القدس أيقونة في المخيال العربي استغلتها جماعات التطرف

القرار الأميركي وصحوة جديدة تستثني إسرائيل

شبان فلسطينيون خلال مواجهات مع الاحتلال قرب نابلس احتجاجاً على القرار الأميركي (إ.ب.أ)
شبان فلسطينيون خلال مواجهات مع الاحتلال قرب نابلس احتجاجاً على القرار الأميركي (إ.ب.أ)
TT

القدس أيقونة في المخيال العربي استغلتها جماعات التطرف

شبان فلسطينيون خلال مواجهات مع الاحتلال قرب نابلس احتجاجاً على القرار الأميركي (إ.ب.أ)
شبان فلسطينيون خلال مواجهات مع الاحتلال قرب نابلس احتجاجاً على القرار الأميركي (إ.ب.أ)

رغم تراجعها الراهن، استمرت القضية الفلسطينية، استمرت قضية العرب والمسلمين وقبلة وعيهم الأولى منذ ثلاثينات القرن الماضي، وقد خيضت لأجلها سبع حروب وثلاث انتفاضات في الداخل، كما استغلتها جماعات التطرف والتطرف العنيف دائماً، بدعوى القتال من أجل تحريرها، واستهداف المجتمعات والأنظمة في المنطقة والعالم، التي تؤمن بحل السلام وتسوية الصراع، ويرونها عائقة لتحريرها.
وكان الاستنكار - الواعي بخطورة الآثار والتداعيات - من مختلف الدول العربية والإسلامية، والكثير من حكومات الغرب والعالم على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بخصوص القدس، يوم 8 ديسمبر (كانون الأول) الحالي 2017، وقد أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز هذا الأمر في خطابه التاريخي في افتتاح أعمال السنة الثانية من الدورة السابعة لمجلس الشورى السعودي يوم الثالث عشر من ديسمبر الماضي، ووصفه بالانحياز الكبير ضد الحقوق التاريخية والثابتة، حيث قال: «أؤكد استنكار المملكة وأسفها الشديد للقرار الأميركي بشأن القدس، لما يمثله من انحياز كبير ضد حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية والثابتة في القدس التي كفلتها القرارات الدولية ذات الصلة، وحظيت باعتراف وتأييد المجتمع الدولي».
وقد جاء وصف الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي دقيقاً لأبعد حد في تعليقه على القرار، أثناء لقائه بوفد من مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، أنه يمثل طوق نجاة وصفاً دقيقاً بأنه يعطي قبلة حياة للتطرف وجماعاته، بعد أن خسرت الكثير من قواعدها في الشرق الأوسط، ولكن قد تؤجج الصراع داخلياً بين الفلسطينيين والإسرائيليين فقط.
هذا رغم أن هذا القرار الصادر في الثامن من ديسمبر كان متوقعاً وليس بالمفاجئ، إذ كان الكونغرس الأميركي قد اتخذ قراراً عام 1990 بنقل السفارة إلى القدس، والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتأجيل تطبيق القرار إلى حين يراعي مصالح الأمن القومي الأميركي، وقد جدد الكونغرس القرار نفسه في عام 1995. وقد أعلن ترمب بوضوح نيته لتطبيق ذلك القرار أثناء حملته الرئاسية في عام 2016، وهو ما طبقه في القرار الأخير.
جسدت قضية فلسطين والقدس خاصة والمسجد الأقصى بشكل أخص الأيقونة الأهم والأخطر في وعي ومخيال العرب الحديث، منذ إعلان دولة إسرائيل سنة 1948، التي يمكن القول إنها كانت الفاصل الأهم في تاريخهم الحديث، وشكلت مساراتهم وتحولاتهم السياسية بل والفكرية بعدها، فكانت الرافعة التي رفعت أنظمة وأسقطت أخرى، ومهدت أو بررت لظهور أنظمة وتنظيمات ثورية رفعت هذا الهدف(التحرر والتحرير) والوحدة أو الدولة من أجله.
كانت القضية التي تحدد الوطني والعميل، والمؤمن والخائن، يتم تكفير الأنظمة بسببها، وكانت دعاوى«المقاومة» من أجلها حصانة لأصحابها حتى وإن لم يدافعوا عنها أو يخوضوا حرباً حقيقية من أجلها، وظن البعض أن هذا الشعار (المقاومة) تمييز خاصّ يتيح لهم البقاء الأبدي واحتكار القوة والسلطة والقتل أحياناً، وأعلنها النظام السوري سنة 2011؛ بأنه لن تصيبه انتفاضات الشباب كونه موصوفاً بالنظام المقاوم.
قامت الحروب والعديد من الثورات أو الانقلابات تحت لافتة «تحرير القدس» وباسم أنظمة وتنظيمات المقاومة والجهاد ضد المختلف العربي والإسلامي أولاً، ولم تكن موجهة لـ«إسرائيل» دائماً، فبعد إعلان الأخيرة وانتصارها في حرب فلسطين - النكبة الأولى عام 1948 ميلاديّاً - كانت حركة الانقلابات والثورات التي قادها الضباط والعسكر عام 1949 في سوريا، وعام 1952 في سوريا، وكانت كذلك تدور حولها خلافاتهم، وتصدر عبرها أحكامهم، ويُقتَل بسببها رؤساء وزعماء وحكام وقادة؛ من اغتيال الملك عبد الله بن الحسين الأول في 21 يوليو (تموز) سنة 1951 إلى اغتيال الرئيس السادات في ذكرى انتصاره عام 1981، كما اغتيل الرئيس رفيق الحريري في 14 فبراير (شباط) سنة 2005 بسلاح من تسُمى المقاومة والممانعة من أجلها.
هي القضية الأكثر عمقاً وعاطفية في مخيال المسلمين المعاصر، وقد نجح توظيفها في إزاحة سواها من القضايا، كالديمقراطية في العهد الثوري في خمسينات وستينات تحت شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، بل أزالت الهمَّ النهضوي السابق لنشأتها موجهة مشاعر الكثيرين لثنائية الصراع من أجلها مع إسرائيل والغرب الداعم لها أو الأنظمة التي تهادنها عربياً وإسلامياً، وتتهمها بالخيانة لإيمانها بالتسوية ووقف الحرب وإحلال السلام، وهو ما أحسنت توظيفه جماعات وخطاب التطرف دائماً.
لم تتأخر أو تتراجع قضية الصراع العربي - الإسرائيلي، إلا مع زلازل أكبر عربية بينية، مثل الزلزال الأول المتمثل في احتلال صدام حسين الكويت سنة 1990، والزلزال الأخير المتمثل في تداعيات الانتفاضات العربية سنة 2011، أو الانقسام الفلسطيني نفسه في صيف عام 2007، الذي استمر وتوسعت منه انقسامات أكبر يكفر بعضُها بعضاً أو يتهم بعضُها بعضاً حولها كما هو الشأن دائماً.
وقد أعقب كلا الزلزالين حضورٌ مدوٍّ للمنظمات المتطرفة المعولمة والقطرية في آن واحد؛ ففي التسعينات ظهرت شبكة «القاعدة» التي أعلنت سنة 1998 تحت عنوان «الجبهة العالمية لمواجهة الصليبيين واليهود»، وفي عام 2013 أنتج المخاض العسير دولة «داعش» وخلافتها المزعومة في 10 يونيو (حزيران) سنة 2014، وغيرهما ومعهما توالدت مئات المجموعات المقاتلة في سوريا والعراق وليبيا وسيناء، المدعومة والموظفة من بعض الدول بهدف إنهاك منافسيها وخصومها، سنية أو شيعية موالية للولي الفقيه، وقد حدد مرشد الثورة وزعيمها آية الله الخميني يوم الجمعة الأخير من رمضان من كل عام ليكون يوم القدس العالمي الذي تحتفل به مختلف الحركات والقوى الإسلامية وغيرها في العالم الإسلامي.
استثمرت حركات الإسلام السياسي، السنية والشيعية على السواء، في القضية الفلسطينية، فلم تكن صحوة الإخوان المسلمين وشعبيتها الحقيقية في الحالة المصرية إلا بعد نشاطها المدوي نصرة للثورة الفلسطينية لعز الدين القسام سنة 1935، التي كانت بداية اهتمام النخبة المصرية بالقضية حينها، ثم بدورها في حرب 1948، كما استمرت جزءاً من شعار مختلف هذه الحركات، تلاقى فيها حسن البنا مع سيد قطب مع المودودي ثم الخميني الذي تجاوز التقليدية المحافظة الشيعية في اهتمامه وانفتاحه وتأثره الشديد بحركات الإسلام السياسي، شأن الإخوان المسلمين وحركات استعادة الخلافة بالخصوص.
بل نرى أن تأثر روح الله الخميني بحركات الإسلام السياسي، التي آمنت بالحركة في غياب دور الفقهاء والعلماء في قيادة الأمة، تأثراً بما كتبه الجويني في «الغياثي» كان له أثره الشديد في صياغة الخميني لنظريته في «الولي الفقيه» غير الأصيلة في التراث الشيعي، كما ترجم ودرس المرشد الحالي آية الله خامنئي بعض مؤلفات سيد قطب، واستثمرت ثورة الخميني في حركات كحركة الجهاد الفلسطيني لفتحي الشقاقي، وحركات «الجهاد» المصرية، قبل أن تنشئ منذ ثمانينات القرن الماضي حركات جهادية تابعة لها تحت عنوان «حزب الله في لبنان، ترفع الشعارات نفسها: «الموت لأميركا وإسرائيل»، وتدعو لتحرير القدس، وهي تستهدف الأنظمة العربية والمسلمة المعارضة لها، دون أن تخوض حرباً مباشرة معها.
رغم كثرة ذكر الراحل أسامة بن لادن للصراع والقضية الفلسطينية، فإنها تأتي في مرتبة متأخرة عملياً بعد حربه على الولايات المتحدة والأنظمة العربية والإسلامية، وكذلك عند خليفته أيمن الظواهري؛ فهي ذريعة عاطفية لدغدغة مشاعر المتعاطفين، ولكن العدو القريب والعدو البعيد ليس بينهما إسرائيل، كما أن «تحرير القدس ليس من أولويات الجهاد»، كما ذكر قيادي داعشي في أكتوبر (تشرين الأول) 2015.
من هنا، لم تولِ حركات وشبكات التطرف العنيف القضية أولويتها العملية، خصوصاً أنها نشأت بعد انتهاء الحروب المباشرة مع إسرائيل، بينما استثمرتها دائما حركات الإسلام السياسي في معاركها الانتخابية وخطابها المعارض للأنظمة فقط، على عكس حركات الداخل.
تمركزت رؤية تنظيمات «الجهاد» على استهداف العدو القريب ممثلاً في الأنظمة الحاكمة، أو العدو البعيد ممثلاً في الولايات المتحدة والدول الغربية، باعتبارهما من يعوقونهم عن تحرير القدس، وحرب إسرائيل، ويمنعونهم من ذلك، فكان استنزاف عملياتها الإرهابية، وكان تفجر المسألة والاعتداءات الطائفية، ونشطت عمليات الإرهاب في الدول الإسلامية والغربية على السواء بهذا السبب.
وليس قرار الرئيس ترمب الأخير إلا مبرراً نظرياً، لن يغير من الواقع الكثير، وليس ملزماً لأي مفاوضات مقبلة بشأن تسوية الصراع العربي – الإسرائيلي، إلا أنه رمى بمزيد من الضبابية وتبرير العداء والعنف ضد الولايات الأميركية وحلفائها غرباً وشرقاً، ويعطي قبلة حياة وطوق نجاة لجماعات التطرف وقدرة جماعات التطرف على التجنيد كراهية للعدو القريب أو البعيد في تصوراتها على السواء. ستعود دفَّة خطاب هذه الجماعات للتمسك بشعارات «تحرير القدس» لتحيي حضورها الذي خسرته، وجمهورها الذي انفضَّ عنها، في تجربة السنوات الماضية، بعد الانتفاضات العربية سنة 2011 وحتى الآن.
وبينما لم يتناول «داعش» قضية فلسطين إلا مرتين على مدار الثلاث سنوات الماضية، في 22 أكتوبر (تشرين الأول)، حين ظهر أحد عناصرها يتكلم العبرية يتوعد فيه للمرة الأولى بالانتقام من إسرائيل.
وكانت المرة الثانية التي ورد فيها اسم «إسرائيل» في تسجيل لأمير «داعش» أبي بكر البغدادي بتاريخ 25 ديسمبر سنة 2015 ردَّ فيها على من اتهموه بتناسي إسرائيل وعدم استهدافها، متوعداً بأنه سيجعلها مقبرة اليهود. إن حرب ومعركة تنظيمات التطرف والإرهاب العنيف الرئيسية ليست ضد إسرائيل لتحرير القدس، ولكنها النتيجة التي يعلنون طلبها، بعد حربهم على العدو البعيد ممثلاً في الولايات المتحدة التي يرونها الحامي والراعي لها، وضد العدو القريب الذين يرونه يعوقهم عن تحقيق هذا الهدف، ولكنهم سيعودون للإلحاح على ذلك كثيراً بعد هذا القرار الذي يعني المزيد من حيوية جماعات التطرف وعملياتها ضد الولايات المتحدة وضد حلفائها والأنظمة في المنطقة فقط، مع تأجيج الصراع داخلياً، في انتظار انتفاضة رابعة أو حرب ثامنة.
لكن يبدو أن الرئيس الأميركي في قراره الأخير لم يكن مدركاً لكل هذه الممكنات المحتملات في ملامسته القضية الأكثر حساسية في الصراع وهي«قضية القدس» التي تمثل ثابتاً راسخاً في مخيال مختلف آيديولوجيات وأجيال العالم العربي والإسلامي، ويهمش دور بلاده في عملية السلام ويشكك فيه ابتداء، كما يضع الحرج على كل المؤمنين به.



تعثر الإعمار يُبقي «شبح التهجير» قائماً بعد عام من «اتفاق غزة»

في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

تعثر الإعمار يُبقي «شبح التهجير» قائماً بعد عام من «اتفاق غزة»

في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)

بعد عام من توقيع «اتفاق السلام في قطاع غزة»، لا يزال «إعمار غزة» متعثراً في ظل تعنت إسرائيلي مستمر ألقى بظلاله على بنود الاتفاق الذي يعاني جموداً منذ اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، ما يُبقي «شبح تهجير الفلسطينيين» قائماً.

وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن «إسرائيل تحقق أهدافها في غزة، تحت ستار خطة السلام المجمدة»، وأشاروا إلى أن «تل أبيب تسيطر على نحو 75 في المائة من القطاع، ودمرت مناطق أخرى ما بعد الحرب، ما يجعل فرص الحياة صعبة في القطاع».

وفي التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، أعلن «الوسطاء» عن وقف إطلاق النار بين حركة «حماس» وإسرائيل، بعد مفاوضات جمعتهم في مدينة شرم الشيخ المصرية قبل أن يتم التوقيع على الاتفاق النهائي في الثالث عشر من الشهر نفسه، بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ووقع على «وثيقة السلام»، قادة دول الوساطة «مصر وأميركا وقطر وتركيا»، وتضمنت وقف إطلاق للنار في غزة، عبر عدة مراحل، تبدأ بوقف العدائيات، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية، وتبادل المحتجزين والأسرى، على أن يلي ذلك مرحلة ثانية تتضمن جهود التعافي المبكر، وإعادة الإعمار، وتسليم إدارة قطاع غزة للجنة مدنية «تكنوقراط».

ورغم إعلان الوسطاء في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، عن تشكيل «لجنة تكنوقراط»، برئاسة علي عبد الحميد شعث لإدارة القطاع، لكن لم يتم تمكينها حتى الآن من ممارسة دورها، وسط انتهاكات مستمرة ورفض إسرائيلي لخريطة الطريق التي وافقت عليها الفصائل الفلسطينية في شهر يونيو (حزيران) الماضي، تمهيداً لاستكمال استحقاقات المرحلة الثانية.

وبموازاة ذلك، لم تتخل إسرائيل عن مخطط «تهجير الفلسطينيين» من غزة، حيث أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، أن «حكومته تمتلك خططاً جاهزة لتهجير الفلسطينيين من غزة»، وقال إنها «تنتظر أن تحدد الولايات المتحدة المكان الذي يمكن نقلهم إليه».

وتحذر مصر والدول العربية من مساعي إسرائيل لتهجير الفلسطينيين، منذ بداية الحرب على غزة، في السابع من أكتوبر 2023.

وشدد الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، على «رفض بلاده الكامل لأي مخططات تستهدف تهجير الشعب الفلسطيني»، وأكد خلال مؤتمر صحافي مع نظيره الكوري لي چيه ميونغ، الخميس، «رفض بلاده التصعيد الإسرائيلي الخطير، للأوضاع في الضفة الغربية والقدس الشرقية».

ويرى عضو «المجلس المصري الشؤون الخارجية»، السفير رخا أحمد حسن، أن «إسرائيل تحقق أهدافها تحت ستار خطة السلام»، مضيفاً: «هناك حالة جمود في تنفيذ مراحل خطة ترمب في غزة، ورغم ذلك تواصل تل أبيب ممارساتها ضد الفلسطينيين بالقطاع».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الجانب الإسرائيلي يحتل غالبية أراضي القطاع، كما يواصل تدمير البنية التحتية، ويضع العراقيل أمام دخول المساعدات الإنسانية»، مشيراً إلى أن «هذه الممارسات تجعل الحياة مستحيلة في القطاع»، ويدفع في نفس الوقت إلى «تنفيذ مخطط التهجير».

وأشار إلى أن «إسرائيل لا تريد الوصول لمرحلة إعادة الإعمار في غزة، وتريد تجميد الوضع حتى تنفذ مخططها الكامل»، موضحاً أن «هناك صعوبة في تشكيل قوة السلام الدولية التي ستتولى تنفيذ مراحل خطة ترمب، بما في ذلك انسحاب إسرائيل من المناطق التي تسيطر عليها في القطاع».

وتعد «قوات استقرار غزة» أحد أبرز البنود المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي جرى التوقيع عليه في قمة السلام بشرم الشيخ المصرية، غير أنها لم تر النور، رغم تشكيل أجهزة تنفيذية عديدة مثل «مجلس السلام العالمي»، الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

ولا تزال هناك خروقات لوقف إطلاق من الجانب الإسرائيلي، وفق رئيس «الهيئة الدولية لدعم فلسطين»، صلاح عبد العاطي، وقال إن «حرب الإبادة لم تتوقف رغم مرور عام على اتفاق السلام، وهناك مئات الضحايا يومياً، بجانب منازل يتم تدميرها»، مشيراً إلى أن «هذه الممارسات تُصعّب أي محاولات لعملية الإعمار».

ويرى عبد العاطي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الجانب الإسرائيلي لم يلتزم باستحقاقات خطة السلام، بما في ذلك دخول المساعدات لسكان القطاع، حيث يسمح بقدر بسيط يصل إلى 37 في المائة من نسبة المساعدات التي أقرتها خطة السلام».

ونوه إلى أن «الجانب الإسرائيلي لا يسمح بدخول المعدات والوقود، وهو ما يفاقم الأوضاع الإنسانية هناك»، وقال إن هناك «عدة خطط لإعادة الإعمار، من بينها الخطة المصرية، لكنها مرهونة بتنفيذ استحقاقات خطة ترمب».

وأقرت القمة العربية الطارئة بالقاهرة، في مارس (آذار) 2025، الخطة المصرية لإعادة إعمار قطاع غزة تتضمن مشاريع إسكان ومراكز مجتمعية وميناءً تجارياً ومراكز تكنولوجية وفنادق على الشواطئ، وكان مقرراً أن تنتهي من التنفيذ بعد ثلاث سنوات بتكلفة تصل إلى 53 مليار دولار.


«فجر اليمن» تطهر باب المندب وجزره من بقايا الحوثيين

عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
TT

«فجر اليمن» تطهر باب المندب وجزره من بقايا الحوثيين

عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)

دخلت العملية العسكرية اليمنية «فجر اليمن» يومها الخامس، الجمعة، مع استكمال القوات الحكومية تطهير مضيق باب المندب وجزيرة ميون الاستراتيجية، وتثبيت مواقعها في المرتفعات المطلة على الممر الملاحي الدولي، في تطور يعزز مكاسبها على الساحل الغربي، بينما تتواصل المعارك في أرياف تعز الجنوبية والغربية، بالتزامن مع اتساع نطاق الضربات الجوية ضد مواقع الحوثيين وتحركاتهم في مناطق عدة من البلاد.

وقالت مصادر عسكرية إن ألوية العمالقة وقوات درع الوطن، بإسناد جوي من التحالف الداعم للشرعية، أحكمت السيطرة على باب المندب ومعسكر العرضي ونقاط المراقبة التابعة لخفر السواحل، إلى جانب جزيرة ميون والسلاسل الجبلية المحيطة بالمضيق، بما فيها المواقع التي تشرف على الممر البحري الحيوي.

وذكرت المصادر أن القوات نفذت عملية التفاف مباغتة تجاوزت خلالها خطوط الدفاع الأمامية للحوثيين، ووصلت إلى خنادقهم وأنفاقهم المستحدثة، حيث أسفرت المواجهات عن مقتل العشرات من عناصر الجماعة واستسلام آخرين.

ويمثل تأمين المضيق وجزيرة ميون، في حال تثبيت السيطرة المعلنة، تحولاً مهماً في مسار العمليات على الساحل الغربي، بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي للمنطقة عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وأهميتها في حماية الملاحة الدولية.

ويأتي ذلك بعد إعلان القوات الحكومية السيطرة على مرتفعات كهبوب، التي تشرف على مساحات واسعة من المنطقة المحيطة بباب المندب.

الضغط نحو الوازعية

مع تثبيت المواقع الجديدة، تواصل القوات الحكومية اليمنية عملياتها في جبهة الوازعية غرب تعز، مستهدفة تأمين المرتفعات الشرقية للمديرية وتضييق الخناق على المواقع الحوثية في محيط ذوباب ومعسكر العمري، تمهيداً لتوسيع التقدم باتجاه المخا، وفق المعطيات الميدانية الواردة من الجبهة.

القوات الحكومية اليمنية تتقدم في الوازعية وتضغط لاستكمال تطهير باب المندب (إ.ب.أ)

وترافق ذلك مع غارات جوية استهدفت مواقع وتحركات عسكرية للحوثيين في الوازعية والشمايتين وجبل حبشي، إلى جانب مواقع في شرجب والتربة وجبل قحام المطل على مديريتي المقاطرة والأحكوم على الحدود بين تعز ولحج.

وأفادت مصادر ميدانية باستهداف آليات وتعزيزات حوثية في منطقتي الحقل والقحاف بمديرية جبل حبشي، فيما ذكر المركز الإعلامي لمحور تعز العسكري الحكومي أن إحدى الغارات أسفرت عن تحييد وإصابة 23 عنصراً.

كما طالت الضربات مواقع في جبال نُمان والصيبارة ومنطقة الحرثة، وجرداد في مديرية الشمايتين.

عنصر من قوات الحكومة اليمنية في جبهات جنوب تعز (أ.ف.ب)

وفي المقابل، لا تزال الجماعة الحوثية تضغط على المناطق الريفية جنوب تعز وغربها، في محاولة للحفاظ على مواقعها وفتح مسارات تقدم جديدة.

وأفادت مصادر محلية بسيطرتها على المحشاء والعدف والعرمة في مديرية جبل حبشي في الجبهة الغربية، وتقدمها باتجاه منطقة الشارق، وسط قصف طال قرى في المنطقة وأسفر، بحسب تلك المصادر، عن مقتل أحد المعلمين في المحشاء.

وتعكس هذه التطورات استمرار المواجهة على أكثر من محور في محافظة تعز، حيث تسعى القوات الحكومية إلى تثبيت مواقعها في المناطق الغربية وتأمين الطرق الحيوية، بينما يحاول الحوثيون الاحتفاظ بنقاط الضغط في الأرياف الجنوبية والغربية ومحيط المدينة.

1729 استهدافاً عسكرياً

في مؤشر على اتساع العمليات العسكرية، أعلن المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، الخميس، تنفيذ 1729 عملية استهداف دقيقة ضد أهداف عسكرية حوثية في مختلف المحاور والجبهات، ضمن عملية «فجر اليمن».

وقال النزيلي إن العمليات أسفرت عن تحييد 1370 من عناصر الجماعة، وتدمير أو إعطاب 300 عربة ووسيلة ومعدة عسكرية، إلى جانب استهداف مواقع عسكرية ونقاط مراقبة ومراكز قيادة وسيطرة ومخازن أسلحة وخطوط إمداد وتعزيزات.

مقاتلون من ألوية العمالقة في جبهة باب المندب (أ.ب.أ)

بالتوازي، امتدت الغارات الجوية إلى ثماني محافظات، هي تعز وإب والبيضاء وأبين وصعدة وصنعاء وريمة والحديدة، وفق إفادات محلية.

وشملت الأهداف مواقع في العاصمة المختطفة صنعاء، ومعسكراً للحوثيين في يريم بإب، ومواقع في السياني بالمحافظة نفسها، وأخرى في بني مطر غرب صنعاء ومواقع في كسمة، حيث محافظة ريمة، ومواقع في جبال جميل وجرجرة والنسرين بالبيضاء، إضافة إلى عقبة ثرة ومواقع أخرى في الحديدة وصعدة.

وفي لحج، أعلنت القوات الحكومية صد هجوم حوثي استهدف مناطق الأغبرة والمحاولة والمشامرة شمال غربي مديرية المضاربة، واستعادة مواقع في جبل سيف، بمساندة تعزيزات قبلية.

كما استمرت المواجهات والقصف المتبادل وعمليات الطائرات المسيّرة في جبهات جنوب مأرب والجوف، مع غارات استهدفت معسكر ماس ومواقع في منطقة اللبنات.


الحوثيون يستنفرون بنوك الدم مع تصاعد خسائرهم البشرية

استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
TT

الحوثيون يستنفرون بنوك الدم مع تصاعد خسائرهم البشرية

استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)

دفعت الجماعة الحوثية خلال اليومين الماضيين بعربات وشاحنات تابعة لما يسمى «المركز الوطني لنقل الدم وأبحاثه» إلى شوارع وأحياء وميادين في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومحافظات ذمار وإبّ والمحويت والحديدة، في حملة مكثفة لحشد السكان للتبرع بالدم بصورة عاجلة، بالتزامن مع مؤشرات على تزايد أعداد الجرحى في صفوف الجماعة جراء التطورات العسكرية الأخيرة.

وجابت المركبات الحوثية مناطق مكتظة بالسكان، مستخدمة مكبرات الصوت لحث المواطنين على التبرع، في حين أفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن الجماعة وجهت العاملين في القطاع الطبي ومسؤولي الأحياء وعقالها في المحافظات المستهدفة إلى حشد السكان ودفعهم إلى مراكز التبرع، بالتزامن مع اتساع المواجهات على عدد من الجبهات.

وأوضحت المصادر أن هذه التحركات تأتي وسط حالة استنفار في المرافق الصحية الخاضعة للجماعة، مع تزايد الحاجة إلى فصائل دم مختلفة، في وقت تشهد فيه المستشفيات، وفقاً لشهادات محلية، وصول أعداد متزايدة من الجرحى الحوثيين.

مركز نقل الدم وأبحاثه الخاضع للحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

وقال سكان في صنعاء ومناطق أخرى إن الانتشار المكثف لعربات التبرع خلال اليومين الماضيين بدا لافتاً، خصوصاً مع تكرار النداءات عبر مكبرات الصوت وحث المواطنين على التوجه إلى نقاط التبرع. ويربط السكان بين هذه الحملات والتطورات الميدانية الأخيرة، وسط تساؤلات عن حجم الإصابات التي دفعت الجماعة إلى توسيع نطاقها جغرافياً.

استنفار وخسائر

يشير قاسم، وهو أحد سكان صنعاء، إلى أن «الدعوات الحوثية هذه المرة أكثر إلحاحاً من الحملات السابقة»، مضيفاً: «لا أحد يرفض التبرع لإنقاذ حياة إنسان، لكن السؤال: لماذا يستمرون في إرسال الناس إلى الجبهات، ثم يطلبون من المواطنين توفير الدم لعلاج نتائج تلك المعارك؟».

وفي إبّ (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، قال مجدي، وهو أحد سكان المحافظة، إن تكثيف الدعوات للتبرع بالدم «لا يأتي من فراغ»، مضيفاً أن الجماعة تستخدم وسائل مختلفة لحشد المواطنين، من دون توضيح حجم الخسائر التي رفعت الحاجة إلى الدم بهذا الشكل.

وقال: «الناس تعاني الفقر وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات، والآن يُطلب منها أن تتحمل أيضاً نتائج الحرب وتوفير الدم للمصابين».

وفي ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) أفادت مصادر وسكان بانتشار عربات تابعة لفرع مركز نقل الدم في عدد من أحياء مدينة ذمار، بالتزامن مع دعوات عاجلة للتبرع، وسط ما وصفوه باستمرار وصول أعداد متزايدة من الجرحى الحوثيين إلى المستشفيات، ولا سيما مستشفى ذمار العام، الأمر الذي يزيد الضغط على المرافق الصحية.

عربات حوثية استخدمت مكبرات الصوت لحث السكان على التبرع بالدم (فيسبوك)

وفي المحويت والحديدة غرباً، قالت مصادر محلية إن الإقبال على حملات التبرع الحوثية كان محدوداً جداً في بدايتها، ما دفع الجماعة إلى توسيع نطاقها داخل المؤسسات الحكومية والخاصة، وحث الموظفين والعاملين فيها على التبرع.

وأوضحت المصادر أن هذه الحملات تأتي في إطار حالة استنفار أوسع، مشيرة إلى أن تزامنها مع التطورات العسكرية عزز اعتقاد السكان بأن أعداداً كبيرة من الجرحى تحتاج إلى الدم بصورة عاجلة.

وفي المقابل، يواجه السكان في مناطق سيطرة الجماعة تدهوراً في الخدمات الصحية ونقصاً في الأدوية والمستلزمات الطبية، وسط مطالب بتوفير خدمات علاجية قادرة على تلبية احتياجات المدنيين، بدلاً من زيادة الأعباء على مرافق تعاني أصلاً من محدودية الإمكانات.