القدس أيقونة في المخيال العربي استغلتها جماعات التطرف

القرار الأميركي وصحوة جديدة تستثني إسرائيل

شبان فلسطينيون خلال مواجهات مع الاحتلال قرب نابلس احتجاجاً على القرار الأميركي (إ.ب.أ)
شبان فلسطينيون خلال مواجهات مع الاحتلال قرب نابلس احتجاجاً على القرار الأميركي (إ.ب.أ)
TT

القدس أيقونة في المخيال العربي استغلتها جماعات التطرف

شبان فلسطينيون خلال مواجهات مع الاحتلال قرب نابلس احتجاجاً على القرار الأميركي (إ.ب.أ)
شبان فلسطينيون خلال مواجهات مع الاحتلال قرب نابلس احتجاجاً على القرار الأميركي (إ.ب.أ)

رغم تراجعها الراهن، استمرت القضية الفلسطينية، استمرت قضية العرب والمسلمين وقبلة وعيهم الأولى منذ ثلاثينات القرن الماضي، وقد خيضت لأجلها سبع حروب وثلاث انتفاضات في الداخل، كما استغلتها جماعات التطرف والتطرف العنيف دائماً، بدعوى القتال من أجل تحريرها، واستهداف المجتمعات والأنظمة في المنطقة والعالم، التي تؤمن بحل السلام وتسوية الصراع، ويرونها عائقة لتحريرها.
وكان الاستنكار - الواعي بخطورة الآثار والتداعيات - من مختلف الدول العربية والإسلامية، والكثير من حكومات الغرب والعالم على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بخصوص القدس، يوم 8 ديسمبر (كانون الأول) الحالي 2017، وقد أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز هذا الأمر في خطابه التاريخي في افتتاح أعمال السنة الثانية من الدورة السابعة لمجلس الشورى السعودي يوم الثالث عشر من ديسمبر الماضي، ووصفه بالانحياز الكبير ضد الحقوق التاريخية والثابتة، حيث قال: «أؤكد استنكار المملكة وأسفها الشديد للقرار الأميركي بشأن القدس، لما يمثله من انحياز كبير ضد حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية والثابتة في القدس التي كفلتها القرارات الدولية ذات الصلة، وحظيت باعتراف وتأييد المجتمع الدولي».
وقد جاء وصف الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي دقيقاً لأبعد حد في تعليقه على القرار، أثناء لقائه بوفد من مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، أنه يمثل طوق نجاة وصفاً دقيقاً بأنه يعطي قبلة حياة للتطرف وجماعاته، بعد أن خسرت الكثير من قواعدها في الشرق الأوسط، ولكن قد تؤجج الصراع داخلياً بين الفلسطينيين والإسرائيليين فقط.
هذا رغم أن هذا القرار الصادر في الثامن من ديسمبر كان متوقعاً وليس بالمفاجئ، إذ كان الكونغرس الأميركي قد اتخذ قراراً عام 1990 بنقل السفارة إلى القدس، والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتأجيل تطبيق القرار إلى حين يراعي مصالح الأمن القومي الأميركي، وقد جدد الكونغرس القرار نفسه في عام 1995. وقد أعلن ترمب بوضوح نيته لتطبيق ذلك القرار أثناء حملته الرئاسية في عام 2016، وهو ما طبقه في القرار الأخير.
جسدت قضية فلسطين والقدس خاصة والمسجد الأقصى بشكل أخص الأيقونة الأهم والأخطر في وعي ومخيال العرب الحديث، منذ إعلان دولة إسرائيل سنة 1948، التي يمكن القول إنها كانت الفاصل الأهم في تاريخهم الحديث، وشكلت مساراتهم وتحولاتهم السياسية بل والفكرية بعدها، فكانت الرافعة التي رفعت أنظمة وأسقطت أخرى، ومهدت أو بررت لظهور أنظمة وتنظيمات ثورية رفعت هذا الهدف(التحرر والتحرير) والوحدة أو الدولة من أجله.
كانت القضية التي تحدد الوطني والعميل، والمؤمن والخائن، يتم تكفير الأنظمة بسببها، وكانت دعاوى«المقاومة» من أجلها حصانة لأصحابها حتى وإن لم يدافعوا عنها أو يخوضوا حرباً حقيقية من أجلها، وظن البعض أن هذا الشعار (المقاومة) تمييز خاصّ يتيح لهم البقاء الأبدي واحتكار القوة والسلطة والقتل أحياناً، وأعلنها النظام السوري سنة 2011؛ بأنه لن تصيبه انتفاضات الشباب كونه موصوفاً بالنظام المقاوم.
قامت الحروب والعديد من الثورات أو الانقلابات تحت لافتة «تحرير القدس» وباسم أنظمة وتنظيمات المقاومة والجهاد ضد المختلف العربي والإسلامي أولاً، ولم تكن موجهة لـ«إسرائيل» دائماً، فبعد إعلان الأخيرة وانتصارها في حرب فلسطين - النكبة الأولى عام 1948 ميلاديّاً - كانت حركة الانقلابات والثورات التي قادها الضباط والعسكر عام 1949 في سوريا، وعام 1952 في سوريا، وكانت كذلك تدور حولها خلافاتهم، وتصدر عبرها أحكامهم، ويُقتَل بسببها رؤساء وزعماء وحكام وقادة؛ من اغتيال الملك عبد الله بن الحسين الأول في 21 يوليو (تموز) سنة 1951 إلى اغتيال الرئيس السادات في ذكرى انتصاره عام 1981، كما اغتيل الرئيس رفيق الحريري في 14 فبراير (شباط) سنة 2005 بسلاح من تسُمى المقاومة والممانعة من أجلها.
هي القضية الأكثر عمقاً وعاطفية في مخيال المسلمين المعاصر، وقد نجح توظيفها في إزاحة سواها من القضايا، كالديمقراطية في العهد الثوري في خمسينات وستينات تحت شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، بل أزالت الهمَّ النهضوي السابق لنشأتها موجهة مشاعر الكثيرين لثنائية الصراع من أجلها مع إسرائيل والغرب الداعم لها أو الأنظمة التي تهادنها عربياً وإسلامياً، وتتهمها بالخيانة لإيمانها بالتسوية ووقف الحرب وإحلال السلام، وهو ما أحسنت توظيفه جماعات وخطاب التطرف دائماً.
لم تتأخر أو تتراجع قضية الصراع العربي - الإسرائيلي، إلا مع زلازل أكبر عربية بينية، مثل الزلزال الأول المتمثل في احتلال صدام حسين الكويت سنة 1990، والزلزال الأخير المتمثل في تداعيات الانتفاضات العربية سنة 2011، أو الانقسام الفلسطيني نفسه في صيف عام 2007، الذي استمر وتوسعت منه انقسامات أكبر يكفر بعضُها بعضاً أو يتهم بعضُها بعضاً حولها كما هو الشأن دائماً.
وقد أعقب كلا الزلزالين حضورٌ مدوٍّ للمنظمات المتطرفة المعولمة والقطرية في آن واحد؛ ففي التسعينات ظهرت شبكة «القاعدة» التي أعلنت سنة 1998 تحت عنوان «الجبهة العالمية لمواجهة الصليبيين واليهود»، وفي عام 2013 أنتج المخاض العسير دولة «داعش» وخلافتها المزعومة في 10 يونيو (حزيران) سنة 2014، وغيرهما ومعهما توالدت مئات المجموعات المقاتلة في سوريا والعراق وليبيا وسيناء، المدعومة والموظفة من بعض الدول بهدف إنهاك منافسيها وخصومها، سنية أو شيعية موالية للولي الفقيه، وقد حدد مرشد الثورة وزعيمها آية الله الخميني يوم الجمعة الأخير من رمضان من كل عام ليكون يوم القدس العالمي الذي تحتفل به مختلف الحركات والقوى الإسلامية وغيرها في العالم الإسلامي.
استثمرت حركات الإسلام السياسي، السنية والشيعية على السواء، في القضية الفلسطينية، فلم تكن صحوة الإخوان المسلمين وشعبيتها الحقيقية في الحالة المصرية إلا بعد نشاطها المدوي نصرة للثورة الفلسطينية لعز الدين القسام سنة 1935، التي كانت بداية اهتمام النخبة المصرية بالقضية حينها، ثم بدورها في حرب 1948، كما استمرت جزءاً من شعار مختلف هذه الحركات، تلاقى فيها حسن البنا مع سيد قطب مع المودودي ثم الخميني الذي تجاوز التقليدية المحافظة الشيعية في اهتمامه وانفتاحه وتأثره الشديد بحركات الإسلام السياسي، شأن الإخوان المسلمين وحركات استعادة الخلافة بالخصوص.
بل نرى أن تأثر روح الله الخميني بحركات الإسلام السياسي، التي آمنت بالحركة في غياب دور الفقهاء والعلماء في قيادة الأمة، تأثراً بما كتبه الجويني في «الغياثي» كان له أثره الشديد في صياغة الخميني لنظريته في «الولي الفقيه» غير الأصيلة في التراث الشيعي، كما ترجم ودرس المرشد الحالي آية الله خامنئي بعض مؤلفات سيد قطب، واستثمرت ثورة الخميني في حركات كحركة الجهاد الفلسطيني لفتحي الشقاقي، وحركات «الجهاد» المصرية، قبل أن تنشئ منذ ثمانينات القرن الماضي حركات جهادية تابعة لها تحت عنوان «حزب الله في لبنان، ترفع الشعارات نفسها: «الموت لأميركا وإسرائيل»، وتدعو لتحرير القدس، وهي تستهدف الأنظمة العربية والمسلمة المعارضة لها، دون أن تخوض حرباً مباشرة معها.
رغم كثرة ذكر الراحل أسامة بن لادن للصراع والقضية الفلسطينية، فإنها تأتي في مرتبة متأخرة عملياً بعد حربه على الولايات المتحدة والأنظمة العربية والإسلامية، وكذلك عند خليفته أيمن الظواهري؛ فهي ذريعة عاطفية لدغدغة مشاعر المتعاطفين، ولكن العدو القريب والعدو البعيد ليس بينهما إسرائيل، كما أن «تحرير القدس ليس من أولويات الجهاد»، كما ذكر قيادي داعشي في أكتوبر (تشرين الأول) 2015.
من هنا، لم تولِ حركات وشبكات التطرف العنيف القضية أولويتها العملية، خصوصاً أنها نشأت بعد انتهاء الحروب المباشرة مع إسرائيل، بينما استثمرتها دائما حركات الإسلام السياسي في معاركها الانتخابية وخطابها المعارض للأنظمة فقط، على عكس حركات الداخل.
تمركزت رؤية تنظيمات «الجهاد» على استهداف العدو القريب ممثلاً في الأنظمة الحاكمة، أو العدو البعيد ممثلاً في الولايات المتحدة والدول الغربية، باعتبارهما من يعوقونهم عن تحرير القدس، وحرب إسرائيل، ويمنعونهم من ذلك، فكان استنزاف عملياتها الإرهابية، وكان تفجر المسألة والاعتداءات الطائفية، ونشطت عمليات الإرهاب في الدول الإسلامية والغربية على السواء بهذا السبب.
وليس قرار الرئيس ترمب الأخير إلا مبرراً نظرياً، لن يغير من الواقع الكثير، وليس ملزماً لأي مفاوضات مقبلة بشأن تسوية الصراع العربي – الإسرائيلي، إلا أنه رمى بمزيد من الضبابية وتبرير العداء والعنف ضد الولايات الأميركية وحلفائها غرباً وشرقاً، ويعطي قبلة حياة وطوق نجاة لجماعات التطرف وقدرة جماعات التطرف على التجنيد كراهية للعدو القريب أو البعيد في تصوراتها على السواء. ستعود دفَّة خطاب هذه الجماعات للتمسك بشعارات «تحرير القدس» لتحيي حضورها الذي خسرته، وجمهورها الذي انفضَّ عنها، في تجربة السنوات الماضية، بعد الانتفاضات العربية سنة 2011 وحتى الآن.
وبينما لم يتناول «داعش» قضية فلسطين إلا مرتين على مدار الثلاث سنوات الماضية، في 22 أكتوبر (تشرين الأول)، حين ظهر أحد عناصرها يتكلم العبرية يتوعد فيه للمرة الأولى بالانتقام من إسرائيل.
وكانت المرة الثانية التي ورد فيها اسم «إسرائيل» في تسجيل لأمير «داعش» أبي بكر البغدادي بتاريخ 25 ديسمبر سنة 2015 ردَّ فيها على من اتهموه بتناسي إسرائيل وعدم استهدافها، متوعداً بأنه سيجعلها مقبرة اليهود. إن حرب ومعركة تنظيمات التطرف والإرهاب العنيف الرئيسية ليست ضد إسرائيل لتحرير القدس، ولكنها النتيجة التي يعلنون طلبها، بعد حربهم على العدو البعيد ممثلاً في الولايات المتحدة التي يرونها الحامي والراعي لها، وضد العدو القريب الذين يرونه يعوقهم عن تحقيق هذا الهدف، ولكنهم سيعودون للإلحاح على ذلك كثيراً بعد هذا القرار الذي يعني المزيد من حيوية جماعات التطرف وعملياتها ضد الولايات المتحدة وضد حلفائها والأنظمة في المنطقة فقط، مع تأجيج الصراع داخلياً، في انتظار انتفاضة رابعة أو حرب ثامنة.
لكن يبدو أن الرئيس الأميركي في قراره الأخير لم يكن مدركاً لكل هذه الممكنات المحتملات في ملامسته القضية الأكثر حساسية في الصراع وهي«قضية القدس» التي تمثل ثابتاً راسخاً في مخيال مختلف آيديولوجيات وأجيال العالم العربي والإسلامي، ويهمش دور بلاده في عملية السلام ويشكك فيه ابتداء، كما يضع الحرج على كل المؤمنين به.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.