الكتاب الأميركيون في متحف رائد

يضم عرضاً موجزاً لسير الأدباء مع صورهم ومقتطفات من أقوالهم المأثورة

جانب من متحف «الكتاب الأميركيون في شيكاغو»
جانب من متحف «الكتاب الأميركيون في شيكاغو»
TT

الكتاب الأميركيون في متحف رائد

جانب من متحف «الكتاب الأميركيون في شيكاغو»
جانب من متحف «الكتاب الأميركيون في شيكاغو»

لا شك أن الاهتمام بالأدب يشهد تراجعاً في الولايات المتحدة بالمقارنة مع الماضي، ويرجع ذلك من جهة إلى انتشار التقنيات الحديثة واستقطابها للشباب، فضلاً عن انتشار الهوايات الأخرى المرتبطة بالتكنولوجيا الحديثة، والتي تزود البشر بمتع مغايرة للمطالعة، بل تتجاوز في الخيال المبتدع معظم الإبداع الأدبي. لذلك، نشهد في عصرنا الراهن ظاهرة «الكتاب الأفضل مبيعاً»، وهذه نوعية من الكتب تقدم كثيراً من التشويق، لكنها مصنوعة بشكل يلائم الذوق العريض، ويصلح للاقتباس إلى أفلام هوليوودية الطابع، ولا تطمح إلى الفوز بجوائز أدبية رفيعة مثل «بوليتزر» وسواها. صار لا يطبع من دواوين الشعر الأميركي الحديث إلا القليل، وهي تحتاج إلى دور تغامر بنشرها، إلا إذا كان الشاعر يحظى باسم له شهرة عالمية مدوية. فالعالم ما زال يقرأ ت. س. إليوت، إزرا باوند، والت وايتمان، رالف إيمرسون، إميلي ديكنسون، وذلك على سبيل المثال لا الحصر. أما المسرح، فنشر نصوصه يعتبر من أصعب المعضلات بالنسبة للمؤلفين، لأن الغالبية العظمى من دور النشر تملك قناعة راسخة بأن المسرحية المقروءة لا تبيع، وبالتالي فإن نشرها مشروع خاسر. لذلك، ما زال الرائج طبع الكلاسيكيات الحديثة كأعمال يوجين أونيل، تنيسي ويليامز، آرثر ميلر، ثورنتون وايلدر وكليفورد أوديتس أكثر من المسرحيات الجديدة. لذلك أيضاً، تجد دوراً معينة قليلة متخصصة بنشر المسرحيات دون سواها، وتعمل كوكيل حصري لها بحيث تنال غالباً حصة من أرباح إنتاجها في المسارح. حتى المجموعات القصصية طالها انحسار نسبي بعد الشهرة المدوية لأساطين كتابها، مثل و. هنري، إدغار ألن بو ومارك توين. وحدها الرواية ما زالت تحظى بانتشار واهتمام وتنافس، وتتنافس دور النشر على إطلاقها. هذا التراث الغني بدأ من ملفيل وهوثورن وهمنغواي وفيتزجيرالد، وامتد إلى بول أوستر، نورمان ميلر، أليكس هيلي، أليس وولكر، توني موريسون، ووصل إلى فيليب روث ومايكل شابون، وسواهم كثير.
في الواقع، ليس تراجع الاهتمام بالأدب ظاهرة أميركية فحسب، بل هي بالأحرى عالمية. أذكر أن الكتاب الجديد الواحد في وطننا العربي كان يطبع 3000 نسخة كحد وسط، ويصل الرقم أحياناً إلى 10000 نسخة. ما لبث عدد النسخ المطبوعة أن تراجع إلى 1000 نسخة فقط، بل هبط أحياناً إلى 500. وكثيراً ما صرت تجد دور نشر مرموقة في بلادنا تفاوض الأديب خلسة أن يسهم بدفع تكلفة طباعة كتابه، أو بطبعه من جيبه الخاص بالكامل مقابل وضع اسم الدار على الكتاب! أما الناس في العواصم الأوروبية الكبرى، فهم يقرأون بكثافة تزجية للوقت خلال ركوبهم المترو لزمن طويل يومياً، وهم يتابعون أدباء جادين مثل كافكا وماركيز وكويللو. أذكر في بدء عهدي بالنشر في العالم العربي في مطلع السبعينات أن عدد النسخ كان وسطياً 3000 نسخة، وربما وصل أحياناً إلى 10000، بينما تراجع عدد النسخ المطبوعة منذ أواخر القرن الماضي إلى 1000 نسخة، وأصبح بعض الكتب في القرن الحادي والعشرين لا يطبع سوى 500 نسخة. الأمر له علاقة، بالتأكيد، بسوء التوزيع، لأن الكتاب صار لا يوزع إلا داخل البلد الواحد قليل عدد السكان وضمن معارض الكتب، إلا إذا نشر في مصر ذات الكثافة السكانية، أو في لبنان الضليع في التوزيع في مشرق العالم العربي ومغربه.
كثيراً ما كان يشاع في بلدان تروج العداء للسياسة الأميركية أن الولايات المتحدة قوية عسكرياً واقتصادياً، لكنها فقيرة حضارياً بالمقارنة مع التراث الأوروبي الغني. يثبت «متحف الكتاب الأميركيين» زيف هذه المقولة وبطلانها، ويثبت أن تاريخ الأدب حافل بأسماء مبدعين في الرواية والقصة القصيرة والشعر والمسرح والمقالة النقدية. يكفي أن نعرف أن ثلاثة رؤساء أميركيين في التاريخ، على أقل تقدير، كانوا في عداد أولئك الكتاب الذين يحيي هذا المتحف ذكراهم، وهم توماس جيفرسون، إبراهام لينكولن وثيودور روزفلت. بالتالي، يصحح «متحف الكتاب الأميركيين» الاعتقاد الخاطئ السائد في منطقتنا، وربما في مناطق أخرى من آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية خصوصاً أن الولايات المتحدة بلد يجسد «حضارة القوة»، وليس «قوة الحضارة». يدحض افتتاح «متحف الكتاب الأميركيين» في وسط مدينة شيكاغو، (المكناة «ثاني مدن أميركا»،) هذه النظرية تماماً، إذ يذكر الكم المذهل من المبدعين الأميركيين الكبار الذين مروا في تاريخ الأدب والثقافة، وتركوا بصماتهم الخالدة على مرِّ العصور.
رغم صغر حجم «متحف الكتاب الأميركيين» في شيكاغو فإنه يبقى صرحاً رائداً من نوعه يحتفي بتاريخ عريق سيفاجئ الكثير من الزوار الأجانب، وربما حتى من المواطنين أبناء البلد أنفسهم، وذلك بسبب احتوائه على كم هائل من المعلومات عن الأدباء والنقاد الأميركيين منذ القرن الثامن عشر وصولاً إلى العصر الحديث.
يقع المتحف في الطابق الثاني من بناء أنيق في منتصف شارع التسوق الشهير في شيكاغو، شارع ميتشيغن. يجول الزائر في المتحف الصغير نسبياً، وتحفز الصور والأسماء ذاكرته لتحيي ذكريات من زمن اليفاعة والشباب.
في الرواية، هل يمكن أن ينسى المرء ناثانيال هوثورن مؤلف رواية «الحرف القرمزي»، وهرمن ملفيل مؤلف روايات «موبي ديك» و«تايبي» و«أومو»؟ هل يمكن أن ينسى أحد إرنست همنغواي مؤلف روايات «وتشرق الشمس أيضاً» و«لمن تقرع الأجراس» و«ثلوج كليمنجارو»، ؟ هل يفوت أحد ذكر ف. سكوت فيتزجيرالد مؤلف رواية «غاتسبي العظيم»؟ وهل تغيب عن الذاكرة إبداعات مارك توين مؤلف «مغامرات هكلبري فين»، أو هارييت بيشر ستو مؤلفة «كوخ العم توم»، أو مارغريت ميتشل مؤلفة «ذهب مع الريح»؟ من ذا الذي ينسى وليم فوكنر مؤلف «الصوت والغضب» و«بينما أرقد لأموت»؟ وجون ستاينبك مؤلف «عناقيد الغضب» و«رجال وفئران»؟ هل تغيب عن الذاكرة أيضاً لويزا ماري ألكوت مؤلفة «نساء صغيرات»، أليس والكر مؤلفة «اللون الأرجواني»، وتوني موريسون مؤلفة رواية «محبوبة»، هاربر لي وروايتها «قتل طائر محاكي»، جاك كيرواك وروايته «على الطريق» التي كرست جيل «البيتنكس»، جاك لندن مؤلف «عشرة أيام هزت العالم»، واشنطن إيرفينغ، ترومان كابوته، هنري جيمس، نورمان ميلر، جون آبدايك، ترومان كابوت، ريموند تشاندلر، وداشيل هاميت وسواهم؟ ربما سيفاجأ زائر «متحف الكتاب الأميركيين» حين يعلم أن فلاديمير نابوكوف مؤلف رواية «لوليتا» الشهيرة مصنف بين الأدباء الأميركيين رغم أصله الروسي! أما في مجال المسرح، فلا يمكن لأحد أن يغفل فضل يوجين أونيل مؤلف «الحِداد يليق بإلكترا»، ثورنتون وايلدر مؤلف «مدينتنا»، تنيسي ويليامز مؤلف «ترام اسمه الرغبة» و«الحيوانات الزجاجية»، آرثر ميلر مؤلف «كلهم أبنائي» و«موت بائع جوال» و«البوتقة»، والكثير من المؤلفين المسرحيين الآخرين.
في القصة القصيرة، لا يعقل أن ينسى أحد رائد الحداثة إدغار ألن بو بقصصه الغرائبية المشوقة مثل «سقوط منزل آشر»، ولا ينسى أو. هنري بقصصه الإنسانية الرائعة جميعاً. في الشعر، لا يمكن لأحد أن ينسى الشاعر والت وايتمان، مؤلف «أوراق العشب»، والشاعر ت. س. إليوت، مؤلف «الأرض اليباب» و«أربعاء الرماد»، كما لا يمكن نسيان الشاعرة إميلي ديكنسون، روبرت فروست ودبليو. إتش. أودن وسواهم. بعض هؤلاء حاز جائزة «نوبل» للآداب، وكثير منهم حازوا جوائز «بوليتزر» أو «توني» أو سواها.
يضم «متحف الكتاب الأميركيين» عرضاً موجزاً لسير الأدباء مع صورهم ومقتطفات أقوالهم المأثورة وسطور من إبداعاتهم الخالدة بوسائل جذابة للزائر. إنه متحف صغير حقاً، لكنه نموذجي بحيث يشجع ويلهم ليس المدن الأميركية الأخرى فحسب، بل العواصم العالمية والعربية أيضاً، أن تحذو حذوه وتطلق مشاريع من هذا النوع لتخليد إبداعات أدبائها قبل إقامة التماثيل لزعمائها السياسيين.
أمثال هذا المتحف تغري بأن يؤمها جيل الشباب ليتعرف إلى مبدعي أوطانهم الكبار، الذين رحلوا جسدياً عن عالمنا، لكن ما أضافوا روحياً يبقى خالداً في سجل الإنسانية. يشكل «متحف الكتاب الأميركيين» في شيكاغو خطوة ملهمة وظاهرة حضارية راقية نأمل أن تسري عدواها إلى كل مكان لتعيد إلى الأدب جدارته واعتباره في عصرٍ طغت فيه وسائل الاتصال التكنولوجية المتقدمة حتى هيمنت على صناعة السينما والتلفزيون، وعلى عالم الإنترنت. «متحف للكتاب الأميركيين» مبادرة عظيمة تستحق أن تفخر بها شيكاغو في زمن تضاءل فيه اهتمام الناس بالأدب والأدباء.
*كاتب سوري مقيم
في الولايات المتحدة


مقالات ذات صلة

كتاب يضلّ الطريق... ويعبُر العالم إلى أستراليا

يوميات الشرق رواية تائهة بين قارّتين (مكتبة بيرنسديل في «فيسبوك»)

كتاب يضلّ الطريق... ويعبُر العالم إلى أستراليا

ليس من المألوف أن تتحوَّل عودة كتاب مُعار من مكتبة إلى قصة يكتنفها الغموض.

ثقافة وفنون ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في الضاحية الجنوبية لبيروت.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد عبد الصمد

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون كارلوس مانويل ألفاريز

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته».

تشارلي لي
ثقافة وفنون حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات...

رشا أحمد (القاهرة)

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.