تفاؤل في لندن وبروكسل للانتقال للمرحلة الثانية من {بريكست}

يونكر يحذر من أنها ستكون أصعب بكثير من مفاوضات المرحلة الأولى

المستشارة الألمانية ميركل مع المفاوض الأوروبي ميشال بارنييه في بروكسل أمس (أ.ب)
المستشارة الألمانية ميركل مع المفاوض الأوروبي ميشال بارنييه في بروكسل أمس (أ.ب)
TT

تفاؤل في لندن وبروكسل للانتقال للمرحلة الثانية من {بريكست}

المستشارة الألمانية ميركل مع المفاوض الأوروبي ميشال بارنييه في بروكسل أمس (أ.ب)
المستشارة الألمانية ميركل مع المفاوض الأوروبي ميشال بارنييه في بروكسل أمس (أ.ب)

صوتت بريطانيا في يونيو (حزيران) 2016 على الخروج من الاتحاد الأوروبي، وفي مارس (آذار) الماضي، قررت رئيسة وزراء بريطانيا تفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة، أي آلية خروجها السياسي والاقتصادي من التكتل الأوروبي في مارس 2019 أمرا واقعا بعد أكثر من 40 عاما، مفاجأة القرار البريطاني ألقت بظلالها على العلاقة بين لندن والدول الـ27، وتبادلت الأطراف الاتهامات وتوقعت أن الطلاق سيكون سلبيا جدا للطرفين. لكن في الأمس ولأول أظهر الطرفان المعنيان، في لندن وبروكسل، تفاؤلا بخصوص التسوية الودية، وقررا الانتقال إلى المرحلة الثانية من المفاوضات.
وهذا ما عملته قمة قادة الاتحاد التي اختتمت أمس الجمعة وانعقدت على مدى يومين في بروكسل، إذ أعطت الضوء الأخضر لانطلاق الجولة الثانية، التي تتناول العلاقات التجارية المستقبلية. وقال القادة في البيان الختامي إن الجولة الأولى عرفت تقدما كافيا، تسمح لنا بالذهاب إلى للمرحلة الثانية المتعلقة بالانتقال، وإطار العلاقات الثنائية المستقبلية.
وطالب التكتل بالتزامات على ثلاثة مستويات: مصير المواطنين الأوروبيين في بريطانيا والعكس، بعد الانفصال ومستقبل الحدود بين جمهورية آيرلندا وآيرلندا الشمالية وفاتورة بريكست. واعتبر أن الاتفاق المبدئي الذي تم التوصل إليه قبل أسبوع بين المفوضية الأوروبية ولندن يتضمن هذه الضمانات.
وقال رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر إن «ثقتي في ماي (رئيسة وزراء بريطانيا) لم تتغير»، قبل أن يحذر من أن «المرحلة الثانية ستكون أصعب بكثير» من الأولى. وأضاف يونكر أن «البعض منا، وأنا بينهم، يعتقدون أنها بذلت جهودا كبرى يجدر الاعتراف بها». وأعلن رئيس الاتحاد الأوروبي دونالد توسك على موقع «تويتر» أن «قادة الاتحاد الأوروبي يوافقون على الانتقال إلى المرحلة الثانية من محادثات بريكست. نهنئ رئيسة الوزراء (البريطانية) تيريزا ماي».
وردت ماي قائلة بأن بريطانيا والاتحاد الأوروبي سيبدآن على الفور محادثات بشأن مستقبل العلاقة بينهما بعد موافقة التكتل على الانتقال للمرحلة الثانية من المفاوضات. وقالت إن «اليوم يشكل خطوة مهمة على طريق خروج من الاتحاد هادئ ومنظم وصياغة شراكة مستقبلية وثيقة وخاصة». وقالت في مقابلة مع قناة سكاي نيوز التلفزيونية: «سنبدأ المحادثات بشأن علاقتنا في المستقبل، سنشرع فيها على الفور وسوف نتحدث أيضا عن فترة التنفيذ التي ستمنح بالتأكيد للشركات والأفراد». وأوضحت رئيسة الوزراء البريطانية أنه لا يزال يوجد كثير من العمل يتعين إنجازه، لكنها أكدت أن بريطانيا ستترك الاتحاد الأوروبي في 29 مارس 2019.
وشدد القادة على أنه في المرحلة الثانية لا بد من الاحترام الكامل لتلك المبادئ، ويجب أن تطبق بالكامل، كما وافق القادة على مقترح بريطاني بفترة انتقالية لمدة عامين ولكن لا تتمتع فيها بريطانيا بمميزات الدولة العضو، ومنها أمور مثل المشاركة أو الترشح أو انتخاب أعضاء المؤسسات الاتحادية أو المشاركة في صنع القرار في هيئات الاتحاد ومكاتبه ووكالاته.
وحسب ما جاء في البيان الختامي «على أن تقدم المفوضية الأوروبية مقترحات في أقرب وقت تتعلق ببعض الأمور التي تتضمنها الفترة الانتقالية ومنها السوق الأوروبية المشتركة وإمكانية اللجوء إلى محكمة العدل الأوروبية وأمور أخرى مع حرص قادة دول الاتحاد على إقامة علاقة شراكة وثيقة مع بريطانيا في المستقبل».
وفي مؤتمر صحافي ختامي قال رئيس مجلس الاتحاد دونالد توسك سيتم إطلاق الجولة الثانية من المفاوضات بعد اتفقنا على هذا الأمر وتحدثنا بصوت موحد باسم 27 دولة عضو في الاتحاد بفضل ما قام به ميشال بارنيية رئيس الوفد التفاوضي الأوروبي وجهود تريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا.
وقال كريستيان كيرن المستشار النمساوي إنه «مهم جدا أن نطلق المرحلة الثانية من المفاوضات مع بريطانيا لأنه لو لم نفعل ذلك سيكون هناك ارتباك في الأسواق الأوروبية، وأعتقد أنه بعد أن حققنا تقدما في الجولة الأولى لا بد أن نمضي قدما في هذا الطريق».
وقال سيمون تايلور خبير بريطاني في المعهد الأوروبي للشؤون الخارجية: «ستكون مفاوضات المرحلة الثانية صعبة جدا لأن هناك صعوبات على طريق التوصل لاتفاق تجاري بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي والجميع يعلم أن لندن لديها طموحات لتحقيق أفضل الظروف لتحقيق اتفاق تجاري، ولكن لا أعتقد أن الدول الـ27 الأخرى ستوافق على تحقيق الأمر بسهولة ووفقا لتطلعات لندن ومن هنا تأتي الصعوبة».
وقال يونكر: «علينا أولا صياغة اتفاق الانسحاب ثم التصويت عليه وعندها سنرى». ولكن رئيس الاتحاد الأوروبي دونالد توسك، بدا أكثر حذراً حيث شدد على ضرورة عدم تمكين بريطانيا من زرع الشقاق في الصف الأوروبي، ورأى أن «المرحلة الصعبة ستبدأ الآن»، ويعتبر الأوروبيون أن التقدم الذي تم إحرازه في مفاوضات ترتيبات الانفصال خاصة المتعلقة منها بحقوق المواطنين والتسوية المالية والحدود بين آيرلندا وآيرلندا الشمالية كافية للبدء بمفاوضات حول المرحلة الانتقالية والشراكة المستقبلية.

«مناقشات حادة» حول حصص المهاجرين ولا اتفاق
- تطالب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيس وزراء إيطاليا باولو جنتيلوني ضمن آخرين بأن تستقبل كل دولة من دول الاتحاد حصة إلزامية من طالبي اللجوء الذين يتركزون بمنطقة ساحل البحر المتوسط أو وصلوا إلى دول في الشمال الغربي الأكثر ثراء بعد تحركات فوضوية عبر أوروبا. وقالت ميركل، كما نقلت عنها رويترز، إن هناك تقديرا واسعا لجهود تعزيز السيطرة على حدود التكتل، التي نجحت في تقليل عدد الوافدين بشكل كبير، خاصة من خلال اتفاقات مع تركيا ودول بمنطقة البلقان لإغلاق طريق الهجرة عبر اليونان.
وبعد عامين من أزمة المهاجرين التي أحدثت انقساما شديدا بين دول الاتحاد الأوروبي، لا تزال الخلافات بين قادة التكتل مستمرة بشأن أسلوب التعامل مع اللاجئين. وبدأت مساء مناقشات على عشاء عمل الخميس واستمرت حتى الساعات الأولى من صباح أمس الجمعة بهدف تقريب وجهات النظر المتعارضة حول تعديل قوانين اللجوء. لكن قادة الاتحاد أوضحوا أن الغضب الذي صاحب تدفق مليون شخص إلى اليونان وتوجههم نحو ألمانيا في 2015، قد تضاءل لكن المحادثات «الصريحة» فشلت في رأب الخلافات العميقة.
وقالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل للصحافيين: «أمامنا الكثير من العمل... لم تتغير المواقف». وأيد زعيما بولندا وجمهورية التشيك الجديدان موقف المجر وسلوفاكيا المتمثل في أن مجتمعاتهم الشيوعية السابقة لا يمكنها تحمل مهاجرين بأعداد كبيرة خاصة من المسلمين. وقال رئيس وزراء التشيك أندريه بابيش إن النقاش «عاصف جدا» وإن الدول الشرقية لن تدع الغالبية تفرض عليها استقبال حصص إلزامية من اللاجئين.
وقال دبلوماسي من بلد يؤيد الحصص الإلزامية إنه قد يحدث تحرك باتجاه إجراء اقتراع إذا لم تظهر بوادر إجماع عندما يناقش القادة تعديل قوانين اللجوء في يونيو العام المقبل. وأكد جنتيلوني أن الحصص الإلزامية أمر ضروري ويجب توسيع نطاقها. وأدلى زعيما لوكسمبورغ وبلجيكا وآخرون بتصريحات مماثلة.



شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟