عمرو موسى: الدستور استعاد روح مصر.. وجدول أعمال الرئيس الجديد «ثقيل جدا»

رئيس الهيئة الاستشارية بحملة السيسي يؤكد لـ {الشرق الأوسط} أن الجمهورية الثالثة تبدأ في ظروف صعبة

عمرو موسى
عمرو موسى
TT

عمرو موسى: الدستور استعاد روح مصر.. وجدول أعمال الرئيس الجديد «ثقيل جدا»

عمرو موسى
عمرو موسى

عشية الانتخابات الرئاسية المصرية، جمعنا في القاهرة نقاش مطول مع الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية ورئيس الهيئة الاستشارية بحملة المشير عبد الفتاح السيسي ورئيس لجنة الخمسين لتعديل الدستور، عمرو موسى.
النقاش مع عمرو موسى، على هامش انتخابات مصيرية لمستقبل الحكم في مصر، لم يكن نقاشا عاديا، فالرجل بخبرته الطويلة، وتجربته من داخل أروقة الدولة وأجهزة صنع القرار، وبنظرته الثاقبة بصفته، قبل كل شيء، مواطنا مصريا «فوق العادة»، تطرق إلى كل المواضيع التي تشغل الرأي العام في مصر وخارجها.
نقاش، تحول حوارا سياسيا أكد خلاله عمرو موسى أن رئيس مصر المنتخب سيكون لديه جدول أعمال ثقيل جدا وأجندة مليئة بالأولويات، داخلية وأخرى إقليمية أو خارجية، حتى تخرج مصر من أزمتها.
موسى أكد أن الرئيس وحده لا يستطيع منفردا أن يحقق ما يريده هو أو ما يريده الشعب المصري، وأن مهمته تقتضي منه أن يقود ويوجه، وأن يدير مؤسسات الدولة، طبقا لسلطاته الدستورية، مع التركيز على الإصلاح الشامل. رئيس الهيئة الاستشارية بحملة السيسي شدد على وجود «غضب كبير جدا» من الإخوان المسلمين داخل المجتمع المصري: «لسوء حكمهم وعنف سياستهم». وقال إن دستور عام 2014 لم يعزل أو يمنع أحدا، وأن الباب مفتوح للجميع للمشاركة في العملية السياسية شرط الاعتراف بهذا الدستور، والتوقف عن ممارسة العنف، والإقرار بالشرعية الجديدة.
وفيما يلي أهم ما جاء في النقاش المفتوح مع عمرو موسى:

* ما أولويات الرئيس المصري المقبل: ملف الأمن أم الملف الاقتصادي؟
- بات معروفا أن الأجندة تحتوي الكثير من المواضيع المتعلقة بتحقيق الأمن والإصلاح والبناء. وتشتمل الأولوية على أكثر من ملف في الوقت نفسه، لأن خللا كبيرا جدا وقع في مصر. ومن ثم، فإن مهمة إعادة البناء مهمة شاملة وأولوياتها متعددة. أولويات سياسية، واقتصادية، وتنموية، وعدالة اجتماعية. وهناك أولويات داخلية وأخرى إقليمية أو خارجية.
الحقيقة أنه سيكون لدى الرئيس الجديد جدول أعمال ثقيل جدا. وأثق بأن المشير عبد الفتاح السيسي على وعي بهذا كله. ومن ثم، أتصور أنه سيكون لديه شغل وانشغال كبيران. والكثير يتوقف أيضا، على الفريق الذي سوف يكلف تنفيذ كل هذا أو متابعته.
وبالتأكيد، سيكون هناك فرق عدة وليس فريقا واحدا فقط.
* المشير تحدث عن الأولويات وجدول الإعمال والأميال التي يجب قطعها لزيارة دول كثيرة. لكن الفريق الذي سيعمل مع الرئيس سيلعب دورا كبيرا، وسيكون لقوته تأثير كبير أيضا؟
- الرئيس وحده لا يستطيع منفردا أن يحقق ما يريد أو ما نريد. لكن مهمته تقتضي منه أن يقود ويوجه، وأن يدير مؤسسات الدولة من مختلف الزوايا، طبقا لسلطاته الدستورية، مع التركيز على الإصلاح الشامل. وهذا مهم جدا، لأن مصر لا تستطيع أن تمضي بالشكل الذي كانت عليه. لقد تعرضت مصر لهزة قوية، لسبب رئيس هو سوء إدارة الحكم بشكل متراكم حكومة بعد حكومة. وهكذا ولفترة طويلة، وعهدا بعد عهد، لم نشهد إلا سوء إدارة الحكم، ومن ثم نتائج سلبية في عمومها. وعليه، لا بد من تحقيق جودة الحكم وكفاءة إدارته. مصر في الواقع، تبدأ جمهوريتها الثالثة في ظروف صعبة. وهذه ليست جمهورية محمد نجيب، أو جمال عبد الناصر، أو محمد أنور السادات، وقطعا ليست جمهورية مرسي، إنما هي الجمهورية الثالثة، وهي مختلفة جذريا في دستورها، وفي المشاكل التي تواجهها، وفي الزمن الذي تعيش فيه، وأسلوب التعامل مع المشاكل.
* هل تعد الدستور خطوة كبيرة لمصر؟
- إي نعم، هو خطوة كبيرة جدا، ويجب أن نعمل على تطبيقه وتنفيذه. وهذا ما ننتظره من البرلمان المقبل، أن يصدر القوانين المكملة والمنفذة لتوجيهات والتزامات الدستور. ثم إن الدستور لا يطبق في ذاته، القضاة يطبقون القانون، والقانون هو الذي يتبع الدستور ويطبق مبادئه. هناك زخم كبير جدا الآن. الناس اختلفت، والشعوب استيقظت، ولن تقبل أن يخرج على إرادتها حاكم أو رئيس. ورغم التحديات الصعبة، فإننا نريد للجمهورية الثالثة أن تنجح. الناس منتظرة وهي تعرف طريقها، وتعرف، أيضا، ما تريد. الفشل الذي صاحب الحكومات السابقة أدى إلى زيادة الفقر، واضطراب الخدمات، وتراجع المؤشرات. وما نشهده حاليا، أمر مختلف. فقد عبرت الجماهير عن حبها للمشير السيسي وثقتها به. ورأى المواطنون فيه أنه رجل منهم، ووقفته معهم ضد حكم الإخوان المسلمين كانت حاسمة. وهو يعتزم العمل بعزمه كاملا لإعادة البناء، لأن مصر وصلت إلى مرحلة سيئة جدا في مختلف المجالات. وهنا، لا بد أن يتعرض الرئيس الجديد والحكم الجديد، لمواضيع الزراعة والصناعة والتجارة والسياحة والطاقة والتعليم والصحة، والاهتمام بالمواطن المصري في ذاته بصفته إنسانا. أي كل شيء تقريبا. ولست أعتقد أن في ذلك استحالة أبدا. والأمر المطلوب هو حسن الإدارة، إذ لدينا متخصصون في كل المجالات، وكذلك وجود خطة سليمة وعزيمة وإرادة قوية، وهي موجودة أيضا. وبذلك، يمكن تحقيق نتائج على أرض الواقع، وإلا فسيكون رد الفعل صعبا.
* كيف يمكن تحقيق نمو اقتصادي في ظل التحولات السياسية التي يشهدها البلد؟ وكيف يمكن خلق فئات سياسية فاعلة بأحزابها، في مقابل التركيز على إحياء الاقتصاد مجددا والتوفيق بين العملين؟
- أولا، إحياء الاقتصاد مسألة أسياسية. وسوف تسير وفق خطط العمل التي يسعى الرئيس والحكومة إلى تنفيذها. على سبيل المثال، هناك مشاريع كثيرة جدا. يمكننا التفكير في محور قناة السويس على الأقل، وإنشاء منطقة صناعية كبرى تشمل الصيانة، وصناعة السفن، ومنطقة تجارة حرة، واستصلاح أراض، ونهضة سياحية. وكلها أمور تفتح آفاقا كبيرة جدا. معروف أن نصف تجارة العالم يمر من قناة السويس.
لو جرى إنجاز هذا كله، فسيؤدي بالضرورة، إلى طوفان من البشر يتدفق إلى منطقة قناة السويس للعمل والحياة. مدن قناة السويس لا تتحمل حاليا مثل هذا الطوفان، مما يستوجب بناء مدن وقرى ومصانع ومزارع ومنتجعات. هذه الحركة تتضمن كما من المشاريع في المقاولات، والبناء، والزراعة، والصناعة. وهذه الخطة سوف تجلب الكثيرين، وهي تتناسب مع متطلبات القرن الـحادي والعشرين بمقاييسه ومتطلباته ومعاييره - والطريق الغربي (فكرة فاروق الباز)، والطاقة المتجددة للشمس في الصحراء الغربية، وهذه كلها موجودة في برنامج المشير. وكذلك سوف يجري تغيير حدود كل محافظات الصعيد بشكل أفقي - على سبيل المثال، في الأقصر، لم يكونوا يعرفون سوى السياحة. ستكون لديهم كيلومترات عدة على البحر، لإقامة مشاريع مختلفة، مثل شركات الأنشطة البحرية، أو بناء قرى وطرق جديدة. وهذا يفتح آفاقا أرحب. المطلوب هو الإدارة الصحيحة. الدستور تحدث عن أنواع جديدة من الإدارة. فنص على وجوب انتخابات تجرى على كل المستويات، في مجالس القرى ومجالس المدن والمحافظات. هذا تغير جذري في إدارة الأمور، لو تحقق بنجاح فستسير مصر على طريق مختلف. وبالأرقام، يصل الأمر إلى نحو 54 ألف كرسي مطروحة للانتخابات المحلية، في ظرف نحو عام. إضافة إلى ذلك، وبالأمر الدستوري، 25 في الماةئ من الرقم السابق، يجب أن يكون من بين النساء، ولهن نحو 14 ألف مقعد. وتكون هناك نسبة أخرى مماثلة للشباب تحت سن الـخامسة والثلاثين، ونسب أخرى للعمال والفلاحين والمسيحيين.. إلخ.
إذن، هناك حركة انسيابية يستطيع أي قائد استثمارها لتحريك كل هذه الأنشطة وقيادتها. وهذا من شأنه أن يخلق تحريكا اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، وسياسة جديدة تطبق من خلال الممارسة البرلمانية. ومن خلال مناقشة المشاكل الاقتصادية وغيرها في البرلمان، سوف تخلق التيارات اللازمة، سواء مع الحكومة أو ضدها. وأنا أتصور أن المدرسة السياسية سوف تتشكل من داخل البرلمان.
* ذكرت أن الدستور يؤكد استعادة روح مصر. كيف؟
- فعلا، الدستور يستعيد روح مصر. فمبادئ الشريعة الإسلامية أساس التشريع، وشرائع المسيحيين واليهود تنظم أحوالهم. كما يؤكد الدستور أن مصر جزء من الأمة العربية وجزء من القارة الأفريقية. والدستور يفصل في حسم حقوق المواطنين وحرياتهم. ويحدد سلطات مؤسسات الدولة، ويدخل مفهوم اللامركزية.. إنه لا يستعيد روح مصر وحسب، وإنما يرسم مستقبلها أيضا.
* مصر انكفأت إلى الداخل ثلاث سنوات بسبب الظروف التي مرت بها؟
- لا، ليس بسبب ظروف مصر، وإنما كان نتيجة تقييم خاطئ لظروف البلد. ثم جاء الانكفاء في بدايات هذا القرن، وتجذر خلال السنوات الخمس الأخيرة - وكان للرئيس مبارك نظرية «إني الباب اللي يجي لك منه الريح سده واستريح». كانت منطقة الشرق الأوسط تغلي من شدة التطورات. وخلال تلك السنوات، جاءت نظرية الفوضى الخلاقة، وجرى الحديث عن شرق أوسط جديد. ثم نشطت حركات التواصل الاجتماعي، والارتباط بالكثير من الشبكات العالمية. وكانت النتيجة، ما شهدناه من انغلاق لتجنب رياح التغيير، فعصفت رياح التغيير. مصر لا تستطيع أن تغلق الأبواب على نفسها.
* أشرفت على الجامعة العربية فترة من الزمن. وترددت أحاديث كثيرة حول إصلاح الجامعة. وحتى اليوم لم نشهد أي إصلاح؟
- مع عدم المساس بالجامعة العربية، من المهم أن نتحدث عن حركة التغيير العربية، أو ما سماه الغربيون «الربيع العربي»، حيث لا بد أن تنتج عن ذلك حركة تغيير في النظام الإقليمي. ومن الضروري أن نبحث في ماهية النظام الإقليمي الأكثر فاعلية. قبل أيام، خلال زيارتي إلى واشنطن اتصالا بالتغيير، تحدثت مع جميع من قابلتهم. وقلت في مداخلاتي العلنية، إن زمن سايكس - بيكو انتهى، ولن يستطيع وزير أو اثنين، أو حتى خمسة، أن يقرروا مصير الشرق الأوسط، لأن ثورة رفض سوف تحدث. أقصد أنه لا يمكن مثلا، لكل من سيرغي لافروف وجون كيري وحدهما، أن يقررا مصير الشرق الأوسط، كما فعل سايكس وبيكو عام 1914. يجب أن يكون لنا - نحن العرب - كلمة وموقف وقرار.
* هناك أكثر من حرب أهلية في المنطقة. ومن الصعوبة بمكان الاتفاق على عمل شيء لمنع هذه الحروب، فالخلافات متجذرة. كيف ترى ذلك؟
- هي خلافات كثيرة، لكن عندما نجلس معا في إطار الجامعة العربية، يصبح من الممكن تسويتها أو بعضها على الأقل. وسبق أن التقينا هنا، في منزلي، عندما كنت أمينا عاما للجامعة، وتوصلنا إلى حلول لبعض المواقف والمشاكل العربية، من خلال النقاش الهادئ، والتفاهم على حدود دنيا وقصوى، وعلى أساليب عمل. وهذا كله يقتضي أن نعمل على خلق نظام إقليمي جديد، نستعد له بالفكر والتصور والتخطيط، لنتفق على ما هو النظام الموفق. وهناك عناصر جديدة لا بد أن نضعها في الاعتبار.
أولها، أن المغرب العربي لم يعد الشقيق الأصغر، إذ لا ننسى أنه لعب دورا في مسارات التغير التي حدثت وتحدث حاليا، من تونس إلى ليبيا. أقصد من هذا، أن يؤخذ رأي المغرب العربي بجدية.
ثاني تلك العناصر، هو أن نقبل بالتنوع الذي يستوعب الأمازيغ والأكراد والمسيحيين، ومختلف المذاهب الإسلامية. وأن نخرج عن نطاق القومية العربية بمعناها الرومانسي التقليدي السابق. وأن يستفيد العالم العربي من كل الروافد التي في داخله.
والأمر الثالث، هو ضرورة أن نعي أسباب تخلفنا، وطريقة إدارة الأمور، ومختلف ملفات المجتمع، وعلى رأسها، وضع نظام تعليم يوفر لنا الكوادر التي تتناسب وطبيعة المرحلة، لأن التعليم مرتبط بالاقتصاد، حتى يمكن إنتاج سلعة تنافس في الأسواق العالمية.
والأمر الرابع، هو الديمقراطية، وإلغاء فكر التوريث نهائيا، والدخول الجدي في نظام ديمقراطي بمعناه الواسع والعاقل والراقي.
* هذا يقودنا إلى الملف السوري، ووجود خلاف حول التسويات التي يجب أن تفرض؟
- الملف السوري حوله خلاف كبير ويعاني عجزا مشينا.
* بحكم طبيعة عملك كنت على صلة بالرئيس حافظ الأسد وسوريا. كيف ترى الأمور اليوم؟
- سوريا دينامو العروبة، وسقوطها أو تقسيمها أو دمارها، يؤثر سلبا في حاضر العرب ومستقبل المنطقة. وهنا، أذكر أيضا الديمقراطية، التي من دونها، ستبقى المشاكل إلى ما لا نهاية. وأرى الطريق المتبع حاليا غير فاعل، وصيغة جنيف صيغة خادعة لا فائدة منها. وأعتقد أن الحل يجب أن يكون إقليميا في أساسه وتوجهه، على تفصيل ليس هذا مكانه.
* هل تتوقع وضع قانون أو دستور نموذجي ضامن لاحتياجات الناس ومصالحهم، في ظل تعقيدات الواقع الذي يفرض نفسه على صياغة الدستور والقانون؟
- ممكن. لكن، يجب أن نثق بالشعب الجديد الذي يغضب ويثور ويرفض. ورأينا نموذج «الإخوان» عندما ركزوا في أساس أولوياتهم، على تمكينهم من الحكم على حساب مواضيع ذات أولوية لدى الناس، مثل منع الفقر ومحاربته. وعندما غضب الناس أسقطوا حكم «الإخوان» ودستورهم. نعم لا توجد مثالية، ولكن يوجد أمر واقع، هو أن الناس لم يعودوا يطيقون سوء إدارة الحكم، وتجاهل مصالحهم واحتياجاتهم، وكذلك لا يحتملون الإهانة والاستهزاء بهم. من هنا، نأتي بقوة الدستور وضماناته وحمايته.
أما من يقول بأننا سنعيد تجربة فلان أو علان، فهو يعبر عن عجز كبير، لأننا في العصر الجديد، لا يمكن أن نعيش بمقاييس القرن العشرين، وضروري أن نعيش ظروف هذا القرن بفكره وتداعياته. لن تكون هناك عودة لأي نظام سابق، فتلك نظم أثبتت فشلها، فكيف نعود إليها مرة أخرى؟
* ماذا عن دعم الاقتصاد المصري وتجارب الآخرين، خاصة تجربة البرتغال التي أشار إليها المشير السيسي في حواري معه؟ وما حجم صلاحيات رئيس الحكومة؟
- الدستور حدد صلاحيات رئيس الوزراء، بأنه شريك في رسم السياسة والمشرف على تنفيذها. وهنا، لا محل للاجتهاد. أما الرئيس، فله القيادة وسدة الحكم والتوجيه. أما الحكومة، فلها الإشراف على التنفيذ وقيادته. وإذا أردنا أن نختار مثالا، أو نموذجا لحركة إعادة البناء، فالمثال أو النموذج، في رأيي، هو البرازيل. برازيل الرئيس لولا.
* تقصد إصلاح العملة؟
- ديمقراطية سياسية واقتصاد حر، لكنه مراقب ومتابع بدقة، حتى يحقق الفرعين: التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. هذه نظرية الرئيس لولا.
* بات لكلمة خصخصة معنى سلبيا في المنطقة العربية، كيف ترى الأمر؟
- نعم، كلمة خصخصة كلمة غريبة. لكن 75 في المائة من الاقتصاد المصري يقوم به القطاع الخاص. ومن ثم يمكن مناقشة الكلمة والمعنى. وتكفي الإشارة إلى السنوات الثلاث من 2011 وحتى 2013: عجلة الإنتاج توقفت، والاحتياطي أنفق، لكن بقيت صناعات يقوم بها القطاع الخاص تعمل، محققة نسبة كبيرة من العمالة والدخل والإنتاج، في إطار المشروعات المتوسطة والصغيرة، مع قلة من المشروعات الكبيرة.
* هل أنت متفائل؟
- إجابتي دائما، هي أن لدي القليل من التفاؤل. لكن أمامنا صعوبات كبيرة جدا. مع ذلك، فإن مهمة الإصلاح وإعادة البناء ليست مستحيلة.
* ماذا عن موضوع الشباب في الدستور، ومشاركتهم في حركة التغيير بالمنطقة العربية؟
- الدستور، كما سبق أن أوضحت، يعطي نسبة للشباب في الحكم المحلي والمحافظات، تصل إلى 25 في المائة من المقاعد. وهذا يعني نحو 14 ألف مقعد منتخب. وهذا أمر كبير، وقد دخلوا في العملية السياسية والأحزاب. وفي قانون مجلس النواب، سيكون مدرجا في كل قائمة، ثلاث نساء، وثلاثة مسيحيين، واثنان من الشباب، وواحد من المعاقين، وواحد من المصريين في الخارج. أي إنه أصبح للشباب، مقاعد مضمونة في العملية التشريعية. هذا بالإضافة إلى السياسة التدريبية في إطار مناصب السلطة التنفيذية، وطبعا الأساس هو ضمان جودة التعليم وآفاق المعرفة مهم.
* كيف ترى موضوع «الكوته» هذه، هل تتوافق مع العملية الديمقراطية؟
- هذه الكوته جزئية، محصورة في 120 كرسيا بمجلس النواب المقبل، والهدف منها، هو ضمان حد أدنى لوجود النساء والشباب في المجلس، ولكن تبقى الحرية كاملة لانتخاب النساء على مستوى المجلس ككل، وممارسة الشباب والنساء داخل البرلمان سوف تساهم في توفير الخبرة، ومن ثم مشاركتهم في الأحزاب الجديدة، والتحالفات التي سوف تظهر. ومن ثم سوف تتضاعف أعداد النساء والشباب المنخرطين في العمل السياسي والتنموي، ويتطور موضوع الكوته.
* كان «الإخوان» في السابق، يمررون مرشحيهم. هل يفعلونها هذه المرة؟
- هناك غضب كبير جدا من «الإخوان» داخل المجتمع المصري، لسوء حكمهم وعنف سياستهم. ولو فكر «الإخوان» في الاستفادة من الوضع الدستوري الجديد، المختلف عن دستورهم، الذي عزلوا به مئات من الشخصيات السياسية من مسؤولي النظام السابق، وحرمانها من الحقوق السياسية لعشر سنوات - لفهموا أن دستور عام 2014 لم يعزل أو يمنع أحدا، وأن الباب مفتوح للجميع للمشاركة في العملية السياسية. لكن، عليهم الاعتراف بهذا الدستور، والتوقف عن ممارسة العنف، وإعلان ذلك وأن يعلنوا هذا الكلام، ويقروا بالشرعية الجديدة.
* كيف سيتعاطى الإسلاميون في مصر مع الوضع، في وجود أنظمة إسلامية بمناطق أخرى؟
- الإسلاميون وصلوا إلى الحكم في مصر، وفشلوا في ظرف سنة. لم يقصهم أحد، إنما هم الذين أوصلوا أنفسهم إلى ما حدث لهم. يجب أن يؤخذ هذا في الاعتبار. إنهم حكام غير أكفاء وغير أذكياء. وإدارتهم كانت سيئة. لذلك، سقطوا. وقد أثر هذا السقوط في موقفهم جذريا. والعودة إلى مثل هذه التجربة غير ممكن. وقد يستغرق الأمر سنوات، وربما عقودا حتى يعدلوا من فكرهم، ويفهموا أنه عندما يصل فريق إلى الحكم، يجب أن يعمل على تحقيق مصالح الناس واحترامهم، وتطبيق الديمقراطية، وهذا ينطبق على الجميع.
* كيف سيتعامل المشير السيسي مع الدول التي أخذت موقفا سلبيا مما جرى في مصر؟
- هو يفهم تماما حقيقة الوضع الداخلي والإقليمي والدولي. وأن ثمة إمكانية لفتح صفحة جديدة وتحقيق متطلبات القرن الحادي والعشرين. إنها الجمهورية الثالثة، التي تتطلب فتح صفحات مختلفة عما سبق. وهذا ما قلته في أميركا: مطلوب إطار جديد للعلاقة المصرية مع دول العالم الفاعلة، وعلى رأسها الولايات المتحدة. ولن يسمح الوضع الجديد بسياسة تحقيق مطالب للخارج بإملاءات عبر الهاتف. فيما يتعلق بمصر واحترامها لنفسها، لا أرى أن شخصية السيسي من النوع الذي سيقول «حاضر» لأحد. فهو يناقش، ويعود إلى مؤسسات الدولة. وقد يقول «نعم» إذا ارتأى أن الأمور مقبولة. وهنا، تطبق مصر أسس النظام الديمقراطي.
* ماذا عن العلاقة مع قطر وتركيا؟
- أدعو قطر وتركيا إلى فتح صفحة جديدة في العلاقة مع مصر. هناك جمهورية جديدة في مصر، وعملية بناء شاقة لكنها ضخمة، فلن يكون للصفحة القديمة مكان.
* ماذا عن تكوين رجال الدولة ونقل الخبرات إليهم، من قبل دبلوماسيين يتمتعون برؤية مميزة في المنطقة؟
- حتى تصنع رجل دولة، فالأساس هو حسن التعليم وجودته، وكذلك تنمية القدرة على الاطلاع والمتابعة المستمرة للتطورات، ثم الممارسة قريبا من الحكومة ومن مراكز صناعة القرار، أو ما هو تابع لها. وأن يكون رجل الدولة واعيا بالعصر الذي يعيش فيه، مستوعبا لمتطلباته، ولا يكون مشدودا إلى عصر سابق مضى راغبا في العودة إليه والعيش فيه، نظرا لأنه خيار سهل. التاريخ لا يعود، بل قد يعيد نفسه، أحيانا، ولكن بأشكال مختلفة، ورجل الدولة هو رجل العصر وليس رجل الماضي.



مشاهير الحوثيين يطالبون بالمال وسط احتدام المعركة الدعائية

ناشطو الجماعة الحوثية يشكون من تردي أحوالهم المعيشية (أ.ب)
ناشطو الجماعة الحوثية يشكون من تردي أحوالهم المعيشية (أ.ب)
TT

مشاهير الحوثيين يطالبون بالمال وسط احتدام المعركة الدعائية

ناشطو الجماعة الحوثية يشكون من تردي أحوالهم المعيشية (أ.ب)
ناشطو الجماعة الحوثية يشكون من تردي أحوالهم المعيشية (أ.ب)

بالتزامن مع احتدام التنافس على التأثير في الرأي العام والمعركة الدعائية الموازية للتصعيد العسكري، اشتكي عدد من مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي الموالين للجماعة الحوثية في اليمن من تردي أحوالهم المعيشية، وطالبوا بتوفير دعم مالي وخدمات مجانية أو مخفضة، مثيرين نقاشاً بين مؤيدي الجماعة ومناهضيها حول استحقاق الدعم والتهكم على مواقفهم.

وتتجاوز المطالب توفير المال إلى الدعوة لإنشاء إطار مؤسسي ينظم أوضاعهم، وتخفيض تكاليف الإنترنت، وتخصيص مخصصات شهرية ثابتة، في حين كشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» عن أن عدداً منهم رفعوا مذكرة احتجاجية إلى قيادات إعلامية في الجماعة، اعترضوا فيها على تراجع المخصصات الممنوحة لهم، مقابل مضاعفتها لآخرين.

وحسب المصادر، فإن المذكرة الاحتجاجية أشارت إلى مضاعفة المستحقات المالية للناشطين والمشاهير المنتمين إلى المناطق التي سيطرت عليها الجماعة أخيراً، بينها مديريات في الساحل الغربي وجنوب محافظة تعز، والذين رافقوا وصول قواتها إلى بلداتهم وقراهم وسعوا للتواصل مع السكان في محاولة لتطبيع الأوضاع.

وبينما عبّر مقدمو المذكرة عن استيائهم مما عدّوه تفاوتاً في توزيع المخصصات المالية، ودعوا إلى إعادة النظر في آلية الدعم، بينت المصادر أن القادة الحوثيين ردّوا عليهم بشكل مباشر بمبررات متعددة، بينها أن الناشطين الذين رافقوا وصول الجماعة إلى مناطقهم يؤدون مهامَّ غاية في الأهمية، وذكَّروهم بالصعوبات المالية التي تواجهها الجماعة.

الجماعة الحوثية جنّدت عدداً كبيراً من مشاهير منصات التواصل لدعم أنشطتها التعبوية (أ.ب)

وتعرضت الجماعة لاستنزاف مواردها بعد عقوبات مالية واقتصادية أميركية عليها، إلى جانب استهداف سلاح الطيران الإسرائيلي عدداً من المنشآت الاقتصادية الخاضعة لسيطرتها، مثل موانئ الحديدة ومصانع الأسمنت.

ولم يتسنَّ للمصادر معرفة تفاصيل المذكرة أو أسماء مقدميها وحجم ونوعية الدعم المطلوب.

أجر لكل منشور

برز في الآونة الأخيرة عدد من الانتقادات لتعامل الجماعة مع إعلامييها والمشاهير في مواقع التواصل الاجتماعي، وكشف أحدهم، ويُدعى محمد قاطن، عن طريقة التعامل المالي التي باتت الجماعة تنتهجها معهم، بعد أن طالب اللجنة الإعلامية الحوثية في صنعاء ومسؤولين فيها بتخصيص مخصصات شهرية ثابتة، بدلاً من احتساب المقابل المالي لكل منشور على حدة.

وقال الناشط الموالي للجماعة في منشور على «فيسبوك»، إن على الجهات المعنية أن تدعم مشاهير التواصل، أو تنشئ لهم مكتباً إعلامياً أو نقابة تتولى رعاية أوضاعهم، داعياً أيضاً إلى توفير خطوط إنترنت مجانية عبر مؤسسة الاتصالات، أسوةً بما قال إنها امتيازات يحصل عليها موظفون في المؤسسة.

قادة حوثيون سخروا من مطالب الناشطين الموالين لهم بتحسين أوضاعهم (إعلام حوثي)

واشتكى آخر من أن بعض المشاهير يتحملون تكاليف الإنترنت من أموالهم، في حين لا يجدون دعماً يتناسب مع نشاطهم، منتقداً محاسبتهم على المنشورات كما لو أنهم يعملون بنظام اليومية.

ويبين هذا الطرح المفارقة في طبيعة العلاقة بين الجماعة الحوثية ومشاهيرها في منصات التواصل؛ فبدلاً من تقديم الدعم الثابت لهم، يتحدث عن آلية احتساب المقابل وفق المنشور، بما يجعل النشاط أقرب إلى العمل بالقطعة أو الأجر اليومي أو المقاولة.

كما طالب ناشط حوثي آخر، وهو هاشم الحيفي، بتوفير خدمات الإنترنت بأسعار مخفضة أو مجاناً، لكون ذلك لن يشكل عبئاً كبيراً إذا اقتصر على بضع مئات من العاملين في هذا المجال، في حين حذر زميل له من أن عدم الالتفات إلى تلك المطالب سيُضعف الجماعة أمام خصومها إعلامياً وعسكرياً، وسيمكّن الحكومة الشرعية من الوصول إلى «جولة آية»، وهو تقاطع شوارع شهير شمال العاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرة الجماعة.

مطالب متكررة

وصف حسين الأملحي، وهو أحد المشاهير الحوثيين، الجماعة بأنها «أبخل سلطة» تحكم صنعاء، مطالباً بتوفير الأموال للإعلاميين والممثلين والناشطين حتى يتمكنوا من التفرغ للعمل الإعلامي في مواجهة ما وصفه باتساع النشاط الإعلامي المناهض للجماعة.

ودعا إلى إسناد إدارة المنظومة الإعلامية إلى شخص قادر على تشغيلها، مع تخصيص ميزانية مناسبة لها، في انتقاد لطريقة إدارة هذا الملف وحجم الموارد المتاحة له.

وكان الأملحي، وهو أحد أبرز مشاهير الجماعة على مواقع التواصل الاجتماعي، واشتهر باستخدامه عبارات نابية وألفاظاً خارجة عن اللياقة في مهاجمة خصوم الجماعة، قد تعرض قبل عامين للاعتقال لمدة تقارب الشهر، بعد حديثه عن فساد في المحاكم ومؤسسات القضاء التي يسيطر عليها الحوثيون.

وأيَّد ناشط حوثي يكنّى «أبو غيث» تلك المطالب بالدعوة إلى تخفيض أسعار الإنترنت أو توفير باقات خاصة تتيح للمشاهير التواصل ومواصلة نشاطهم على نفقتهم، مشتكياً من ارتفاع تكلفة الباقات وبطء الخدمة، فضلاً عن ضعف التفاعل مع منشوراته، حتى من خلال الإعجاب أو المشاركة.

وشدّد الناشط المكنَّى أبو طه البدري، على أهمية الحرب النفسية والإعلامية والدعاية في الصراع، داعياً قيادة الجماعة إلى إدراك الدور الذي يؤديه مشاهير مواقع التواصل وتقديم الدعم الكافي لهم، وتوفير الدعم والتمويل اللازمين.

الحوثيون يفضلون دعم الناشطين الميدانيين المرافقين للمقاتلين (إعلام حوثي)

ولاقت مطالب الأملحي تأييداً من بعض الموالين للجماعة، لكنها قوبلت أيضاً بسخرية من آخرين رأوا أن البحث عن مقابل مادي للعمل الإعلامي لا تتناسب مع ما يقدمه المقاتلون في الجبهات، حيث يخسر بعضهم حياتهم، مطالبين مشاهير التواصل بالعمل مجاناً باعتبار ذلك، وفق خطابهم، أحد أشكال الجهاد.

وفي المقابل، سخر عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي من هذه المطالب، متهمين أصحابها بتأييد جماعة تحارب اليمنيين وتنهب أموالهم ومقدرات الدولة من دون مقابل، مستغربين أن يقبل هؤلاء على أنفسهم بأداء تلك المهام وباستعداء المجتمع من دون أن يحظوا بامتيازات مالية، ويحصلوا بدلاً عنها على الازدراء.

وشهدت الأشهر الماضية تصاعد شكاوى فنانين وإعلاميين موالين للجماعة من تردي أحوالهم المعيشية، واتهموها بعدم الوفاء بالتزاماتها لهم وتركهم رهناً للمعاناة، مقابل إثراء فاحش لقادتها، وتعرض عدد منهم للاعتقال أو حملات الإساءة بسبب تلك الشكاوى.


«فجر اليمن» تكثف ضرباتها الجوية والبرية لإنهاك القدرات الحوثية

قوات من ألوية العمالقة الجنوبية في طريقها لتعزيز جبهات غرب لحج (إعلام عسكري)
قوات من ألوية العمالقة الجنوبية في طريقها لتعزيز جبهات غرب لحج (إعلام عسكري)
TT

«فجر اليمن» تكثف ضرباتها الجوية والبرية لإنهاك القدرات الحوثية

قوات من ألوية العمالقة الجنوبية في طريقها لتعزيز جبهات غرب لحج (إعلام عسكري)
قوات من ألوية العمالقة الجنوبية في طريقها لتعزيز جبهات غرب لحج (إعلام عسكري)

دخلت العملية العسكرية اليمنية «فجر اليمن» يومها العاشر، الأربعاء، وسط استمرار المواجهات الأعنف في جبهات محافظة تعز (جنوب غرب)، إضافة إلى جبهات مأرب، والجوف، مع اشتداد الضربات الجوية والبرية التي تقول القوات الحكومية إنها تستهدف إضعاف القدرات القتالية للحوثيين المدعومين من إيران، وقطع خطوط إمدادهم، في وقت تتزايد فيه الخسائر البشرية، وموجات النزوح، وتتفاقم الضغوط على المستشفيات، والأسواق، والخدمات الأساسية.

وأعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 2200 عملية استهداف دقيقة، بمشاركة الطيران الحربي، والمسيّر، ومدفعية الميدان، والراجمات، ووحدات القناصة خلال 24 ساعة، وقالت إن التقديرات الميدانية الأولية تشير إلى تحييد نحو 1200 عنصر حوثي، وتدمير وإعطاب أكثر من 440 آلية وعربة ووسيلة عسكرية في مختلف محاور القتال.

وأوضح الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، أن العمليات ركزت على مراكز القيادة والسيطرة، والتحصينات، ومصادر النيران، ونقاط المراقبة والاستطلاع، إضافة إلى مناطق الحشد، ومستودعات الأسلحة، والذخائر، ووسائط النقل، والإمداد، والأهداف العسكرية التي وصفها بأنها عالية القيمة.

وأضاف أن القوات الحكومية واصلت تطوير عملياتها الهجومية في الجبهتين الشرقية، والجنوبية، محققة تقدماً ميدانياً تحت إسناد نيراني مكثف، فيما استهدفت الضربات في تعز تجمعات المقاتلين، والتعزيزات الحوثية، بهدف تعطيل قدرتها على إسناد مواقعها، وإعادة تنظيم صفوفها.

وتقول مصادر ميدانية إن الجماعة تتكبد يومياً خسائر بشرية تشمل قتلى، وجرحى، وأسرى، بينهم قيادات ميدانية، حيث تشير التقديرات إلى خسارة الجماعة نحو 15 ألف عنصر بين قتيل وجريح خلال 10 أيام، بينما لا تعلن الجماعة حصيلة شاملة لخسائرها.

معارك متعددة الجبهات

في تعز، تركزت المواجهات خلال الساعات الأخيرة في جبهات جنوب المدينة، وشرقها، وغربها، مع تجدد الاشتباكات في الأقروض، حيث أفادت مصادر عسكرية باندلاع معارك في مناطق الصراري، وذي البرح، وضحيح، عقب محاولات حوثية لمهاجمة مواقع القوات الحكومية.

وقالت المصادر إن القوات الحكومية أجبرت المقاتلين الحوثيين على التراجع من منطقة الصراري في مديرية صبر الموادم، فيما استهدفت غارات جوية تجمعاً ومقراً تابعاً للجماعة في منطقة الحوبان شرقي المدينة.

صورة ليلية لمدينة تعز المحاصرة من قبل الجماعة الحوثية (فيسبوك)

وفي الجبهة الغربية، استمرت المواجهات في محيط جبل هان، والصياحي، وجبل حذران، ضمن نطاق جبهة الضباب المطلة على الطريق الرئيس المؤدي إلى المدينة. وامتدت الاشتباكات إلى جبهتي الشقب، والأقروض جنوب شرقي تعز، وذلك بالتزامن مع احتدام القتال في مناطق المحاولة، والأغابرة ضمن محور الوازعية، جنوب غربي المحافظة، واستمرار المواجهات في جبهة المضاربة بمحافظة لحج المجاورة.

وتعمل وحدات الهندسة العسكرية، وفق البيان الحكومي، على إزالة الألغام والعبوات الناسفة من المواقع المستعادة في الجبهة الغربية، وتأمين الطرق، والممرات، في مسعى لحماية المدنيين، وتسهيل عودتهم إلى المناطق التي غادروها.

قرار مواصلة العملية

سياسياً، أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي أن عملية «فجر اليمن» ماضية نحو هدفها المعلن المتمثل في إنهاء انقلاب الحوثيين، واستعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح وقراري الحرب والسلم بيد المؤسسات الدستورية.

وقال العليمي، في خطاب بمناسبة الذكرى الثالثة والستين لثورة 14 أكتوبر، إن القوات المسلحة حققت أداءً جيداً منذ انطلاق العملية، وإن التغيرات المؤقتة على الأرض لن تثني الدولة عن مواصلة مسؤولياتها، بدعم من الأشقاء، والأصدقاء.

مدير شرطة تعز يتفقد الأوضاع الأمنية في المدينة (إعلام حكومي)

وأضاف أن التهديد الحوثي لا يقتصر على محافظة أو منطقة بعينها، بل يمتد إلى أمن اليمنيين، ومستقبلهم في الشمال، والجنوب، مشدداً على أن ما يجري في تعز ومأرب يرتبط بأمن عدن، وحضرموت، وسائر المحافظات.

وبرر العليمي إطلاق العملية باستنفاد فرص التهدئة، واستمرار الهجمات الحوثية على المدن، والقرى، ودول الجوار، والممرات المائية الدولية، مؤكداً أن قرار استعادة مؤسسات الدولة نافذ، ولا رجعة عنه.

تحذيرات إنسانية

تزامن اتساع العمليات العسكرية مع تحذيرات دولية من تداعياتها على المدنيين، خصوصاً في ظل ارتفاع أعداد الجرحى، والنازحين، وتراجع قدرة المرافق الصحية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.

وقالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الأربعاء، إن المستشفيات في أنحاء اليمن تواجه صعوبات متزايدة في التعامل مع الارتفاع الحاد في أعداد المصابين جراء القتال، مشيرة إلى أن بعض المرافق الصحية الواقعة على خطوط المواجهة في مأرب وتعز وساحل البحر الأحمر استقبلت أكثر من 700 مصاب خلال أسبوع واحد.

أشخاص يركبون دراجة نارية ينظرون إلى الدخان الأسود بعد ضرب موقع للحوثيين في الحديدة (رويترز)

وقال فراس أبو سمرة، منسق قسم الصحة في اللجنة، إن أطقم الرعاية الطبية تتعرض لضغوط هائلة، في وقت لا تستطيع فيه سوى نسبة ضئيلة من المرافق الصحية العاملة توفير رعاية متكاملة للمصابين.

وحذرت المنظمة من نقص المستلزمات الجراحية، والتخدير، والأكسجين، والأدوية، ومن محدودية قدرة النظام الصحي المنهك على استيعاب موجة جديدة من الإصابات الجماعية إذا اتسعت المواجهات.

وفي ملف النزوح، أفادت المنظمة الدولية للهجرة بأنها رصدت 217 ألفاً و303 نازحين، يمثلون 36 ألفاً و216 أسرة، حتى 12 أكتوبر الحالي. ويتركز نحو 55 في المائة من النازحين في محافظة تعز، فيما سجلت لحج أكثر من 45 ألف متضرر، وعدن أكثر من 26 ألفاً.

ولا تقتصر التداعيات على النزوح، والإصابات؛ إذ حذرت الأمم المتحدة من تراجع الإمدادات الأساسية في مدينة تعز، مع احتمال نفاد مخزونات القمح والدقيق خلال أقل من ثلاثة أسابيع، وفق إفادات شركائها في المجال الإنساني.

تحذيرات أممية من نقص الغذاء في مدنية تعز جراء حصار الحوثيين (رويترز)

وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوغاريك، إن أسعار المواد الغذائية ارتفعت بنحو 50 في المائة، فيما بلغت أسعار البنزين ثلاثة أمثال مستوياتها السابقة، وأصبح غاز الطهي غير متاح إلى حد كبير. كما أدى نقص الوقود إلى تهديد إمدادات المياه، وسط اكتظاظ مواقع النزوح، ومحدودية الحصول على المياه النظيفة، وضعف الخدمات الصحية.

وتزيد هذه الظروف من مخاطر تدهور الأمن الغذائي والصحي في مدينة يقطنها أكثر من 1.5 مليون نسمة، وتعاني منذ سنوات قيوداً حوثية على الحركة، والإمدادات، بسبب الحصار المفروض على منافذها.


تعز تواجه الهجوم الحوثي والحصار بتعبئة حكومية وإنسانية

أشخاص ينقلون دقيق القمح من على متن شاحنة في تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
أشخاص ينقلون دقيق القمح من على متن شاحنة في تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
TT

تعز تواجه الهجوم الحوثي والحصار بتعبئة حكومية وإنسانية

أشخاص ينقلون دقيق القمح من على متن شاحنة في تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
أشخاص ينقلون دقيق القمح من على متن شاحنة في تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)

اتسعت تداعيات المواجهات العسكرية والحصار الحوثي لمدينة تعز (جنوب غربي اليمن) لتشمل الأوضاع المعيشية والخدمية، مع تجدد التحذيرات من تفاقم الاحتياجات الإنسانية، وتعثر وصول إمدادات الغاز المنزلي، في وقت تتحرك فيه الحكومة والسلطة المحلية لحماية استقرار الأسواق وتوفير السلع الأساسية، بالتزامن مع استمرار عملية «فجر اليمن».

وفيما دعت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل المنظمات الإنسانية والجهات الدولية والمحلية إلى تكثيف تدخلاتها لتلبية احتياجات السكان، حذّر مكتب الشركة اليمنية للغاز في تعز من تداعيات منع وصول الإمدادات إلى المدينة، معتبراً أن استخدام الاحتياجات الأساسية وسيلة للضغط على المواطنين يفاقم الأعباء المعيشية في محافظة تعاني، وفق السلطات المحلية، من سنوات الحرب والحصار وتدهور الخدمات.

وأدان مكتب الشركة اليمنية للغاز في تعز منع الجماعة الحوثية وصول إمدادات الغاز المنزلي إلى المدينة، محذراً من انعكاس ذلك على الأسر في ظل الظروف الاقتصادية والإنسانية الصعبة.

المدخل الغربي لمدينة تعز حيث يضغط الحوثيين للتوغل في المدينة (فيسبوك)

وأكد المكتب، في بيان، أن الغاز من الاحتياجات الأساسية للمواطنين، مطالباً برفع القيود والعوائق التي تحول دون وصوله بصورة منتظمة وآمنة، وداعياً المنظمات الحقوقية والإنسانية والجهات المعنية إلى التدخل والضغط لإنهاء الأزمة وضمان استمرار تدفق الغاز وسائر الاحتياجات الأساسية.

وفي سياق متصل، وجهت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل مناشدة عاجلة إلى المنظمات والهيئات الدولية والإقليمية والجمعيات والمؤسسات المحلية والخارجية، وشركائها من القطاع الخاص، للتحرك لتخفيف معاناة السكان والاستجابة للاحتياجات الإنسانية المتزايدة.

وقالت الوزارة إن الأوضاع الإنسانية تشهد تدهوراً متسارعاً، وإن الاحتياجات الأساسية تتفاقم، خصوصاً بين الفئات الأشد ضعفاً، في ظل الحصار الذي تتهم الجماعة الحوثية بفرضه على المدينة.

ودعت إلى توفير المساعدات الغذائية والإيوائية والصحية والمياه والإمدادات الأساسية، وتكثيف برامج الحماية الاجتماعية، مع إعطاء الأولوية للأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والأسر الأشد فقراً وتضرراً.

وشددت على ضرورة تنسيق التدخلات بين المنظمات والجهات الحكومية والسلطات المحلية والقطاع الخاص، لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها وتجنب ازدواجية توزيعها، والاستفادة من الموارد المتاحة في تلبية الاحتياجات العاجلة.

الحكومة تتحرك اقتصادياً

في العاصمة المؤقتة عدن، شدد رئيس الوزراء اليمني شائع محسن الزنداني على أن التطورات المتسارعة لعملية «فجر اليمن» تستدعي توحيد الجهود لحماية الجبهة الاقتصادية وضمان تدفق السلع الأساسية واستمرار النشاط التجاري وتأمين احتياجات المواطنين.

وقال الزنداني، خلال لقائه ممثلين عن القطاع الخاص برئاسة نائب رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية ورئيس غرفة تجارة عدن أبو بكر باعبيد، إن مسؤولية استعادة مؤسسات الدولة لا تنفصل عن حماية معيشة السكان واستقرار الأسواق.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني خلال اجتماع في العاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)

وأوضح أن الحكومة تعمل بالتوازي على إسناد جهود استعادة مؤسسات الدولة ومواصلة الوفاء بالتزاماتها الاقتصادية والخدمية والمعيشية، مؤكداً أهمية توفير الغذاء والدواء والوقود بأسعار عادلة، وعدم استغلال ظروف المواجهات للاحتكار أو رفع الأسعار.

ودعا رئيس الوزراء القطاع الخاص إلى الحفاظ على استمرارية النشاط التجاري والإسهام في استقرار الأسواق والالتزام بالشفافية في التعاملات والأسعار، محذراً من ممارسات من شأنها زيادة الأعباء على المواطنين.

وفي المقابل، أقرّ الزنداني بحجم الضغوط التي تواجه الأنشطة التجارية نتيجة التطورات العسكرية والأمنية، وما تفرضه من تحديات على النقل والإمداد وتكاليف الاستيراد، مجدداً التزام الحكومة بالتواصل مع ممثلي القطاع الخاص والعمل مع الوزارات والجهات المختصة لمعالجة الصعوبات.

واستعرض ممثلو القطاع الخاص التحديات التي تواجه الأنشطة التجارية، إلى جانب مقترحات لتسهيل الإمدادات وتحسين الشراكة مع الحكومة، مؤكدين أهمية استمرار التشاور لتخفيف الأعباء عن القطاعين الإنتاجي والتجاري وحماية مصالح المواطنين والاقتصاد الوطني.

الخدمات تحت الضغط

على المستوى المحلي، عقد محافظ تعز نبيل شمسان اجتماعاً موسعاً مع قيادات السلطة المحلية والمكاتب التنفيذية ومديري المديريات، لمناقشة المستجدات العسكرية والخدمية والإنسانية، مؤكداً أن صمود أبناء المحافظة يمثل ركيزة أساسية في معركة استعادة مؤسسات الدولة.

وأشاد شمسان بتضحيات القوات المسلحة والمقاومة الشعبية، مشيراً إلى أن سنوات الحرب والحصار وتدهور الأوضاع المعيشية والخدمية فاقمت معاناة السكان، في وقت تتواصل فيه الهجمات على الأحياء السكنية، وفق ما ذكره.

ووجّه المحافظ برفع مستوى الأداء المؤسسي والانضباط الوظيفي، وتعزيز التنسيق بين الجهات التنفيذية، ومحاسبة المقصرين وفقاً للقانون، مع إعطاء الأولوية لقطاعات المياه والصحة والنظافة والتعليم والكهرباء والطرق.

جانب من اجتماع للسلطة المحلية في مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (إعلام حكومي)

كما دعا إلى تكثيف الرقابة على الأسواق ومنع الاحتكار والتلاعب بالأسعار، وحصر أضرار القصف، ومتابعة أوضاع الجرحى وأسر القتلى والضحايا المدنيين، وضمان توجيه المساعدات المتاحة إلى مستحقيها بعدالة وشفافية.

وأكد ضرورة توثيق الانتهاكات ومتابعة أوضاع المتضررين وإيصال معاناتهم إلى الجهات المعنية والمنظمات الإنسانية والحقوقية، إلى جانب تعزيز حضور مؤسسات الدولة والاستماع إلى شكاوى المواطنين.

من جانبه، قال وكيل المحافظة لشؤون الخدمات رشاد الأكحلي إن النزول الميداني والرقابة على التجار مستمران، مشيراً إلى استقرار الوضع التمويني وتوافر الدقيق بكميات كافية، مع استمرار التواصل مع الجهات المعنية لتأمين المشتقات النفطية والمواد الأساسية.

بدورها، أوضحت وكيلة المحافظة للشؤون الصحية إيلان عبدالحق أن الجهود تتواصل لدعم المستشفيات وتأمين المحاليل الطبية ومحاليل الغسيل الكلوي والأدوية الضرورية، في ظل الحصار وتزايد الحالات الحرجة.