ألمانيا أمام أزمة تشكيل حكومة

تخوف من انتخابات جديدة بعد انفراط «مباحثات جامايكا»... وتزايد الحديث عن بداية نهاية ميركل

ألمانيا أمام أزمة تشكيل حكومة
TT

ألمانيا أمام أزمة تشكيل حكومة

ألمانيا أمام أزمة تشكيل حكومة

كانت عقارب الساعة تقترب من منتصف الليل في العاصمة الألمانية برلين. في الخارج كانت درجات الحرارة يوم الأحد الماضي تلامس الصفر. وأمام مقر مباحثات الأحزاب الألمانية المجتمعة منذ الصباح للتشاور حول تشكيل حكومة، كان الصحافيون متجمعين. هم أيضاً جاءوا باكراً، وانتظروا طويلاً خروج متحدث ليعلن النجاح بتشكيل الحكومة. كان الملل والتشاؤم قد بدأ يتآكلهم. ونحو الساعة الثامنة مساء فُرشت أمامهم المشروبات الباردة، ولم تكن كافية لإبعاد الشعور بالتشاؤم.. ولكن داخل القاعة كانت المباحثات حامية.
المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي تقود حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي بدت منزعجة. وبنبرة جامدة، توجهت إلى كريستيان ليندنر، رئيس الحزب الديمقراطي الحر، وقالت - حسب ما نقلته مجلة «دير شبيغل» -: «لا يمكن القول ببساطة إن الأمر لا يسير إلى الأمام. علينا أن نحدد لماذا لا تسير الأمور». وأضافت وهي تنظر إلى ليندنر وتسأل بأسلوب المواجهة: «ما هو السبب إذاً؟»، فردّ الرجل قائلاً: «لا أرى أين يمكن تطبيق المبادئ الأساسية للابتكار والتنافس والتطوير في (ائتلاف جامايكا)».
تبادل الزعيمان الكلام لدقائق قبل أن تنظر ميركل فجأة إلى هاتفها. كانت تقرأ بياناً وصلها أصدره الحزب الديمقراطي الحر أعلن فيه فشل المباحثات لتشكيل حكومة ائتلافية. كانت الساعة تشير إلى الساعة 11:26 قبل منتصف الليل. وبذا انتهى «حلم جامايكا»، كما باتت تعرف الحكومة الألمانية التي كانت ستبصر النور بسبب تشابه ألوان الأحزاب المتفاوضة مع ألوان علم جامايكا (الأسود والأصفر والأخضر) - بعد شهرين من البحث والمساومات عقب صدور نتائج منذ الانتخابات البرلمانية.
شكل انهيار مباحثات تشكيل حكومة ائتلافية في ألمانيا يوم الأحد الماضي مفاجأة، ليس للناخبين الألمان فقط، بل للأحزاب نفسها المشاركة في تلك المباحثات. وعندما خرج كريستيان ليندنر، رئيس الحزب الديمقراطي الحر (شعاره اللون الأصفر) من القاعة ليقرأ بيان الانسحاب من المشاورات، بقي ممثلو حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (شعاره اللون الأسود)، الذي تقوده المستشارة أنجيلا ميركل وحليفه البافاري الحزب الاجتماعي المسيحي، وممثلو «حزب الخضر» (شعاره اللون الأخضر)، في الداخل يستمعون إلى كلمته وهو يعلن: «أفضل لنا ألا نحكم من أن نحكم بشكل سيئ». ووفق المصادر الصحافية كان الشعور بالأسف طاغياً، وحسب تعبير «دير شبيغل» كان هناك «الكثير من هزّ الرؤوس».

أسباب الفشل
هذا الشعور بالأسف لانهيار المفاوضات، كان سبقه ترويج، على الأقل من قبل الأحزاب الثلاثة الأخرى، بأن تقدماً ما جرى في الأيام الأخيرة، وتحدث البعض حتى عن إيجاد «أرضية مشتركة» لبناء التحالف. فـ«حزب الخُضر» البيئي اليساري كان قدّم تنازلات في القضايا الشائكة التي كانت تشكل عقبات أمام تشكيل الحكومة، خصوصاً في قضايا الطاقة والبيئة والهجرة. بل إنه قدم تنازلات في قضية حق اللاجئين السوريين بلمّ الشمل، أي جلب عائلاتهم إلى ألمانيا، علماً أن «الخضر» من أكثر الأحزاب دعما لقضية لم الشمل. ولكن في المقابل، تمسك الحزب الديمقراطي الحر، الليبرالي الوسطي المؤيد لمجتمع الأعمال، بسياساته حول ضرورة وقف برنامج لم الشمل رابطاً معارضته بأسباب اقتصادية، ريثما يتم إيجاد سياسة اقتصادية لاستيعاب اللاجئين السوريين والاستفادة منهم. كذلك أصر على رفض تقديم أي تنازلات في ما يتعلق بالسياسة النقدية لليورو.
وفي النهاية قد تكون الخلافات الآيديولوجية العميقة بين «الخُضر» و«الديمقراطيين الأحرار» حول معظم القضايا هي ما أفشلت المفاوضات، وليست قضية واحدة بالتحديد. غير أن المؤكد أن هذه الخلافات والاختلافات أدخلت ألمانيا إلى منطقة لم تختبرها من قبل؛ فهي ليست معتادة على الاضطراب السياسي. وأيضاً، أوروبا ليس معتادة أن تكون ألمانيا بعيدة عن الاستقرار. ولكن حالة الغموض والارتباك التي أنتجتها الانتخابات بنهاية سبتمبر (أيلول) الماضي، طالت. ويبدو أنها لن تنتهي قريباً.

الارتباك السياسي
وحقاً، منذ أيام تعيش الساحة السياسية في ألمانيا تفاقم الفوضى والارتباك. ورئيس الجمهورية فرانك فالتر شتاينماير - الذي ينتمي إلى الحزب الديمقراطي الاشتراكي - رأى أن انهيار المفاوضات زجّ بألمانيا «في موقف لم تشهده من قبل». وهو الآن من موقعه الذي يشمل الإشراف على تشكيل الحكومة، يحاول جاهداً إنقاذ الموقف من دون اللجوء إلى انتخابات جديدة، تكلف الخزينة وتزعج الناخبين، والأسوأ أنها قد لا تأتي بأي نتائج مختلفة.
شتاينماير عبّر عن موقفه بوضوح من الدعوة لانتخابات جديدة، فقال خلال مؤتمر صحافي عقده بعد يوم من فشل المفاوضات لتشكيل ائتلاف حكومي: «لا نستطيع تمرير المسؤولية إلى الناخب بهذه البساطة». وأردف أنه يتوجب على الأحزاب كلها أن تتوقف وتفكر بمواقفها.
وحقاً حاول شتاينماير إقناع أحزاب «مباحثات جامايكا» بالعودة إلى مائدة التفاوض، واجتمع بهم الثلاثاء الماضي ليحثهم على ذلك، ولكن - كما يبدو - من دون تحقيق أي اختراقات. ومن ثم، كانت خطوته التالية البحث عن إعادة إنتاج الحكومة الحالية، أي ائتلاف الحزبين الكبيرين الديمقراطي المسيحي والديمقراطي الاشتراكي. غير أن هذه مهمة ليست بالسهلة.

الشريك القديم
مارتن شولتز، زعيم الديمقراطيين الاشتراكيين الذين ينتمي الرئيس شتاينماير إليهم، كان قد تعهّد بعد ظهور نتائج الانتخابات، بالجلوس في مقاعد المعارضة ورفض المشاركة في أي حكومة مقبلة. وعلى الرغم من أن حزبه يشارك ميركل في الحكم منذ عام 2013، فإن خسارته 12 في المائة من أصوات الناخبين هذه المرة، دفع بزعيمه إلى التعهد والتكرار بتغيير نهج الحزب، خوفاً من خسائر إضافية في المستقبل. وبعد انهيار «مباحثات جامايكا» بقي شولتز مصراً على موقفه، مشدداً على القول إنه يفضل إجراء انتخابات جديدة على الدخول في مفاوضات لتشكيل حكومة ائتلافية شبيهة بالحكومة الحالية. ولكن بعد مرور أيام معدودة، تغيّرت نبرة شولتز. ونقلت وكالة الأنباء الألمانية، قائلاً إنه يعلم أن المسؤولية الملقاة على كاهل حزبه مسؤولية كبيرة، بعد قوله: «في الأيام والأسابيع المقبلة، سنجد حلاً جيداً لبلدنا».
هنا، ثمة مَن يشير إلى أن الانقسامات داخل حزب شولتز لم تساعده على التمسك بموقفه الرافض للتفاوض على العودة إلى الحكومة. وفي اجتماع لكتلة الحزب الديمقراطي الاشتراكي النيابية يوم الاثنين، أي في اليوم الذي تلا انهيار المباحثات، طرح عشرات من النواب الاشتراكيين تساؤلات حول صحة قرار زعيمهم برفض الدخول في مفاوضات تشكيل الحكومة، بحسب تقارير نقلتها صحف ألمانية عن مسؤول بارز في الحزب.

«شبح» اليمين المتطرف
كان منطق النواب الاشتراكيين المؤيدين للمشاركة بمباحثات تشكيل الحكومة أن الدعوة لانتخابات جديدة وعجز الأحزاب الرئيسية عن تشكيل الحكومة، سيؤديان إلى إضافة مكاسب لليمين المتطرف، الذي دخل مجلس النواب الألماني (البوندستاغ) للمرة الأولى، وبات يملك ثالث أكبر كتلة برلمانية إثر حصوله على 13 في المائة من الأصوات، ثم إن أحد النواب نقل لشولتز مخاوفه من أن ينتهي الاشتراكيون بنتيجة أسوأ حتى من التي سجلوها في حال الدعوة لانتخابات جديدة العام المقبل.
في المقابل، يرى رافضو الدخول المباحثات، وبينهم شولتز، أن نتائج الانتخابات الأخيرة كانت رسالة لرفض الائتلاف الذي حكم طوال السنوات الأربع الماضية. ويعتبرون أن الجلوس في مقاعد المعارضة هي الطريقة الوحيد لإعادة ترميم صورة الحزب بعدما مني بأكبر هزيمة في تاريخه.
وأمام هذا التخبط داخل الحزب الديمقراطي الاشتراكي، وعجز الرئيس شتاينماير عن إقناع أحزاب «مباحثات جامايكا» على العودة للتفاوض، عقد شتاينماير لقاءً مطولاً مع شولتز مساء الخميس الماضي، ولم يرشح لتاريخه كثير عن اللقاء. ولكن، في أي حال، تحدثت الصحافة الألمانية قبل اللقاء عن ضغوط سيمارسها الرئيس على الزعيم الاشتراكي لحثه على التفاوض مع ميركل. وتحدثت الصحف عن أن مقاومة شولتز لذلك قد تعني نهايته. وتابعت أن الحزب قد يصوّت لإزاحة شولتز عن زعامته في اجتماع من المقرّر عقده بعد أسبوعين، معددة أسماء محتملة لمن قد يخلفه، وكلهم مثل شتاينماير من مؤيدي التفاوض مع المستشارة الحالية.
ولكن، في المقابل، قد يكون أمام شولتز خيار آخر غير الدخول في الحكومة، يمكنه من إنقاذ منصبه والحفاظ على موقفه، وهو خيار دعم حكومة أقلية ترأسها ميركل بمشاركة حزب صغير، قد يكون «حزب الخضر» (حليف الاشتراكيين السابق)، يقرّر بذلك أية سياسات يريد دعمها، وتلك التي يريد معارضتها.
ونقلت صحيفة «بلومبيرغ» عن شخص مقرّب من شولتز قوله إن الأخير «مستعد لبدء مباحثات مع ميركل ولدعمها في حكومة أقلية، إلا أنه لن يقبل المشاركة في ائتلاف موسّع كما هو حاصل الآن». من جهتها، المستشارة ميركل لا تحبذ حكومة أقلية، بل تفضل إجراء انتخابات جديدة. ولقد قالت بعد يوم من فشلت مباحثاتها مع الأحزاب الثلاثة الصغيرة، إنها «حذرة» من فكرة قيادة حكومة أقلية ستكون ضعيفة ومقيدة بتأييد أحزاب معارضة لها داخل «البوندستاغ» لتمرير مشاريعها.
وأضافت ميركل في مقابلة مع القناة الألمانية «آي آر دي»، موضحة: «طريق تشكيل حكومة يبدو أصعب بكثير مما تمنّيت. وإجراء انتخابات جديدة هو الطريق الأفضل برأيي، لأن حكومة أقلية ليست من ضمن مخططاتي». ولدى سؤالها عما إذا كانت تتخوف من خسارة المزيد من المقاعد إذا ما أُجرِيَت انتخابات جديدة، أجابت بهدوء وثقة: «أنا في الحقيقة لا أخاف من شيء».

فترة الانتظار
في مطلق الأحوال أمام ألمانيا الآن بضعة أسابيع لتقرر ما إذا كانت ستتمكن من تشكيل حكومة جديدة، أو الذهاب إلى انتخابات العام المقبل، على الأرجح بين فبراير (شباط) وأبريل (نيسان) المقبلين. ولكن الخيار الأخير قد يعني أن ألمانيا مرشحة لفترة اضطراب تقود خلالها البلاد «حكومة تصريف أعمال»، ستطول فترتها ربما حتى بداية الصيف، وهو تاريخ الاتفاق على تشكيل حكومة.
هذه فكرة، رغم أن معظم الأحزاب تحاول تفاديها، تجذب حزباً واحداً بشكل خاص... هو حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف؛ فالحزب الذي دخل «البوندستاغ» أخيراً للمرة الأولى حاصلاً على 13 في المائة من الأصوات، يطمع بتحقيق مكاسب إضافية في جولة انتخابية جديدة. وفي حديث لصحيفة «الإندبندنت» البريطانية.
قال مدير حملة الحزب اليميني المتطرف في برلين، بعد فشل مباحثات ميركل مع الديمقراطيين الأحرار و«الخُضر»: «ميركل قد تعتقد أن هذا البلد عاجز على السير من دونها، ولكن هذه لحظة تاريخية وعليها تمرير العصا لغيرها».
وأضاف المتحدث باسم الحزب الذي يدعو لإعادة مليون ونصف مليون لاجئ سوري إلى بلادهم، أنه يرحب بانتخابات جديدة «إذا كانت الطريقة الوحيدة للتخلص من ميركل».
ما إذا سينجح بتحقيق ذلك، أمر مستبعد، ولكن الانتخابات الجديدة إذا ما أُجرِيَت قد لا تحقق نتائج شديدة الاختلاف بالنسبة لميركل. وهو أمر دفع البعض بالحديث عن قرب نهاية مشوار المستشارة الألمانية بعد 12 سنة أمضتها في الحكم.

بداية النهاية
وفي هذا السياق، كتبت مجلة «إيكونوميست» البريطانية: «تقول ميركل إنها ستترشح مجدداً، إذا ما دُعِي لانتخابات جديدة. ومن المستبعد أن تواجه تحدياً على زعامة الحزب (الاتحاد الديمقراطي المسيحي) في الوقت الحالي. ولكن النتائج المتواضعة التي حققتها في هذه الانتخابات، وما تبعها من فشل في المشاورات لتشكيل ائتلاف حكومي، أعطاها شعوراً بأن وضعها ما عاد مستقراً. وبغض النظر عن أي قرار تختار؛ فهي ستكون قد دخلت الفصل الأخير من عملها السياسي». وذهب جوزيف جوفي، رئيس تحرير صحيفة «دي زيت» الألمانية، أبعد من ذلك إذ قال: «الأحد الأسود، اليوم الذي انهارت فيه مباحثات الائتلاف، قد تسجل في التاريخ على أنها بداية نهاية أنجيلا».
ولكن حتى أمثال هؤلاء يعربون عن اعتقادهم بأن ميركل ستتخطى أزمتها هذه، وقد تنجح حتى بإقناع الحزب الديمقراطي الاشتراكي بالدخول معها في حكومة ائتلافية للمرة الثالثة تمكنها من الحكم بثبات، وتقود بلادها لفترة رابعة... قد تكون الأخيرة.

الأحزاب الألمانية الممثلة في مجلس النواب
> الاتحاد المسيحي الديمقراطي: زعيمته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. فاز في الانتخابات الأخيرة بـ200 مقعد (أقل بـ55 مقعداً عن انتخابات عام 2013) من أصل 709 في مجلس النواب الاتحادي (البوندستاغ)، فاحتفظ بأكبر كتلة نيابية ولكن من دون أن يحصل على الغالبية المطلقة التي تخوله الحكم منفرداً. الحزب يعتبر من الأحزاب اليمينية الوسطية - المعتدلة. وهو يقود الائتلاف الحاكم منذ 12 سنة. وكان قرار ميركل السماح لمليون ونصف مليون لاجئ سوري بالدخول إلى ألمانيا عام 2015 قد أثار صدمة لدى الكثير من المحافظين داخل حزبها.
> الحزب الديمقراطي الاشتراكي (أو الحزب الديمقراطي الاجتماعي): زعيمه مارتن شولتز. فاز بـ153 مقعدا في «البوندستاغ» (أقل بـ40 مقعدا عن عام 2013). يملك ثاني أكبر كتلة برلمانية، وهو شريك في الحكم في الحكومة الائتلافية الحالية. ويُعد من أحزاب اليسار الوسط، آخر مستشار للبلاد من الحزب كان غيرهارد شرويدر، الذي بقي في منصبه بين 1998 و2005. شارك الحزب لمدة 34 سنة بالحكومات، ولمدة 21 سنة كان منصب المستشارية من نصيبه.
> حزب البديل لألمانيا: زعيمه يورغ مويتن. فاز بـ94 مقعدا في «البوندستاغ» الذي يدخله للمرة الأولى. يعد من أحزاب اليمين المتطرف، وأُسس عام 2014. تقوم أفكاره على معاداة اللاجئين والمهاجرين، وهو يدعو لإعادة مليون ونصف مليون لاجئ سوري إلى سوريا بعدما سمحت ميركل بدخولهم إلى ألمانيا. تتركز قاعدته الشعبية في مناطق شرق ألمانيا. ويرفض هذا الحزب أيضاً أن يكون الإسلام جزءاً من المجتمع الألماني، كما أنه مناهض للاتحاد الأوروبي ورحب بقرار بريطانيا الخروج منه.
> الحزب الديمقراطي الحرّ: زعيمه كريستيان ليندنر. عاد هذا الحزب إلى «البوندستاغ» بـ80 مقعداً بعد غيبته عنه 4 سنوات. يعتبر حزبا ليبرالياً وسطياً. معظم ناخبيه الحزب من أصحاب الأعمال الحرة. شارك الحزب الديمقراطي الحر كشريك ائتلافي صغير في كل الحكومات بعد الحرب حتى عام 2013، أحياناً مع الديمقراطيين المسيحيين وأحياناً أخرى مع الديمقراطيين الاشتراكيين.
> حزب اليسار: يتزعمه كاتيا كيبينغ وبيرند ريكسينغر. فاز بـ69 مقعدا في «البوندستاغ» (بزيادة 5 مقاعد عن عام 2013). أسس رسمياً عام 2007، إلا أنه فعلياً أسس على أنقاض الحزب الشيوعي الحاكم في ألمانيا الشرقية سابقاً. هو الحزب الوحيد الذي يرفض أي مشاركة للجيش الألماني في الخارج. ويطالب بحل حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ورفع الحد الأدنى من الأجور في ألمانيا.
> حزب الخُضر: تتزعمه سيمون بيتر. فاز بـ67 مقعدا في «البوندستاغ» (بزيادة 4 مقاعد عن عام 2013). نشأ الحزب من حركات احتجاجية ظهرت في الثمانينات، كانت على رأس أهدافها رفض استعمال الطاقة النووية وضرورة الحفاظ على البيئة. وهو حالياً يدافع عن حق لَمّ شمل عائلات اللاجئين السوريين الذين دخلوا ألمانيا عام 2015.
> الاتحاد الاجتماعي المسيحي في بافاريا: يتزعمه هورست زيهوفر. فاز بـ46 مقعداً في «البوندستاغ» (أقل بـ10 مقاعد من عام 2013). يشكّل مع الاتحاد الديمقراطي المسيحي الديمقراطي بزعامة ميركل كتلة نيابية موحّدة. ولا ينافس حزب ميركل في ولاية بافاريا، بينما لا ينافس حزب زيهوفر في أي ولاية ألمانية أخرى. يعد من الأحزاب اليمينية المحافظة، ويحمل تقريباً أفكار الديمقراطيين المسيحيين نفسها.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.