تساؤلات حول تراجع «القاعدة»... من الظواهري إلى «الوريث» حمزة بن لادن

صورة أرشيفية تجمع بن لادن والظواهري («الشرق الأوسط»)
صورة أرشيفية تجمع بن لادن والظواهري («الشرق الأوسط»)
TT

تساؤلات حول تراجع «القاعدة»... من الظواهري إلى «الوريث» حمزة بن لادن

صورة أرشيفية تجمع بن لادن والظواهري («الشرق الأوسط»)
صورة أرشيفية تجمع بن لادن والظواهري («الشرق الأوسط»)

تراجعت القاعدة وتتراجع منذ العام 2013. كانت البداية في المفاصلة التي فصل بها تنظيم القاعدة في العراق - داعش فيما بعد - مع التنظيم وقيادته أيمن الظواهري في مايو (أيار) من هذا العام، ثم كان الشرخ الأكبر في انشقاق «هيئة تحرير الشام» بقيادة أبي محمد الجولاني عن التنظيم الأم، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، واتهام الظواهري له بنكث البيعة وعدم الوفاء بها وخيانته لها في شريط له تم بثه في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.
لم يقف الأمر في الحالتين عند تبادل الاتهامات والتشكيك في الشرعية والجدارة أو خيانة العهد دائما بل تمتد من البغدادي إلى الجولاني إلى اعتقال وقتل لكل من يرفض قيادته.
لم يعد التأثير ولا الحضور السابق متوفرا لزعيم القاعدة الحالي أيمن الظواهري أو قيادتها المركزية ككل، بل لم تعد للشرعية التاريخية ولا العلمية سابق تأثيرها على الأجيال الجديدة من قادة التطرف العنيف، فالظاهرة تتشظى خلافا واختلافا وانشقاقا كما تتشظى ثقة وترميزا لرموز جديدة وموات رموز قديمة.
لم تزلزل كتابات المنظرين التقليديين للسلفية الجهادية، أمثال أبي قتادة والمقدسي شيئا في داعش، وهي المعركة التي استمرت طويلا بينهم وفريقهم وبين منظري داعش شأن البنعلي الذي تم الانقلاب عليه فيما بعد وتنحيته قبل مقتله، كما لم تثمر دعوة الإصلاح والمصالحة بين الجهاديين التي أطلقها أبو محمد المقدسي وأبو قتادة الفلسطيني في 25 أكتوبر الماضي شيئا يدفع لإفراج الجولاني وهيئة تحرير الشام عن منظر وشرعي النصرة السابق سامي العريدي أو أبو جلبيب الأردني.
الظواهري في محاولة لاستعادة الحضور
من آن لآخر يحاول أيمن الظواهري زعيم القاعدة، الذي وصفه أحد نشطاء داعش على الإنترنت في وقت سابق، بأنه الرجل الذي فقد ظله، تصوير توسع القاعدة وحياتها وإمكانية استعادتها لقيادة الجهاد العالمي بعد تراجع واندحار داعش وانشقاقاته على نفسه، وخسرانه دولته التي تميز بها عن القاعدة، ولكنها محاولات تبقى أسيرة النسيان وقليلة الأثر، من قبيل إعلان الظواهري في 3 سبتمبر (أيلول) سنة 2014 عن فرع «للقاعدة في الهند»، وبجواره عاصم عمر زعيمها الذي قتل فيما بعد، وهي لا تتجاوز الـ600 عنصر تتوزع على بلدان شبه القارة من بقايا جيش لشكر طيبة ومجاهدي كشمير وغيرهم...
وقد نشطت محاولة الإيحاء بالحضور في استهداف داعش نفسه عبر بعض الفروع، مثل إعدام مجلس شورى درنة لأحد قياديي داعش بليبيا، أو ما أعلنته جماعات مصرية كـ«جند الإسلام» في أكتوبر الماضي عن توجهها لاستهداف داعش ومعاقبته والتضييق عليه.
هل ينجح الوريث في إحياء القاعدة؟
وتروج القاعدة صورا وتسجيلات لنجل أسامة بن لادن حمزة المولود عام 1991 والذي حاولت القاعدة أثناء احتفالها بالذكرى السادسة عشرة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر تصويره كرمز لحياتها واستمرار نسلها وزعامتها، ظهر في الصورة المركبة التي نشرها تنظيم «القاعدة» في الذكرى الـ16 لاعتداءات 11 سبتمبر 2001 وجه أسامة بن لادن بين نيران برجي مركز التجارة العالمي وإلى جانبه ابنه حمزة «وريث» التنظيم الإرهابي بعد أبيه.
وفي أغسطس (آب) 2015، أعلن زعيم «القاعدة» الظواهري في رسالة مسجلة «ولادة أسد من عرين القاعدة». في إشارة إليه، وطرح اسمه كوريث يمكن أن يوحد شتات المتطرفين ويعيد اللحمة التي كانت بيد أبيه الراحل في مايو سنة 2011 ورمزيته لصفوف الجهاديين، ربما هذا ما تحاوله القاعدة وقيادتها الحالية ولكن نراه أمرا مستبعدا على عكس ما يراه بعض المراقبين.
وفي تقرير نشره «مركز محاربة الإرهاب» في وست بوينت، ذكر علي صوفان مدير مجموعة «سوفان» جروب والمختص في شؤون «القاعدة» علي صوفان: «يجري إعداد حمزة لتولي دور قيادي في المنظمة التي أسسها والده».
وأضاف أنه «بصفته سليل بن لادن، من المرجح أن يتقبله متشددو القاعدة بالترحيب. وفي حين تبدو خلافة داعش على وشك الانهيار، بات حمزة الخيار الأمثل لتوحيد الحركة العالمية».
ونرى أن مشهد الإرهاب الحالي قد تجاوز فكرة التنظيم المركزي الحاكم، بل يكاد يتجاوز فكرة الشبكة التي بدأتها القاعدة كتنظيمات فرعية، تأسس أولها في عدو بن لادن الأول «العدو القريب» وكان التالي في العراق سنة 2005 ثم في المغرب العربي سنة 2007 وغيرها وهو ما استمر مع داعش وولاياته التي بلغت 26 ولاية حتى بدايات العام الحالي، تمتد من سيناء إلى الفلبين، وإن كان إعلانها لا يخلو من مبالغة أحيانا فبعضها كان قلة قليلة لم تقم بأي عمليات.
إن الماثل الآن والأرض التي تعمل عليها جميع التنظيمات الجهادية هي صراع الزعامة والتعصب للرأي، وطموح الدولة والإمارة الذي رمزت له وأكدته داعش، ولم يعد للحلم الأممي والحركة الجهادية الواحدة سابق ألقهما، ووفق هذا المنطلق يمكننا أن نفهم حالة المشهد السوري الراهنة التي توزع فيها الجهاديون إلى مئات المجموعات الصغيرة المتقاتلة دون مشترك، أو المشهد الليبي الذي يكون التنسيق ومجلس شورى واحد أقصى ما يطمح إليه دون ذوبان المجموعات الصغيرة وقياداتها فيه.
كما أن المرجعية نفسها تشظت وصار المقدم فيها مؤخرا ويبرز كل يوم منظرون جدد أكثر جرأة على تسفيه وأحيانا تكفير مخالفيهم، وليس عجبا أن يكون منظر سلفي جهادي كان كبار شرعيي النصرة مثل سامي العريدي يعتقل الآن من الجولاني مؤسسها، أو أن يقتل بعد أن يكفر أمثال تركي البنعلي أو أبو عمر الكويتي على يد أتباعهم السابقين من الدواعش، وهؤلاء من سبق أن هاجموا شيوخهم كالمقدسي وأبي قتادة والطرسوسي وقتلوا أبو خالد السوري ولم يكونوا يسمعون لغيرهم، فخرج عليهم من لا يسمعون لهم.
إن أقصى ما يمكن أن يصل له حمزة بن لادن بالقاعدة هو إحياء رمزيتها، خاصة أن وجوده لحياتها ضرورة بعد توسع الخلاف حول الظواهري منذ توليه، وانشطار التنظيم الكبير واختلاف متبوعيه عليه ونزعهم لشرعيته واتهامه بالمحبوس وحبيس المغارات كما فعل المصري أسامة قاسم المقرب من أبي محمد الجولاني في شريط له الشهر الماضي، مكررين ما اتهم به الظواهري سواه من أصحاب المراجعات عبد القادر بن عبد العزيز «الشيخ فضل» سنة 2008.
ولكن لن يقبل أي من القيادات الجديدة تسليم الدفة لحمزة بن لادن النجل المقرب لوالده الراحل والشبيه به، وبعضهم قريب منه في السن، وكذلك لم يلتق أباه يوما، وصارت كل المجموعات الجهادية من داعش لأصغر مجموعة جهادية ترى واقعا جهاديا مختلفا... وخاصا بها.
وليس ما تعلنه بعض الجماعات من معارضتها لـ«داعش» أو استهدافها له في سيناء أو أفغانستان أو ليبيا وارتباطها بالقاعدة إلا حنينا لمشهد التوحد القديم فقط، وبحثا عن سند غير داعش المنبوذ من سائر الجهاديين، ولأن القاعدة هي البديل الأقرب للصعود مكانه، ولكن لا يعني ذلك أنه بقاء ائتمار وسمع وطاعة، فالمتوقع مزيد من البراغماتية في صفوف الجهادية تنفر وتبتعد بها عن المركز والقيادة المركزية ليس غير. والسؤال المطروح الآن في أروقة المتطرفين, ماذا سيصنع حمزة بن لادن الذي لا يتمتع بتاريخ جهادي مع أجيال جديدة من المنظرين والقادة الجهاديين الذين لم يتورع بعضهم عن تسفيه بل وتكفير والده الراحل حتى بعد رحيله.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.