المغرب يطوي القطيعة مع جنوب أفريقيا وينهي الخلاف مع أنغولا

TT

المغرب يطوي القطيعة مع جنوب أفريقيا وينهي الخلاف مع أنغولا

طوى المغرب وجنوب أفريقيا صفحة التوتر والقطيعة بينهما بعد اللقاء الذي جرى مساء أول من أمس في العاصمة الإيفوارية أبيدجان بين العاهل المغربي الملك محمد السادس والرئيس الجنوب أفريقي جاكوب زوما، وذلك على هامش القمة الخامسة للاتحاد الأفريقي - الاتحاد الأوروبي، التي أنهت أعمالها أمس.
كما طوى المغرب أيضا صفحة التوتر مع أنغولا، التي شكلت لعقود مع جنوب أفريقيا، أحد أكبر المناوئين له ولوحدة ترابه. وقد عانى المغرب كثيرا من مناوشات ومعاكسات جنوب أفريقيا وأنغولا في مجلس الأمن بخصوص ملف نزاع الصحراء.
وكان استقبال العاهل المغربي للرئيس زوما الأول من نوعه بين القائدين الأفريقيين، ووصفت وكالة الأنباء المغربية الرسمية هذا الاستقبال بـ«الودي»، وقالت إنه «طبعته الصراحة والتفاهم الجيد، وقد اتفق قائدا البلدين على العمل سويا يدا في يد، من أجل التوجه نحو مستقبل واعد، لا سيما أن المغرب وجنوب أفريقيا يشكلان قطبين مهمين للاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية، كل من جهته، بأقصى شمال وأقصى جنوب القارة».
واتفق ملك المغرب ورئيس جنوب أفريقيا على الحفاظ على اتصال مباشر، والانطلاق ضمن شراكة اقتصادية وسياسية خصبة، من أجل بناء علاقات قوية ودائمة ومستقرة، وبالتالي تجاوز الوضعية التي ميزت العلاقات الثنائية لعدة عقود.
وقرر الملك محمد السادس والرئيس زوما الرقي بإطار التمثيلية الدبلوماسية من خلال تعيين سفيرين من مستوى عال في كل من الرباط وبريتوريا، وحضر الاستقبال عن الجانب المغربي مستشار العاهل المغربي فؤاد عالي الهمة، ووزير الخارجية والتعاون الدولي ناصر بوريطة، وعن الجانب الجنوب - أفريقي وزيرة العلاقات الدولية والتعاون مايتي نكوانا - ماشابان، وسفير جنوب أفريقيا لدى الاتحاد الأفريقي أندوميزو أنتشينغا، ومستشار الرئيس الجنوب أفريقي ميكايل هالي.
وشكل لقاء عاهل المغرب مع الرئيس الجنوب أفريقي ورئيس أنغولا حدث القمة الأفريقية - الأوروبية. واعتبر دبلوماسي مغربي شارك في قمة أبيدجان اللقاء الملكي مع رئيسي جنوب أفريقيا وأنغولا، نتيجة تخلي الرباط عن سياسة المقعد الفارغ التي انتهجتها منذ انسحابها عام 1983 من منظمة الوحدة الأفريقية (الاتحاد الأفريقي حاليا) جراء قبول عضوية «الجمهورية الصحراوية»، التي أعلنتها جبهة البوليساريو من جانب واحد عام 1976 بدعم من الجزائر وليبيا في المنظمة القارية الأفريقية.
وقال ناصر بوريطة، وزير الخارجية والتعاون الدولي المغربي، في وقت سابق لـ«الشرق الأوسط»، إن سياسة المقعد الفارغ انتهت إلى غير رجعة.
وأفشل المغرب رهانات جبهة البوليساريو، حينما قرر أن يكون ممثلا في قمة أبيدجان بعاهله الملك محمد السادس، بعدما ساد الاعتقاد لديهما أن الرباط ستعتذر عن عدم المشاركة في القمة، أو ستخفض مستوى تمثيليتها فيها.
ومرت مشاركة جبهة البوليساريو في قمة أبيدجان باهتة من دون أي اهتمام إعلامي يذكر، وقال دبلوماسيون أفارقة تحدثت إليهم «الشرق الأوسط» في أبيدجان: «نحن اليوم بصدد تحول أساسي في الاتحاد الأفريقي». وتوقع أحدهم قائلاً: «من اليوم لن يكون هناك ذلك الزخم الذي عرفه في العقود الماضية محور الجزائر - جوهانسبرغ». وقال آخر إن «الدبلوماسية أصبحت مبنية على الاقتصاد والمصالح... وزمن الآيديولوجيات ولى».
في سياق ذلك، قالت ليزل لو - فودران، الخبيرة الجنوب أفريقية في قضايا أفريقيا، إن استقبال الملك محمد السادس للرئيس زوما، يمثل «حدثا بارزا يؤشر على مستقبل واعد للعلاقات بين المغرب وجنوب أفريقيا، عملاقي القارة الأفريقية».
وأضافت لو - فودران، المحللة في معهد الدراسات الأمنية، الذي يوجد مقره في بريتوريا، في تصريحات صحافية لوكالة الأنباء المغربية، أن الاستقبال الملكي يعتبر «تطورا تاريخيا» في العلاقات بين البلدين، مضيفة أن اللقاء، إلى جانب القضايا التي أثيرت في المحادثات، سيكون له تأثير جد مهم على تطور العلاقات بين البلدين.
وأبرزت لو - فودران، أن عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي مهدت الطريق للرفع من مستوى التمثيلية الدبلوماسية بين البلدين، موضحة أن التعاون، الجاري تحديد مضامينه بين الرباط وبريتوريا بفضل لقاء عاهل المغرب والرئيس زوما، «سيكون موضع ترحيب»، لكونه سيمكن بشكل أمثل من الدفاع عن القضايا الأفريقية داخل الاتحاد الأفريقي وفي الملتقيات الدولية، وقالت إن «المغرب وجنوب أفريقيا يمثلان عملاقي أفريقيا»، مبرزة أن هذين البلدين الوازنين سيكونان بالتالي قادرين على العمل سويا يدا في يد من أجل تدبير أمثل لقضايا أفريقيا.
وأضافت الخبيرة الجنوب أفريقية، أن «الاتحاد الأفريقي، الذي يوجد في موقف حرج نوعا ما خصوصا على مستوى التمويل وإصلاح هياكله، سيكون رابحا من هذا التقارب بين المغرب وجنوب أفريقيا»، مشيرة إلى أن «تعاونا جيدا وتفاهما جيدا بين البلدين أمر مصيري بالنسبة للاتحاد الأفريقي».
وأشارت لو - فودران إلى العديد من المجالات التي تتيح تعاونا مشتركا مفيدا بين المغرب وجنوب أفريقيا، خصوصا ما يهم التجارة والمالية والتأمين والسياحة والنقل، ولاحظت أن المغرب وجنوب أفريقيا يعدان أكبر قطبي القارة الأفريقية، مبرزة أن الرباط وبريتوريا، باعتبارهما أكبر مستثمرين أفريقيين في أفريقيا، في وضع جيد يمكنهما من الدخول في مشاريع مشتركة في العديد من مناطق أفريقيا.
وأوضحت لو - فودران أن المغرب، الذي نجح في تعزيز حضوره في العديد من القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، خصوصا في أفريقيا الفرنكفونية، يمكنه أن يقدم دعما قيما للشركات الجنوب أفريقية التي تواجه صعوبة كبيرة في اختراق هذا الجزء من القارة نتيجة عدة عوامل، مشيرة إلى أن جنوب أفريقيا يمكنها أن تضطلع بالدور نفسه لفائدة المغرب في أفريقيا الجنوبية.
وأضافت لو - فودران، أن المشاريع المشتركة بين البلدين يمكن أن تمثل حقيقة دعامات لشراكة «رابح - رابح» بين المغرب وجنوب أفريقيا. وحرصت على التأكيد على الأهمية القصوى التي يكتسيها فتح خط جوي مباشر بين الدار البيضاء وجوهانسبرغ لمواكبة الزخم، الذي سيتبع اللقاء بين الملك محمد السادس والرئيس زوما.
وبحسب الخبيرة الجنوب أفريقية فإن افتتاح هذا الخط الجوي يجد مبرره أيضا في الشغف المتزايد لمواطنين جنوب أفريقيين اتجاه المغرب كوجهة سياحية مفضلة، وخلصت إلى القول إن الأمر يتعلق بفصل جديد يفتح بين هذين البلدين الكبيرين، داعية إلى الانطلاق في شراكة ستعم فوائدها، من دون شك، في جميع أنحاء القارة.
وبالنسبة للقاء العاهل المغربي مع الرئيس الأنغولي جواو لورنسو، أعرب قائدا البلدين عن ارتياحهما لفتح فصل جديد في العلاقات الثنائية، واتفقا على فتح آفاق جديدة للتعاون في جميع الميادين.



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.