مؤسس «ويكيبيديا»: أنصح الصحافيين بعدم الاقتباس من موقعنا... ولا نطمح أن نصبح مرجعاً أكاديمياً

جيمي ويلز قال لـ«الشرق الأوسط» إن المحتوى العربي أقل من المأمول

جيمي ويلز (رسمة: سمية العمري)
جيمي ويلز (رسمة: سمية العمري)
TT

مؤسس «ويكيبيديا»: أنصح الصحافيين بعدم الاقتباس من موقعنا... ولا نطمح أن نصبح مرجعاً أكاديمياً

جيمي ويلز (رسمة: سمية العمري)
جيمي ويلز (رسمة: سمية العمري)

قبل شهر، طلبت موعداً لإجراء المقابلة مع الشخص الذي جعل المعرفة والاستزادة عن كل شيء أمراً لا يكلفك سوى اتصال بالإنترنت. وكلّف الموعد إرسال 6 رسائل بريد إلكتروني وإلحاحاً حتى جاء الرد بأن الموعد الأقرب لإجراء لقاء مع جيمي ويلز مؤسس ورئيس موسوعة «ويكيبيديا» - أحد أهم 5 مواقع إلكترونية في العالم - سيكون في الثاني عشر من ديسمبر (كانون الأول) الساعة 11 صباحاً. الأسئلة المعدة كانت عن الموسوعة، ودقة المعلومات، وتدخل الحكومات. لكن حين طرحنا سؤالاً عبر «تويتر»، اعترف بعض المغردين بأن «ويكيبيديا» لها الفضل في الحصول على شهادة البكالوريوس أو الماجستير. وهذا ما لا يوده ويلز، ولا يطمح أن تصل الموسوعة الأشهر إلى هذا المستوى، لأنها لم تنشأ لأجل ذلك، حسب قوله.
تأخر ويلز عن الموعد 9 دقائق بسبب اجتماع آخر، لكنه منح للمقابلة 20 دقيقة إضافية. يرفض ويلز أن يوصف بالملياردير، ويتنقل في صالة تحرير صغيرة ضمن مساحة مخصصة لمشاريع رياديي الأعمال في أحد أبراج الحي المالي في لندن، ويعمل في صالة التحرير 9 صحافيين ورئيس تحرير يديرون مشروعاً جديداً هو صحيفة «ويكي تريبيون» التي من المتوقع أن تحدث ثورة شبيهة بـ«ويكيبيديا»، لكنه أشار وأكد أن الصحيفة منفصلة تماماً عن ويكيبيديا، وأنها مشروعه الخاص وهوايته الجديدة.
سألته: هل هو ملياردير، وهو السؤال الذي نفاه لصحيفتي «الغارديان» و«نيويورك تايمز»، ونفاه لي أيضاً، لكن بابتسامة. يقول إن «ويكيبيديا» مملوكة لصندوق خيري الآن رأسماله 100 مليون دولار، ويقوم على المتبرعين، وله مجلس إدارة يديره بشكل محافظ، ويعتبر ذلك رأسمالاً معقولاً وليس بالقليل، وهذا ما يعطيه قوة واطمئناناً من الإفلاس، والقدرة على إدارة وتمويل نفقات الموسوعة.
يعتبر ويلز المحتوى العربي أقل من المأمول، ولا يريد أن يضع سبباً لذلك لا يعرفه، لكنه يتمنى من العرب أن يضيفوا ما يمكن إضافته ويضيف للعالم وللقراء عبر «ويكيبيديا» ويقول: «المحتوى العربي لويكيبيديا أقل مما نريد للأسف، والمجتمع الخاص به قليل وما ينشر أو ما يتم تحريره قليل كذلك. اللغة العربية بها قوة وثراء لغوي، أيضاً هناك أمر مهم وهو عدد الدول الناطقة بها والتنوع الثقافي في هذه الدول، وهذا ما نود أن نحصل عليه، ونتمنى أن تتضاعف جهودهم لإثراء محتوى ويكيبيديا كما هو في اللغات الأخرى، لا أريد أن أخمن السبب، هل هو مرتبط بالترجمة وعدد الكتب الأكاديمية المترجمة إلى العربية أم سبب آخر. هل هو بسبب عدد الكتب المترجمة إلى العربية مثلاً؟ ليست وجهة نظري، لكن حسب بعض المتطوعين في ويكيبيديا يقولون إنه بسبب الاهتمامات للشباب العربي وكثير منها رياضي وليس أكاديمياً أو بحثياً، لكن هذا ليس سبباً حقيقياً وكافياً، فليس كل الناس في بريطانيا مثلاً أكاديميين! وهناك مقارنة قديمة عن الترجمة بين الألمانية والعربية أن مجموع ما يترجم يومياً إلى الألمانية يعادل ما يترجم سنوياً للعربية، وهذه أتوقع مقارنة قديمة. لكن أعتقد أن الاستثمار في التعليم مهم جداً للوصول إلى مقاربات قريبة فيما يتعلق بالتحرير وغيره. وأعتقد أن الشباب المتعلم هو الأساس والمفترض أن يكون هو العماد فيما يتعلق بالترجمة أو النهضة بالأوطان كذلك».
ويبتسم ويلز حين جاء الحديث عن سخرية الأفراد من بعضهم ببعض حين يكون هناك استعراض بالمعلومات أنها غير دقيقة، وأنه جاء بها من الهواء أو «ويكيبيديا»، ويرد: «في 2001 حين بدأنا الموقع لم يكن هدفنا أن نصبح مرجعاً أكاديمياً، لكن من المهم أن نسهم في إثارة التساؤلات لا أن نوجد الإجابة، وليس هدفنا كذلك أن نتحول لمرجع أكاديمي للباحثين في الكليات، قد يستخدم الباحث الموسوعة لقراءة معلومة معينة أو الاطلاع عليها، لكن ليس للجزم بها واستخدامها والاقتباس منا والإشارة إلينا في بحثه».
هل يعني هذا أن الموسوعة لا قيمة لها؟ يرفض ويلز التقليل من حجم العمل والجهد المبذول، ويقول إن القائمين عليها ومشرفي التحرير يسعون لأكبر قدر ممكن للوصول إلى الدقة والكمال والجودة، لكن لا يمكن القول إن الموسوعة مرجع أكاديمي أو بحثي.
الجامعات التي لا تعتبر ويكيبيديا مرجعاً، لديها صفحات بتفرعاتها على الموقع الأشهر، وسألته فيما إذا كانت الجامعات هي من تحرر صفحاتها، أم أن هناك متطوعين، فرجّح أن المتطوعين يقومون بذلك.
ويسهب في الحديث عن اقتباس بعض من يهاجمهم واستخدام المعلومات المنشورة: «مع كل هذا التشكيك، هناك من يستخدمنا مصدراً إلى حد معين، ولكن كمصدر لمقال علمي أو أكاديمي لا أظن أننا نسعى لذلك، وللصحافيين أقول إن ويكيبيديا هي المكان المناسب للعثور على الأسئلة لا الأجوبة وهناك أداة اسمها (حديث/ تالك) يستطيع الباحث أو الصحافي الضغط عليها وسيجد نقاشات القراء أو المجتمع الويكيبيدي حول المصادر، هنا بإمكانه البحث والتأكد أكثر».
وفي جو الحديث عن تحرير صفحات الجامعات، سألت ويلز فيما إذا كان هو من يحرر صفحته الشخصية، ضحك قبل أن يجيب، رفع حاجبيه ثم نفى بقوله: «أنا لا أحرر صفحتي في ويكيبيديا، يحررها مئات القراء مثلها مثل أي صفحة أخرى ولا أتحكم بها، وهذا ما يجعلني سعيداً بأنني أطبق ما يطبق على الآخرين في الموسوعة».
يرفض ويلز الحديث عن شأنه المالي، ويرفض كذلك أن يصنف في قائمة المليارديرات، وسألته رغم علمي المسبق بإجاباته لصحيفة «الغارديان» حين نفى أن يكون مليارديراً، لكن ليس على غرار «فيسبوك» و«سنابشات» و«تويتر»، فيبدو أن المعلومات والاستثمار الثقافي لا يجعلان من الإنسان صاحب ثروة طائلة، أو أن ويلز يفضل إخفاء ذلك. قال لي إنه سعيد بالموسوعة وبما وصلت إليه وإنه ليس مليارديراً، وأضاف: «لست مليارديراً، وويكيبيديا لا تخشى الإفلاس، ولن نقوم ببيع الصفحات الشخصية أو فرض رسوم أو تمكين الحكومات أو المسؤولين من ملكية الصفحات الخاصة بهم وتحريرها».
كثير من الحكومات ووزارات الخارجية في العالم تتواصل مع ويكيبيديا لتحرير صفحاتها، لكن بالطرق التقليدية المعروفة، ويرفض جيمي ويلز، تحت أي ظرف من الظروف، تمكين الحكومات من ملكية صفحاتهم في الموسوعة، ويبرر ذلك بقوله: «لأن ذلك ضد الفكرة الرئيسية من ويكيبيديا، وهي الفضاء والمجال المفتوح لسكان المعمورة للمشاركة، كما أنها ستتحول من صفحة معلومات إلى صفحة علاقات عامة».
لكن كيف تدير موسوعة الفضاء المفتوح الأشهر شأنها المالي؟ صندوق خيري رأسماله 100 مليون دولار، وهو ما يجعل ويلز واثقاً أن الإفلاس ليس وارداً ولا يقلقهم، ويبرر طلب الموقع تبرع القراء مالياً أن ذلك نوع من المشاركة لنشر المعرفة وليس للربح ويقول: «مالياً، نحن ندير صندوقنا الخيري بشكل حذر جداً ومحافظ، ولا يمكن أن نخشى من الإفلاس على الأقل هذه الفترة».
لكن كيف يمكن لويلز الحفاظ على المصداقية، والتأكد من خلو موسوعته الشهيرة من أخبار المغرضين، أو الأخبار المزيفة FAKE NEWS، ويوضح ذلك بقوله: «صحيح أن هناك قلقاً من الأخبار المزيفة، لكننا نسعى قدر الإمكان أن يكون هناك حذر فيما ينشر ويقوم مجتمع ويكيبيديا بالتعديلات اللازمة وتصحيح المعلومات المغلوطة. وهناك انتخابات داخل مجتمع ويكيبيديا للمشرفين كذلك، فليست بهذه السهولة. صحيح أنه فضاء مفتوح للجميع، وأدوات مفتوحة للتحرير ومتاحة للجميع، لكن هذا لا يعني. لا يمكن لأي شخص أن يضيف رابطاً كمصدر إذا كان هذا الرابط غير مرتبط، والجدل المستمر بين مستخدمي الموقع يمكننا من الوصول إلى الدقة إلى أكبر قدر ممكن. بإمكان أي شخص بلا شك أن يضيف محتوى مسيئاً، خصوصاً إذا كانت لديه أجندة معينة أو غيره، لكن في حال اكتشاف ذلك يتم حظر ذلك المستخدم من إمكانية التحرير على ويكيبيديا».
مجلة «ذي أتلانتيك» قالت إن مشروع جيمي ويلز الجديد، صحيفة «ويكي تريبيون»، سيقتل مهنة الصحافة ويقتل وظيفة الصحافي وسينهي مسألة أن الصحافي يجب أن يتقاضى راتباً نظير عمله. وتقوم فكرة الصحيفة، التي مضى على إطلاقها وقت إجراء المقابلة 29 يوماً فقط، ويرأس تحريرها بيتر بال، الصحافي النيوزيلندي الشهير الذي تنقل في العمل الصحافي بين مؤسسات كبرى ومنها «سي إن إن» و«فايننشيال تايمز» وأسس وعمل على إنشاء مواقع إلكتروني لأشهر الصحف ومنها «تايمز»، تقوم فكرتها على الاستفادة من جميع سكان المعمورة للإسهام في نشر الأخبار وتزويد الموقع بالصور والمقاطع المرئية للحوادث أو الأخبار في مختلف أنحاء العالم. ويخطط جيمي ويلز للتوسع التدريجي في اللغات بحيث سيشهد نهاية عام 2018 إطلاق اللغتين الألمانية والإسبانية للموقع، أما اللغة العربية فسيكون لها نصيب من الصحيفة الجديدة، لكن «ويكي تريبيون» ليست «ويكيبيديا» كما يقول ويلز، ولا يمكن إنشاء مواقع بجميع اللغات.
يدافع ويلز عن وليده الجديد، ويرفض ما قيل إنه سيقتل القيمة الحقيقية للصحافي وسيجعل الجميع صحافيين بلا أجر، ويقول: «لا يمكن لأي شخص أن ينشر مباشرة على ويكي تريبيون، هناك رئيس تحرير، وهناك صحافيون، وهناك إجازة للمواد والنشر بعد موافقة فريق التحرير. الفكرة هي في الاستفادة من جميع سكان المعمورة قدر المستطاع أن يشاركوا في نشر الخبر وتقديم المواد والصور وغيرها».
لكن هذا غير واضح؟ أي أن العمل الحقيقي يعتمد على المجانية، والصحافيون هم المواطنون، وستسهم فعلاً في قتل الصحافة الاحترافية، يقول: «لا أعتقد أن ذلك سيكون ممكناً، صحيفة ويكي تريبيون فكرتها مختلفة، لكن هناك صحافيين والمحررين الرئيسيين الذين يعملون عليها. عدا ذلك صحيح أنه بإمكان الجميع في أنحاء العالم أن يتطوعوا لإرسال الأخبار والتحقيقات، وهي تطبيق حقيقي لصحافة المواطن. لكن لا أظن أن الاتهام هو بهذه الدقة أن ويكي تريبيون ستقتل مسألة الصحافي الذي يتقاضى راتباً من عدمه. المسألة باختصار أننا نتيح الفرصة للجميع للمشاركة، هناك رئيس تحرير وهناك محررون. ومن خلال تطوع ومشاركة الناس بإمكاننا أيضاً معرفة من الذي لديه جودة عالية في جانب معين وبالإمكان أن يصبح مسؤولاً عن الملف أو الصفحة أو القسم الذي ينشط فيه بشكل مستمر ودقيق ومهني. هناك أزمة في الصحف المحلية في العالم بعضها أغلق تماماً وبعضها قام بتقليص الأعداد، لكن الصحف العالمية لا تزال تقاوم».
ويشير ويلز إلى أن الصحافي الذي يراسل الصحيفة باستمرار ويتخصص في شأن معين، بعد فترة من ملاحظته بالإمكان الاستعانة به محرراً أو مشرفاً على ما تخصص به، وضرب مثالاً على ذلك بالبيتكوين، وقال: «لدينا الصحافيون، وبإمكانهم أن يكونوا أعضاء أو متطوعين. لكن لن ينشر أي شيء حتى تتم إجازته من قبل المحررين، ولدينا بيتر بيل رئيس تحرير. وكيف سنعمل؟ مثلاً هناك من يتطوع دوماً ويكتب قصصاً عن البيتكوين وتقنياتها وما يحدث عنها، نركز عليه ونراقبه عن بعد أو بالأصح نراقب أداءه وبعد ذلك نستعين به».
يتحدث ويلز عن «ويكي تريبيون» بشغف، لكنني سألته عن التفاؤل، هل يتوقع أن تصبح قريباً من أهم المواقع في العالم على غرار مشروعه الأول «ويكيبيديا»؟ فرد أنه شخصية متفائلة، وحين بدأ موسوعوته الشهيرة في 2001 كان يطمح أن يكون ضمن أكثر 100 موقع زيارة، والآن أصبح ضمن أهم 5 مواقع في العالم: «أنا متفائل وسأظل متفائلاً دوماً، حين أدهشتني تقنيات المصادر المفتوحة في بداياتها تنبأت أن شيئاً ما يمكن فعله، كان الطموح أن أكون في قائمة الـ100، وتدريجياً أصبحت ضمن نطاق أصغر وأهم، وهو مع الخمسة الأوائل. وهذه الفكرة التي أجيب بها دائماً، أن الذي دفعني لترك عالم المال والأعمال والتفكير بويكيبيديا لم يكن الثراء أو المال، بقدر ما هو تحفيز Open source platforms وتقنياتها، والقدرة على جلب مبرمجين والتشارك في الفضاء المفتوح وهذا ما حدث، صحيح أنها مخاطرة لكنها نجحت».
يختتم ويلز حديثه بالتأكيد على أن الصحافي هذه الأيام يجب أن يكون عالماً بكل شيء، ومتسائلاً، ويقول إن على الصحافي ألا يستعين بـ«ويكيبيديا» فقط، بل عليه أن يستخدمها للتساؤل وإثارة الأسئلة والبحث عن المصادر بشكل أوسع وأدق.


مقالات ذات صلة

تلفزيون ألماني يحذف مقطعاً يتهم إيلون ماسك بتأجيج الاحتجاجات في بلفاست

أوروبا رجل الأعمال والملياردير الأميركي إيلون ماسك (أ.ف.ب)

تلفزيون ألماني يحذف مقطعاً يتهم إيلون ماسك بتأجيج الاحتجاجات في بلفاست

أقام إيلون ماسك دعوى على قناة ألمانية بسبب تقرير عنه، ما دفعها لحذف فقرة مثيرة للجدل بعد اعتراضه القانوني.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق مخيون في لقطة من أحد أعماله (حسابه على فيسبوك)

انتقاد مذيع مصري خاض في «خصوصيات» عبد العزيز مخيون

تعرض إعلامي مصري للهجوم الحاد من فنانين ومتابعين لتعرضه للحياة الشخصية للفنان الراحل عبد العزيز مخيون.

داليا ماهر (القاهرة)
الخليج «هيئة تنظيم الإعلام» أكدت استمرارها في رصد كل محتوى مخالف للأنظمة والضوابط (واس)

«هيئة الإعلام» السعودية: إحالة مسيء لدولة شقيقة إلى النيابة العامة

استدعت «هيئة تنظيم الإعلام» السعودية مواطناً أساء لدولة شقيقة بتعرضه لرموزها وقياداتها في مساحة صوتية بمنصة تواصل اجتماعي، وجرت إحالته للنيابة العامة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا نشطاء ومعارضون سياسيون يشاركون في مظاهرة بالعاصمة تونس (رويترز)

القضاء التونسي يحكم بسجن صحافية 4 سنوات غيابياً

كشفت الصحافية التونسية ‌خولة بوكريم، وهي منتقدة شديدة للرئيس قيس سعيد، أن محكمة في تونس قضت بسجنها 4 سنوات غيابياً.

«الشرق الأوسط» (تونس)
أوروبا نانديتو باديا وجورج ستانا رجلان رومانيان متهمان بطعن الصحافي الإيراني الدولي بوريا زراتي قرب منزله في ويمبلدون في مارس 2024 يمثلان أمام محكمة «وولويتش كراون» في لندن ببريطانيا 18 مايو 2026 في رسم تخطيطي للمحكمة (رويترز)

محكمة بريطانية: رومانيون طعنوا صحافياً في لندن بتحريض من إيران

قال ممثلو ادعاء أمام محكمة بريطانية، اليوم الاثنين، إن مجموعة من الرجال الرومانيين، يعملون وكلاء للحكومة الإيرانية، نفّذوا هجوماً بالسكين على صحافي في لندن.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
TT

مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)

منذ بداياته، اختار الإعلامي اللبناني مالك مكتبي خطاً مهنياً مختلفاً، فغاص في القضايا الاجتماعية والإنسانية حتى العمق. وحاور الكبار، والصغار، وكشف من خلال لقاءاته قصصاً تختلط فيها الأفراح بالآلام.

مالك اشتهر ببرنامجه التلفزيوني «أحمر بالخط العريض» على شاشة «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (LBCI)، حيث خاض رحلات إنسانية بحثاً عن الحقيقة. وسعى إلى سبر أغوار ضيوفه، وفهم خبايا تجاربهم، كما لعب في محطات كثيرة دوراً في لمّ شمل عائلات فرّقتها الظروف، مقدّماً نموذجاً للإعلام الهادف والرصين الذي يضع الإنسان في مقدمة اهتماماته.

منذ سنوات عدة، وجد مالك مكتبي نفسه، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، عند مفترق طرق. فالإعلام المرئي بات يواجه تحدّيات كبيرة في ظل انتشار واسع لوسائل التواصل الاجتماعي، وشعر بأن عليه مواكبة عصر مختلف تماماً عن ذلك الذي عرفه قبل عقدين.

من هنا انطلق في رحلة جديدة عبر منصّته الرقمية، فأطلق بودكاست «إحكي مالك»، والذي تحوّل إلى سلسلة حوارات يستضيف فيها شخصيّات عربية تروي قصص نجاحها، وتجاربها الحياتية. ثم تفرّعت منه عناوين أخرى، من بينها «احكي قصتي»، لتوسّع دائرة المحتوى الذي يقدّمه.

وأخيراً حقق نجاحاً لافتاً انعكس في عدد متابعيه الذين تجاوزوا 25 مليون شخصٍ عبر حساباته الإلكترونية المختلفة. فمنذ مطلع عام 2026 يقدّم سلسلة «إحكي طب» التي يستضيف فيها نخبة من الأطباء اللبنانيين، والعرب، متناولاً أحدث المقاربات الطبية، وأساليب العلاج، والوقاية. ومن خلال منشوراته على «إنستغرام» و«فيسبوك» -وغيرهما من المنصات- يبدو واضحاً مدى تأثره بالمحتوى الذي يقدّمه في هذه الحلقات. حتى إن متابعيه أطلقوا عليه لقب «دكتور مالك»، نظراً إلى إلمامه الواسع بالمواضيع الصحية، وقدرته على تبسيطها، ونقلها إلى الجمهور بأسلوب سلس، ومفهوم.

البودكاست ظاهرة إيجابية

يعدّ مالك مكتبي البودكاست ظاهرة إيجابية «لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد، بدلاً من الانغماس في أمور قد تقوده إلى مسارات غير بناءة».

ويضيف في لقاء مع «الشرق الأوسط» قائلاً: «بعد سنوات طويلة من العمل وجدت نفسي أقف عند مفترق طرق. كنت أبحث عمّا أستكمل به مسيرتي بالشكل الذي يليق بها، فرأيت في البودكاست فرصة تعيد نبض الشغف المهني إلى حياتي. أنا اعتبرته وسيلة فعالة لإيصال محتوى مفيد إلى الناس. وكان لا بد من إيجاد فكرة بسيطة وعملية يستوعبها الجمهور بسهولة، لأن التحدّي الأكبر بالنسبة إليّ يكمن في قدرة المستمع أو المشاهد على استيعاب ما أقدّمه له».

يشير مالك مكتبي إلى أن فكرة التوجّه نحو المحتوى الطبي والعلمي راودته منذ سنوات. ويشرح: «كنت أتابع برامج تتناول هذه المواضيع، لكنها لم تقنعني يوماً، لأنها لم تترك أثراً حقيقياً لديّ، وغالباً ما كان محتواها سطحياً. لذا ترددت في خوض هذا المجال. لكنني بعد اطلاعي على عدد كبير من الدراسات العلمية اكتشفت أن الكثير من المعلومات المهمة لا تصل إلى الجمهور العربي. وعندها سألت نفسي: لماذا لا تصل إلينا نتائج الأبحاث الصادرة عن جامعات عالمية مرموقة، مثل هارفارد وغيرها؟ عندها أدخلت خبرتي الإعلامية على الخط، وقرّرت أن أتحمّل مسؤولية نقل هذه المعرفة، وأكون بمثابة جسر تواصل بين هذه الدراسات وعالمنا العربي».

يتابع مكتبي اليوم نحو 25 مليون شخص عبر منصاته الرقمية (مالك مكتبي)

قصص الحياة هي هدفي

وعندما سألت «الشرق الأوسط» مكتبي عما إذا كان الإعلام هو الذي قاده إلى هذا المكان أم أنه يسعى إلى أخذ الإعلام نحو وجهة جديدة؟»، أجاب: «طوال سنوات عملي كان هدفي الاستماع إلى قصص الناس، والمساهمة في إلهامهم، وإضاءة جوانب من حياتهم، ثم أنقل هذه القصص بأسلوبي الإعلامي لتترك أثراً في الآخرين. ففي النهاية نحن في الوطن العربي نتشابه أكثر مما نختلف. ولا يوجد ما هو أثمن من الصحة وجودة الحياة كهدف نسعى إليه جميعاً. من هنا جاء المحتوى الطبي ليجمع الناس تحت سقف واحد».

النجاح الإعلامي لا يأتي من الفراغ

افتتح مالك مكتبي حلقات «إحكي طب» مع الدكتور حسين درويش، الطبيب المتخصص بجراحة الأعصاب، وتطرّق في الحوار إلى مواضيع دقيقة تتعلق بصحة الدماغ. وهنا يعلّق مكتبي شارحاً: «بالفعل هذه الحلقة الافتتاحية حققت نجاحاً لافتاً، ما منحني دافعاً قوياً للاستمرار في مشروعي. لكن النجاح لا يأتي من فراغ، بل يتطلّب جهداً كبيراً، وعمل فريق متكامل. فإعداد حلقة واحدة يستغرق مني نحو ست ساعات. وأيضاً يدرك الأطباء اليوم أن الكثير مما كانوا يحاولون إيصاله لم يكن يصل بالشكل الصحيح، بسبب غياب الإعداد المناسب لطرح هذه المواضيع».

ويتابع أنه بعد حلقة الدكتور درويش توالت الحلقات مع أطباء متخصّصين في مجالات متعددة، بينهم أطباء قلب، وسموم إكلينيكية، وطب الأسرة، وخبراء في الطب التكاملي، والوظيفي. وحسب قوله: «تمكّن البرنامج من كسر العديد من المحرّمات الطبية، وكشف ما وصفه باللغة السرّية لأجسادنا، بما يساهم في تقليل المعاناة مع الأمراض، والحدّ من مخاطرها. كما تناول مواضيع مثل القلق، وإمكانية النوم خلال دقائق معدودة، ليحقق ما نسمّيه (ضربة المعلم) في تبسيط العلوم الطبية، وتقديمها بأسلوب جذاب، وسهل».

المثابرة مفتاح النجاح

من ناحية ثانية يذكر مكتبي أنه انسحب تدريجياً من الشاشة التقليدية، بحثاً عن محتوىً عربي يصل إلى جمهور أوسع في المنطقة، وبعيداً عن القيود المحلية. ويستطرد: «كنت أريد أن يصل صوتي إلى الجميع من دون استثناء»، قبل أن يعترف بأنه مرّ بفترات من الإحباط، والانكسار، وصلت حدّ فقدان الأمل.

ومن ثم يقول: «طرحت على نفسي علامات استفهام كثيرة، لكن الشغف لم يتوقّف. مهنتي علمتني رفض الاستسلام، فانطلقت في حوارات خارج لبنان، وبالأخص في المملكة العربية السعودية، ودول الخليج. صحيح أنني اقتربت من الاستسلام، لكنني انتفضت عليه بفضل الشغف، لأن المثابرة هي مفتاح النجاح».

هذا، وخلال حواراته مع الأطباء اكتشف مكتبي تفاصيل حياتية صغيرة قد تضرّ بالإنسان، أو تحسّن صحته بشكل كبير. إذ ينبّه: «هناك خمس مناطق تعرف بـ(الزرقاء) في العالم يتمتع سكانها بنمط حياة صحي مميّز. وبعد البحث في أسباب ذلك تبيّن أن الرابط الأساسي بينهم هو علاقتهم الوثيقة مع الطبيعة. لهذا أفكر جدّياً بالانتقال إلى إحدى هذه المناطق لأخوض تجربة العيش فيها. وربما تكون جزيرة إيكاريا في اليونان الأقرب جغرافياً إليّ، حيث يُلاحظ ارتفاع نسبة المعمّرين هناك».

نمط الحياة الصحي هذا يُعزى إلى النظام الغذائي المتوسطي الغني بالخضار، والأعشاب البرّية، والأسماك الطازجة، وزيت الزيتون، إضافة إلى النشاط البدني المستمر، والهدوء النفسي. ومن ثم يؤكد مكتبي على أهمية الرياضة، مشيراً إلى أن بناء العضلات لا يقل أهمية عن صحة أي عضو آخر في الجسم. ويلفت إلى أن الوحدة قد توازي ضرر تدخين 15 سيجارة، وحتى الجينات تتأثر بنمط الحياة، والغذاء. ولذا يشدّد على أهمية التنفس السليم في التخلص من التوتر، وضرورة الابتعاد عن السكر، لما له من تأثير سلبي على جودة الحياة، والصحة.

وعمّا إذا كان برنامجه «إحكي طب» ينبع من خوفه من التقدم في العمر، جاء رده: «لا أخاف التقدم في السن، لكن أمراض الشيخوخة تثير قلقي. لذلك أبحث عن نمط حياة يحميني من أمراض مثل ألزهايمر. لست مثالياً في أسلوب حياتي، لكنني أحاول تغيير الكثير من العادات، خصوصاً السلبية منها».

عش أفضل وفكّر أكبر

وبالفعل يتّخذ مكتبي شعاراً ثابتاً في حياته ينطلق منه في مشاريعه الإعلامية، والإنسانية: «عش أفضل وفكّر أكبر». ويضيف: «سأواصل طريقي بهذا الشعار حتى إشعار آخر، لأن ما أحارب من أجله يستحق هذا النوع من التفكير. أخطط لمشاريع إنسانية جديدة ترتكز على قصص حياة غير مألوفة، وأعتقد أن القصة المقبلة ستكون من أجمل ما التقيته في مسيرتي».

مكتبي: البودكاست ظاهرة إيجابية لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد


مخاوف على «الخصوصية» بعد تحديث «ميتا» خدمة الذكاء الاصطناعي

مخاوف على «الخصوصية» بعد تحديث «ميتا» خدمة الذكاء الاصطناعي
TT

مخاوف على «الخصوصية» بعد تحديث «ميتا» خدمة الذكاء الاصطناعي

مخاوف على «الخصوصية» بعد تحديث «ميتا» خدمة الذكاء الاصطناعي

جدد إعلان شركة «ميتا» عن تحديث جديد لخدمة الذكاء الاصطناعي المخاوف بشأن «خصوصية بيانات المستخدمين». ودعا خبراء إلى «ضرورة استخدام أدوات تصفح تركز على الخصوصية».

شركة «ميتا» أعلنت الأسبوع الماضي عن تحديث جديد يستهدف «جعل توصيات ظهور المحتوى للمستخدم في منصاتها، وردود الذكاء الاصطناعي أكثر ارتباطاً بنشاطات المستخدم واهتماماته عبر دمج البيانات التي تجمعها من شركائها الإعلانيين ضمن خوارزمياتها».

وأوضحت الشركة في بيان نشرته على موقعها، أنها «تعمل على تحديث الطريقة التي تستخدم بها المعلومات التي تشاركها بالفعل شركات أخرى». وتابعت أنها «تستخدم هذه البيانات حالياً، التي تتعلق بالألعاب التي يلعبها المستخدم أو المشتريات التي يشتريها، لربط الإعلانات التي يراها المستخدم باهتماماته، لكنها ستعمل في المستقبل على استخدام هذه المعلومات لتطوير المحتوى الذي يظهر للمستخدم على الصفحة الرئيسية وردود الذكاء الاصطناعي».

في لقاء مع «الشرق الأوسط»، رأت ليلى دومة، الباحثة الجزائرية في علوم الإعلام والاتصال، هذا التحديث «جزءاً من استراتيجية (ميتا) لتعزيز تخصيص منصاتها وتحسين أداء أنظمة الإعلان والذكاء الاصطناعي». وأوضحت أنه «من خلال ربط الأنشطة على مواقع وتطبيقات خارجية بالسلوكيات الملاحظة على «فيسبوك» و«إنستغرام» مثلاً تحصل الشركة على صورة أشمل بكثير لاهتمامات كل مستخدم وعاداته ومسح كامل له، وتتيح هذه البيانات الوفيرة تقديم توصيات محتوى وإعلانات وأدوات ذكاء اصطناعي أكثر دقة.

إلا أن دومة أشارت أيضاً إلى أن «هذا التطور يثير مخاوف جدية بشأن الخصوصية... لأن عديداً من المستخدمين لا يدركون أن زياراتهم مواقع معينة، أو عمليات البحث التي يجرونها -بل حتى بعض عمليات الشراء- يمكن إرسالها إلى (ميتا) عبر أدوات التتبع مثل (ميتا بيكسل)، وهو عبارة عن متتبع لكل خطوات الإنسان».

وأضافت أنه «رغم أن (ميتا) تدّعي أنها لا تجمع فئات جديدة من البيانات وتُتيح إعدادات للتحكم؛ فإن تجميع هذه المعلومات يسمح بإنشاء ملفات تعريف رقمية مفصلة للغاية، وتحديد بروفايل خاص بكل شخص مهما كان سنه أو جنسه».

وتابعت الباحثة الجزائرية القول: «في عصر الذكاء الاصطناعي، يجب على المستخدمين تبني نهج استباقي لحماية بياناتهم تحديداً، يمكّنهم من مراجعة إعدادات خصوصية حساباتهم، والحد من الأنشطة المشاركة مع (ميتا)، وتعطيل خيار الأنشطة غير التابعة للشركة، ومراجعة أذونات التطبيقات، واستخدام أدوات تصفح تركز على الخصوصية». وأردفت أنه «من الضروري أيضاً قراءة إعدادات الموافقة بدلاً من قبول الخيارات المقترحة تلقائياً... إذ إن هذا التحديث يشكل تحدياً رئيسياً في العصر الحالي؛ يتمثل في إيجاد توازن بين مزايا التخصيص التي يوفرها الذكاء الاصطناعي من جهة، واحترام الحق الأساسي في الخصوصية». وتابعت: «كلما ازدادت الأنظمة ذكاءً ازدادت أهمية مسألة التحكم في البيانات الشخصية في النقاش العام».

وفق بيان «ميتا»، سيصار إلى جمع البيانات من شركائها في الإعلانات لـ«المساعدة على تخصيص المحتوى الإعلاني، بما في ذلك المعلومات التي تمرَّر عبر كود (ميتا بيكسل) الخاص بالمواقع الإلكترونية، والذي يشارك بيانات نشاط زوار المواقع». وذكرت «ميتا» أن «التحديث يستهدف عرض إعلانات أكثر ملاءمة استناداً إلى سلوك المستخدم خارج منصاتها».

الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، محمد فتحي، عدّ تحديث «ميتا» الجديد بمنزلة «خطوة استراتيجية تتجاوز الإعلانات التقليدية إلى بناء ما يمكن تسميته ملفاً سلوكياً شاملاً للمستخدم، وهو ما يتماشى مع سياسات الذكاء الاصطناعي».

وقال فتحي لـ«الشرق الأوسط»، إن «(ميتا) كانت تعتمد على ما يفعله المستخدم داخل منصاتها، أما الآن فهي تريد الاستفادة أيضاً من البيانات التي تصل إليها من مواقع وتطبيقات وشركات أخرى متعاونة معها، مثل عمليات الشراء والزيارات الإلكترونية واستخدام التطبيقات المختلفة، من أجل تخصيص المحتوى وليس الإعلانات فقط، بهدف تحسين خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وزيادة مدة بقاء المستخدم داخل المنصات».

وأشار إلى أن «التحديث يأتي في إطار تعويض تراجع ملفات تعريف الارتباط بعد تشديد قوانين الخصوصية، وقيود (أبل) و(غوغل) على التتبع، مما جعل الشركات بحاجة إلى طرق جديدة لفهم المستخدمين».

وحسب فتحي فإن «البيانات أصبحت المحرك الرئيسي للذكاء الاصطناعي، والمستخدم يدفع ثمن الخدمات المجانية ببياناته الشخصية وسلوكه الرقمي، وهو ما يعرِّضه لانتهاك الخصوصية حسب حرية كل شخص وما يريد تصديره للعالم».

وشدد من ثم على «ضرورة مراجعة إعدادات النشاط خارج (ميتا)، ومراجعة الجهات التي تشارك بيانات النشاط، ومسح النشاط السابق، وتقليل التخصيص الإعلاني واستخدام متصفحات أكثر حماية للخصوصية، مثل حظر ملفات التتبع الخارجية وملفات تعريف الارتباط من الطرف الثالث، مع مراجعة أذونات التطبيقات بانتظام، والتفكير قبل مشاركة البيانات مع أدوات الذكاء الاصطناعي».

وأكد فتحي أخيراً أن «أي معلومات يجري إدخالها في مساعدات الذكاء الاصطناعي قد تُستخدم لتحسين النماذج أو تخصيص الخدمات مستقبلاً وفق السياسات المعمول بها، لذلك يجب تطبيق مبدأ الحد الأدنى من البيانات بحيث لا تُشارَك إلا المعلومات الضرورية فقط، لأن البيانات التي لا تُجمع أساساً لا يمكن إساءة استخدامها مستقبلاً».


«البنتاغون» والصحافة... حين تتحول «غرفة الأسئلة» مساحةً محظورة

البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)
البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)
TT

«البنتاغون» والصحافة... حين تتحول «غرفة الأسئلة» مساحةً محظورة

البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)
البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)

في أحدث فصل من التوتر المتصاعد بين وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) ووسائل الإعلام، قرّر «البنتاغون» منع الصحافيين من دخول مكتبه الصحافي، بعد إعادة تصنيفه مساحةً سرّية أو منشأة معلومات حساسة.

القرار، الذي جاء في ظل قيادة الوزير بيت هيغسيث، وتنفيذاً للنهج الإعلامي الأوسع لإدارة الرئيس دونالد ترمب، لا يبدو إجراءً إدارياً معزولاً، بل هو حلقة إضافية في سلسلة قيود بدأت منذ عام 2025، وشملت فرض مرافقين على الصحافيين داخل مبنى البنتاغون، وتقييد حركتهم. ثم الدخول في معارك قضائية مع صحف وجهات إعلامية أخرى مثل صحيفة الـ«نيويورك تايمز» ووكالة الـ«أسوشييتد برس» للأنباء.

الوزارة تقول إن الإجراء مرتبط بحماية المعلومات «المصنّفة» (أي السرّية وشبه السرّة)، خصوصاً بعد نقل كتّاب خطابات يتعاملون مع مواد سرّية إلى المكتب الصحافي؛ ما يتطلّب تجهيز المكان بشبكة آمنة مثل «شبكة توجيه بروتوكول الإنترنت السرية». إلا أن منتقدي القرار يرون فيه تضييقاً عملياً على حق الصحافة في الوصول إلى المسؤولين، وعلى حق الجمهور في معرفة كيف تُدار واحدة من أكبر المؤسسات الفيدرالية وأكثرها إنفاقاً وتأثيراً في الأمن والسياسة الخارجية.

إعادة تعريف العلاقة مع الصحافة

تاريخياً، لم يكن مكتب الصحافة في «البنتاغون» - الذي هو مقر وزارة الحرب - مجرد غرفة إدارية، بل كان مساحة عمل مفتوحة نسبياً يستطيع الصحافيون المُعتمَدون دخولها، وطرح الأسئلة على مسؤولي الشؤون العامة، والحصول على توضيحات خلفية، ومتابعة ما لا يظهر دائماً في المؤتمرات الرسمية.

هذه المساحة غير الرسمية كانت جزءاً من آلية رقابة يومية، لا تقل أهمية عن البيانات المكتوبة أو الإحاطات المتلفزة.

بيد أن القرار الجديد يغيّر هذه القاعدة. وإذا كان الصحافيون قد خسروا سابقاً حرية الحركة داخل معظم أروقة «البنتاغون» وردهاته، فإن منعهم من دخول المكتب الصحافي نفسه يضيف حاجزاً جديداً حتى أمام التواصل المهني مع الناطقين باسم الوزارة. وعملياً، تصبح العلاقة أكثر رسمية وأقل عفوية: موعد مسبق، ومرافقة، وأسئلة مضبوطة، وإجابات تمرّ عبر قنوات محدّدة.

من وجهة نظر «البنتاغون»، الحجة واضحة، وهي أن المؤسسة العسكرية تتعامل يومياً مع معلومات حساسة، وبالتالي، فأي اختلاط غير مضبوط بين صحافيين ومساحات تُستخدم لمعالجة مواد سرّية قد يخلق أخطاراً أمنية.

لكن قوة هذه الحجة لا تلغي السؤال الأوسع... هل كان الحل الوحيد هو تحويل المكتب الصحافي كله مساحةً محظورة؟ أم كان ممكناً الفصل بين العمل الإعلامي والعمل المصنّف داخل مكاتب مختلفة؟

هنا بالضبط يبدأ الجدل؛ لأن المسألة لا تتعلّق فقط بالمكان، بل بالرسالة السياسية والمؤسّسية التي يحملها القرار.

مدخل مبنى الـ«نيويورك تايمز» (رويترز)

أمن قومي... أم تقليص الرقابة؟

بطبيعة الحال لا توجد دولة جادّة تسمح بتسريب أسرار عسكرية عملياتية أو معلومات قد تعرّض عسكرييها للخطر. لذلك؛ لا يمكن التعامل مع كل قيود «البنتاغون» على أنها بالضرورة تشكّل اعتداءً على الصحافة. ولكن في المقابل، يرى المنتقدون أنه لا يمكن أيضاً اعتبار شعار «الأمن القومي» تفويضاً مفتوحاً لإبعاد الإعلام عن المؤسسة العسكرية.

بكلام آخر... الفارق بين حماية الأسرار ومنع الرقابة قد يكون دقيقاً، لكنه حاسم في نظام ديمقراطي.

سياق تراكمي

المشكلة أن القرار يأتي ضمن سياق تراكمي. ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، سلّم عدد كبير من صحافيي «البنتاغون» بطاقاتهم بدلاً من التوقيع على سياسة كانت تُلزمهم بالإحجام عن السعي وراء معلومات غير مُصرّح بنشرها.

وفي مارس (آذار) 2026، حكم قاضٍ فيدرالي ضد قيود رئيسة في تلك السياسة، معتبراً أنها تنتهك حقوقاً دستورية متّصلة بحرّية الصحافة والإجراءات القانونية الواجبة. ومن ثم، واصل «البنتاغون» الاعتماد على «سياسة مؤقتة» تلزم الصحافيين بالمرافقة داخل المبنى، وسمحت محكمة استئناف باستمرارها مؤقّتاً إبان النزاع القضائي.

لاحقاً، في مايو (أيار) 2026، رفعت الـ«نيويورك تايمز» دعوى ثانية للطعن تحديداً في شرط المرافقة، معتبرة أنه يحدّ من القدرة على التغطية المستقلة للشؤون العسكرية. أما «البنتاغون» فردّ بأن الصحافيين لا يملكون «حقاً مطلقاً» في التجوّل داخل مبنى عسكري، وأن القيود مصمّمة لمنع الوصول غير المشروع إلى معلومات «مصنّفة».

هذه هي نقطة التوازن الصعبة: الوزارة محقّة في أن «البنتاغون» ليس مبنىً عاماً عادياً؛ لكن الصحافة محقّة أيضاً في أن المؤسسة العسكرية، بحجم إنفاقها وسلطتها، لا ينبغي أن تتحوّل صندوقاً مُغلقاً لا يُرى إلا من خلال بياناته الرسمية.

صحافة أضعف وجمهور أقل معرفة

الخطر الأبرز هنا لا يكمن فقط في منع دخول غرفة بعينها، بل أيضاً في الأثر التراكمي لهذه السياسات على العمل الصحافي.

ذلك أن الصحافة التي تغطي «البنتاغون» لا تعتمد فقط على المؤتمرات الرسمية، بل على بناء مصادر، وفهم خلفيات القرارات، ومقارنة الروايات، وكشف التناقضات بين الخطاب السياسي والواقع الميداني أو المالي. وهذا ينعكس مباشرة على المواطن.

ثم أن «البنتاغون»، حسب المنتقدين، ليس مجرد وزارة أخرى... بل إنه يدير ميزانيات ضخمة، ويشن حروباً، ويشرف على قواعد عسكرية، ويمتلك عقود تسليح، ويعتمد سياسات تمسّ حياة الجنود والمدنيين في الداخل والخارج. وحين تصبح المعلومات أكثر ندرة، يصعب على الجمهور معرفة ما إذا كانت القرارات مبرّرة، أو مكلفة أكثر من اللازم، أو منسجمة مع القانون والمصلحة العامة.

في المقابل، يحتاج الإعلام أيضاً إلى الاعتراف بأن الثقة لا تُبنىَ بمجرد المطالبة بالوصول. فعليه، حقاً، أن يميّز بوضوح بين حقه في السؤال والبحث، وبين تحاشي نشر معلومات قد تسبّب ضرراً أمنياً مباشراً.

لذلك؛ يبدو قرار تصنيف المكتب الصحافي «مساحةً سرّية» أكثر من تعديل مكاني. إنه اختبار جديد للعلاقة بين المؤسسة العسكرية والصحافة في الولايات المتحدة. وإذا بقيت القيود تتوسّع من دون ضوابط، فقد لا تكون النتيجة حماية أفضل للأسرار.

الصحافة التي تغطي «البنتاغون» لا تعتمد فقط على المؤتمرات الرسمية... بل تهتم بالمصادر وفهم خلفيات القرارات