«مسرح الكتاب» الأميركي يحيي أوسكار وايلد

ترك تأثيراً بالغاً على كثير من كتاب الكوميديا ومنهم العرب

مشهد من مسرحية {أهمية أت تكون آرنست}
مشهد من مسرحية {أهمية أت تكون آرنست}
TT

«مسرح الكتاب» الأميركي يحيي أوسكار وايلد

مشهد من مسرحية {أهمية أت تكون آرنست}
مشهد من مسرحية {أهمية أت تكون آرنست}

هناك بونٌ شاسع بين المشهد المسرحي في لندن والمشهد المسرحي في مدن كبرى كثيرة في أرجاء العالم الواسع. ربما اقترب حي برودواي في نيويورك من الوست - إند في لندن من حيث تبنيه لنصوص عالمية، كلاسيكية أو حديثة، لكن ذلك يبقى أقل بكثير من النزعة البريطانية للانفتاح على ثقافات العالم المتنوعة. أذكر مثلاً أنه في موسم واحد في ثمانينات القرن الماضي، اجتمعت عروض مسرحيات شكسبير مع إسخيلوس، وبرنارد شو وأوسكار وايلد ونويل كوارد وجو أورتون مع هنريك إبسن وأنطون تشيخوف وبرتولد برشت وتنيسي ويليامز وآرثر ميلر وسواهم من أبرز مؤلفي المسرح في العالم، بل وصل الأمر إلى عرض مسرحية واحدة لتشيخوف هي «الخال فانيا» في إنتاجين مختلفين في وقت واحد في «الوست - إند». في الواقع، قليلة هي الفرق المسرحية الأميركية المحترفة التي تعنى بتقديم التراث العالمي في المسرح، ذلك لأن معظم الفرق الأميركية تعكف على تقديم ما هو أميركي، وبالأخص الجديد من إبداعات المؤلفين المعاصرين. لذلك، تعتبر فرقة «مسرح الكتاب» في شمال شيكاغو إحدى الاستثناءات القليلة. يكرس هذا المسرح برامجه سنوياً لتقديم باقة مختارة من المسرحيات العالمية المتميزة على مرِّ العصور، دون أن يغفل تطعيم إنتاجاته ببعض الأعمال الأميركية الحديثة أيضاً ضمن ريبرتوار غني التنوع. بالتالي، يتراوح إنتاج «مسرح الكتاب» بين شكسبير ويوجين أونيل وتنيسي ويليامز وآرثر ميلر وأنطون تشيخوف وأوسكار وايلد وسواهم من مختلف الثقافات. تلك هي السياسة التي انتهجها المدير الفني لهذا المسرح منذ تأسيسه، المخرج والممثل ذو الأصل البريطاني مايكل هالبرسترام. يشابه «مسرح الكتاب» في ذلك بضعة مسارح إقليمية أميركية في ولايات متفرقة، نذكر من أهمها «مسرح غاثري» في مدينة مينيابوليس بولاية مينسوتا، «مسرح الكونسرفتوار الأميركي» في سان فرانسيسكو و«مسرح بركلي الربرتواري» في بيركلي بولاية كاليفورنيا، «مسرح غودمان» في شيكاغو بولاية إلينوي، و«مسرح الممثلين» في لوي فيل بولاية كنتاكي. هذا، فضلاً عن الفرق الأميركية الكثيرة المتخصصة بتقديم شكسبير، سواء في آشلاند وبورتلاند بولاية أوريغون، أو في شيكاغو بولاية إلينوي، أو في ميامي بولاية فلوريدا، أو في ضواحي ولاية ويسكاونسن. بالتالي، يعتبر إحياء مسرحية أوسكار وايلد الشهيرة «أهمية أن تكون آرنست» مغامرة تحسب لصالح «مسرح الكتاب» ومديره الفني.
يعتبر أوسكار وايلد (الآيرلندي) أحد أغزر الأدباء البريطانيين في القرن التاسع عشر، بالمقارنة مع عمره القصير الذي لم يتجاوز 46 عاماً امتدت بين (1854 - 1900). جاءت وفاة أوسكار وايلد المبكر عقب فضيحة اتهامه بالمثلية، وكانت تلك مسألة حساسة في ذلك العصر ضمن مجتمع محافظ، بحيث أدت به إلى المحاكمة، فالإدانة والتعرض للسجن، ومن ثم الموت المبكر قبل الأوان وهو في ذروة النجاح والعطاء. كانت تلك خسارة أدبية فادحة لرجل اشتهر كمسرحي وشاعر وروائي وقاص، وأبدع في تلك الأجناس كل أيَّما إبداع، تاركاً باقة من الإنجازات التي ما زالت تُدَّرس في الجامعات، تعرض على خشبات المسارح، تقتبس سينمائياً وتترجم إلى مختلف اللغات لتصدر في طبعات تكاد لا تحصى. ولد أوسكار وايلد ودرس في دبلن، ثم انتقل ليكمل دراسته للكلاسيكيات في أكسفورد، ثم لمع نجمه كأديب مرموق ومؤلف مسرحي في لندن خلال أوج العصر الفيكتوري، بحيث وصل إلى ذروة الشهرة في تسعينات القرن التاسع عشر، متميزاً في الأوساط الاجتماعية بشخصيته الغريبة وأزيائه العجيبة. نشر وايلد دواوين شعرية في بواكيره، وسافر ليحاضر في الولايات المتحدة وكندا حول جماليات الفن، كما عمل في الصحافة اللندنية. لعل أشهر أعمال وايلد الأدبية هي روايته «صورة دوريان غراي» (1890)، وهي وحدها كفيلة بمنحه الخلود، لما تتضمن من أبعاد رمزية عميقة عن النفس البشرية، وعن تجليات الخير والشر لدى الإنسان. أما كمسرحي، فذاع صيت وايلد واشتهر عبر عشر مسرحيات، وإن كانت أشهرها خمسة، هي: «سالومي» (1891)، «مروحة الليدي وندرمير» (1892)، «امرأة بلا أهمية» (1893)، «الزوج المثالي» (1894)، و«أهمية أن تكون آرنست» (1895).
يضم «مسرح الكتاب» في شمالي مدينة شيكاغو مسرحين وستوديو. بناؤه شديد التميز من الخارج، لأنه من الأبنية ذات المعمار الحديث التي أنشئت على مبدأ «صداقة البيئة»، أي بمواد طبيعية تماماً، لا تؤدي إلى أضرار جانبية. أما تصميم البناء من الداخل، فأخاذ ومريح للنظر والروح. كل شيء فيه واضح وقريب وسهل، خاصة بالنسبة للمسنين في العمر وذوي الاحتياجات الخاصة. إنه لمكان رائع لتقديم كلاسيكيات المسرح العالمي عبر أعمال شكسبير وإبسن وسترندبرغ وتشيخوف وأوسكار وايلد، والأميركي عبر أعمال يوجين أونيل وآرثر ميلر وتنيسي ويليامز وإدوارد أولبي وسام شيبرد، بالإضافة إلى مختارات منتقاة من المسرحيات الأميركية المعاصرة. أخرج المدير الفني مايكل هالبرستام 35 عرضاً مسرحياً لصالح «مسرح الكتاب» خلال 25 سنة الماضية، منها «هاملت» تأليف شكسبير، «روزنكرانتس وغيلدنسترن ميتان» تأليف توم ستوبارد، «انظر إلى الخلف بغضب» تأليف جون أوزبورن، «الأب» تأليف أوغست سترندبرغ، «الجريمة والعقاب» اقتباساً عن رواية دوستويفسكي، وانتقل العرض الأخير هذا ليعرض في نيويورك. كما أخرج هالبرستام لفرق أخرى مرموقة في نيويورك وسان فرانسيسكو وسان خوسيه وأونتاريو في كندا وسواها، ومثل أدواراً رئيسية في مسرحيات كثيرة، خاصة في مسرحيات من تأليف وليم شكسبير مثل «ريتشارد الثالث» و«ثيمون الأثيني» و«جعجعة بلا طحن».
تصنف مسرحية أوسكار وايلد «أهمية أن تكون آرنست» ضمن طراز الكوميديا الاجتماعية الراقية، إذ إنها مسرحية تعتمد على الحوار البارع، وتقدم نماذج متنوعة من سيدات وشباب المجتمع الأرستقراطي، وفي مقدمة هؤلاء الليدي براكنيل، التي أدى دورها أحيانا - لوجه الغرابة - بعض الممثلين الذكور. كثيراً ما قدمت هذه المسرحية بالذات بين مسرحيات وايلد بمختلف لغات العالم، بما في ذلك العربية، لما فيها من طرافة عالمية التأثير. بل لعل اللافت أن فيلماً مصرياً هو «فتى أحلامي» (1957) من إخراج حلمي رفلة وبطولة عبد الحليم حافظ وعبد السلام النابلسي اقتبس عن هذه المسرحية. في الواقع، ترك أوسكار وايلد تأثيراً لدى كثير من كتاب الكوميديا العرب، مثل توفيق الحكيم وألفريد فرج وعلي سالم ومحفوظ عبد الرحمن ولينين الرملي.
افتتح الإحياء الجديد لمسرحية «أهمية أن تكون آرنست» في أواسط نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 في «مسرح الكتاب». وعلى الرغم من كونه أميركياً، فإنه جاء عرضاً ذا طابع إنجليزي بامتياز، حتى في إلقائه ولهجته وأسلوب تمثيله، بحيث لا يبتعد كثيراً عن العروض التي سبق وشاهدتها للمسرحية نفسها في لندن. تقوم المسرحية على أحد أهم عناصر الكوميديا، وهو الخطأ في تمييز هوية شخصية، وانتحال بطلين بدلاً من بطل واحد شخصية وهمية ليست شخصيته تدعى «آرنست». بالتالي، ينجم الإضحاك في المسرحية عن مفارقات عدة، سواء في خطأ تمييز الهوية أو في انتحال الاسم الزائف لنيل إعجاب وتعاطف المحبوبتين. تدور هذه المسرحية الكوميدية حول حب مزدوج، يحاول التغلب على العقبات، وتحفل الحبكة بمصادفات عجيبة، بل تنتهي بمصادفة تثير الضحك لحد القهقهة، لأنها بعيدة عن التصديق، في حين أنها مسلية لدرجة أنها تحظى بقبول واستحسان الجمهور. تلك هي سمة المهارة الحرفية التي أبدع أوسكار وايلد في استخدامها سواء في الكوميديا الاجتماعية الراقية مثل «أهمية أن تكون آرنست»، أم في التراجيديا مثل مسرحيته «سالومي».
يبدأ العرض بصديقين شابين عازبين ثريين (لعب دوريهما ستيف هاغارد وأليكس غودريتش بحيوية وظرف)، وما تلبث أن تظهر الليدي براكنل، عمة أحدهما، (أدت دورها شانون كوشران)، بسيطرة عكست ذكاء وقوة تلك الشخصية. سرعان ما تظهر الصبيتان الجميلتان في المسرحية، اللتان يحاول كل من الشابين نيل قلب واحدة منها، وكلاهما تحلم أن يكون اسم حبيبها «آرنست»، وتأنف من أي اسم سواه. أدت دور إحداهما ممثلة سوداء جميلة هي جنيفر لاتيمور، بينما أدت دور الأخرى ممثلة شقراء هي ربيكا هيرد. وعلى الرغم من كون أداء الممثلتين مقنعاً، فإن ربيكا هيرد تمتعت بحضور استثنائي عبر استخدامها تعابير وجهها وحركة جسدها معاً بتناسق وحيوية ملموستين لتعكس مشاعر الشخصية وردود فعلها بأسلوب تمثيلي في غاية الرقي والإتقان. في الواقع، لم يكن يقصر أي من الممثلين الآخرين في تجسيد شخصياتهم، وبدوا في مستوى معقول للغاية، وهم: روس ليهام في دوري الساقي في منزلين مختلفين، آرون تود دوغلاس في دور القسيس، وآنيتا تشاندواني في دور المعلمة، لكن الأول منهم نجح بصورة خاصة في تقديم شخصيتين متباينتين، بل أبدع كوميدياً في الشخصية الثانية كساقٍ يتعتعه السكر، منتزعاً بلمسات إيمائية مقتضبة ضحك الجمهور. الحق يقال، كان تصميم الأزياء متميزاً في عرض «أهمية أن تكون آرنست»، وقامت به المصممة مارا بلومنفيلد. أما إخراج مايكل هالبرستام لنص مسرحية أوسكار وايلد (الذي عالجه الدراماتورغ بدرو كاستيللو غارسيا، ) فعكس مقدرة احترافية عالية دون ادعاء أو حذلقة أو تصنع أو استعراض للعضلات. أثبت هالبرستام أنه مخرج بارع يحسن السيطرة على جميع نواحي العمل المسرحي، ويصقلها بانسجام ليعبر عن روح المؤلف بإخلاص. ليس في عرض «أهمية أن تكون آرنست» إسقاطات معاصرة، ولا مشهدية بصرية استثنائية، لكنه عرض أضفى إخراجه وأداؤه حيوية وتجديداً عضويين من داخل بنية مسرحية وايلد، بانسجام مع معمار المسرح نصف الدائري التي قدمت عليه المسرحية. عرض «مسرح الكتاب» عرضٌ اتسم بالرشاقة والحيوية والظرف وخفة الظل، قدم على خشبة مسرح نصف دائرية، مما أضفى حميمية ودفئاً على العلاقة بين المؤدين والمتلقين، فصفق الجمهور طويلاً في الختام تعبيراً عن البهجة الاستمتاع.
* كاتب سوري يقيم
في الولايات المتحدة



الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
TT

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)

حالة من الغموض تحيط بمدفن الأديبة اللبنانية من أصل فلسطيني مي زيادة «1886-1941» بعد إعلان باحث مصري في شؤون المقابر والجبانات عن اختفائه من موقعه في مدافن الطائفة المارونية.

وكان الباحث في شؤون الجبانات والمقابر إبراهيم طايع أعلن عن اختفاء المقبرة، مشيراً على صفحته بـ«فيسبوك» إلى أنه كان في زيارة هناك، ولم يجد لها أثراً، وقال طايع: «المعروف أن مي زيادة توفيت في القاهرة، وخرجت جنازتها من مستشفى المعادي في 17 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1941م ودفنت في مقابر الطائفة المارونية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «زار القبر أكثر من مرة، وقام بتصويره، وهو مدفن بسيط مرتفع عن الأرض، وموضوع عليه رخامة مكتوب عليها: الأديبة مي زيادة... نابغة الشرق، وعليه تاريخ وفاتها».

ويضيف طايع: «في الأيام الماضية حين دخلنا المقابر الخاصة بالطائفة المارونية، لم نجد أثراً لقبر مي ولا توجد رخامة، وكان مكانها رخامة بديلة دون كتابات أدت إلى تغيير شكل القبر تماماً، اختفى القبر كأن المكان لم يكن فيه مدفن من قبل».

وتساءل طايع أين اختفى قبر مي زيادة ومن فعل هذا؟ وما مصير رفاتها؟ وتابع: «حين توجهنا بهذه الأسئلة لبعض المسؤولين عن مقابر الجاليات أخبرونا أن بعض المدافن، عندما تمر عليها سنوات طويلة دون أن يسأل أحد عنها، تتم إزالتها وإعادة استخدام المكان لدفن موتى آخرين، لكن هل ينطبق هذا على مي زيادة، صاحبة الصالون الأدبي الشهير، التي اجتمع حولها كبار أدباء ومثقفي عصرها، وقال عنها أحمد شوقي: (إذا نطقت صبا عقلي إليها، وإن بسمت إليَّ صبا جناني)، ووصفها الشيخ مصطفى عبد الرازق بأنها: رائدة النهضة النسوية في الشرق».

شاهد قبر قديم لمي زيادة (الباحث إبراهيم طايع)

من جهته، قال ميشيل حنا الأديب والباحث في عمارة القاهرة، «إن قبر مي زيادة كان موجودا في خانة في الحائط، وإنه زارها منذ عامين، كان القبر هناك، لكن هذا المدفن لم يكن أول مكان دفنت به، كان هناك مدفن آخر لها، لكن رفاتها نقل إلى مكانها الذي رأيت المقبرة به آخر مرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هي عادة يلجأ لها المسؤول عن المقابر عندما يجد مكاناً ليس له صاحب ولا يسأل عنه أحد فيقوم بنقل الرفات لإعادة وضع متوفى جديد».

كان لمي في الأصل مدفن خاص بها، حسب قول ميشيل حنا، لكنها نقلت بعد ذلك لمربع في الجدار، وتساءل: «لا أعرف كيف يحدث هذا مع شخصية مثل مي؟ فهي أديبة، وكاتبة، ومترجمة، وشاعرة مهمة، وتُعد واحدة من أبرز رائدات النهضة الأدبية والعمل النسوي في العالم العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين».

مي مع والدتها في الناصرة (من الباحث إبراهيم طايع)

من جانبه، قال الأب نبيل رفُّول مسؤول الطائفة المارونية بالقاهرة لـ«الشرق الأوسط» إنهم لا يعلمون شيئاً عن اختفاء مدفن مي زيادة «فقد كان موجوداً بالفعل»، ويضيف رفُّول أن «هناك قضية مقامة ضد حارس المدافن بعد أن اكتشفنا أنه يتم العبث بها، فهو يدعي أنه ورثها عن جده»، ويضيف رفُّول أن «الطائفة المارونية في انتظار كلمة القضاء في هذا الشأن».

ولدت مي زيادة في مدينة الناصرة بفلسطين لأب لبناني وأم فلسطينية، وانتقلت لاحقاً مع عائلتها إلى مصر واستقرت في القاهرة حيث درست في جامعة القاهرة، واشتهرت بثقافتها الواسعة وإتقانها لعدة لغات أجنبية، وأنشأت صالونها الأدبي الأسبوعي الشهير في القاهرة، الذي كان ملتقى لكبار أدباء ومفكري العصر، مثل أحمد لطفي السيد، وخليل مطران، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، ومصطفى صادق الرافعي.


السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
TT

السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

في كل صيف، تتكرر على شواطئ البحر المتوسط معجزة طبيعية عمرها ملايين السنين، حين تشق صغار السلاحف البحرية طريقها من الأعشاش الرملية إلى البحر. لكن هذا المشهد الآسر بات يحمل مؤشرات مقلقة لعلماء البيئة؛ إذ تكشف السلاحف ضخمة الرأس عن التأثير المتنامي لتغير المناخ على النظم البحرية، مع ارتفاع درجات الحرارة الذي يخلّ بالتوازن الطبيعي بين الذكور والإناث ويهدد مستقبل أحد أبرز الكائنات المهاجرة في المتوسط.

على شاطئ إيزتوزو التركي، أحد أهم مواقع تعشيش السلاحف البحرية في البحر المتوسط، تشق نحو 30 ألف سلحفاة صغيرة طريقها إلى البحر كل موسم بعد خروجها من مئات الأعشاش المنتشرة على امتداد الساحل. ورافقت «رويترز» عالم الأحياء البحرية يعقوب كاسكا وفريقه من المتطوعين خلال جولاتهم الليلية لمراقبة الأعشاش وحماية البيوض المدفونة في الرمال. وتنتشر فوق الأعشاش أقفاص هرمية الشكل تحول دون وصول الثعالب إليها، في حين يتحول الشاطئ، الذي يعج بالسياح نهاراً، إلى ملاذ هادئ لحماية السلاحف ليلاً.

صغار السلاحف البحرية تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو الواقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​في مقاطعة موغلا بتركيا (رويترز)

تميمة «كوب 31»

وأصبحت السلحفاة ضخمة الرأس، التي تحفر أعشاش بيوضها على شواطئ البحر المتوسط، التميمة الرسمية لمؤتمر الأطراف (كوب 31) للمناخ الذي تستضيفه تركيا الشهر المقبل. وستكون حماية البيئة البحرية من المحاور الرئيسية للقمة التي ستنعقد على ساحل أنطاليا.

ويقول باحثون إن تلك السلحفاة توضح كيفية تأثير تغير المناخ على النظم البيئية بمنطقة البحر المتوسط، التي تشهد اتجاهاً طويل الأمد نحو ارتفاع درجات الحرارة منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

درجات حرارة أعلى

أظهر تحليل أجرته «رويترز» أن المياه الأوروبية سجلت أعلى درجات حرارة صيفية على الإطلاق، مع تداعيات خطيرة على بعض المجتمعات الساحلية.

ويقول باحثون إن تغير المناخ يؤدي أيضاً إلى ارتفاع تدريجي في درجات حرارة الشواطئ في أنحاء البحر المتوسط ‌وهي الشواطئ التي ‌تضع فيها السلاحف بيوضها.

ويتحدد جنس صغار السلاحف وفقاً لدرجة حرارة العش؛ إذ تؤدي الرمال الأكثر ​دفئاً ‌إلى ⁠إنتاج أعداد ​أكبر ⁠من الإناث.

وقالت آيفر شيرين، المحاضرة في علم البيئة بجامعة أسكودار والتي أجرت أبحاثاً موسعة على السلاحف ضخمة الرأس: «تقدم لنا السلاحف البحرية نظام إنذار مبكراً وسريعاً للغاية». وأضافت أن تلك الكائنات تظهر عليها آثار التغيرات البيئية التي تؤثر في النظم الساحلية والبحرية لأنها من الأنواع التي تعتمد على اليابسة والبحر معاً.

وفي دراسة دكتوراه استمرت خمس سنوات في جامعة باموكالي، خلصت شيرين إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرتبط بتبكير مواعيد وضع البيوض وتقليص فترات الحضانة لها في الأعشاش وزيادة نسبة الإناث.

يراقب عالم الأحياء البحرية المتخصص في السلاحف البحرية يعقوب كاسكا وأحد المتطوعين سلحفاة صغيرة وهي تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو (رويترز)

وقدرت الدراسة التي أجريت على شاطئ باتارا أن نحو 70 في المائة في المتوسط من صغار السلاحف ضخمة الرأس عند الفقس من الإناث، وخلصت إلى أن تعديل السلوكيات وحده قد لا يكون كافياً للتخفيف ⁠من آثار تغير المناخ.

وقال كاسكا إن درجات حرارة الأعشاش في إيزتوزو ارتفعت بنحو درجة مئوية ‌واحدة خلال العشرين عاماً الماضية، مضيفاً أن تحليلات أوسع أشارت إلى أن الإناث ‌تمثل ما بين 80 و90 في المائة من صغار السلاحف في العديد من التجمعات.

ويقول ​العلماء إن استمرار ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي في نهاية المطاف ‌إلى انخفاض أعداد الذكور إلى حد لا يكفي لضمان نجاح التكاثر.

وأضافت شيرين أن درجات حرارة الأعشاش التي تتجاوز 30 ‌درجة مئوية تزيد أيضاً من خطر نفوق الأجنة. ووفقاً لفريق الخبراء المختص بالسلاحف البحرية، تصنف السلاحف ضخمة الرأس على أنها معرضة لخطر الانقراض على مستوى العالم.

أما في البحر المتوسط فتدرج ضمن فئة يقل القلق عليها، وهو ما يعكس نجاح جهود الحفاظ على الأنواع، لكن العلماء يقولون إن تغير المناخ يفرض ضغوطاً جديدة.

تعاون بين الدول

قال كاسكا إن نمط الهجرة الذي تتبعه السلاحف يبرز الحاجة إلى تعاون عابر للحدود خلال مؤتمر «كوب 31».

وتابع قائلاً: «قد ‌تضع بيوضها في تركيا، لكنها تتغذى في تونس أو في البحر الأدرياتيكي وغيرها من المناطق»، ودعا الدول إلى التعاون لحماية التنوع البيولوجي في البحر المتوسط.

وأشار كاسكا إلى أن إناث السلاحف ضخمة الرأس تعود عادة بعد عقود إلى الشواطئ التي فقست فيها لوضع البيوض، لكن التغيرات في الأنظمة البيئية دفعت بعضها إلى وضع البيوض في مناطق أبعد شمالاً وهو أمر لم يكن شائعاً من قبل.

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

ويراقب المتطوعون على الشاطئ صغار السلاحف مستخدمين أضواء حمراء خافتة لتقليل أي إزعاج للحد الأدنى في أثناء توجهها نحو البحر، لكن الصغار يواجهون في البحر مخاطر أخرى، من بينها شباك الصيد والقوارب والنفايات البلاستيكية.

وقالت شيرين: «السلحفاة البحرية التي تعلق في شبكة صيد لا تستطيع الصعود إلى السطح للتنفس، وللأسف تموت غرقاً».

ويشكل التلوث بالبلاستيك مصدر قلق على وجه الخصوص. وقال كاسكا إن 60 في المائة من السلاحف التي تنقل إلى مركز للتأهيل يوجد في أجهزتها الهضمية ما لا يقل ​عن خمس قطع من البلاستيك.

وتابع قائلاً: «إلقاء كيس بلاستيكي في ​البحر يشبه ضرب السلاحف بالرصاص».


«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
TT

«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)

في معرضه الأحدث، الذي يحمل عنوان «ناس من شارعنا»، يقدم الفنان المصري عبد الرازق عكاشة حكايات وقصصاً من فرنسا، إذ يرصد أحد الشوارع الباريسية التي عاش فيها واختلط بسكانها وروادها من الفنانين والمبدعين، ويقدم رؤيته الجمالية عنهم في نحو 30 لوحة تتداخل فيها الألوان الساخنة والباردة لتنسج حكايات باريسية مشوقة.

ويواصل عكاشة، في المعرض الذي افتُتح الخميس بغاليري «فلك» بوسط القاهرة، الرهان على جرأة استخدام الألوان، مع تكوينات تعبيرية وتجريدية تجعل للحكاية أبعاداً مختلفة في ذهن المتلقي، فتتعدد الرؤى والحكايات المنبثقة من العمل الواحد بقدر تعدد المشاهدين.

من أعمال المعرض (فيسبوك)

ويقول الفنان عبد الرازق عكاشة إن فكرة معرض «ناس من شارعنا» تستند إلى شارع «ريدي ذا بيس» في فرنسا، الذي عاش فيه، ويصفه بأنه شارع مهم جداً في منطقة مونمارتر، التي يعيش فيها الفنانون والأدباء والكتّاب، وتضم أيضاً «مولان روج» أو الطاحونة الحمراء، ويمر بها طريق بيكاسو إلى الهضبة العليا، كما سكنت داليدا بالقرب من هذا الشارع.

ويضيف، في كلمة مصورة تعريفية بالمعرض، أنه لم يختر الرسم عن شارع باريسي تنازلاً عن هويته أو تبادلاً للهويات، وإنما تعبير عن التفاعل الإنساني مع شارع وأشخاص من الفنانين والمبدعين عاش بينهم وقرر أن يرسمهم.

ويوضح: «في هذا المعرض، أعرِّف الجانب العربي أو المصري بكيفية تفكير الآخر ونمط حياته، وأحاول أن أصوِّر له هذا النمط وأنقله إليه كاملاً، فليس هناك تضارب في الهويات، بل محاولة للتقريب بينها».

لوحة تعبر عن حكاية بالمعرض (الفنان)

وتشي اللوحات بالعديد من الحكايات في الشارع الذي اختاره الفنان، من المقاهي وجلسات السمر إلى النزهات بالدراجات والجداريات على المترو، وجميعها تأتي في إطار من الألوان المبهجة والتكوينات الفنية ذات الدلالات المفتوحة على أكثر من حكاية وتفسير.

وأشار الفنان أيضاً إلى أن شغفه برسم الشارع لا يقتصر على الشارع الباريسي، إذ لديه، كما يقول، «مشروع فني منذ 10 سنوات عن العمارة في شوارع مصر»، يحاول من خلاله رصد كيفية عيش الناس في مصر، خصوصاً في الأحياء الإسلامية التراثية وبعض المناطق الشعبية، بما تشهده من زحام، مثل الحسين والعتبة والجمالية وحارة اليهود، وغيرها من الأماكن التي تتجلى فيها هوية الإنسان وخصوصيته.

جانب من المعرض (فيسبوك)

وفيما يلفت عكاشة إلى شروع متحف بيكاسو في باريس في دراسة عرض لوحاته عن غزة، يؤكد أن هذه اللوحات، التي خصص لها معرضاً سابقاً في القاهرة ورسم جدارية كبيرة عنها، تظل من أهم الأعمال التي قدمها، إذ تعبّر عما يشعر به فنان عربي تجاه مأساة غزة.

وسبق أن قدم عكاشة معرضاً بعنوان «جدارية غزة»، ضم أعمالاً ملحمية ومشاهد موجعة من المأساة التي شهدها القطاع جراء الحرب. ورصد في لوحاته مشاهد متعددة من داخل القطاع، استلهمها من نشرات الأخبار والصور والوقائع التي شاهدها العالم.