عمرو موسى: الدستور استعاد روح مصر.. وجدول أعمال الرئيس الجديد «ثقيل جدا»

رئيس الهيئة الاستشارية بحملة السيسي يؤكد لـ {الشرق الأوسط} أن الجمهورية الثالثة تبدأ في ظروف صعبة

عمرو موسى
عمرو موسى
TT

عمرو موسى: الدستور استعاد روح مصر.. وجدول أعمال الرئيس الجديد «ثقيل جدا»

عمرو موسى
عمرو موسى

عشية الانتخابات الرئاسية المصرية، جمعنا في القاهرة نقاش مطول مع الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية ورئيس الهيئة الاستشارية بحملة المشير عبد الفتاح السيسي ورئيس لجنة الخمسين لتعديل الدستور، عمرو موسى.
النقاش مع عمرو موسى، على هامش انتخابات مصيرية لمستقبل الحكم في مصر، لم يكن نقاشا عاديا، فالرجل بخبرته الطويلة، وتجربته من داخل أروقة الدولة وأجهزة صنع القرار، وبنظرته الثاقبة بصفته، قبل كل شيء، مواطنا مصريا «فوق العادة»، تطرق إلى كل المواضيع التي تشغل الرأي العام في مصر وخارجها.
نقاش، تحول حوارا سياسيا أكد خلاله عمرو موسى أن رئيس مصر المنتخب سيكون لديه جدول أعمال ثقيل جدا وأجندة مليئة بالأولويات، داخلية وأخرى إقليمية أو خارجية، حتى تخرج مصر من أزمتها.
موسى أكد أن الرئيس وحده لا يستطيع منفردا أن يحقق ما يريده هو أو ما يريده الشعب المصري، وأن مهمته تقتضي منه أن يقود ويوجه، وأن يدير مؤسسات الدولة، طبقا لسلطاته الدستورية، مع التركيز على الإصلاح الشامل. رئيس الهيئة الاستشارية بحملة السيسي شدد على وجود «غضب كبير جدا» من الإخوان المسلمين داخل المجتمع المصري: «لسوء حكمهم وعنف سياستهم». وقال إن دستور عام 2014 لم يعزل أو يمنع أحدا، وأن الباب مفتوح للجميع للمشاركة في العملية السياسية شرط الاعتراف بهذا الدستور، والتوقف عن ممارسة العنف، والإقرار بالشرعية الجديدة.
وفيما يلي أهم ما جاء في النقاش المفتوح مع عمرو موسى:

* ما أولويات الرئيس المصري المقبل: ملف الأمن أم الملف الاقتصادي؟
- بات معروفا أن الأجندة تحتوي الكثير من المواضيع المتعلقة بتحقيق الأمن والإصلاح والبناء. وتشتمل الأولوية على أكثر من ملف في الوقت نفسه، لأن خللا كبيرا جدا وقع في مصر. ومن ثم، فإن مهمة إعادة البناء مهمة شاملة وأولوياتها متعددة. أولويات سياسية، واقتصادية، وتنموية، وعدالة اجتماعية. وهناك أولويات داخلية وأخرى إقليمية أو خارجية.
الحقيقة أنه سيكون لدى الرئيس الجديد جدول أعمال ثقيل جدا. وأثق بأن المشير عبد الفتاح السيسي على وعي بهذا كله. ومن ثم، أتصور أنه سيكون لديه شغل وانشغال كبيران. والكثير يتوقف أيضا، على الفريق الذي سوف يكلف تنفيذ كل هذا أو متابعته.
وبالتأكيد، سيكون هناك فرق عدة وليس فريقا واحدا فقط.
* المشير تحدث عن الأولويات وجدول الإعمال والأميال التي يجب قطعها لزيارة دول كثيرة. لكن الفريق الذي سيعمل مع الرئيس سيلعب دورا كبيرا، وسيكون لقوته تأثير كبير أيضا؟
- الرئيس وحده لا يستطيع منفردا أن يحقق ما يريد أو ما نريد. لكن مهمته تقتضي منه أن يقود ويوجه، وأن يدير مؤسسات الدولة من مختلف الزوايا، طبقا لسلطاته الدستورية، مع التركيز على الإصلاح الشامل. وهذا مهم جدا، لأن مصر لا تستطيع أن تمضي بالشكل الذي كانت عليه. لقد تعرضت مصر لهزة قوية، لسبب رئيس هو سوء إدارة الحكم بشكل متراكم حكومة بعد حكومة. وهكذا ولفترة طويلة، وعهدا بعد عهد، لم نشهد إلا سوء إدارة الحكم، ومن ثم نتائج سلبية في عمومها. وعليه، لا بد من تحقيق جودة الحكم وكفاءة إدارته. مصر في الواقع، تبدأ جمهوريتها الثالثة في ظروف صعبة. وهذه ليست جمهورية محمد نجيب، أو جمال عبد الناصر، أو محمد أنور السادات، وقطعا ليست جمهورية مرسي، إنما هي الجمهورية الثالثة، وهي مختلفة جذريا في دستورها، وفي المشاكل التي تواجهها، وفي الزمن الذي تعيش فيه، وأسلوب التعامل مع المشاكل.
* هل تعد الدستور خطوة كبيرة لمصر؟
- إي نعم، هو خطوة كبيرة جدا، ويجب أن نعمل على تطبيقه وتنفيذه. وهذا ما ننتظره من البرلمان المقبل، أن يصدر القوانين المكملة والمنفذة لتوجيهات والتزامات الدستور. ثم إن الدستور لا يطبق في ذاته، القضاة يطبقون القانون، والقانون هو الذي يتبع الدستور ويطبق مبادئه. هناك زخم كبير جدا الآن. الناس اختلفت، والشعوب استيقظت، ولن تقبل أن يخرج على إرادتها حاكم أو رئيس. ورغم التحديات الصعبة، فإننا نريد للجمهورية الثالثة أن تنجح. الناس منتظرة وهي تعرف طريقها، وتعرف، أيضا، ما تريد. الفشل الذي صاحب الحكومات السابقة أدى إلى زيادة الفقر، واضطراب الخدمات، وتراجع المؤشرات. وما نشهده حاليا، أمر مختلف. فقد عبرت الجماهير عن حبها للمشير السيسي وثقتها به. ورأى المواطنون فيه أنه رجل منهم، ووقفته معهم ضد حكم الإخوان المسلمين كانت حاسمة. وهو يعتزم العمل بعزمه كاملا لإعادة البناء، لأن مصر وصلت إلى مرحلة سيئة جدا في مختلف المجالات. وهنا، لا بد أن يتعرض الرئيس الجديد والحكم الجديد، لمواضيع الزراعة والصناعة والتجارة والسياحة والطاقة والتعليم والصحة، والاهتمام بالمواطن المصري في ذاته بصفته إنسانا. أي كل شيء تقريبا. ولست أعتقد أن في ذلك استحالة أبدا. والأمر المطلوب هو حسن الإدارة، إذ لدينا متخصصون في كل المجالات، وكذلك وجود خطة سليمة وعزيمة وإرادة قوية، وهي موجودة أيضا. وبذلك، يمكن تحقيق نتائج على أرض الواقع، وإلا فسيكون رد الفعل صعبا.
* كيف يمكن تحقيق نمو اقتصادي في ظل التحولات السياسية التي يشهدها البلد؟ وكيف يمكن خلق فئات سياسية فاعلة بأحزابها، في مقابل التركيز على إحياء الاقتصاد مجددا والتوفيق بين العملين؟
- أولا، إحياء الاقتصاد مسألة أسياسية. وسوف تسير وفق خطط العمل التي يسعى الرئيس والحكومة إلى تنفيذها. على سبيل المثال، هناك مشاريع كثيرة جدا. يمكننا التفكير في محور قناة السويس على الأقل، وإنشاء منطقة صناعية كبرى تشمل الصيانة، وصناعة السفن، ومنطقة تجارة حرة، واستصلاح أراض، ونهضة سياحية. وكلها أمور تفتح آفاقا كبيرة جدا. معروف أن نصف تجارة العالم يمر من قناة السويس.
لو جرى إنجاز هذا كله، فسيؤدي بالضرورة، إلى طوفان من البشر يتدفق إلى منطقة قناة السويس للعمل والحياة. مدن قناة السويس لا تتحمل حاليا مثل هذا الطوفان، مما يستوجب بناء مدن وقرى ومصانع ومزارع ومنتجعات. هذه الحركة تتضمن كما من المشاريع في المقاولات، والبناء، والزراعة، والصناعة. وهذه الخطة سوف تجلب الكثيرين، وهي تتناسب مع متطلبات القرن الـحادي والعشرين بمقاييسه ومتطلباته ومعاييره - والطريق الغربي (فكرة فاروق الباز)، والطاقة المتجددة للشمس في الصحراء الغربية، وهذه كلها موجودة في برنامج المشير. وكذلك سوف يجري تغيير حدود كل محافظات الصعيد بشكل أفقي - على سبيل المثال، في الأقصر، لم يكونوا يعرفون سوى السياحة. ستكون لديهم كيلومترات عدة على البحر، لإقامة مشاريع مختلفة، مثل شركات الأنشطة البحرية، أو بناء قرى وطرق جديدة. وهذا يفتح آفاقا أرحب. المطلوب هو الإدارة الصحيحة. الدستور تحدث عن أنواع جديدة من الإدارة. فنص على وجوب انتخابات تجرى على كل المستويات، في مجالس القرى ومجالس المدن والمحافظات. هذا تغير جذري في إدارة الأمور، لو تحقق بنجاح فستسير مصر على طريق مختلف. وبالأرقام، يصل الأمر إلى نحو 54 ألف كرسي مطروحة للانتخابات المحلية، في ظرف نحو عام. إضافة إلى ذلك، وبالأمر الدستوري، 25 في الماةئ من الرقم السابق، يجب أن يكون من بين النساء، ولهن نحو 14 ألف مقعد. وتكون هناك نسبة أخرى مماثلة للشباب تحت سن الـخامسة والثلاثين، ونسب أخرى للعمال والفلاحين والمسيحيين.. إلخ.
إذن، هناك حركة انسيابية يستطيع أي قائد استثمارها لتحريك كل هذه الأنشطة وقيادتها. وهذا من شأنه أن يخلق تحريكا اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، وسياسة جديدة تطبق من خلال الممارسة البرلمانية. ومن خلال مناقشة المشاكل الاقتصادية وغيرها في البرلمان، سوف تخلق التيارات اللازمة، سواء مع الحكومة أو ضدها. وأنا أتصور أن المدرسة السياسية سوف تتشكل من داخل البرلمان.
* ذكرت أن الدستور يؤكد استعادة روح مصر. كيف؟
- فعلا، الدستور يستعيد روح مصر. فمبادئ الشريعة الإسلامية أساس التشريع، وشرائع المسيحيين واليهود تنظم أحوالهم. كما يؤكد الدستور أن مصر جزء من الأمة العربية وجزء من القارة الأفريقية. والدستور يفصل في حسم حقوق المواطنين وحرياتهم. ويحدد سلطات مؤسسات الدولة، ويدخل مفهوم اللامركزية.. إنه لا يستعيد روح مصر وحسب، وإنما يرسم مستقبلها أيضا.
* مصر انكفأت إلى الداخل ثلاث سنوات بسبب الظروف التي مرت بها؟
- لا، ليس بسبب ظروف مصر، وإنما كان نتيجة تقييم خاطئ لظروف البلد. ثم جاء الانكفاء في بدايات هذا القرن، وتجذر خلال السنوات الخمس الأخيرة - وكان للرئيس مبارك نظرية «إني الباب اللي يجي لك منه الريح سده واستريح». كانت منطقة الشرق الأوسط تغلي من شدة التطورات. وخلال تلك السنوات، جاءت نظرية الفوضى الخلاقة، وجرى الحديث عن شرق أوسط جديد. ثم نشطت حركات التواصل الاجتماعي، والارتباط بالكثير من الشبكات العالمية. وكانت النتيجة، ما شهدناه من انغلاق لتجنب رياح التغيير، فعصفت رياح التغيير. مصر لا تستطيع أن تغلق الأبواب على نفسها.
* أشرفت على الجامعة العربية فترة من الزمن. وترددت أحاديث كثيرة حول إصلاح الجامعة. وحتى اليوم لم نشهد أي إصلاح؟
- مع عدم المساس بالجامعة العربية، من المهم أن نتحدث عن حركة التغيير العربية، أو ما سماه الغربيون «الربيع العربي»، حيث لا بد أن تنتج عن ذلك حركة تغيير في النظام الإقليمي. ومن الضروري أن نبحث في ماهية النظام الإقليمي الأكثر فاعلية. قبل أيام، خلال زيارتي إلى واشنطن اتصالا بالتغيير، تحدثت مع جميع من قابلتهم. وقلت في مداخلاتي العلنية، إن زمن سايكس - بيكو انتهى، ولن يستطيع وزير أو اثنين، أو حتى خمسة، أن يقرروا مصير الشرق الأوسط، لأن ثورة رفض سوف تحدث. أقصد أنه لا يمكن مثلا، لكل من سيرغي لافروف وجون كيري وحدهما، أن يقررا مصير الشرق الأوسط، كما فعل سايكس وبيكو عام 1914. يجب أن يكون لنا - نحن العرب - كلمة وموقف وقرار.
* هناك أكثر من حرب أهلية في المنطقة. ومن الصعوبة بمكان الاتفاق على عمل شيء لمنع هذه الحروب، فالخلافات متجذرة. كيف ترى ذلك؟
- هي خلافات كثيرة، لكن عندما نجلس معا في إطار الجامعة العربية، يصبح من الممكن تسويتها أو بعضها على الأقل. وسبق أن التقينا هنا، في منزلي، عندما كنت أمينا عاما للجامعة، وتوصلنا إلى حلول لبعض المواقف والمشاكل العربية، من خلال النقاش الهادئ، والتفاهم على حدود دنيا وقصوى، وعلى أساليب عمل. وهذا كله يقتضي أن نعمل على خلق نظام إقليمي جديد، نستعد له بالفكر والتصور والتخطيط، لنتفق على ما هو النظام الموفق. وهناك عناصر جديدة لا بد أن نضعها في الاعتبار.
أولها، أن المغرب العربي لم يعد الشقيق الأصغر، إذ لا ننسى أنه لعب دورا في مسارات التغير التي حدثت وتحدث حاليا، من تونس إلى ليبيا. أقصد من هذا، أن يؤخذ رأي المغرب العربي بجدية.
ثاني تلك العناصر، هو أن نقبل بالتنوع الذي يستوعب الأمازيغ والأكراد والمسيحيين، ومختلف المذاهب الإسلامية. وأن نخرج عن نطاق القومية العربية بمعناها الرومانسي التقليدي السابق. وأن يستفيد العالم العربي من كل الروافد التي في داخله.
والأمر الثالث، هو ضرورة أن نعي أسباب تخلفنا، وطريقة إدارة الأمور، ومختلف ملفات المجتمع، وعلى رأسها، وضع نظام تعليم يوفر لنا الكوادر التي تتناسب وطبيعة المرحلة، لأن التعليم مرتبط بالاقتصاد، حتى يمكن إنتاج سلعة تنافس في الأسواق العالمية.
والأمر الرابع، هو الديمقراطية، وإلغاء فكر التوريث نهائيا، والدخول الجدي في نظام ديمقراطي بمعناه الواسع والعاقل والراقي.
* هذا يقودنا إلى الملف السوري، ووجود خلاف حول التسويات التي يجب أن تفرض؟
- الملف السوري حوله خلاف كبير ويعاني عجزا مشينا.
* بحكم طبيعة عملك كنت على صلة بالرئيس حافظ الأسد وسوريا. كيف ترى الأمور اليوم؟
- سوريا دينامو العروبة، وسقوطها أو تقسيمها أو دمارها، يؤثر سلبا في حاضر العرب ومستقبل المنطقة. وهنا، أذكر أيضا الديمقراطية، التي من دونها، ستبقى المشاكل إلى ما لا نهاية. وأرى الطريق المتبع حاليا غير فاعل، وصيغة جنيف صيغة خادعة لا فائدة منها. وأعتقد أن الحل يجب أن يكون إقليميا في أساسه وتوجهه، على تفصيل ليس هذا مكانه.
* هل تتوقع وضع قانون أو دستور نموذجي ضامن لاحتياجات الناس ومصالحهم، في ظل تعقيدات الواقع الذي يفرض نفسه على صياغة الدستور والقانون؟
- ممكن. لكن، يجب أن نثق بالشعب الجديد الذي يغضب ويثور ويرفض. ورأينا نموذج «الإخوان» عندما ركزوا في أساس أولوياتهم، على تمكينهم من الحكم على حساب مواضيع ذات أولوية لدى الناس، مثل منع الفقر ومحاربته. وعندما غضب الناس أسقطوا حكم «الإخوان» ودستورهم. نعم لا توجد مثالية، ولكن يوجد أمر واقع، هو أن الناس لم يعودوا يطيقون سوء إدارة الحكم، وتجاهل مصالحهم واحتياجاتهم، وكذلك لا يحتملون الإهانة والاستهزاء بهم. من هنا، نأتي بقوة الدستور وضماناته وحمايته.
أما من يقول بأننا سنعيد تجربة فلان أو علان، فهو يعبر عن عجز كبير، لأننا في العصر الجديد، لا يمكن أن نعيش بمقاييس القرن العشرين، وضروري أن نعيش ظروف هذا القرن بفكره وتداعياته. لن تكون هناك عودة لأي نظام سابق، فتلك نظم أثبتت فشلها، فكيف نعود إليها مرة أخرى؟
* ماذا عن دعم الاقتصاد المصري وتجارب الآخرين، خاصة تجربة البرتغال التي أشار إليها المشير السيسي في حواري معه؟ وما حجم صلاحيات رئيس الحكومة؟
- الدستور حدد صلاحيات رئيس الوزراء، بأنه شريك في رسم السياسة والمشرف على تنفيذها. وهنا، لا محل للاجتهاد. أما الرئيس، فله القيادة وسدة الحكم والتوجيه. أما الحكومة، فلها الإشراف على التنفيذ وقيادته. وإذا أردنا أن نختار مثالا، أو نموذجا لحركة إعادة البناء، فالمثال أو النموذج، في رأيي، هو البرازيل. برازيل الرئيس لولا.
* تقصد إصلاح العملة؟
- ديمقراطية سياسية واقتصاد حر، لكنه مراقب ومتابع بدقة، حتى يحقق الفرعين: التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. هذه نظرية الرئيس لولا.
* بات لكلمة خصخصة معنى سلبيا في المنطقة العربية، كيف ترى الأمر؟
- نعم، كلمة خصخصة كلمة غريبة. لكن 75 في المائة من الاقتصاد المصري يقوم به القطاع الخاص. ومن ثم يمكن مناقشة الكلمة والمعنى. وتكفي الإشارة إلى السنوات الثلاث من 2011 وحتى 2013: عجلة الإنتاج توقفت، والاحتياطي أنفق، لكن بقيت صناعات يقوم بها القطاع الخاص تعمل، محققة نسبة كبيرة من العمالة والدخل والإنتاج، في إطار المشروعات المتوسطة والصغيرة، مع قلة من المشروعات الكبيرة.
* هل أنت متفائل؟
- إجابتي دائما، هي أن لدي القليل من التفاؤل. لكن أمامنا صعوبات كبيرة جدا. مع ذلك، فإن مهمة الإصلاح وإعادة البناء ليست مستحيلة.
* ماذا عن موضوع الشباب في الدستور، ومشاركتهم في حركة التغيير بالمنطقة العربية؟
- الدستور، كما سبق أن أوضحت، يعطي نسبة للشباب في الحكم المحلي والمحافظات، تصل إلى 25 في المائة من المقاعد. وهذا يعني نحو 14 ألف مقعد منتخب. وهذا أمر كبير، وقد دخلوا في العملية السياسية والأحزاب. وفي قانون مجلس النواب، سيكون مدرجا في كل قائمة، ثلاث نساء، وثلاثة مسيحيين، واثنان من الشباب، وواحد من المعاقين، وواحد من المصريين في الخارج. أي إنه أصبح للشباب، مقاعد مضمونة في العملية التشريعية. هذا بالإضافة إلى السياسة التدريبية في إطار مناصب السلطة التنفيذية، وطبعا الأساس هو ضمان جودة التعليم وآفاق المعرفة مهم.
* كيف ترى موضوع «الكوته» هذه، هل تتوافق مع العملية الديمقراطية؟
- هذه الكوته جزئية، محصورة في 120 كرسيا بمجلس النواب المقبل، والهدف منها، هو ضمان حد أدنى لوجود النساء والشباب في المجلس، ولكن تبقى الحرية كاملة لانتخاب النساء على مستوى المجلس ككل، وممارسة الشباب والنساء داخل البرلمان سوف تساهم في توفير الخبرة، ومن ثم مشاركتهم في الأحزاب الجديدة، والتحالفات التي سوف تظهر. ومن ثم سوف تتضاعف أعداد النساء والشباب المنخرطين في العمل السياسي والتنموي، ويتطور موضوع الكوته.
* كان «الإخوان» في السابق، يمررون مرشحيهم. هل يفعلونها هذه المرة؟
- هناك غضب كبير جدا من «الإخوان» داخل المجتمع المصري، لسوء حكمهم وعنف سياستهم. ولو فكر «الإخوان» في الاستفادة من الوضع الدستوري الجديد، المختلف عن دستورهم، الذي عزلوا به مئات من الشخصيات السياسية من مسؤولي النظام السابق، وحرمانها من الحقوق السياسية لعشر سنوات - لفهموا أن دستور عام 2014 لم يعزل أو يمنع أحدا، وأن الباب مفتوح للجميع للمشاركة في العملية السياسية. لكن، عليهم الاعتراف بهذا الدستور، والتوقف عن ممارسة العنف، وإعلان ذلك وأن يعلنوا هذا الكلام، ويقروا بالشرعية الجديدة.
* كيف سيتعاطى الإسلاميون في مصر مع الوضع، في وجود أنظمة إسلامية بمناطق أخرى؟
- الإسلاميون وصلوا إلى الحكم في مصر، وفشلوا في ظرف سنة. لم يقصهم أحد، إنما هم الذين أوصلوا أنفسهم إلى ما حدث لهم. يجب أن يؤخذ هذا في الاعتبار. إنهم حكام غير أكفاء وغير أذكياء. وإدارتهم كانت سيئة. لذلك، سقطوا. وقد أثر هذا السقوط في موقفهم جذريا. والعودة إلى مثل هذه التجربة غير ممكن. وقد يستغرق الأمر سنوات، وربما عقودا حتى يعدلوا من فكرهم، ويفهموا أنه عندما يصل فريق إلى الحكم، يجب أن يعمل على تحقيق مصالح الناس واحترامهم، وتطبيق الديمقراطية، وهذا ينطبق على الجميع.
* كيف سيتعامل المشير السيسي مع الدول التي أخذت موقفا سلبيا مما جرى في مصر؟
- هو يفهم تماما حقيقة الوضع الداخلي والإقليمي والدولي. وأن ثمة إمكانية لفتح صفحة جديدة وتحقيق متطلبات القرن الحادي والعشرين. إنها الجمهورية الثالثة، التي تتطلب فتح صفحات مختلفة عما سبق. وهذا ما قلته في أميركا: مطلوب إطار جديد للعلاقة المصرية مع دول العالم الفاعلة، وعلى رأسها الولايات المتحدة. ولن يسمح الوضع الجديد بسياسة تحقيق مطالب للخارج بإملاءات عبر الهاتف. فيما يتعلق بمصر واحترامها لنفسها، لا أرى أن شخصية السيسي من النوع الذي سيقول «حاضر» لأحد. فهو يناقش، ويعود إلى مؤسسات الدولة. وقد يقول «نعم» إذا ارتأى أن الأمور مقبولة. وهنا، تطبق مصر أسس النظام الديمقراطي.
* ماذا عن العلاقة مع قطر وتركيا؟
- أدعو قطر وتركيا إلى فتح صفحة جديدة في العلاقة مع مصر. هناك جمهورية جديدة في مصر، وعملية بناء شاقة لكنها ضخمة، فلن يكون للصفحة القديمة مكان.
* ماذا عن تكوين رجال الدولة ونقل الخبرات إليهم، من قبل دبلوماسيين يتمتعون برؤية مميزة في المنطقة؟
- حتى تصنع رجل دولة، فالأساس هو حسن التعليم وجودته، وكذلك تنمية القدرة على الاطلاع والمتابعة المستمرة للتطورات، ثم الممارسة قريبا من الحكومة ومن مراكز صناعة القرار، أو ما هو تابع لها. وأن يكون رجل الدولة واعيا بالعصر الذي يعيش فيه، مستوعبا لمتطلباته، ولا يكون مشدودا إلى عصر سابق مضى راغبا في العودة إليه والعيش فيه، نظرا لأنه خيار سهل. التاريخ لا يعود، بل قد يعيد نفسه، أحيانا، ولكن بأشكال مختلفة، ورجل الدولة هو رجل العصر وليس رجل الماضي.



زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
TT

زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)

مع ساعات الفجر الأولى، يجلس برك بو سبعة (63 عاماً) إلى طاولة أحد المقاهي الشعبية في قلب مدينة المكلا القديمة، يتأمل وجوه المارّة، ويتبادل أطراف الحديث مع أصدقائه عن هموم تتشابه وتفاصيل حياة لم تعد كما كانت.

ويُعدّ بو سبعة من قدامى سكان المدينة الساحلية، وقد ارتبط رزقه ورزق أسرته ببحر العرب، الذي يعانق جبال المكلا شرق اليمن، ويمنح الصيادين ما تجود به أمواجه؛ يوماً بعد آخر.

قدم «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» أكثر من 200 قارب للصيادين في المكلا (الشرق الأوسط)

يستعيد برك، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، ملامح الحياة القديمة في المكلا، قائلاً إن «الأيام كانت أبسط وأجمل»، مضيفاً: «الناس كانوا طيبين... لا يميلون إلى المشكلات، ويحبون الضيف ويكرمونه».

وأثناء احتسائه الشاي بالحليب، يتابع بو سبعة حديثه عن العادات اليومية قائلاً: «كما ترى، يبدأ الناس صباحهم هنا بالباخمري والمطبق (من الأكلات الشعبية)، فيما تختلف الطقوس بعد الظهر، حيث يتناولون الأرز الصيادية، ويشتهر بها عمر عبود باسعد».

برك بو سبعة أحد قدامى الصيادين في مدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

ولا يزال بعض المظاهر القديمة حاضراً في ذاكرة بو سبعة، ومنها جلسات العصر التي كان الناس يلتفون فيها لسماع قصص عنترة، تُروى على شكل حلقات متتابعة تمتد أياماً عدة. ويقول: «من أشهر من كان يروي هذه القصص عبد أحمد، وكان الناس ينتظرون جلساته بشغف».

ويشير بو سبعة إلى المكان الذي كانت تُعقد فيه تلك الجلسات، خلف سدة يعقوب باوزير، وهي مقبرة كبيرة في المكلا القديمة، لافتاً إلى أن بعض الروايات تقول إن يعقوب باوزير قدم إلى المدينة من العراق.

وعن هموم الصيادين اليوم، يختصرها بو سبعة في 3 عناوين رئيسية: «غلاء المعيشة، وصعوبة توفير المحروقات، وارتفاع أسعار معدات الصيد»، مؤكداً أن هذه التحديات باتت تثقل كاهل من لا يزالون يعتمدون على البحر مصدراً وحيداً للرزق.

«كونتينر الريان»

تدخّل صياد آخر في الحديث قائلاً: «تحسّن وضع الصيادين الآن بعد مغادرة الإماراتيين». سألته كيف؟ فطلب عدم ذكر اسمه، موضحاً: «كانت هناك مناطق يُحظر علينا الصيد فيها من قبل القوة الإماراتية التي كانت موجودة».

وأضاف: «مُنعنا الصيد في منطقة شحير القريبة من مطار الريان، وكذلك في منطقة الضبة. اليوم تنفّسنا الصعداء بعد مغادرتهم».

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، طلب في 30 ديسمبر (كانون أول) الماضي، مغادرة ⁠كل ​القوات ‌الإماراتية ومنسوبيها جميع الأراضي اليمنية في غضون 24 ⁠ساعة.

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)

غير أن الرجل، الذي يبدو في عقده الرابع، تحدث بمرارة عمّا يُعرف بـ«كونتينر الصيادين». اعتدل في جلسته، ثم واصل حديثه قائلاً: «كان هناك كونتينر خصصه الإماراتيون في مطار الريان لاحتجاز الصيادين المخالفين تعليماتهم».

وتابع: «كما كانت تُحتجز الهواري (القوارب) لفترات قد تصل أحياناً إلى شهر، وهو أمر كارثي بالنسبة إلى صياد يعتمد في قوت عائلته على صيده اليومي».

وأشار الصياد إلى ملاحظة أخرى وصفها باللافتة، قائلاً: «بعض الصيادين كانت تُصرف لهم رواتب شهرية من قبل الإمارات مقابل الامتناع عن الصيد، وعند تسلمهم تلك الرواتب فوجئوا بأن أسماءهم مُسجّلة في الكشوفات المالية بوصفهم (جنوداً) لدى القوة الإماراتية».

ووفق تقديرات محلية، يبلغ عدد الصيادين في مدينة المكلا نحو 3 آلاف صياد، يتوزعون على عدد من مناطق المدينة. ووفقاً لأحدهم، فقد قدّم «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، قبل نحو عامين، أكثر من 200 قارب دعماً للصيادين في المكلا، في إطار الدعم التنموي المستمر الذي تقدمه المملكة للشعب اليمني في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.


سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
TT

سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)

أثار إعلان السلطة المحلية وقوات «تحالف دعم الشرعية» في اليمن عن المصادقة على خطة إخراج المعسكرات من مدينة عدن، التي تُتخذ عاصمة مؤقتة للبلاد، حالة من الارتياح لدى سكان المدينة التي عانت من الصراعات في السابق، وطالبوا بتحويل المعسكرات إلى حدائق ومدارس، عادّين ذلك خطوة مهمة لتجنيب المدينة أي صراعات مستقبلية.

وعبّر سكان في المدينة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، عن سعادتهم بهذه الخطوة، ورأوا أن تحويل المعسكرات إلى حدائق عامة ومدارس سيخدم السكان، ويسهم في تجنيب المدينة الصراعات لتكون آمنة ومستقرة، قائلين إنهم كانوا يتطلعون منذ مدة طويلة إلى مثل هذه الخطوة التي أثّرت على الدور الفاعل للمدينة ودورها الاقتصادي.

وقال صهيب، وهو معلم، إنهم يتطلعون إلى «مزيد من القرارات الجادة التي تصب في مصلحة سكان المدينة وتلبي تطلعاتهم المشروعة؛ لأن سكان عدن دفعوا عبر سنوات طويلة ثمن الصراعات التي أثّرت بشكل واضح على الطابع المدني الذي عُرفت به، وعلى الدور الاقتصادي المنشود بصفتها أكبر موانئ البلاد والعاصمة الاقتصادية لها».

تحقيق الأمن والاستقرار ركيزة أساسية لاستعادة عدن مكانتها الاقتصادية (إعلام محلي)

من جهته، يرى سامي عبد الباسط، وهو طالب جامعي، أن سكان عدن عانوا من الصراعات نتيجة انتشار المعسكرات فيها، وأنه حان الوقت لإغلاق هذه الصفحة من خلال تعزيز دور شرطة المدينة وإخراج المعسكرات منها، مبيناً أن وجود المعسكرات وسط التجمعات السكنية من شأنه أن يفتح الباب أمام أي مغامرة، كما حدث في عامي 2018 و2019.

الأمر ذاته عبّرت عنه نسرين، وهي موظفة حكومية، وأكدت أن الناس يتطلعون إلى أن تعود عدن كما عُرفت؛ مدينة مسالمة ومستقرة ومركزاً للأنشطة الثقافية والفنون، مشيرة إلى أنها بحاجة إلى تحسين الخدمات والفرص الاقتصادية، وأن إخراج المعسكرات سيشكّل خطوة مهمة في دعم وتعزيز الطابع المدني الذي عُرفت به منذ زمن طويل، قبل أن تدفع ثمن الصراعات.

آليات تنفيذية

وكانت قيادة السلطة المحلية بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن، برئاسة وزير الدولة محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، قد عقدت اجتماعاً مشتركاً مع قيادة التحالف الداعم للشرعية في اليمن، ممثلة باللواء الركن فلاح الشهراني، وبحضور قيادات أمنية وعسكرية؛ لمناقشة خطة إعادة تموضع المعسكرات خارج نطاق المدينة.

وذكر إعلام السلطة المحلية أن الاجتماع ناقش الآليات التنفيذية وخطة إخراج المعسكرات وإعادة تموضعها في المواقع المتفق عليها، على أن يعلَن عن تفاصيل ذلك لاحقاً من قبل الجهات المختصة؛ وذلك في إطار الجهود الهادفة إلى تعزيز الطابع المدني لمدينة عدن وترسيخ الأمن والاستقرار فيها.

وطبقاً لما أوردته المصادر، فإن «تنفيذ خطة إعادة التموضع سيكون على 3 مراحل، وفق خطوات وآليات واضحة جرى التوافق عليها، بما يضمن تحقيق الأهداف الأمنية والتنظيمية المنشودة».

وشدد المجتمعون على أن تحقيق الأمن والاستقرار يمثل ركيزة أساسية لاستعادة مكانة عدن ودورها الريادي، لا سيما في الجوانب الاقتصادية والاستثمارية، بما يسهم في دعم مسار التنمية وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.

استقرار الوقود

وفي لقاء آخر، ناقشت السلطة المحلية بعدن مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، ممثلة بمستشار قائد القوات المشتركة اللواء الركن فلاح الشهراني، سبل تعزيز استقرار إمدادات الغاز المنزلي والمشتقات النفطية، وتحسين خدمات الطاقة في العاصمة المؤقتة للبلاد والمحافظات المحررة.

وكرّس الاجتماع، الذي حضره وكيل محافظة عدن لشؤون التنمية، عدنان الكاف، ووكيل وزارة النفط والمعادن، طلال بن حيدرة، لمناقشة التحديات المرتبطة بغياب الخزانات الاستراتيجية للغاز وتداعيات توقف الإمدادات مؤخراً، والتوجه إلى إنشاء خزانات استراتيجية تضمن استقرار التموين وتفادي الأزمات مستقبلاً.

حضور فاعل لـ«تحالف دعم الشرعية» في تحسين الخدمات لسكان عدن (إعلام حكومي)

كما ناقش المشاركون آليات تأمين الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، وتعزيز التنسيق بين الجهات ذات العلاقة لضمان استمرارية تزويد السوق المحلية بالغاز والحد من أي اختناقات.

وثمن الحاضرون في الاجتماع الدعم الذي تقدمه السعودية في مجال المشتقات النفطية، وما أسهم به في تحسين خدمة الكهرباء واستقرار التيار خلال الأيام الماضية، ضمن الاستعدادات المبكرة لفصل الصيف.


اليمن: القادة الجنوبيون يتطلعون إلى حلول عادلة في مؤتمر الحوار المرتقب

اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
TT

اليمن: القادة الجنوبيون يتطلعون إلى حلول عادلة في مؤتمر الحوار المرتقب

اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)

في لحظة سياسية دقيقة، يعود ملف الجنوب اليمني إلى واجهة المشهد الإقليمي، وسط تحركات سعودية حازمة تهدف إلى إعادة صياغة مساره بعيداً عن الاستقطاب والصراعات المفتوحة، وبمقاربة تضع الحوار الشامل خياراً وحيداً لتفكيك التعقيدات المتراكمة وإنهاء حالة الجمود.

وفي هذا السياق، انطلقت في العاصمة السعودية الرياض، الأحد، أعمال «اللقاء التشاوري الجنوبي» بمشاركة واسعة من القيادات والشخصيات السياسية والاجتماعية، إلى جانب المشايخ والأعيان، من مختلف محافظات جنوب اليمن، في خطوة تمهيدية لعقد مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب، الذي ترعاه السعودية، ضمن جهودها الرامية إلى دعم مسار سياسي شامل يعالج القضية الجنوبية بعيداً عن الإقصاء والتهميش، وبما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة.

ويأتي هذا اللقاء في ظل تعقيدات غير مسبوقة يعيشها المشهد اليمني، وما تواجهه القضية الجنوبية من تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متراكمة، حيث يسعى المشاركون إلى بلورة رؤية جنوبية جامعة تقوم على الحوار بوصفه خياراً أساسياً لمعالجة جذور الأزمة، بعيداً عن منطق التصعيد والعنف، أو اختزال القضية في تمثيل أحادي لا يعكس تنوع الجنوب وتعدد مكوناته.

وأكد المجتمعون، في بيان ختامي تلاه عبد الرحمن المحرّمي، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، أن اللقاء يعكس «إرادة جنوبية جامعة تمثل مختلف شرائح الجنوب ومحافظاته، وتسعى إلى التوصل إلى حل عادل وآمن ومستدام للقضية الجنوبية»، مشددين على أن هذا المسار السياسي يستند إلى الحوار المسؤول بوصفه الطريق الوحيد القادر على تجنيب الجنوب مزيداً من الانقسامات والصراعات الداخلية.

لقاء تشاوري في الرياض للقيادات الجنوبية أكد على نهج الحوار للتوصل إلى حلول عادلة للقضية الجنوبية (رويترز)

وأوضح البيان أن المشاركين لمسوا، من خلال لقاءاتهم المباشرة مع القيادات والمسؤولين في السعودية، دعماً واضحاً ومتطابقاً مع مطالب الجنوبيين المشروعة، وفي مقدمتها حقهم في الوصول إلى حل سياسي شامل يضمن كرامتهم وأمنهم واستقرارهم، دون فرض شروط مسبقة أو سقوف سياسية، وبما يكفل حق أبناء الجنوب في تقرير مستقبلهم السياسي عبر آلية توافقية لا يُقصى فيها أحد.

وشدد البيان على أن خيارات أبناء الجنوب، بما فيها شكل الدولة ومستقبلها السياسي، تظل حقاً أصيلاً لهم وحدهم، وأن المملكة العربية السعودية لا تتبنى موقفاً معادياً لأي خيار، شريطة أن يكون ناتجاً عن حوار جنوبي - جنوبي شامل، لا يُفرض من قبل مكون أو شخص بعينه، ولا يُختزل في تمثيل لا يعكس الإرادة الجنوبية الجامعة.

رعاية سعودية وفرصة تاريخية

البيان أكد أن مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب، برعاية السعودية، يمثل «فرصة تاريخية نادرة» لإعادة تصويب مسار القضية الجنوبية، محذراً من محاولات العبث بهذه الفرصة عبر خلق استقطابات داخلية، أو الزج بالجنوب في صراعات جانبية تخدم أطرافاً إقليمية تسعى لإدامة الفوضى، ولا تصب في مصلحة الجنوبيين أو مستقبلهم.

وفي هذا السياق، برزت دعوات واسعة داخل اللقاء، إلى ضرورة الفصل بين عدالة القضية الجنوبية بوصفها قضية سياسية وحقوقية مشروعة، وبين الممارسات الفردية لبعض القيادات التي يرى مراقبون أنها ألحقت أضراراً جسيمة بالقضية، من خلال احتكار التمثيل، أو توظيفها في صراعات إقليمية لا تخدم تطلعات أبناء الجنوب.

السعودية تقود مساراً يقوم على الحزم والمسؤولية الإقليمية للتوصل إلى حلول آمنة لقضايا اليمن المعقدة (رويترز)

ويشير محللون إلى أن تراجع الزخم السياسي للقضية الجنوبية خلال مراحل سابقة ارتبط، إلى حد كبير، بممارسات سياسية ومالية مثيرة للجدل، وبتغليب المصالح الشخصية على المصلحة العامة، وهو ما أسهم في إضعاف حضور القضية على المستويين الإقليمي والدولي، قبل أن تعيد الرعاية السعودية الحالية تصديرها بوصفها قضية سياسية مركزية ضمن مسار الحل الشامل في اليمن.

وأشار المحرمي إلى أن القيادات والشخصيات الجنوبية المشاركة لمست منذ وصولها إلى الرياض، ترحيباً صادقاً ودعماً عملياً للقضية الجنوبية، مؤكداً أن هذا الدعم لم يقتصر على الجانب السياسي؛ بل شمل الملفات المعيشية والاقتصادية والأمنية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

وأوضح البيان أن اللقاءات التي عقدتها القيادات الجنوبية مع مسؤولي مؤسسات الدولة في المملكة، أسهمت في تقديم صورة أكثر عمقاً ووضوحاً عن أبعاد القضية الجنوبية، الأمر الذي عزز من حضورها السياسي إقليمياً، وساعد في تسريع معالجة عدد من الملفات العاجلة، وفي مقدمتها أزمة صرف المرتبات المتأخرة، التي أثقلت كاهل الموظفين المدنيين والعسكريين على حد سواء.

القيادات الجنوبية شددت على رفض الإقصاء أو الاحتكار لموضوع القضية الجنوبية (رويترز)

كما أعلنت السعودية عن دعم اقتصادي وتنموي للجنوب واليمن عموماً، بلغت قيمته نحو 1.9 مليار ريال سعودي (نصف مليار دولار) في خطوة عُدّت مؤشراً عملياً على التزامها بدعم الاستقرار المعيشي، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وتهيئة البيئة اللازمة لإنجاح أي مسار سياسي مقبل، مع تكفلها برواتب الموظفين المدنيين الحكوميين بمبلغ 9 ملايين دولار، وكذا برواتب كل العسكريين والأمنيين المرتطبين باللجنة المشتركة لقيادة تحالف دعم الشرعية.

وفي الجانب الأمني، تلقى المجتمعون تأكيدات مباشرة بشأن استمرار دعم القوات الجنوبية التي تضطلع بمهمة مكافحة الإرهاب وحماية الأمن والاستقرار، في مواجهة التهديدات التي تشكلها ميليشيات الحوثي والتنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها «القاعدة» و«داعش»، بما يعزز من قدرة الجنوب على حماية مكتسباته الوطنية.

دعوة للمشاركة والمسؤولية

دعا البيان الذي قرأه المحرّمي، جماهير الشعب الجنوبي، إلى التعبير عن تطلعاتهم المشروعة بوعي ومسؤولية، ودعم مسار الحوار الجنوبي برعاية السعودية، باعتباره الإطار الأكثر واقعية وأماناً للتوصل إلى حل سياسي شامل، يحفظ الحقوق ويصون المكتسبات، بأقل تكلفة ممكنة.

كما وجّه البيان نداءً إلى المجتمع الدولي لمساندة هذا المسار الجاد، واحترام تطلعات الجنوبيين، ودعم الجهود السعودية الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في الجنوب واليمن والمنطقة، باعتبار أن معالجة القضية الجنوبية تمثل مدخلاً أساسياً لأي تسوية شاملة ومستدامة.

حشد من المتظاهرين في عدن المطالبين بإيجاد حلول للقضية الجنوبية (رويترز)

وفيما يتعلق بالمظاهرات التي تشهدها مدينة عدن بين الحين والآخر، أكد البيان أن هذه التحركات تعبّر في جوهرها عن مطالب شعبية مشروعة مرتبطة بالقضية الجنوبية والظروف المعيشية الصعبة، ولا يمكن اختزالها في دعم شخص أو مكون بعينه.

ويرى مراقبون أن توظيف هذه الاحتجاجات سياسياً من قبل بعض القيادات، بهدف تحقيق مكاسب شخصية أو تعزيز نفوذ ضيق، أسهم في تشويه صورة الحراك الجنوبي، وأضعف مصداقية القضية أمام المجتمع الدولي، لا سيما في ظل اتهامات متداولة حول قضايا فساد وسوء إدارة ألحقت أضراراً مباشرة بحياة المواطنين.

رفض للنهج الفوضوي

في مقابل الإشادة بالدور السعودي، برزت داخل اللقاءات الجنوبية مواقف نقدية حادة تجاه دور أبوظبي في اليمن، حيث يرى مراقبون أن السياسات الإماراتية، القائمة على دعم أطراف بعينها، أسهمت في تعميق الانقسامات الجنوبية، وإطالة أمد الفوضى، وعرقلة الوصول إلى حل سياسي شامل.

من المرتقب أن يتوصل حوار القادة الجنوبيين في الرياض إلى فتح صفحة جديدة في تاريخ اليمن (رويترز)

ويربط محللون هذا الدور بما تصفه تقارير دولية بنمط تدخل إماراتي مشابه في دول أخرى مثل السودان وليبيا والصومال، حيث أدت سياسات دعم الفصائل المحلية إلى تعقيد الأزمات بدلاً من حلها، في حين تميزت المقاربة السعودية، وفقاً لهذه الرؤية، بالتركيز على دعم الدولة، والحوار، والاستقرار، والتنمية.

ويرى محللون أن استمرار أي تدخلات خارجية تحرّض على شق الصف الجنوبي، أو توظف القضية الجنوبية لخدمة أجندات إقليمية، قد يدفع الرياض إلى اتخاذ مواقف أكثر صرامة لحماية مسار الحوار، وضمان عدم تقويض جهود مكافحة الإرهاب، وتحقيق الأمن والاستقرار في اليمن.