العائدون إلى الرقة ينفضون الغبار عن مدينتهم... الغريبة

«الشرق الأوسط» ترافق عائلات «رقاوية» في رحلة العودة بعد طرد «داعش»

ساحة النعيم التي سميت بعد سيطرة «داعش» بـ«دوار الجحيم» لكثرة تعليق الرؤوس («الشرق الأوسط»)
ساحة النعيم التي سميت بعد سيطرة «داعش» بـ«دوار الجحيم» لكثرة تعليق الرؤوس («الشرق الأوسط»)
TT

العائدون إلى الرقة ينفضون الغبار عن مدينتهم... الغريبة

ساحة النعيم التي سميت بعد سيطرة «داعش» بـ«دوار الجحيم» لكثرة تعليق الرؤوس («الشرق الأوسط»)
ساحة النعيم التي سميت بعد سيطرة «داعش» بـ«دوار الجحيم» لكثرة تعليق الرؤوس («الشرق الأوسط»)

يجهز علي الحمد (42 سنة) وزوجته أميرة أغراضهما القليلة المتناثرة في خيمتهما بمخيم عين عيسى الواقع على بعد 50 كيلومتراً، شمال غربي مدينة الرقة. العائلة الصغيرة المؤلفة من أب وأم وثلاث بنات قررت أخيراً العودة إلى منزلها في حي المشلب، بعد سماعهم نبأ السماح بعودة المدنيين بُعيد تنظيفه من الألغام.
رافقت صحيفة «الشرق الأوسط» رحلة عائلة علي. وأثناء نقل الحقائب إلى السيارة الخاصة التي أقلتهم إلى الرقة، كانت دقات قلوبهم تسبقهم إلى طريق العودة، تاركين وراءهم ذكريات النزوح القاسية في المخيم الذي قضوا فيه قرابة ستة أشهر بانتظار هذه اللحظة، وينقل علي مشاعره المختلطة بالقول: «شعور فرح ممزوج بالخوف، قطعنا رحلنا طويلة حتى هربنا من نيران الحرب، أما اليوم أخشى أن تكون تلك النيران طالت منزلي».
في الطريق، وعندما وصلوا إلى مدخل الرقة الشرقي، أوقفتهم نقطة تفتيش تابعة لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، ودققت في الأسماء والهويات ليسمح لهم بعدها بالعبور إلى حي المشلب الذي يُعتبر علي واحداً من سكانه، ويضيف: «سمعنا أن سكان الأحياء المسموح لهم بالعودة هم المشلب والطيار والجزرة، أما باقي المناطق يُمنع دخولها لأن فرق نزع الألغام لم تنتهِ بعدُ من عملها».
في الطريق بدت أطراف الرقة أقل تضرراً. المعارك التي استمرت نحو أربعة أشهر بين يونيو (حزيران) وأكتوبر (تشرين الأول) العام الحالي، تركزت في مركز المدينة، أما حي المشلب الواقع في الجهة الشرقية للرقة كان من بين أول الأحياء التي تحررت من قبضة تنظيم «داعش»، على يد «قوات سوريا الديمقراطية»، بدعم وغطاء جوي من طيران التحالف الدولي بقيادة أميركا، الأمر الذي بعث تفاؤلاً عند علي وزوجته.
في مدخل الحي ارتسمت علامات الراحة على وجوههم، بعد مشاهدة كثير من المنازل والمحال التجارية التي سلمت من القصف ولم تتعرض للدمار، وكان عدد صغير من الأطفال يتراكضون في ساحة الحي، يمشي بجوارهم عدد من المدنيين الذين انشغلوا بتفقد ممتلكاتهم.
وصلت العائلة إلى المنزل وعند إدخال المفتاح في قفل الباب لم تصدق المشهد، فقد نجا المنزل من القصف، والشارع لم يتضرر كثيراً، ويصف علي لحظات فرحه قائلاً: «الحمد لله البيت على حاله، زجاج الشباك والأبواب تعرض للكسر جراء ضغط الانفجارات، لكن كل شيء على ما يرام»، فيما نقلت زوجته أميرة أنها لا تعطي فرحتها لأحد، وقالت ودموع الفرح تنهمر من عينيها: «كان حلماً أن نرجع للبيت، وإنّ شاء الله كل أهالي الرقة يرجعون بسلام وأمان».

طمأنينة وأمان!
عاد المئات من المدنيين إلى أحياء الرقة بعد الانتهاء من عمليات نزع الألغام وتمشيط المنازل والمحال التجارية، ليكونوا أول دفعة من السكان العائدين إلى المدينة، وبحسب مجلس الرقة المدني يُقدر عدد العائدين بنحو 4 آلاف شخص غالبيتهم من المشلب.
وعلى غرار علي، ينتظر النازحون في مخيم عين عيسى أن يتمكنوا من العودة إلى مدينتهم في أقرب وقت ممكن، وأكد جلال العياف مدير مخيم عين عيسى، أنّ «عشرات من نازحي الرقة يعودون يومياً إلى مناطقهم، بالأخص المناطق الواقعة في محيط الرقة والمزارع المجاورة».
وتمكنت «قوات سوريا الديمقراطية» التي تضم قوات عربية وكردية ومسيحية في 17 أكتوبر، من طرد عناصر تنظيم «داعش» المتشدد من الرقة إلى بادية الفرات والمناطق الحدودية مع العراق.
وعبر كثير من أبناء حي المشلب عن فرحة مشوبة بالحذر، لأن إعادة الاستقرار والأمن إلى المناطق التي تخرج عن سيطرة «داعش» ونشر الطمأنينة والسلام بين الأهالي، تتوقف إلى حد بعيد على انضباط قوات الأمن الداخلي من جهة، ومدى قدرتها على الدفاع عن هذه المناطق من جهة ثانية، إلى جانب وجود إدارة مدنية تحظى بقبول أبنائها.
وتسلم مجلس الرقة المدني وجهاز الأمن الداخلي، في 20 من الشهر الحالي، إدارة المشلب إلى جانب حي الجزرة والطيار رسمياً من «قوات سوريا الديمقراطية»، ولدى لقائها مع صحيفة «الشرق الأوسط»، قالت المهندسة ليلى مصطفى رئيسة المجلس، إنّ «القوات ومنذ إعلان تحرير الرقة الشهر الماضي من التنظيم الإرهابي، تعهدت بتسليمها لمجلس الرقة المدني، وسوف تتحمل قوات الأمن الداخلي مسؤولية الحفاظ على الأمن العام وإعادة الطمأنينة بين الأهالي».
وبحسب رئيسة المجلس، «قامت لجنة الخدمات بأولى أعمالها في حي المشلب والجزرة والطيار، من خلال تنظيف وإزالة السواتر الترابية ورفع الأنقاض والقمامة المتراكمة في الشوارع ليتم نقلها إلى خارج المدينة في مكان مخصص لها».
وتتوقع ليلى مصطفى أن يتطلب تنظيف الرقة وإعادة إعمارها جهوداً ضخمة، وشهوراً عدة قبل أن تعود الحياة الطبيعية إلى شوارعها.
بدوره، أشار عمر علوش رئيس لجنة العلاقات في مجلس الرقة المدني، إلى أن المجلس يعمل خلال الفترة المقبلة على إعادة هيكليته من خلال تشكيل مجلسين: مجلس تشريعي وثانٍ تنفيذي لإدارة الرقة، وأوضح: «منذ بداية تشكيل المجلس بشهر أبريل (نيسان) الماضي، ورد في البيان التأسيسي أنه ستتم إعادة هيكلة المجلس بعد تحرير الرقة، لأن القسم الأكبر من أهالي المدينة لم يشاركوا في التأسيس كونها كانت محتلة من قبل تنظيم داعش المتطرف».

مهمات وتحديات
قدم التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، إلى مجلس الرقة المدني آليات ثقيلة على أربع دفعات بلغ عددها حتى اليوم نحو 50 سيارة وصهريجاً لنقل مياه الشرب، بهدف بدء العمل داخل شوارع الرقة وإزالة أكوام الركام من جميع أحياء المدينة وتنظيفها، الأمر الذي سيُسهِم في تسريع عودة الأهالي إلى منازلهم.
ويشرح المحامي إبراهيم الحسن رئيس لجنة إعادة الإعمار في مجلس الرقة، عمل اللجنة، وأنها نقوم حالياً بتأهيل البنية التحتية من شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، ويقول: «عندما يتم الانتهاء من هذه الأحياء الثلاثة سيتم نقل جميع الآليات إلى مركز المدينة لتنظيف الشوارع التي انتهت فيها عمليات إزالة الألغام ليصار إلى عودة المدنيين إليها». وتقوم خطة المجلس المدني على فتح الشوارع الرئيسية وعددها 23 شارعاً، ثم الانتقال إلى المداخل الخارجية وعددها 10، ولقد حددت لجنة الخدامات مكبين لتجميع الركام والأنقاض، مكبّاً في المدخل الشرقي والثاني في الجهة الغربية، وكانت قبل الحرب مخصصة لرمي النفايات والقمامة، وحددت الخطة جدول زمنيي مدته 45 يوماً للانتهاء من فتح الشوارع، بينما أردف إبراهيم الحسن بالقول: «بتصوري الشخصي سنحتاج إلى 3 أشهر كحد أدنى حتى تفتح الشوارع والمداخل الرئيسية ليتمكن الأهالي من العودة إلى منازلهم».
ويعم الدمار مدينة الرقة بالكامل، ما يجعل من الصعب التعرف على معالمها، لكن من الممكن تحديد بعض الأماكن من خلال لافتة تشير إلى عيادة طبيب، أو بقايا قماش وآلات حياكة في متجر.
وتغيب المياه عن الرقة منذ أشهر عدة، ولم يكن هناك سوى عدد قليل من الآبار للاستخدام قبل بدء الهجوم الأخير على المدينة في يونيو الماضي، ويشرح المهندس ياسر الخلف من لجنة المياه، أنّ الورش الفنية قامت بإصلاح المضخة الجنوبية لإعادة المياه إلى قرية الحمرات وحي المشلب، وقال: «حالياً ستعمل شبكة المياه في الأحياء الثلاثة من 5 إلى 6 ساعات يومياً، وخلال الأيام سنستمر في إصلاح الخطوط المكسورة»، منوهاً بوجود كثير من الخطوط المتضررة داخل المدينة.
أما لجنة الأفران والمطاحن التابعة لمجلس المدني قامت بتشغيل ثلاثة أفران آلية: فرن السباهية وفرن حاوي الهوى وفرن المشلب، وتنتج يومياً نحو عشرة آلاف ربطة خبز توزع مجاناً على الأحياء التي عاد إليها سكانها ومخيمات النازحين.
ولفت صبري محمد رئيس لجنة الأفران أنّ هذه الأفران تستهلك نحو 70 طناً من مادة الطحين. وقال: «تم اتخاذ عدة خطوات لتلبية حاجات الأهالي ريثما يتم تأهيل الأفران المركزية في المدينة»، وشدد على أنّ مجلس الرقة يدعم مادة الخبز ويتحمل جميع النفقات المالية، مشيراً: «يتم توزيعها عن طريق مندوبي الحي الذين تم اختيارهم من قبل المجالس المحلية التي تشكلت فور عودة المدنيين».

رعب وذكريات
في ساحة دوار النعيم وسط الرقة، علقت شاشة تلفاز سوداء اللون يقابلها مجموعة من المقاعد في مشهدٍ أشبه بدور السينما. بحسب أهالي المنطقة كانت هذه الشاشة تعرض نوعاً مختلفاً من الأفلام ليس كوميدية أو درامية، بل كانت تعرض مشاهد لقطع الرؤوس وجز الرقاب ومقاطع دعائية خاصة بتنظيم داعش المتطرف.
وعلى مسافة قريبة من الشاشة، يبدو أن التنظيم قد حول غرفة صغيرة إلى نقطة إعلامية، ونقل عدداً من سكان دوار النعيم أنه كان يقف مقاتل من التنظيم في شباك التذاكر ويقوم بتوزيع حافظات الذاكرة (فلاشات) بالمجان، المفاجأة الصادمة أنها كانت تحوي إصدارات التنظيم الأكثر دموية، وبحسب هؤلاء السكان كان كثير من الشبان «الفضوليين» في مقتبل العمر يتوافدون لأخذها والتفرج على محتواها.
ومنذ سيطرته على مدينة الرقة في شهر يناير (كانون الثاني) 2014، بعد معارك عنيفة مع مقاتلي المعارضة الذين كانوا قد استولوا عليها من النظام في شهر مارس (آذار) 2013، عمد تنظيم داعش إلى بثّ الشعور بالرعب من خلال نشر صور وأفلام مروعة، مثل مشاهد حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة حياً بشهر فبراير (شباط) 2015، وتعليق رؤوس جثث عشرات الجنود السوريين - أشباه عراة - الذين أُسِروا في مطار الطبقة العسكري في يوليو (تموز) 2014، وتصفية عشرات المواطنين الأجانب من صحافيين وعاملين في منظمات إغاثة.
يروي منصور (45 سنة) وهو من سكان حي النعيم، ويعمل اليوم حارساً في المنطقة، أنه كان شاهداً على بداية سيطرة التنظيم على مسقط رأسه، ليقول: «مشهد الدبابة العسكرية التي دخلت دوار النعيم وقامت باستعراض عسكري لن أنساه مهما حييت، يوم ذاك كنت واقفاً على شرفة منزلي المطل على الساحة، لأشاهد بعدها أبشع جرائم التنظيم من قطع الرؤوس والأيدي والأحكام القاسية التي كان ينفذها».
ويضيف أنّ مسلحي التنظيم أصبحوا أكثر عدوانيةً في تعاملهم مع السكان المحليين، حيث توقفوا في مرحلة ما عن إرسال الجرافات والشاحنات لإزالة حطام المباني المهدمة، وإنقاذ حياة المدنيين المطمورين تحت الركام بحجة القتال، لكنهم كانوا يخشون من قصف الطيران. بيد أنّ الملعب البلدي في الرقة، الذي يقع في مركز المدينة، تحول لأحد أبرز معالم التنظيم رعباً، بعدما اتخذه سجناً لتنفيذ أحكامه وعقوباته المشددة على كل من يعارضه أو مقاتليه الذين كانوا يخالفون قوانينه وتشريعاته.
وافتتح الملعب سنة 2006، وكان مخصصاً لمباريات وتدريبات نادي الشباب في الدوري السوري، وبعد سيطرة «داعش» على الرقة تعددت أسماؤه، إذ كان يسمى بـ«الملعب الأسود»، في إشارة إلى الحقبة السوداء التي مارسها متطرفي التنظيم، كما كان يطلق عليه (النقطة الأمنية رقم 11)، ويرجح عدد من سكان المنطقة إلى وجود 10 نقاط سرية ثانية كانت مخصصة للاحتجاز آنذاك، وبني عناصر التنظيم سجن كبير تحت الملعب، قسموه إلى مهاجع ومنفردات واخترعوا أبشع وسائل التعذيب.

شهادة ناجٍ من قبضة «داعش»
تُعدّ مرحلة الاستقبال داخل سجون «داعش» هي الأسوأ على الإطلاق حسب شهادات ناجي منها، حيث يقف المعتقل معصوب العينين ومكبّل اليدين أياماً قد تصل إلى أسابيع دون ماء أو طعام إلا في أوقات الصلاة.
يروي المحامي فيصل (38 سنة) الذي سُجِن مدة شهرين في الملعب الأسود، صيف عام 2015، أنه تردد في إحدى المرات على مقهى إنترنت لإجراء مكالمة مع قريب له لاجئ في إحدى الدول الأوروبية، سرعان ما دخلت دورية تابعة لـ«جهاز الحسبة»، والأخيرة كانت معروفة بالشرطة المحلية لدى التنظيم، واقتادوه إلى السجن بتهمة التخابر مع جهات معادية للتنظيم.
يقول فيصل: «أساليب التعذيب لدى (داعش) تبدأ بالضرب المبرح دونما شفقة، حتى إنهم كانوا يستخدمون وسيلة (البلنكو) وهي عبارة عن قطعة حديد مخصصة عادةً لحمل محركات السيارات، لكن في السجن كان لها استخدام آخر حيث يرفع السجين من يديه المكبلتين ليفقد توازنه ويبقى في هذه الحالة لساعات حتى يفقد وعيه».
وبعد طرد عناصر تنظيم داعش من مدينة الرقة قبل شهر، تمكن المحامي من دخول سجن الملعب الأسود، ويصف مشاعره المشوشة: «عندما أدخلوني إلى قبو الملعب، غالبتني روائح الموت والصوت الوحيد المسموع كان آهات المعذبين وصراخ السجانين، المحقق آنذاك قال لي: لماذا لا أعلم إن الاتصال الخارجي ممنوع؟! وهذه كانت تهمتي».
وقال ع. ع، وهو قيادي «داعشي» ينحدر من دولة المغرب وكان يشغل أمير الحدود في التنظيم، ومسجون حالياً لدى قوات سوريا الديمقراطية، في حديث سابق مع صحيفة «الشرق الأوسط»، إنّ التنظيم «كان يسجن عناصره الذي يرتكبون المخالفات، أو ممن لا ينفذون أوامر قادتهم العسكريين، أما بالنسبة للإعدامات الميدانية كانت تتم بشكل شبه يومي، كما اشتهر بوسائل التعذيب الشديدة كوضع السجين في أقفاص لأيام أو ربطه من يديه لساعات».
ولا تزال كثير من كتابات التنظيم منتشرة على جدران المنازل والمرافق العامة في الرقة، لتذكير أبنائها بحقبة سوداء قضوها في ظل «خلافتهم الإسلامية» كما زعموا، فكانت العبارات المكتوبة تحاول تعزيز مفهوم «داعش» في نفوس الأطفال والمراهقين عن طريق عبارات تبشرهم بالجنة، وتوهمهم بوعود كاذبة، وتحذر النساء بضرورة التقيد باللباس الشرعي، وتحض الشباب والرجال على «الجهاد» والالتحاق بصفوف التنظيم.

تغيّر معالم الرقة
بدت آثار الدمار وحدها طاغيةً على شوارع وأزقة الرقة التي أصبحت مكسوة بالحطام، إلا أن الجرافات شقّت طريقها وسط تلك الشوارع، في حين لا توجد أي علامات لحياة داخل المدينة، سوى تجول بعض المقاتلين العسكريين من «قوات سوريا الديمقراطية»، وقد كانوا يتناوبون على حراستها، أما الأصوات الوحيدة التي كانت تُسمَع فهي أصوات انفجار العبوات التي تفككها فرق إزالة الألغام.
وباتت الرقة مدينة خاوية على عروشها، لم يتبقَّ منها سوى الأطلال وآثار الدمار، إذ إن الخراب يحيط بها من كل جانب، بدءاً من سور بغداد الذي ظلّ شاهداً على سنوات حكم التنظيم المتشدد مروراً بمتحف الرقة الذي قام عناصر «داعش» بسرقة محتوياته بالكامل دون الاكتراث بالقيمة التاريخية الخاصة بمقتنياته، بالإضافة إلى ساحة الساعة التي باتت مدمرة بالكامل بعدما شهدت أولى الإعدامات الميدانية المريعة من قبل عناصر التنظيم بداية حكمه. أما «سوق الرقة القديم» و«السوق المسقوف» الذي كان يعج بالمحال التجارية وأهم العلامات التجارية الخاصة ببيع العباءات وأطقم الجلسات العربية، فقد دُمِّر تماماً وأصبح ركاماً بعد نهب محتوياته.
ويروي محمود (50 سنة) الذي كان يعمل سائق سيارة أجرة، كيف كانت الرقة سابقاً قبل العام 2011، فعندما كانت تدخل سيارته إلى «السوق القديم» تستغرق رحلته الشاقة ساعة لاجتيازه، أما اليوم يبدوا أن معالم المكان تغّيرت عليه، ولا تشبه مدينته التي كان يعرفها سابقاً.
تمكن محمود بعدها من الدخول وتفقد منزله الكائن في شارع الفردوس بعد حصوله على موافقة من «قوات سوريا الديمقراطية» الذي تمنع قاطنيه من العودة لانتشار الألغام والمفخخات المتفجرة.
وأنهى محمود حديثه بالقول: «طريق (السوق القديم) لم تعد كما كانت في البال، فالمشهد اليوم أشبه بمدينة أشباح، من الصعوبة التعرف على المحال ومعالم المكان الذي كان يضج بالحياة، أما اليوم باتت شاهداً على شدة المعارك داخل أزقة وحواري الرقة».



الأردن يطلب تغيير اسم حزب «جبهة العمل الإسلامي» المرتبط بـ«الإخوان»

صورة تعود إلى عام 2011 لمقار مكاتب جماعة الإخوان في الأردن وذراعها السياسية حزب «جبهة العمل الإسلامي» في عمّان (أ.ف.ب)
صورة تعود إلى عام 2011 لمقار مكاتب جماعة الإخوان في الأردن وذراعها السياسية حزب «جبهة العمل الإسلامي» في عمّان (أ.ف.ب)
TT

الأردن يطلب تغيير اسم حزب «جبهة العمل الإسلامي» المرتبط بـ«الإخوان»

صورة تعود إلى عام 2011 لمقار مكاتب جماعة الإخوان في الأردن وذراعها السياسية حزب «جبهة العمل الإسلامي» في عمّان (أ.ف.ب)
صورة تعود إلى عام 2011 لمقار مكاتب جماعة الإخوان في الأردن وذراعها السياسية حزب «جبهة العمل الإسلامي» في عمّان (أ.ف.ب)

أعلن مجلس مفوضي الهيئة الأردنية المستقلة للانتخاب، الأربعاء، أنه أبلغ حزب «جبهة العمل الإسلامي»، الذراع السياسية لجماعة «الإخوان المسلمين» المحظورة، بوجوب تغيير اسمه ليخلو «من أي دلالات دينية أو طائفية أو عرقية».

ووفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، قال المجلس في بيان إنه «أخطر حزب جبهة العمل الإسلامي بوجوب تصويب المخالفات خلال 60 يوماً من تاريخ الإخطار، استناداً إلى أحكام المادة 33 من قانون الأحزاب السياسية رقم 7 لسنة 2022».

وحسب البيان، «سبق أن تم إشعار الحزب بالمخالفات بموجب كتاب أمين السجل بتاريخ 17 فبراير (شباط) الماضي».

ووفقاً للبيان، تتعلق المخالفة بالنظام الأساسي واسم الحزب، لمخالفتهما قانون الأحزاب الذي يضم مادة تنص على «عدم جواز تأسيس الحزب على أسس دينية أو طائفية أو عرقية أو فئوية أو على أساس التفرقة بسبب الجنس أو الأصل».

وأوضح المجلس أن «اسم الحزب يعد جزءاً لا يتجزأ من نظامه الأساسي ويعبر عن هويته السياسية، ما يوجب خلوه من أي دلالات دينية أو طائفية أو عرقية أو تمييزية».

وأشار إلى مخالفات أخرى تتعلق بآلية تشكيل المحكمة العليا والمحكمة المركزية في الحزب، لعدم انتخابهما من المؤتمر العام، بما يخالف معايير الحاكمية الرشيدة ويؤثر على استقلاليتهما.

ويعد حزب «جبهة العمل الإسلامي»، الذراع السياسية لجماعة «الإخوان المسلمين» في الأردن، التي تم حظر أنشطتها في أبريل (نيسان) 2025، أبرز الأحزاب السياسية والمعارضة في البلاد.

وكانت السلطات القضائية الأردنية قد قررت في 16 يوليو (تموز) من عام 2020 حل جماعة «الإخوان المسلمين» في المملكة «لعدم قيامها بتصويب أوضاعها القانونية» بعد أن كانت تغض النظر عن أنشطتها.

وبعد حل الجماعة احتفظ حزب «جبهة العمل الإسلامي» بوضعه القانوني بوصفه حزباً سياسياً مرخصاً، وشارك مرشحوه في الانتخابات النيابية الأخيرة في سبتمبر (أيلول) 2024، وحصلوا على 31 مقعداً من أصل 138 في مجلس النواب.


مصر ولبنان يناقشان تعزيز التعاون العسكري

وزير الدفاع المصري يلتقي قائد الجيش اللبناني (المتحدث العسكري المصري)
وزير الدفاع المصري يلتقي قائد الجيش اللبناني (المتحدث العسكري المصري)
TT

مصر ولبنان يناقشان تعزيز التعاون العسكري

وزير الدفاع المصري يلتقي قائد الجيش اللبناني (المتحدث العسكري المصري)
وزير الدفاع المصري يلتقي قائد الجيش اللبناني (المتحدث العسكري المصري)

التقى وزير الدفاع المصري الفريق أشرف سالم زاهر، الأربعاء، في القاهرة، قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، والوفد المرافق له الذي يزور مصر حالياً.

ناقش اللقاء، بحسب بيان للمتحدث العسكري المصري، «موضوعات ذات الاهتمام المشترك، وسبل تعزيز التعاون العسكري بين البلدين، ومناقشة آخر المستجدات الراهنة على الساحتين الإقليمية والدولية». وأعرب الوزير المصري عن «اعتزازه بعمق العلاقات التي تربط بين البلدين».

ونقل البيان المصري عن قائد الجيش اللبناني، «إشادته بدور مصر الرائد في محيطيها الدولي والإقليمي»، متطلعاً إلى أن «تشهد المرحلة القادمة مزيداً من التعاون المشترك في مختلف المجالات العسكرية».

اللقاء حضره الفريق أحمد خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية وعدد من قادة القوات المسلحة لكلا البلدين (المتحدث العسكري المصري)

وتأتي زيارة هيكل للقاهرة، ضمن مشاركته في اجتماع تحضيري استضافته العاصمة المصرية، الثلاثاء، تمهيداً لمؤتمر دولي يُعقد في باريس، الشهر المقبل، لبحث احتياجات الجيش اللبناني، وسبل تعزيز قدراته الدفاعية.

شارك في اجتماع القاهرة كذلك، اللواء رائد عبد الله المدير العام لقوى الأمن الداخلي، إضافة إلى ممثلي دول اللجنة الخماسية المعنية بلبنان، ومن بينهم محمد بن عبد العزيز الخليفي، وزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية، وجان إيف لودريان المبعوث الشخصي للرئيس الفرنسي، والأمير يزيد بن فرحان المبعوث السعودي إلى لبنان، وكبار مسؤولي الولايات المتحدة الأميركية.

كما حضر الاجتماع، ممثلو دول المجموعة الأساسية لآلية التنسيق العسكري (MTC4L) التي تضم فرنسا، والولايات المتحدة، وإيطاليا، والمملكة المتحدة، وألمانيا، وإسبانيا، إضافة إلى ممثلي جامعة الدول العربية، وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (UNIFIL)، ومكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان (UNSCOL)، وجهاز العمل الخارجي الأوروبي.

صورة للمشاركين في الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي اللبنانية الذي استضافته القاهرة الثلاثاء (الخارجية المصرية)

وخلال الجلسة الافتتاحية للاجتماع، عَدَّ وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، الحضور الدولي الواسع للاجتماع التحضيري في القاهرة «رسالة تضامن قوية مع الدولة اللبنانية، بهدف مساعدة مؤسساتها الوطنية، وفي مقدمتها الجيش وقوى الأمن الداخلي، على تعزيز سيادتها، وبسط سيطرتها الكاملة».


مستوطنون يحرقون منازل ومركبات فلسطينيين بالضفة ويروعون أطفالهم

TT

مستوطنون يحرقون منازل ومركبات فلسطينيين بالضفة ويروعون أطفالهم

وفد من الاتحاد الأوروبي يزور سوسيا قرب الخليل بالضفة الغربية الأربعاء بعد هجوم مستوطنين (رويترز)
وفد من الاتحاد الأوروبي يزور سوسيا قرب الخليل بالضفة الغربية الأربعاء بعد هجوم مستوطنين (رويترز)

صعَّد المستوطنون هجماتهم بالضفة الغربية، فأشعلوا النار في عدد من منازل الفلسطينيين، وأطلقوا قنابل الغاز داخلها، وحطموا محتوياتها، كما أحرقوا مركبات وروَّعوا أطفالاً.

وقالت «جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني» إن طواقمها تعاملت مع 4 إصابات بالاختناق خلال هجوم للمستوطنين وحرق منازل بقرية سوسيا في مسافر يطا، جنوب الخليل، مساء الثلاثاء، وإنها قدمت العلاج الميداني.

وأظهرت لقطات مصورة عدة حرائق تشتعل في المكان، وأشارت التقارير إلى استهداف 4 مواقع على الأقل، بما في ذلك موقع خيمة سكنية، ومدخل منزل عائلة كانت الأسرة بداخله.

فلسطينية تتفقد الأربعاء ما لحق بخيمة سكنية أحرقها مستوطنون في قرية سوسيا قرب الخليل بالضفة الغربية (رويترز)

وقال نشطاء يساريون إنه تم إضرام النار في مركبتين أيضاً، وتحطيم نوافذ مركبة أخرى.

وكان هذا الهجوم واحداً من عدة هجمات أخرى، لكنه حظي باهتمام خاص من وسائل الإعلام الإسرائيلية التي بثت شهادات لفلسطينيين في المكان.

ونشرت «تايمز أوف إسرائيل» خبراً بعنوان «الأطفال في الداخل... إضرام النار في منازل ومركبات فلسطينية في هجوم يُعتقد أنه للمستوطنين»، في حين قالت «ريشيت بيت» التابعة لهيئة البث «كان» العبرية إن «الجيش لا يحمي السكان الفلسطينيين رغم أنه ملزم بذلك».

المهاجمون الملثمون

وأكدت «تايمز أوف إسرائيل» أن لقطات كاميرات المراقبة بالقرية أظهرت أكثر من 10 مهاجمين ملثمين يرتدون قلنسوات وهم يضرمون النار في شاحنة ومركبة أخرى بالقرب من مبنيين. وظهر العديد من المهاجمين وهم يحملون العصي.

وفي إحدى اللقطات المصورة، ظهر شخص يلتقط جسماً من الأرض ويقذفه باتجاه كاميرا المراقبة. كما كانت خيوط لباس يهودي ديني شعائري ظاهرة من تحت قميص مهاجم آخر كان يقف بجانبه.

وفي مقطع فيديو آخر، سُمع فلسطيني يصرخ باللغة العربية طالباً إحضار ماء، قبل أن يقول لشخص ما: «هناك أطفال في الداخل».

سيدة فلسطينية تعرض دمية محترقة بعد إضرام مستوطنين النار في خيمتها بقرية سوسيا جنوبي الخليل (أ.ف.ب)

وفي النهاية، أرسل الجيش والشرطة قوات إلى القرية الواقعة في تلال جنوب الخليل، لكنهما ذكرا في بيان لاحق أنه عندما وصلت القوات كانت النيران قد أُخمدت، ولم ترد أنباء عن حدوث إصابات.

ونقلت «تايمز أوف إسرائيل» بياناً للجيش الإسرائيلي جاء فيه أن قوات الجيش، وشرطة «لواء شاي»، وحرس الحدود في الضفة، هرعت إلى القرية بعد ورود بلاغ بإضرام النار في ممتلكات فلسطينيين في المنطقة، وأن القوات مشَّطت المنطقة بحثاً عن المهاجمين، وتم فتح تحقيق في ملابسات الحادث.

‏وأضاف البيان: «تُدين قوات الأمن بشدة مثل هذه الأحداث، وستواصل العمل من أجل الحفاظ على القانون والنظام في المنطقة».

وكتبت «تايمز أوف إسرائيل»: «مع ذلك، لم ترد أنباء عن تنفيذ أي اعتقالات».

«إرهاب قومي»

ونقلت «كان» عن ناصر نواجعة، أحد سكان قرية سوسيا، قوله: «كان هذا هجوماً مُخططاً له، وليس عشوائياً»، مضيفاً: «وصل عشرات المستوطنين إلى القرية، وأضرموا النار في عدة مناطق؛ خيام سكنية، ومركبات، وحظيرة أغنام. تحصّن أصحاب المنازل التي هوجمت داخلها».

وتابع أنه بعد الهجوم ظهر حجم الدمار جلياً. وأضاف: «رأيناهم يفرون من المكان بسرعة. وصل الجيش والشرطة إلى القرية، لكن لم يتم إلقاء القبض على أحد حتى الآن. كان أطفال القرية في حالة رعب شديد، وهناك 6 مصابين اختناقاً».

ومضى قائلاً: «الجيش لا يحمي السكان الفلسطينيين رغم أنه ملزم بذلك. إذا استمر الوضع على هذا النحو، فستزداد الجرائم القومية لأن الجيش لا يقوم بمهمته في هذه المنطقة».

عناصر من الأمن الإسرائيلي في موقع خيام سكنية ومركبات فلسطينية أحرقها مستوطنون مساء الثلاثاء (أ.ف.ب)

وحسب «كان»، باشرت الشرطة التحقيق في شبهات اعتداء يُصنف على أنه «إرهاب قومي»، وتواصل التحقيق في ملابسات الواقعة، بما في ذلك فحص المواد المصورة وجمع الأدلة الميدانية، في محاولة لتحديد هوية الضالعين. وجاء الهجوم وسط هجمات أخرى طالت عدة مناطق في الضفة الغربية.

أرقام في تصاعد

وصعَّد المستوطنون هجماتهم في الضفة منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وزادت حدة الهجمات في الأسابيع الأخيرة بعد أن اتخذت الحكومة الإسرائيلية قرارات لصالح فرض السيادة في الضفة.

وشوهد، الأربعاء، مستوطنون يشنون هجمات في عدة مناطق قرب رام الله وقلقيلية والخليل.

وقبل يوم واحد، شوهد مستوطنون في قرية مخماس شمال الضفة وهم يعيدون بناء بؤرة استيطانية في المنطقة (ب)، التي يُفترض أن تكون تحت السيطرة الإدارية للسلطة الفلسطينية.

وكانت السلطات الإسرائيلية قد فككت هذه البؤرة، التي تحمل اسم «كول ميفاسير»، عدة مرات من قبل، قائلة إنها «تُشكل خطراً أمنياً».

وكانت مخماس هدفاً لأعمال عنف دامية الأسبوع الماضي، عندما أطلق مستوطنون النار وقتلوا الشاب الفلسطيني الأميركي نصر الله صيام (19 عاماً)، وأصابوا 4 آخرين.

وكان صيام أول شخص يُقتل على يد مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية عام 2026، والشخص السابع والثلاثين منذ حرب أكتوبر على قطاع غزة.

وقالت «تايمز أوف إسرائيل» إن هجمات المستوطنين تقع بشكل شبه يومي دون رادع إلى حد كبير.

وتعدّ الملاحقات القضائية للمتطرفين اليهود نادرة، والإدانات أكثر ندرة. ويتهم منتقدون الحكومة، التي توصف بأنها الأكثر تشدداً في تاريخ إسرائيل، بتجاهل هذه الهجمات.

وأظهرت بيانات نشرها الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك) الشهر الماضي ارتفاعاً بنسبة 27 في المائة في هجمات المستوطنين عام 2025 مقارنة بالعام السابق.

وبالإضافة إلى هذا، شهد عام 2025 زيادة في عدد الحوادث الخطيرة، بما في ذلك إطلاق النار والحرق العمد وغيرهما من الجرائم العنيفة؛ حيث سُجل 128 حادثاً في العام الماضي، مقارنة مع 83 في العام السابق له، و54 في عام 2023.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended