها أن مصر تنظر إلى أمن الخليج باعتباره جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي المصري والعربي، وأن التضامن العربي لا يقتصر على المواقف السياسية والدبلوماسية، وإنما يمتد إلى الاستعداد لتحمل المسؤولية عندما تتعرض الدول العربية لتهديدات تمس أمنها واستقرارها».

وأوضح حجازي لـ«الشرق الأوسط» أن «حديث الرئيس ينطوي على دلالة تتمثل في تأكيده أن أي تحرك مصري محتمل سيكون في إطار الدفاع والحماية، وبناءً على طلب من الأشقاء، وليس بهدف الاعتداء على أي طرف أو الدخول في مواجهة عسكرية مفتوحة».

وعدَّ ذلك «يعكس الفارق بين امتلاك القدرة على حماية المصالح العربية، والرغبة في التصعيد»، وقال: «حديث الرئيس يؤكد أن القوة هنا أداة للردع والحماية، وليست هدفاً للحرب والتصعيد، وفي إطار التزام مصر العروبي الأصيل مع الحفاظ على الأمن والاستقرار والحفاظ على مقدرات دول المنطقة».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في حفل تخرج دفعة جديدة من كلية الشرطة الخميس (الرئاسة المصرية)

وشهدت الشهور الماضية اتصالات وجهوداً مصرية لوقف التصعيد في المنطقة، وإدانة للاعتداءات على دول الخليج.

وقال عضو مجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، مصطفى بكري، إن حديث الرئيس السيسي عن استعداد مصر لدعم السعودية، حال طلبها ذلك، هو تطبيق لمبدأ «مسافة السكة» الذي سبق أن طرحه الرئيس وتأكيد على أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري».

وأوضح بكري لـ«الشرق الأوسط» أن دعوة البرلمان للانعقاد «تأتي احتراماً للدستور، الذي يشترط موافقة البرلمان على إرسال قوات خارج الحدود».

وتنص المادة 152 من الدستور المصري على أن «رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولا يعلن الحرب، ولا يرسل القوات المسلحة في مهمة قتالية إلى خارج حدود الدولة، إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني، وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء»، وتضيف أنه «إذا كان مجلس النواب غير قائم، يجب أخذ رأي المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وموافقة كل من مجلس الوزراء ومجلس الدفاع الوطني».

وأوضح مساعد وزير الخارجية الأسبق أن إشارة الرئيس إلى ضرورة انعقاد البرلمان المصري ومنح التفويض اللازم تكشف عن «أهمية الالتزام بالأطر الدستورية والمؤسسية في القرارات المرتبطة بالأمن القومي واستخدام القوة العسكرية»، موضحاً أن «المسألة ليست مجرد إعلان موقف سياسي، وإنما تتعلق بإجراءات ذات طبيعة سيادية مهمة واستراتيجية تستلزم استيفاء المتطلبات الدستورية والقانونية ذات الصلة».

وعلى المستوى الاستراتيجي أكد حجازي أن «مصر تدرك أن أي تهديد لأمن دول الخليج لا تنعكس تداعياته على الدول المعنية وحدها، بل تمتد آثاره إلى أمن البحر الأحمر، وحرية الملاحة، وأسواق الطاقة، والاستقرار الاقتصادي الإقليمي، فضلاً عن انعكاساته المباشرة على الأمن القومي العربي، ومن ثم، فإن حفظ أمن الخليج تمثل مسؤولية جماعية وواجب ومصلحة عربية مشتركة وليست مسؤولية دولة بعينها».


هجمات الحوثيين الصاروخية تهدد الشريان الجوي لليمن

دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)
دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)
TT

هجمات الحوثيين الصاروخية تهدد الشريان الجوي لليمن

دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)
دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)

لم يعد استهداف الحوثيين لمطار عدن الدولي مجرد اعتداء على منشأة حيوية، بل بات يثير مخاوف أوسع بشأن سلامة الطيران المدني في اليمن، مع تكرار الهجمات على المطار الذي يمثل أحد المنافذ الرئيسية المتاحة أمام اليمنيين للسفر إلى الخارج، في وقت تزداد فيه المخاطر المحيطة بالبنية التحتية المدنية في البلاد.

ويضع استهداف المطار بصاروخين باليستيين، للمرة الثانية خلال أيام، حركة الطيران أمام تهديد مباشر، خصوصاً أن الهجوم الأخير تزامن مع استعداد طائرة تابعة للخطوط الجوية اليمنية للإقلاع إلى العاصمة المصرية القاهرة، ووجود طائرة أخرى تابعة لشركة «فلاي عدن» في الأجواء قادمة من المدينة نفسها، في واقعة كشفت عن حجم المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها الرحلات التجارية في أثناء استخدام المجال الجوي والمرافق المدنية.

وقالت وزارة النقل اليمنية إن الصاروخين سقطا في محيط المطار، أحدهما عند البوابة الغربية باتجاه المدرج، والآخر شمال غربي المطار. وأُخليت الطائرة اليمنية التي كانت تستعد لتشغيل رحلة إلى القاهرة، فيما كانت الرحلة التابعة لـ«فلاي عدن» في طريقها من العاصمة المصرية.

إحدى طائرات الخطوط الجوية اليمنية في مطار عدن (إعلام حكومي)

وتتجاوز خطورة هذه الهجمات الأضرار المادية المباشرة، إذ إن تكرار استهداف المطارات يضع سلامة المسافرين وأطقم الطائرات والعاملين أمام مخاطر متجددة، كما يهدد انتظام الرحلات التي يعتمد عليها اليمنيون في السفر للعلاج والعمل والتنقل بين البلاد والخارج.

تهديد يتجاوز محيط المطار

تقول وزارة النقل إن استهداف مطار عدن يمثل انتهاكاً للحماية المقررة للمنشآت المدنية والطيران التجاري بموجب القوانين والمواثيق الدولية، محذرةً من أن استمرار الاعتداءات قد ينعكس على حركة النقل الجوي والاقتصاد الوطني، ويضاعف معاناة المواطنين الذين يعتمدون على المطارات في تنقلاتهم، بما في ذلك الحالات المرضية والإنسانية.

ودعت الوزارة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والمنظمات المعنية بالطيران المدني، وفي مقدمتها منظمة الطيران المدني الدولي، إلى إدانة الهجمات والعمل على محاسبة المسؤولين عنها، مؤكدةً أن المطار منشأة مدنية مخصصة لخدمة المواطنين ولا يجوز تعريضها لأعمال عسكرية تهدد سلامة مرتاديها.

الحوثيون استهدفوا مطار عدن الدولي للمرة الثانية خلال أسبوع (إعلام حكومي)

وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية بالنظر إلى محدودية منافذ السفر المتاحة أمام اليمنيين، إذ إن تعطيل مطار رئيسي أو تعريض الرحلات العاملة فيه للخطر لا يقتصر أثره على شركة طيران أو وجهة بعينها، وإنما يمتد إلى قدرة المواطنين على الوصول إلى الخدمات الطبية والفرص الاقتصادية والروابط الأسرية خارج البلاد.

اختبار لصمود عدن

في مواجهة تداعيات الهجوم الحوثي، تفقَّد وزير النقل محسن العُمري، ووزير الدولة محافظ عدن عبد الرحمن شيخ، السبت، المطار، واطلعا على الأضرار واطمأنّا على سلامة المسافرين وأطقم الطائرات. كما وجّها الجهات المختصة بتوفير أماكن إقامة مناسبة لركاب الرحلة المتجهة إلى القاهرة، وتقديم التسهيلات اللازمة ومتابعة أوضاعهم.

وأكد المحافظ أن الاعتداءات لن تثني السلطة المحلية ومؤسسات الدولة عن مواصلة عملها، مشيراً إلى أن الأوضاع الأمنية في عدن مستقرة، وأن المحافظة قادرة على تجاوز التحديات ومحاولات استهداف أمنها واستقرارها.

ودعا شيخ إلى تعزيز اليقظة والتكاتف لحماية المنشآت الحيوية والحفاظ على السكينة العامة ومصالح المواطنين.

ويعيد تكرار الهجمات على مطار عدن طرح مسألة حماية البنية التحتية المدنية في اليمن، ومدى قدرة الجهات الدولية المعنية على التعامل مع المخاطر التي تهدد الطيران التجاري.

وبينما تؤكد السلطات اليمنية استمرار المطار في أداء مهماته، تبقى سلامة الرحلات والمسافرين التحدي الأبرز أمام منشأة يعتمد عليها ملايين اليمنيين بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تأمين احتياجاتهم من السفر والتنقل.


القصف الحوثي على قرى لحج يوسع دائرة النزوح

استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)
استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)
TT

القصف الحوثي على قرى لحج يوسع دائرة النزوح

استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)
استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)

تجدّد النزوح في محافظة لحج، جنوب اليمن، مع استهداف الحوثيين قرى سكنية في منطقة الصبيحة بقذائف الهاون، والطائرات المسيّرة، في تصعيد يطال مناطق يساند فيها مسلحون قبليون القوات الحكومية، وبالتزامن مع استمرار عزل محافظة تعز عن مناطق سيطرة الحكومة، وتفاقم الاحتياجات الإنسانية والطبية فيها.

وأطلقت السلطة المحلية في لحج نداءً عاجلاً لتوفير المأوى للأسر الفارة من القصف في منطقة الصبيحة، وسط محدودية الإمكانات المتاحة لاستقبال النازحين، وتأمين احتياجاتهم الأساسية، في وقت تتزايد فيه التحذيرات الأممية من صعوبة إيصال المساعدات إلى السكان المتضررين من التصعيد، والقيود المفروضة على التنقل.

ودعا مكتب الإعلام في المحافظة أبناء المديريات إلى مساندة الأسر النازحة، خصوصاً كبار السن، والأمهات، والأطفال، الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم وممتلكاتهم بحثاً عن الأمان، مشيراً إلى ما يواجهونه من ظروف إنسانية صعبة بعد فقدان المأوى، والاستقرار.

أوضاع إنسانية صعبة يعيشها الفارون من القصف الحوثي في لحج (إعلام محلي)

وناشد المكتب ملاك المنازل والشقق والعقارات فتح أبوابهم أمام الأسر الفارة، وتأجير المساكن بأسعار رمزية، وميسرة، تراعي أوضاعها الاستثنائية، مؤكداً أن مساعدة النازحين تتطلب تكاتف الجهود المجتمعية للتخفيف من معاناتهم.

وأفادت مصادر حكومية يمنية لـ«الشرق الأوسط» بأن الحوثيين استهدفوا تجمعات سكنية في أطراف مديريتي رأس العارة، والمضاربة، في غرب لحج، بهدف الضغط على المسلحين القبليين الذين يساندون القوات الحكومية في التصدي لمحاولات التقدم نحو عمق المديرية.

وبحسب المصادر، تسعى الجماعة، من خلال هذه التحركات، إلى تنفيذ التفاف على القوات الحكومية المتمركزة في مرتفعات كهبوب، وتلك الموجودة في منطقة باب المندب، ومديرية ذباب، فيما أدى قصف القرى بقذائف الهاون والطائرات المسيّرة إلى موجة نزوح جديدة بين السكان.

آلاف النازحين في تعز يواجهون نقص الماء والغذاء والوقود (رويترز)

وتواجه السلطات المحلية صعوبات في استيعاب الأعداد المتزايدة من الفارين، في ظل محدودية قدراتها، وضعف الاستجابة الإنسانية المتاحة لتوفير المأوى، والغذاء، والرعاية الصحية، وفق المصادر ذاتها.

وتأتي هذه التطورات في وقت تشير فيه بيانات أممية إلى ارتفاع عدد النازحين جراء التصعيد إلى 233 ألفاً و77 شخصاً، بينهم 121 ألفاً و530 شخصاً في محافظة تعز وحدها، وسط مخاطر متزايدة تهدد النساء، والأطفال، والفئات الأكثر ضعفاً، الذين اضطروا إلى مغادرة مناطقهم بحثاً عن الأمان.

تعز تحت الحصار

في تعز المحاصرة من قبل الحوثيين تتفاقم المخاوف الإنسانية مع استمرار إغلاق الطرق الرئيسة التي تربط المحافظة بالمناطق الأخرى، بما فيها عدن، الأمر الذي يعرقل وصول المساعدات والخدمات الأساسية إلى السكان، ويزيد الضغوط على المؤسسات الصحية في المدينة.

وقال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، إن المنظمة تواجه تحديات في الوصول إلى الأطفال المحتاجين في المحافظة بسبب استمرار التصعيد، والقيود المفروضة على الحركة.

وأوضح أن نحو 110 آلاف طفل هم من بين النازحين الجدد منذ بداية سبتمبر (أيلول)، مشيراً إلى أن المنظمة تحققت من مقتل 30 طفلاً، وإصابة 28 آخرين جراء التصعيد الأخير.

وأضاف أن موجة العنف تقوّض ما تبقى لدى الأطفال من مظاهر الاستقرار، بعد سنوات من المعاناة المرتبطة بالجوع، والنزوح، وتعطل التعليم.

استمرار عزل الحوثيين مدينة تعز عن مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (رويترز)

من جهته، حذّر طارق ياساريفيتش، المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية، من تدهور الوضع الصحي في تعز، مشيراً إلى أن المدينة أصبحت معزولة، وأن المستشفيات تواجه نقصاً حاداً في الإمدادات الطبية، مع امتداد القتال إلى مناطقها الحضرية.

وذكر أن 12 مستشفى في المدينة لا تملك سوى مخزون من الوقود يكفي لأربعة أيام، بالتزامن مع نقص الأكسجين، والأدوية، ونفاد المستلزمات الجراحية، وهي احتياجات تمثل تهديداً مباشراً لاستمرار تقديم الخدمات الطبية.

ولفت إلى الحاجة الملحة لتوفير الوقود، والأكسجين، خصوصاً للمرضى الذين يخضعون لغسيل الكلى، والمرضى في أقسام العناية المركزة، معرباً عن قلقه من تزايد حالات الإصابة بالكوليرا.

وشددت الأمم المتحدة على ضرورة ضمان وصول آمن ومستدام للمساعدات الإنسانية إلى تعز، وسائر المناطق اليمنية المتضررة، في ظل اتساع الاحتياجات، وتراجع قدرة الخدمات الأساسية على الاستجابة.

الكوليرا خارج الحدود

على الجانب الآخر من مضيق باب المندب، تواجه جيبوتي بدورها تحدياً صحياً مع تفشي الكوليرا في مخيم اللاجئين المركزي، حيث سُجلت نحو 31 إصابة بين آلاف الفارين اليمنيين من الهجمات الحوثية، وفق مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وقال ماثيو سالتمارش، المتحدث باسم المفوضية، إن 20 مصاباً تعافوا، بينما لا يزال عشرة أشخاص يتلقون الرعاية الطبية، مع تسجيل وفاة واحدة.

دعوات أممية من أجل تمكين الوكالات الإنسانية من تقديم المساعدات لسكان تعز المحاصرة (رويترز)

وأضاف أن أكثر من أربعة آلاف شخص وصلوا من اليمن إلى شرق أفريقيا، بينهم نحو 3800 لاجئ وصلوا إلى جيبوتي، ونحو 200 آخرين إلى الصومال.

وتعكس هذه التطورات اتساع نطاق الاحتياجات الإنسانية المرتبطة بالأزمة اليمنية، من موجات النزوح في لحج، وتعز، إلى تحديات الرعاية الصحية، ومخاطر الأمراض في مناطق اللجوء، في وقت تؤكد فيه المنظمات الأممية ضرورة تأمين الوصول إلى المساعدات والخدمات الأساسية للمتضررين.