آلات تستنبط حلولاً ونظم ذكاء صناعي لمدن المستقبل

برامج وتصاميم للنقل فائق السرعة وطابعات تجسيمية لإنتاج أعضاء بديلة

تسهم تقنيات التصاميم الحديثة في طباعة الأطراف البديلة بتكلفة منخفضة
تسهم تقنيات التصاميم الحديثة في طباعة الأطراف البديلة بتكلفة منخفضة
TT

آلات تستنبط حلولاً ونظم ذكاء صناعي لمدن المستقبل

تسهم تقنيات التصاميم الحديثة في طباعة الأطراف البديلة بتكلفة منخفضة
تسهم تقنيات التصاميم الحديثة في طباعة الأطراف البديلة بتكلفة منخفضة

يمر العالم بثورة صناعية حديثة تتمثل في استخدام أحدث التقنيات لتسريع العمل وخفض الزمن اللازم لتنفيذ المشاريع الصناعية والسكنية والصحية والترفيهية ونظم النقل بشكل كبير. وتعتمد هذه التقنيات في جوهرها على القدرات الهائلة للحوسبة السحابية والذكاء الصناعي وتقنيات تعلم الآلات واستنباط الحلول المناسبة لكل حالة، وبالاحتياجات المناسبة لكل مشروع. ويستعرض مؤتمر «جامعة أوتوديسك» Autodesk University تلك التقنيات، وهو ملتقى لأكثر من 10 آلاف زائر وخبير يحضرون ويشاركون في جلسات تعليمية في هذه القطاعات. وحضرت «الشرق الأوسط» المؤتمر في مدينة لاس فيغاس الأميركية في الفترة الممتدة بين 14 و16 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي.
تقنيات حديثة
تركز تقنيات التصاميم الجديدة على العالم التقني بشكل كبير، خصوصاً تقنية إنترنت الأشياء الصناعية Industrial Internet of Things IIoT. وتحدثت «الشرق الأوسط» حصرياً مع «ثيو أغيلوبولوس»، مدير قطاع صناعة البنية التحتية واستراتيجيات الأعمال في شركة «أوتوديسك»، حيث قال إن المدن الجديدة في العالم، ومن بينها مدينة «نيوم» في السعودية، مثال على التقدم التقني في البنية التحتية، وإنه بالإمكان التخطيط بكفاءة عالية لتلك المدن في مجالات رفع كفاءة العمل للمباني والشركات والمصانع والطرق والشبكات الكهربائية، وحتى مستشعرات إنترنت الأشياء لقياس العلامات المختلفة وتحليل بياناتها، مثل حركة المرور ونسبة ثاني أكسيد الكربون في الهواء ونسب الرطوبة والضغط الجوي وكثافة الحركة على الجسور، وغيرها. ويمكن بعد ذلك تبني استراتيجيات مختلفة اعتماداً على تحليل البيانات الناجمة. كما يجب التركيز على وصل المدن من خلال المراكز الرئيسية العالمية Hub التي تقوم العديد من الشركات بتطويرها، مثل مشروع قطار Hyperloop الذي تصل سرعته إلى 1200 كيلومتر في الساعة (أسرع من شبكات نقل القطارات والطائرات)، والذي يتوقع أن يربط المدن الرئيسية حول العالم لتسريع نقل الركاب والبضائع في المستقبل القريب. وأضاف أنه يمكن للدول الأفريقية الاستفادة من تقنيات التصاميم الصناعية الحديثة لتطوير بنية تحتية صلبة ومستدامة في ظل التحديات الجغرافية والمناخية والاقتصادية.
واستعرضت «أوتوديسك» كيفية تسخير تقنيات الذكاء الصناعي في قطاع رسومات الترفيه (مثل الأفلام السينمائية والألعاب الإلكترونية)، بحيث يستطيع الذكاء الصناعي التعرف على مصادر الضوء وكيفية مروره عبر الأجسام شبه الشفافة وأثر خروجه منها وأثر انعكاسه عن الأسطح المختلفة، وفي أقل من ثانية واحدة مقارنة بحاجة برامج الرسومات الاحترافية إلى عدة ثوانٍ لتحليل كل صورة، وبمعدل 24 صورة في الثانية، لتفتح هذه التقنية أبواب تسريع الأعمال بأضعاف كبيرة، وبالتالي الحصول على جودة رسومات أعلى في قطاع الترفيه التصويري.
وكشفت الشركة كذلك أنه يمكن لأي شركة من أي حجم استخدام منصتها الجديدة «فورج» Forge في شتي قطاعات الصناعات والبناء لتسهيل العمليات، وهي تعتبر نقلة ثورية للمهندسين، ذلك أنها تستخدم تقنيات الحوسبة السحابية الهائلة لتسريع العمل وخفض النفقات ومعالجة البيانات الضخمة بكل سلاسة. كما يمكن للمطورين استخدام خدمة «دروبوكس» السحابية لمشاركة ملفات DWG الخاصة بالتصاميم الهندسية، ومعاينتها دون تحميلها على أجهزتهم، علماً بأن معدل رفع ملفات DWG يبلغ حالياً 2100 تصميم في كل دقيقة، مع وجود أكثر من مليار ونصف المليار ملف على الخدمة، الأمر الذي يدل على التبني الواسع لتقنيات مشاركة الملفات والعمل الجماعي عليها مع فرق من مختلف المدن حول العالم. وتهدف هذه العملية إلى تسريع زمن تطوير المشاريع وخفض التكاليف المرتبطة على الشركات المطورة وعلى أصحاب المنازل والمصانع والمستخدمين، وهي تعتبر محوراً بالغ الأهمية للثورة الصناعية الجديدة في القرن الـ21.
طباعة تجسيمية
وبالنسبة إلى الأطراف الصناعية، فهناك برامج متخصصة في هذا القطاع (مثل Autodesk Forge وAutodesk Fusion 360) تستخدم أدوات تقيس أبعاد الذراع السليمة للمستخدم وتطبع الذراع الأخرى آلياً خلال 6 ساعات فقط، مع إمكانية مطابقة لون الذراع الجديدة للون بشرة المستخدم. ومن شأن هذه التقنية تقديم نماذج رقمية ثلاثية الأبعاد للطبيب لمعاينتها والتأكد منها قبل البدء بالطباعة، مع إمكانية تخصيصها وتعديلها وفقاً للرغبة، وبجودة عالية جداً. هذه العملية بالغة الأهمية لمن يحتاجون إلى أطراف صناعية بتكلفة منخفضة، خصوصاً الأطفال الذين يحتاجون إلى عدة أطراف تتماشى مع فترة نموهم وتغير أبعاد الأطراف السليمة. وأكدت الشركة أن هناك مجموعات غير حكومية متخصصة تستخدم هذه التقنية لتقديم المساعدة في سوريا والعراق والدول التي تعاني من الحروب. ويستطيع ما نسبته أقل من 5 في المائة ممن يحتاجون إلى أطراف صناعية الوصول إلى مراكز طبية لتقديم المعونة لهم، مع ارتفاع تكلفة صناعة الأطراف التي تستغرق وقتاً كبيراً لإعدادها.
ومن جهتها كشفت شركة «إتش بي» HP عن تطويرها أول طابعة تجسيمية 3D Printer في العالم تستطيع الطباعة على المعادن المختلفة، والتي ستُطلق خلال عام 2018، وذلك لنقل الطباعة ثلاثية الأبعاد من مرحلة الطباعة البلاستيكية إلى المعدنية، الأمر الذي من شأنه فتح آفاق جديدة وكبيرة لطباعة القطع البديلة للآلات والصناعة المنزلية لرواد الأعمال والشركات الصغيرة.
مدن ومجتمعات المستقبل
واستعرض جيف كوالسكي، مدير التقنيات في الشركة، في لقاء مع «الشرق الأوسط» قدرة تقنية التصاميم التوليدية (Generative Design) على تطوير قطاع التصاميم بشكل ثوري، بحيث يمكن تقديم مشكلة ما للتقنية التي تعتمد على مبدأ تعلم الآلات (Machine Learning) لإيجاد حل مناسب. ويمكن بهذه الطريقة طلب إيجاد تصميم ما لمنتج أو مصنع أو مبنى، ليوجِد النظام أعداداً كبيرة من التصاميم المختلفة التي تلبي الاحتياجات، وتقدم تصاميم تركز على الجودة وأخرى على السرعة وأخرى على خفض التكاليف، وبسرعة كبيرة جداً مقارنةً بتصميمها من قبل البشر. وأكد آندرو أناغنوست، الرئيس التنفيذي للشركة، في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن هذه التقنيات ستستبدل الأعمال التقليدية للبشر، ولكنها لن تجعلهم يجلسون في المنازل، بل ستفسح لهم مجال التركيز على أمور أخرى تحتاج إلى قدراتهم التحليلية وتسخير خبراتهم في المكان الصحيح عوضاً عن أداء الأعمال الروتينية، مع خفض نسبة الخطأ البشري بشكل كبير. كما أكد أننا بحاجة إلى بناء 1000 مبنى يومياً لمدة 33 عاماً مقبلة لملاقاة الطلب المتزايد لسكان الكوكب الذين سيصل عددهم إلى 10 مليارات بحلول عام 2050. وهذا الأمر غير ممكن في ظل تقنيات البناء الحالية. واستعرضت إحدى الشركات الأوروبية قدرتها على تسريع زمن تصاميم المباني وتنفيذها من أشهر إلى 3 أيام فقط، وذلك بالاستفادة من تقنية التصاميم التوليدية المتقدمة. وتستطيع هذه الشركة صناعة أجزاء متعددة من الوحدات السكنية بشكل مختلف بعضها عن بعض حتى لا تكون المنازل متشابهة، ويكفي تركيب بعضها مع بعض للحصول على المنزل بسرعة كبيرة، مع إمكانية توسعة المنزل في وقت لاحق دون هدم أي جدار، وذلك بإضافة المزيد من الوحدات، وبالتالي خفض نفايات البناء التي تصل إلى 300 مليون طن سنوياً في الولايات المتحدة الأميركية وحدها.
مدينة المريخ
كما استعرضت شركة «أوتودسيك» نموذج مدينة خيالية على كوكب المريخ يستطيع البشر العيش فيها في الظروف الصعبة للكوكب، حيث طلبت من المصممين حول العالم تقديم مقترحاتهم لحل بعض مشكلات الحياة على المريخ، لتختار الشركة مجموعة من التصاميم وتضع حلولهم داخل لعبة واقع افتراضي ستطلقها العام المقبل بهدف تعريف الناس على آفاق السكن في الكواكب المختلفة في المستقبل. وحاضرت مجموعة متنوعة من المصممين حول آفاق تقنيات التصميم الحديثة في خدمة المجتمع، ومن بينها مسؤولة في سجن نسائي في الولايات المتحدة الأميركية طوّرت برنامج تعليم للسجينات لتعليمهن تقنيات التصاميم الحديثة بهدف إعادة تأهيلهن وعدم عودتهن إلى السجن بعد الخروج منه. واستطاعت مجموعة كبيرة من المشاركات افتتاح أعمالهن الخاصة بعد الخروج من السجن في ظل النظرة السلبية نحو كونهن سجينات سابقات وصعوبة الحصول على وظائف في الشركات بسبب ذلك.
كما استعرضت مجموعة من طلبة الجامعات مشروعاً يقومون فيه بالجلوس مع كبرى شركات صناعة المنتجات وتطوير تصاميم تناسب احتياجات تلك الشركات بالتعاقد مع طلاب لديهم مهارات في التصميم الصناعي الحديث، وتطوير تصاميم تلك المنتجات والتعرف على ضرورات قطاع العمل قبل التخرج. واستطاعت هذه المجموعة التعاقد مع شركة «أديداس» لتطوير تصاميم أحذية رياضية عصرية بجودة عالية، لتقوم الشركة الرياضية بتبني تلك التصاميم في منتجاتها.


مقالات ذات صلة

لأول مرة... اتصال ليزري عالي السرعة بين طائرة وقمر اصطناعي في المدار الثابت

تكنولوجيا وصل معدل نقل البيانات في التجربة إلى نحو 2.6 غيغابت في الثانية مع اتصال مستقر خلال تحرك الطائرة (إيرباص للدفاع والفضاء)

لأول مرة... اتصال ليزري عالي السرعة بين طائرة وقمر اصطناعي في المدار الثابت

نجاح تجربة أول اتصال ليزري عالي السرعة بين طائرة وقمر اصطناعي في المدار الثابت، يمهِّد لتطوير شبكات اتصالات فضائية أسرع.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا لم يعد الاحتيال الرقمي حوادث فردية بل تحول إلى منظومة اقتصادية عالمية تتسارع مع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي (غيتي)

تقرير عالمي: 74 % من احتيال الهويّة باتت تعتمد أدوات الذكاء الاصطناعي

يتحول الاحتيال الرقمي إلى منظومة عالمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي مع تضاعف احتيال العملاء، وازدهار أسواق الإنترنت المظلم، وتسارع المدفوعات الرقمية

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد أحد مراكز البيانات التابعة لـ«أمازون ويب سيرفسز» (الشركة)

ماذا يعني تعطل خدمات «أمازون» في الإمارات والبحرين؟

تعطل خدمات «أمازون ويب سيرفسز» في الإمارات والبحرين يوقف الأنشطة المرتبطة بهذه المراكز في المنطقة، ويؤثر على استمرارية عمل الشركات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا تقترح دراسة من جامعة واترلو إدماج عناصر من الحكمة البشرية في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي (بيكسلز)

دراسة تسأل: هل يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى «الحكمة» ليصبح أكثر موثوقية؟

يقترح باحثون تطوير ذكاء اصطناعي أكثر حكمة عبر إدماج «الميتامعرفة» والتواضع المعرفي وفهم السياق لتحسين قرارات الأنظمة في البيئات المعقدة

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يعتمد الجهاز على شاشة ثانية قابلة للفصل ومنافذ قابلة للاستبدال ولوحة مفاتيح منفصلة لتوفير مرونة في بيئات العمل المختلفة (لينوفو)

مفهوم حاسوب محمول قابل لإعادة التشكيل وفق بيئة العمل من «لينوفو»

نموذج مفاهيمي يتحدى التصميم الثابت التقليدي لأجهزة الكمبيوتر المحمولة الحديثة

نسيم رمضان (لندن)

لأول مرة... اتصال ليزري عالي السرعة بين طائرة وقمر اصطناعي في المدار الثابت

وصل معدل نقل البيانات في التجربة إلى نحو 2.6 غيغابت في الثانية مع اتصال مستقر خلال تحرك الطائرة (إيرباص للدفاع والفضاء)
وصل معدل نقل البيانات في التجربة إلى نحو 2.6 غيغابت في الثانية مع اتصال مستقر خلال تحرك الطائرة (إيرباص للدفاع والفضاء)
TT

لأول مرة... اتصال ليزري عالي السرعة بين طائرة وقمر اصطناعي في المدار الثابت

وصل معدل نقل البيانات في التجربة إلى نحو 2.6 غيغابت في الثانية مع اتصال مستقر خلال تحرك الطائرة (إيرباص للدفاع والفضاء)
وصل معدل نقل البيانات في التجربة إلى نحو 2.6 غيغابت في الثانية مع اتصال مستقر خلال تحرك الطائرة (إيرباص للدفاع والفضاء)

أظهرت تجربة حديثة أجراها باحثون أوروبيون أنَّ الاتصالات المعتمدة على الليزر قد تفتح آفاقاً جديدة لتوسيع نطاق الاتصال عالي السرعة بين الطائرات وشبكات الأقمار الاصطناعية، ما قد يغيِّر طريقة اتصال المنصات المتحركة بالإنترنت في المستقبل.

وخلال التجربة، نجح الباحثون في إنشاء رابط بصري عالي السعة بين طائرة تحلق في الجو وقمر اصطناعي في مدار ثابت بالنسبة للأرض. وقد أُجري الاختبار بالتعاون بين وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) وشركة «إيرباص للدفاع والفضاء» وعدد من الشركاء البحثيين. وفي أثناء رحلة تجريبية في جنوب فرنسا، زُوّدت الطائرة بمحطة اتصال ليزرية من طراز «UltraAir» طوَّرتها «إيرباص»، وتمكَّنت من الاتصال بقمر «Alphasat TDP-1» الموجود على ارتفاع يقارب 36 ألف كيلومتر فوق سطح الأرض.

خطوة مهمة في الاتصالات البصرية الفضائية

تمكَّن الرابط من نقل البيانات بسرعة وصلت إلى نحو 2.6 غيغابت في الثانية، مع الحفاظ على اتصال خالٍ من الأخطاء لدقائق عدة في أثناء تحرك الطائرة. وبمثل هذه السرعات يمكن نقل ملفات بيانات كبيرة أو فيديو عالي الدقة خلال ثوانٍ. وتعتمد هذه التقنية على إرسال البيانات عبر شعاع ليزر ضيق بدلاً من استخدام موجات الراديو التقليدية التي تعتمد عليها غالبية أنظمة الاتصالات الفضائية الحالية. وتتيح الاتصالات البصرية نقل كميات أكبر من البيانات، كما يصعب اعتراضها أو التشويش عليها؛ بسبب تركيز الشعاع بشكل أكبر مقارنة بالإشارات الراديوية. ويرى الباحثون أن هذه التجربة تمثل خطوةً مهمةً نحو تطوير شبكات اتصالات فضائية ذات سعة أكبر ومستويات أمان أعلى، في وقت يزداد فيه الطلب العالمي على عرض النطاق الترددي، بينما تصبح الموارد المتاحة من الطيف الراديوي أكثر ازدحاماً.

تحديات الربط بين منصات متحركة

إن إنشاء اتصال ليزري بين محطات ثابتة على الأرض يمثل تحدياً بحد ذاته، لكن ربط طائرة متحركة بقمر اصطناعي يبعد آلاف الكيلومترات يضيف مستوى آخر من التعقيد التقني. فالطائرات تتعرَّض باستمرار للاهتزازات والاضطرابات الجوية وتغيرات الاتجاه، وهي عوامل قد تؤثر في دقة توجيه الشعاع الليزري. كما يمكن أن تؤثر الظروف الجوية مثل الغيوم أو التغيرات الحرارية في الغلاف الجوي على جودة الإشارة. وللحفاظ على الاتصال، يتعيَّن على محطة الاتصال المثبتة على الطائرة تعقب القمر الاصطناعي باستمرار وتعديل اتجاه الشعاع الليزري بدقة عالية جداً لتعويض حركة الطائرة وتأثيرات البيئة المحيطة.

تعتمد التقنية على أشعة الليزر بدلاً من موجات الراديو ما يتيح نقل بيانات أكبر ويزيد من صعوبة اعتراض الإشارة (إيرباص للدفاع والفضاء)

استخدامات محتملة تتجاوز الطيران

ورغم أن التجربة ركزت على اتصال الطائرات بالأقمار الاصطناعية، فإنَّ هذه التقنية قد تجد تطبيقات أوسع في المستقبل. إذ يمكن أن توفر اتصالات إنترنت عالية السرعة للطائرات والسفن والمركبات العاملة في مناطق نائية لا تصلها شبكات الاتصالات الأرضية. كما يمكن أن تلعب دوراً في بنى الاتصالات الفضائية المستقبلية التي تربط بين الأقمار الاصطناعية والمنصات الجوية والأنظمة الأرضية ضمن شبكات مترابطة. وقد تتيح هذه الروابط اتصالات أسرع وأقل زمناً للتأخير مقارنة ببعض الأنظمة الفضائية الحالية. ومن مزايا الاتصالات الليزرية أيضاً أن حزمها الضوئية الضيقة تجعلها أكثر أماناً نسبياً من الإشارات الراديوية التقليدية، وهو ما قد يجعلها مناسبة لبعض التطبيقات التي تتطلب مستويات عالية من الحماية.

جزء من تحول أوسع في شبكات الفضاء

يأتي هذا التطور ضمن توجه أوسع نحو استخدام الاتصالات البصرية في شبكات الأقمار الاصطناعية المستقبلية. فعدد من وكالات الفضاء والشركات التجارية يدرس بالفعل استخدام الروابط الليزرية لزيادة قدرة نقل البيانات بين الأقمار الاصطناعية أو بينها وبين المحطات الأرضية. وقد جرى اختبار هذه التقنية في روابط بين الأقمار الاصطناعية وفي بعض المهمات الفضائية التجريبية، حيث تسمح أشعة الليزر بنقل بيانات بكميات أكبر بكثير مقارنة بالأنظمة الراديوية التقليدية. وتُظهر التجربة الجديدة أن مثل هذه الروابط يمكن أن تعمل أيضاً عندما يكون أحد طرفَي الاتصال منصة متحركة بسرعة في الغلاف الجوي.

نحو اتصال دائم للمنصات المتحركة

يرى الباحثون أن هذا الإنجاز يمثل خطوةً أولى نحو دمج الطائرات والمنصات المتحركة الأخرى في شبكات اتصالات فضائية عالية السعة. وإذا تمَّ تطوير هذه التقنية إلى أنظمة تشغيلية، فقد تتيح توفير اتصال إنترنت سريع وموثوق في أماكن يصعب فيها الاعتماد على البنية التحتية الأرضية. وسيتركز العمل في المراحل المقبلة على تطوير التقنية ودمجها ضمن معماريات اتصالات أوسع تربط الأقمار الاصطناعية والطائرات والمنصات المرتفعة في شبكات متكاملة قادرة على نقل البيانات بسرعة وأمان عبر مسافات كبيرة.

ورغم أن هذه التقنية لا تزال في مراحلها التجريبية، فإن التجربة تشير إلى أن الاتصالات البصرية قد تصبح عنصراً مهماً في الجيل المقبل من شبكات الاتصال العالمية، حيث يمكن للمنصات المتحركة الاتصال مباشرة بالبنية التحتية الفضائية عالية السعة.


تقرير عالمي: 74 % من احتيال الهويّة باتت تعتمد أدوات الذكاء الاصطناعي

لم يعد الاحتيال الرقمي حوادث فردية بل تحول إلى منظومة اقتصادية عالمية تتسارع مع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي (غيتي)
لم يعد الاحتيال الرقمي حوادث فردية بل تحول إلى منظومة اقتصادية عالمية تتسارع مع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي (غيتي)
TT

تقرير عالمي: 74 % من احتيال الهويّة باتت تعتمد أدوات الذكاء الاصطناعي

لم يعد الاحتيال الرقمي حوادث فردية بل تحول إلى منظومة اقتصادية عالمية تتسارع مع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي (غيتي)
لم يعد الاحتيال الرقمي حوادث فردية بل تحول إلى منظومة اقتصادية عالمية تتسارع مع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي (غيتي)

لم يعد الاحتيال الرقمي حوادث متفرقة، بل أصبح منظومة صناعية متكاملة، تتسارع، وتيرتها بدعم من الذكاء الاصطناعي. يكشف تقرير «الحالة العالمية للاحتيال، والهوية 2026» الصادر عن «LexisNexis Risk Solutions » أن التحول الرقمي الذي سرّع التجارة الرقمية، سرّع في المقابل جرائم الاحتيال المالي، وعلى نطاق واسع.

استند التقرير إلى تحليل أكثر من 103 مليارات معاملة و104 مليارات هجوم نفذه أشخاص فعلياً حول العالم، إضافة إلى استطلاع شمل 1082 من مسؤولي مكافحة الاحتيال. هذا الحجم من البيانات يعكس مدى تغلغل المخاطر الاحتيالية في البنية الرقمية الحديثة.

التهديد الأسرع نمواً

من أبرز نتائج التقرير هو الارتفاع الحاد فيما يُعرف بـ«احتيال الطرف الأول»، أي الاحتيال الذي يرتكبه عملاء حقيقيون ضد المؤسسات التي يتعاملون معها. بات هذا النوع يشكّل 36 في المائة من إجمالي حالات الاحتيال هذا العام، مقارنة بـ15 في المائة فقط في العام السابق. أي إن نسبته تضاعفت أكثر من مرتين خلال 12 شهراً فقط. من حيث الخسائر المالية، يُتوقع أن تصل خسائر احتيال الطرف الأول إلى 3.9 مليار دولار في 2025، لترتفع إلى 4.8 مليار دولار بحلول 2028.

في قطاع التجزئة تحديداً، يُقدّر التقرير أن 15 في المائة من عمليات إرجاع السلع كانت احتيالية العام الماضي، ما كبّد الشركات خسائر بلغت نحو 103 مليارات دولار. وتكشف البيانات أن الظاهرة لا تقتصر على فئة عمرية واحدة. إذ أقرّ 18 في المائة من كبار جيل الألفية و16 في المائة من صغار جيل الألفية و13 في المائة من الجيل «زد» (Z) بممارسات احتيالية من هذا النوع. وتنخفض النسبة إلى 10 في المائة لدى صغار جيل طفرة المواليد، و7 في المائة لدى كبارهم وكبار السن. ويربط التقرير هذا السلوك جزئياً بارتفاع تكاليف المعيشة، والضغوط الاقتصادية.

استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي أصبح جزءاً من نحو 74في المائة من عمليات احتيال الهوية ما يدفع المؤسسات لتطوير أساليب تحقق أكثر تعقيداً (رويترز)

اقتصاد الإنترنت المظلم

إذا كان احتيال الطرف الأول يعكس ضغوطاً داخلية، فإن أسواق الإنترنت المظلم تعكس احترافية تنظيمية خارجية. يشير التقرير إلى رصد 31 سوقاً رئيسة على الإنترنت المظلم منذ 2011، أُغلق العديد منها عبر جهود إنفاذ القانون. لكن كل إغلاق غالباً ما يعقبه ظهور منصات جديدة. تعمل هذه الأسواق بأسلوب يشبه شركات البرمجيات السحابية المشروعة. تُباع حزم الاحتيال الجاهزة بأسعار تتراوح بين 400 و700 دولار، بينما تُعرض خدمات تجاوز «اعرف عميلك» (KYC) بنحو 1000 دولار للحساب الواحد. كما تتوفر حزم هويات اصطناعية، وحسابات مصرفية موثّقة، وبرامج إرشاد وتدريب تساعد المبتدئين على الانخراط في النشاط الاحتيالي بسرعة. وقد سجّلت إحدى هذه الأسواق حجم مبيعات بلغ 12 مليون دولار شهرياً قبل إغلاقها. كما يُقدّر أن أحد أشهر متصفحات الإنترنت المظلم يستقطب 4.6 مليون مستخدم يومياً. بهذا المعنى، أصبح الاحتيال بنية تحتية رقمية قائمة بذاتها، تعمل بنموذج اشتراك عالمي مرن.

انفجار المدفوعات الرقمية

يتسارع التحول نحو المدفوعات الرقمية عالمياً. ويتوقع التقرير أن تمثل المحافظ الرقمية 50 في المائة من معاملات التجارة الإلكترونية بحلول 2026، بينما يُتوقع أن تصل أصول البنوك الرقمية إلى تريليون دولار بحلول 2028.

كما تعيد أنظمة الدفع الفوري مثل «UPI «في الهند و«PIX «في البرازيل تعريف سرعة المعاملات. لكن السرعة تقلّص وقت الاستجابة.

ويقدّر التقرير أن 74 في المائة من حالات احتيال الهوية باتت تتضمن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، سواء في إنشاء هويات اصطناعية، أو صور «سيلفي» مزيفة، أو مستندات مزورة لتجاوز إجراءات التحقق.

بالتالي، أصبح الذكاء الاصطناعي أداة بيد الطرفين: المدافعين والمهاجمين على حد سواء.

تعمل أسواق الإنترنت المظلم كنظم تجارية منظمة تبيع أدوات الاحتيال الجاهزة وحزم الهويات الاصطناعية وخدمات تجاوز التحقق (رويترز)

سطح مخاطرة جديد

لم تعد عملية التحقق من الهوية تقتصر على الوثائق الرسمية. فالنماذج الحديثة تعتمد على تحليل الأجهزة، والموقع الجغرافي، والسلوك الرقمي، وسجل المعاملات، والمؤشرات البيومترية. كما يشير التقرير إلى أن إجراءات «KYC» التقليدية لم تعد كافية في عصر التزييف العميق. ومع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، لم يعد الصوت، أو الصورة دليلاً قاطعاً على الهوية. وتتجه المؤسسات نحو نماذج تحقق قائمة على الاستخبارات الشبكية، والتحليل السياقي بدل الاعتماد على نقطة تحقق واحدة.

قوة الاستخبارات التعاونية

أحد أهم استنتاجات التقرير يتعلق بأهمية مشاركة البيانات. إذ يُظهر أن دمج استخبارات المخاطر التشاركية يمكن أن يحسن معدلات كشف الاحتيال بأكثر من 30 في المائة مقارنة بالنهج المعزول. كما أظهر أحد الأمثلة أن دمج البيانات الشبكية أدى إلى تحسن بنسبة 63 في المائة في أداء نموذج كشف الاحتيال، وتحقيق وفر مالي يُقدّر بـ1.6 مليون دولار. تعني هذه النتائج أن الذكاء الجماعي ضمن أطر تنظيمية مناسبة يعزز فعالية الدفاعات الرقمية.

نقطة التحول

يكشف تقرير 2026 حقيقة أن الاحتيال يتوسع بوتيرة التحول الرقمي نفسها. تضاعفت نسبة احتيال الطرف الأول وتورط الذكاء الاصطناعي في ثلاثة أرباع حالات احتيال الهوية تقريباً. وتعمل أسواق الإنترنت المظلم باحترافية الشركات التقنية. وتتوسع المدفوعات الرقمية بتريليونات الدولارات.

السؤال لم يعد: هل المخاطر تتزايد؟ الأرقام تؤكد ذلك. إلا أن السؤال الحقيقي هو: هل تتوسع أنظمة الحماية بالسرعة نفسها؟ وحتى الآن، يبدو أن السباق لا يزال مفتوحاً.


أنظمة الذكاء الاصطناعي لا تتردد في التوصية... بتوجيه الضربات النووية

نماذج الذكاء الاصطناعي الثلاثة المقارنة
نماذج الذكاء الاصطناعي الثلاثة المقارنة
TT

أنظمة الذكاء الاصطناعي لا تتردد في التوصية... بتوجيه الضربات النووية

نماذج الذكاء الاصطناعي الثلاثة المقارنة
نماذج الذكاء الاصطناعي الثلاثة المقارنة

يبدو أن نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة مستعدة لنشر الأسلحة النووية من دون إبداء التحفظات التي يبديها البشر، عند وضع تلك النماذج في أجواء مُحاكاة لأزمات جيوسياسية، كما كتب كريس ستوكيل ووكر في مجلة «نيو ساينتست» البريطانية.

مقارنة 3 نماذج ذكية

قام الباحث كينيث باين، من جامعة «كينغز كوليدج لندن»، بمقارنة ثلاثة من أبرز نماذج اللغة الكبيرة «جي بي تي-5.2»، و«كلود سونيت 4»، و«جيميناي 3 فلاش»، في ألعاب مُحاكاة للحرب.

نزاعات حدودية وتهديدات وجودية

تضمنت السيناريوهات نزاعات حدودية، وتنافساً على الموارد الشحيحة، وتهديدات وجودية لبقاء الأنظمة.

كما مُنحت أنظمة الذكاء الاصطناعي سلماً تصعيدياً، ما سمح لها باختيار إجراءات تتراوح بين الاحتجاجات الدبلوماسية والاستسلام الكامل وصولاً إلى حرب نووية استراتيجية شاملة.

ولعبت نماذج الذكاء الاصطناعي 21 لعبة، بإجمالي 329 دوراً، وأنتجت نحو 780 ألف كلمة، لوصف المنطق وراء قراراتها.

صورة لنتائج البحث

استخدام السلاح النووي التكتيكي

وفي 95 في المائة من ألعاب المحاكاة، استخدمت نماذج الذكاء الاصطناعي سلاحاً نووياً تكتيكياً واحداً على الأقل وفقاً لنتائج البحث المنشور في دورية (arXiv, doi.org/qsw9).

التحريم النووي ليس له قوة تأثير

ويقول باين: «يبدو أن التحريم النووي ليس له التأثير نفسه الذي له على البشر».

علاوة على ذلك، لم يختر أي نموذج التنازل الكامل للخصم أو الاستسلام، بغض النظر عن مدى خسارته.

أخطاء النزاعات والحروب

في أحسن الأحوال، اختارت النماذج خفض مستوى العنف مؤقتاً. كما ارتكبت أخطاءً في خضم الحرب: فقد وقعت حوادث في 86 في المائة من النزاعات، حيث تصاعدت وتيرة العمل إلى مستوى أعلى مما كان الذكاء الاصطناعي ينوي فعله بناءً على منطقه.

ويقول تونغ تشاو من جامعة برينستون معلقاً: «تستخدم القوى الكبرى بالفعل الذكاء الاصطناعي في ألعاب محاكاة الحروب، لكن لا يزال من غير المؤكد إلى أي مدى تُدمج دعم اتخاذ القرار بالذكاء الاصطناعي في عمليات صنع القرار العسكري الفعلية».