انخراط أميركي هادئ في الحرب ضد «داعش» في أفريقيا

جنود أميركيون ينقلون زميلاً مصاباً إلى مروحية (واشنطن بوست)
جنود أميركيون ينقلون زميلاً مصاباً إلى مروحية (واشنطن بوست)
TT

انخراط أميركي هادئ في الحرب ضد «داعش» في أفريقيا

جنود أميركيون ينقلون زميلاً مصاباً إلى مروحية (واشنطن بوست)
جنود أميركيون ينقلون زميلاً مصاباً إلى مروحية (واشنطن بوست)

منذ أقل من عام، بدا أن طموحات تنظيم «داعش» داخل أفريقيا قد تحطمت جميعًا. في ليبيا، نجحت ميليشيات مدعومة بجنود أميركيين من قوات العمليات الخاصة وضربات جوية في طرد مسلحي التنظيم من معقلهم في مدينة سرت. وأسفرت هذه الجهود عن مقتل المئات من مقاتلي «داعش»، بينما فر آخرون جنوبًا باتجاه مخابئ صحراوية.
من ناحيتها، أشارت كلوديا غزاني، المحللة البارزة لدى «مجموعة الأزمات الدولية»، إلى أنه: «لم تظهر أي رايات سوداء»، وذلك في وصفها للوضع عندما زارت جنوب ليبيا في أعقاب هزيمة التنظيم في ديسمبر (كانون الأول).
ومع هذا، تمكن الكثيرون من مقاتلي «داعش» المدربين على نحو جيد من اجتياز الصحراء إلى داخل المناطق الواسعة خارج سيطرة سلطات إنفاذ القانون داخل النيجر، وذلك تبعاً لما أفاده محللون ومسؤولون أمنيون إقليميون. بعد ذلك، تدفق بعضهم على المناطق التي نشط داخلها مسلحون في مالي ونيجيريا ودول أخرى.
وقد ساعد هؤلاء المقاتلون في ضخ حياة جديدة في الحركات المسلحة بالمنطقة، وكذلك خلق تحديات أمام القوات الأميركية المرابطة بالمنطقة. على الجانب الآخر، لم يعلم سوى القليل من الأميركيين أن جنودهم يشاركون في واحد من أكثر ميادين القتال تعقيداً على مستوى العالم سوى عندما قتل أربعة منهم الشهر الماضي على أيدي مسلحين في منطقة نائية في النيجر. الواضح أنه بدلاً عن الاحتفال بهزيمة جماعة مسلحة وخطيرة داخل أفريقيا، يواجه البنتاغون وحلفاؤه مجموعة من الجماعات المسلحة التي تزداد قوة يوماً بعد آخر في ظل تعمق العداء والتنافس بين «القاعدة» و«داعش» حول الاستئثار بالنفوذ والمجندين. في هذا الصدد، قال كالا موتاري، وزير دفاع النيجر، خلال مقابلة أجريت معه الأربعاء: «يكمن التحدي الأكبر في حالة غياب الاستقرار التي تعانيها ليبيا. ما يزال تدفق المقاتلين والأسلحة مستمراً من ليبيا باتجاه هذا الجزء من العالم نظراً لعدم وجود أي نمط من السيطرة عليه».
من ناحية أخرى، تمكن مسلحون، في خضم مساعيهم لحشد الدعم، من استغلال توترات عرقية وعشائرية، إضافة لمشاعر السخط إزاء الفقر والبطالة. وما يزيد تعقيد الجهود الرامية لهزيمة المسلحين، الضعف الذي تعانيه جيوش المنطقة أو الإجراءات القمعية التي تتخذها، وكذلك رداءة الحكم وافتقار الحدود إلى السيطرة المحكمة.
وجاء مقتل أربعة جنود أميركيين ليثير تساؤلات داخل واشنطن حول دور القوات الأميركية فيما يعرف باسم دول الساحل، في إشارة إلى حزام من مساحات قاحلة يمتد من غرب أفريقيا حتى شمال الوسط.
من جانبها، تشتبه إدارة ترمب في أن ثمة حليفا جديدا نسبياً لـ«داعش» يتحمل المسؤولية وراء مقتل الجنود الأميركيين. كانت الحكومة الأميركية قد عززت التزامها العسكري تجاه المنطقة، وجاء أحدث مؤشر على ذلك في تعهدها هذا الأسبوع بتقديم 60 مليون دولاراً لبناء قوة جديدة لمكافحة الإرهاب هناك.
ويخالج السلطات الأميركية القلق من أن يكون «داعش» الذي يواجه فقداناً لمساحات خاضعة لسيطرته داخل العراق وسوريا، قد بدأ يحول تركيزه نحو شمال وغرب أفريقيا. جدير بالذكر أن الآلاف من مقاتلي التنظيم الذين فروا من العراق وسوريا وليبيا ينتمون في الأصل لهذه المنطقة، خاصة تونس والمغرب.
من ناحيته، قال بروس هوفمان، مدير مركز الدراسات الأمنية التابعة لجامعة جورج تاون: «في الوقت الذي يجري الضغط عليهم، تزداد بالنسبة لهم أهمية الظهور وإبداء النشاط في منطقة أخرى، وبالتالي يحافظون على أهميتهم للقضية الكبرى. من وجهة نظرهم، فإنهم يرغبون في إظهار أنهم ما يزالون قادرين على التفوق على (القاعدة) في خضم المنافسة المحتدمة بين التنظيمين والتشاحن القائم بينهما».

التطلع نحو العودة
خلال الشهور الأخيرة، سعى «داعش» نحو العودة إلى ليبيا، وبالفعل دبر مجموعة من التفجيرات الانتحارية وأعمال العنف الأخرى. وقد أقدمت جماعة تابعة له في شمال سيناء بمصر إلى قتل عدة مئات من رجال الشرطة والجنود هذا العام، في الوقت الذي ظهرت جماعات وخلايا على صلة بـ«داعش» في الجزائر وتونس والمغرب.
من ناحية أخرى، تمكنت جماعة «بوكو حرام» في نيجيريا - التي أعلنت الولاء لـ«داعش» عام 2015 - من توسيع رقعة نفوذها وشن هجمات داخل الكاميرون وجنوب النيجر وتشاد. وأعلن قادة ميليشيات ومسؤولون ليبيون أن الكثير من أبناء غرب أفريقيا قاتلوا إلى جانب «داعش» في ليبيا قبل هزيمة التنظيم هناك.
من ناحيتهم، أعرب مسؤولون عسكريون أميركيون عن اعتقادهم بأن «داعش» داخل الصحراء الكبرى استهدف جنودا أميركيين والعديد من نظرائهم النيجيريين، رغم عدم إعلان أي جماعة مسؤوليتها عن ذلك. كانت الجماعة قد تأسست عام 2015 واعترف بها زعيم «داعش»، أبو بكر البغدادي في أكتوبر (تشرين الأول) 2016، في نفس الفترة تقريباً التي كان التنظيم على شفا الهزيمة داخل سيرت.
هذا العام، أعلن تنظيم «داعش في الصحراء الكبرى» مسؤوليته عن عدة هجمات في بوركينا فاسو وكذلك محاولة إطلاق سراح مسلحين إسلاميين من سجن في النيجر. في هذا الصدد، قال آرون زيلين، خبير بمثل هذه الجماعات لدى معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى: «ثمة بيئة أكبر الآن... أمام الجماعات المتطرفة لتنشط وتعمل فيها وتحاول بناء قدراتها».
عام 2007. بعد عامين من بدء وصول جنود أميركيين إلى شمال وغرب أفريقيا لتدريب جيوش محلية، تمثل التهديد الإرهابي الرئيسي في المنطقة في «القاعدة ببلاد المغرب»، وكانت جماعة ناشئة تضرب جذورها في الحرب الأهلية الجزائرية.
وبعد أربع سنوات، أسقطت ثورة «الربيع العربي» في ليبيا الديكتاتور العقيد معمر القذافي، لكن انهيار نظامه - بمعاونة ضربات جوية من حلف «الناتو» - خلف وراءه نتيجة غير متوقعة: إعادة بث الحياة في المسلحين المتطرفين بالمنطقة.
وتعرضت مخازن الأسلحة الخاصة بالقذافي للنهب وجرى تهريب الكثير من الأسلحة إلى دول أخرى. وساعدت هذه الأسلحة في تأجيج ثورة عام 2012 من جانب قبائل الطوارق البدو في شمال مالي سرعان ما اختطفتها «القاعدة في بلاد المغرب» وجماعات مسلحة أخرى. وعلى مدار عام تقريباً، سيطر متمردون على مساحات واسعة من المنطقة، حتى نجحت قوات فرنسية في طردهم.
ومع ذلك، استمرت «القاعدة في بلاد المغرب» وجماعات خرجت من عباءته في العمل داخل المنطقة، ومهاجمة قوات الأمن وإعلان المسؤولية عن هجمات مميتة ضد فنادق ومقاهٍ في مالي وساحل العاج وبوركينا فاسو. واليوم، تعتبر هذه الجماعة التابعة لـ«القاعدة» واحدة من أفضل الجماعات الإرهابية تسليحاً وتمويلاً على مستوى العالم، ذلك أنها تحصد عشرات الملايين من وراء تورطها في عمليات خطف أجانب غربيين.
هذا العام، تمكنت الجماعة من توسيع رقعة وجودها داخل ليبيا، وسعت للاستفادة من النكسات التي مني بها تنظيم داعش هناك ومحاولة اجتذاب مقاتلي التنظيم، حسبما أفاد محللون إقليميون.

هوة آيديولوجية
على خلاف الحال داخل سوريا، فإن مقاتلي «القاعدة» و«داعش» نادراً ما يتورطون في قتال بعضهم البعض، خاصة في ظل الكثير من الأفراد الذين انتقلوا من إحداهما إلى أحضان الأخرى، والكثير من مقاتلي الجماعتين على معرفة ببعضهم البعض منذ سنوات. وغالباً ما تعمل الجماعتان داخل ذات المنطقة. أما الخلافات بينهما فإنها لا ترتبط بالدين أو الفلسفة بقدر ارتباطها بأجندات القيادات أو المجموعات التي تمثلها الجماعتان.
وفي هذا الصدد، علق أندرو ليبوفيتش، الباحث المعني بالقضايا السياسية والأمنية الإقليمية والزميل الزائر لدى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، بقوله: «لا يعني ذلك أنه ليس ثمة توتر بين الجانبين، لكنه ليس نمط الهوة الآيديولوجية التي كثيراً ما يظن الناس بوجودها بين (داعش) و(القاعدة)».
في نهاية الأمر، سلطت الأضواء على جماعة «المرابطون»، التابعة لتنظيم «القاعدة» ويتزعمها جزائري يدعى مختار بلمختار. عام 2015. وقع خلاف بين بلمختار وآخر يدعى الشعراوي وينتمي إلى منتصف الأربعينات من العمر، وقد نشأ ضمن «داعش» داخل الصحراء الكبرى, والتي تقع القاعدة الرئيسية لعملياتها على جانبي الحدود بين النيجر ومالي، المنطقة التي شهدت مقتل الجنود الأميركيين.
من ناحيته، قال موتاري، وزير دفاع النيجر، إنه من المعتقد أن الشعرواي يعتمد على أسلحة حصل عليها من ليبيا ومقاتلين كانوا جزءًا من «داعش» عندما سيطر على سيرت. وأضاف: «هناك الكثير من المقاتلين في ليبيا، وكذلك آخرون قاتلوا في سوريا والعراق وجاءوا لاحقاً إلى ليبيا وانضموا إلى هذه الجماعة».

استمرار الهجمات
داخل النيجر، واحدة من أكثر دول العالم فقراً، هناك قرابة 800 جندي أميركي - كجزء من 6.000 جندي أميركي يرابطون داخل القارة الأفريقية ككل. وتتضمن القوات جنودا من القوات الخاصة بدأوا في الوصول هنا عام 2012 لتوفير تدريب بمجال مكافحة الإرهاب. كما أن هناك ما يقرب من 4.000 جندي فرنسي متمركزين في المنطقة.
وعلى امتداد الحدود الطويلة التي يغيب عنها القانون حيث قتل الجنود الأميركيون، وثقت الأمم المتحدة 46 هجوماً على الأقل منذ فبراير (شباط) 2016. استهدفت في معظمها قوات أمنية محلية.
ونجح المتطرفون في بناء روابط لهم داخل مجتمعات لطالما عانت الإهمال من جانب الحكومات المركزية الضعيفة بالمنطقة. وسمح فراغ السلطة لجماعات مسلحة باستغلال مشاعر السخط تجاه فساد الحكومة وتفشي الجريمة وغياب الفرص. وداخل الكثير من القرى، ألقى مسلحون إسلاميون القبض على لصوص ونجحوا في تسوية خلافات زوجية ونزاعات عائلية، ليحلوا بذلك فعلياً محل الحكومة.
داخل مالي، استغل «القاعدة داخل المغرب» ومسلحون متشددون آخرون التوترات العرقية والقبلية بين الطوارق والعرب في الشمال والجماعات العرقية المهيمنة على الجنوب. كما استغلوا التوترات بين الرعاة والمزارعين حول الأرض والعشب.
وعن ذلك، قال هوفمان: «بالنسبة لهذه المجتمعات، فإن وجود حركة سياسية، خاصة إذا كانت تعد بتقديم حلول فورية من خلال العنف، يعتبر عامل جذب هائل».
* خدمة «واشنطن بوست»
- خاص بـ»الشرق الأوسط»


مقالات ذات صلة

كيف طورت تركيا استراتيجيتها لمكافحة «داعش» رغم اتهامها بدعمه؟

شؤون إقليمية عناصر من قوات مكافحة الإرهاب التركية خلال حملة على عناصر «داعش» في إسطنبول (الداخلية التركية)

كيف طورت تركيا استراتيجيتها لمكافحة «داعش» رغم اتهامها بدعمه؟

تواصل تركيا جهودها المكثفة للقضاء على الخلايا النائمة وشبكات التمويل والترويج التابعة لتنظيم «داعش» الإرهابي بعد تنامي أنشطته مجدداً خلال العامين الأخيرين

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)

لماذا يتقارب الحوثيون و«حركة الشباب»؟

عشرات من مقاتلي «حركة الشباب»، بينهم قادة بارزون، سافروا إلى اليمن، ويسهّلون عمل شبكات تهريب الأسلحة والمخدرات إلى الصومال...

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة موزعة من مديرية الأمن العام في أنقرة للإرهابي أحمد كازانجي أو «أبو عبيدة» مسؤول الإعلام في تنظيم «ولاية خراسان» التابع لتنظيم «داعش» الإرهابي (الداخلية التركية)

مخابرات تركيا تعتقل مسؤول الإعلام بتنظيم «ولاية خراسان» التابع لـ«داعش»

أعلنت المخابرات التركية القبض على المسؤول الإعلامي في تنظيم «ولاية خراسان» التابع لتنظيم «داعش» الإرهابي، أحمد كازانجي، المكنى بـ«أبو عبيدة» و«أبو إبراهيم»

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أفريقيا شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)

موسكو: العلاقات مع باماكو بلغت مستوى «غير مسبوق»

أعلن السفير الروسي لدى دولة مالي، إيغور غروميكو، أن العلاقات بين روسيا ومالي بلغت «مستوى غير مسبوق»، خصوصاً في المجال العسكري...

الشيخ محمد (نواكشوط)
المشرق العربي مشاهد من عملية الهجوم على مركز أمن سوري في الرقة السورية يوم الإثنين (الأمن الداخلي)

مقتل اثنين من منتسبي «الداخلية السورية» في هجوم بالرقة

قُتل اثنان على الأقل من موظفي وزارة الداخلية السورية في هجوم انتحاري استهدف معسكراً تابعاً للوزارة في مدينة الرقة السورية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

استخدام المُسيرات خارج ساحات المعارك يعزز سوق تكنولوجيا التصدي لها

رادار لكشف المسيّرات في مدينة كاسل الألمانية وتبدو في السماء طائرة مسيّرة (رويترز)
رادار لكشف المسيّرات في مدينة كاسل الألمانية وتبدو في السماء طائرة مسيّرة (رويترز)
TT

استخدام المُسيرات خارج ساحات المعارك يعزز سوق تكنولوجيا التصدي لها

رادار لكشف المسيّرات في مدينة كاسل الألمانية وتبدو في السماء طائرة مسيّرة (رويترز)
رادار لكشف المسيّرات في مدينة كاسل الألمانية وتبدو في السماء طائرة مسيّرة (رويترز)

تسببت وقائع اختراق من طائرات مسيرة بتعطيل مطارات في أوروبا ونفذت مسيّرات أخرى هجمات على حقول نفط في الشرق الأوسط، مما حفز نمواً سريعاً لسوق أجهزة الرادار والتشويش والمركبات الدفاعية لحماية المطارات والبنية التحتية من أي تهديدات جوية جديدة.

وصارت تكنولوجيا الطائرات المسيرة مصدراً للاضطراب في المطارات منذ سنوات. واضطر ​مطار غاتويك في لندن إلى تعليق الرحلات بسبب تحذيرات من الطائرات المسيرة قبل عام 2020. لكن موجة جديدة من وقائع الاختراق المرتبطة بالحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط زادت حدة هذه المخاوف بشكل كبير.

ومن ضمن التطورات التكنولوجية التي برزت في الآونة الأخيرة أداة على شكل مسدس من شركة «ديدرون» الأميركية قادرة على التشويش على هذه المُسيرات، وطائرة «وينغمان» ذاتية القيادة من شركة «بوينغ» تحلق برفقة طائرات مقاتلة وهي تحمل أجهزة تشويش مضادة للطائرات المسيرة وأسلحة في مقدمة قابلة للتبديل.

ويجذب هذا المجال استثمارات بمليارات الدولارات، ويتجاوز الاستخدام العسكري إلى قطاعات مثل الطاقة والشحن ومراكز البيانات والفنادق والمطارات.

مسيّرات عسكرية في معرض دفاعي قرب باريس (رويترز)

وتعد شركة «أفينور»، التي تمتلك وتدير 43 مطاراً في النرويج، إحدى الشركات التي ركبت نظاماً للكشف عن ‌الطائرات المسيرة في عملياتها ‌لمعالجة «الاضطرابات والتأخيرات» التي تسببها توغلات الطائرات المسيرة لحركة الطيران. وتحدثت «رويترز» إلى ستة ​مديرين ‌تنفيذيين ⁠لشركات في ​مجال ⁠التصدي للطائرات المسيرة، وقالوا إن هناك زيادة حادة في الطلب من الحكومات والمطارات وشركات تشغيل البنية التحتية المدنية.

وقال سيتي هامينغا، الرئيس التنفيذي لشركة «روبن رادار» للتصدي للطائرات المسيرة، ومقرها هولندا: «هناك تأثير مباشر؛ إذ يتصل بنا الكثيرون». وطورت الشركة هذه التكنولوجيا مستفيدة من أبحاث حول تعرض الطائرات للاصطدام بالطيور.

سوق تنمو 20 في المائة سنوياً

وسلّطت أساليب الحرب الهجينة في أوروبا والشرق الأوسط الضوء على الحاجة إلى حماية المنشآت الاقتصادية والمدنية، مثل الموانئ وحقول النفط والمطارات. وعلى مدار عام حتى الآن حدثت اضطرابات بسبب هجمات بطائرات مسيرة على مطار دبي وتوغلات في دول البلطيق، وحرائق ناجمة عن حطام مسيرات تم اعتراضها ⁠في منطقة الفجيرة للصناعة البترولية (فوز) وإنذارات للاشتباه في وجود طائرات مسيرة بمطاري ميونيخ ‌وكوبنهاغن. وصرحت سلطات بعض المطارات الأوروبية لـ«رويترز» بأنها تتطلع إلى زيادة استخدام التقنيات ‌المضادة للطائرات المسيرة.

مسيّرة للبحرية الكورية الجنوبية (رويترز)

وقال آش ألكسندر كوبر، الذي كان يشغل منصباً تنفيذياً ​في شركة «ديدرون» حتى يونيو (حزيران) الحالي وتحدث إلى ‌«رويترز» قبل ترك المنصب، إن الاتصالات لطلب حلول يمكن تركيبها «في أسرع وقت ممكن» بدأت فور اندلاع الحرب على إيران ‌في 28 فبراير (شباط). وأضاف: «أعتقد أننا واحدة من شركات كثيرة تتلقى هذه الطلبات، بعد أن أدرك الآن عدد أكبر كثيراً من الدول ليس فقط في الشرق الأوسط، مدى الخطر الذي يواجهها مع تطور نطاق وطبيعة التهديد الفوري للطائرات المسيرة».

وتشير تقديرات المحللين إلى أن حجم سوق التصدي للطائرات المسيرة عالمياً يتراوح بين ثلاثة وسبعة مليارات دولار، وتنمو السوق بنسبة 20 في المائة تقريباً كل عام. ‌وذكرت شركة «ماركتس آند ماركتس» في تقرير أن هذه القيمة ستصل إلى 14.5 مليار دولار بحلول عام 2030 من 4.5 مليار دولار حالياً.

وقال إيبين فرانكنبرغ، الرئيس التنفيذي ⁠لشركة «إيكوداين» المصنعة لأجهزة رادار تكتشف ⁠الطائرات المسيرة، إن الاستثمار في مصنع جديد ستفتتحه الشركة هذا العام سيضاعف طاقتها الإنتاجية السنوية إلى ما يزيد على 30 ألف وحدة.

وأضاف: «من حيث الطلب على أجهزة الرادار التي ننتجها، شهدنا نمواً تجاوز 100 في المائة بكثير على مدار عام حتى الآن، وهذا النمو لا يتباطأ».

لكن على الرغم من الاهتمام الكبير بهذه التقنيات، لا تزال التحديات التنظيمية والتساؤلات حول السلامة تحد من نشر تكنولوجيا التصدي للطائرات المسيرة خارج المجال العسكري.

وتطبق المطارات المدنية قواعد صارمة بشأن اختيار التكنولوجيا التي يمكن أن تستخدمها ضد الطائرات المسيرة، ولا تزال تركز بشكل كبير على أدوات الكشف.

فقد تؤدي مشكلات، مثل التشويش والتداخل مع نظام تحديد المواقع العالمي «جي بي إس»، إلى تعطيل الاتصالات والملاحة مما يجعل هذه الأنظمة غير مناسبة في مناطق المطارات. ولا يمكن أيضاً استخدام الأسلحة لإسقاط طائرات مسيرة في بيئة مدنية.

وقال متحدث باسم شركة «هينسولدت» الألمانية المصنعة لأجهزة الرادار: «لا يمكنك ببساطة استخدام ما يسمى الوسائل الحركية الفعالة، مثل المدافع الرشاشة أو ما شابه، بالقرب من بنية تحتية مدنية».

ويعود ​الكثير من الأمور إلى السلطات الوطنية فيما ​يتعلق بتحديد سبل استخدام الأنظمة التي تعمل في ساحات المعركة بشكل قانوني وآمن في السيناريوهات المدنية.

وقالت ستيفاني لينجيمان، رئيسة القسم الجوي في شركة «هيلسينغ» الألمانية للطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي: «المسموح به هو مسألة تنظيمية بأيدي الحكومات... لا يمكننا اتخاذ القرار».


لماذا يتقارب الحوثيون و«حركة الشباب»؟

التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)
التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)
TT

لماذا يتقارب الحوثيون و«حركة الشباب»؟

التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)
التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)

مع تراجع الدعم الإيراني للحوثيين في اليمن، تتطلع الجماعة عبر البحر الأحمر إلى الجماعة الإرهابية الأوسع شهرة في الصومال «حركة الشباب»، وذلك وفقاً للمحللة السياسية إميلي ميليكين، نائبة مدير مؤسسة «إن7» الفكرية والكاتبة المختصة في شؤون الخليج العربي واليمن وليبيا.

وقالت ميليكين، في تحليل نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست» الأميركية، إنه على مدى سنوات كانت العلاقة المتنامية بين الحوثيين في اليمن و«حركة الشباب» الصومالية تعدّ أمراً ثانوياً، حيث طغت عليها الحروب في قطاع غزة ولبنان والبحر الأحمر. ولكن مع ازدياد الضغوط على إيران وشبكتها الإقليمية، يبرز هذا التحالف بوصفه علامة تحذيرية من أمر أكبر؛ هو أن الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي قد تتكيف إذا لم تعد طهران قادرة على دعم وكلائها كما كانت تفعل سابقاً.

مقاتلون من «حركة الشباب» (أرشيفية - أ.ب)

وأشارت إلى أن الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن «يعملون على تعميق علاقاتهم بـ(حركة الشباب)؛ فرع تنظيم (القاعدة) في الصومال، بطرق قد تزعزع استقرار منطقة القرن الأفريقي بشكل دائم، وتعرض للخطر أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وربما الأمر الأهم من ذلك، هو أن هذه الشراكة المتنامية قد تعكس تحولاً أوسع نطاقاً داخل ما يسمى (محور المقاومة الإيراني)».

ورسمت التقارير الأخيرة صورة مثيرة للقلق، فقد قالت مصادر للجنة خبراء الأمم المتحدة بشأن اليمن إن «عشرات من مقاتلي (حركة الشباب)، بينهم قادة بارزون، سافروا إلى اليمن، وتحديداً إلى محافظتي شبوة ومأرب، ويسهّلون عمل شبكات تهريب الأسلحة والمخدرات إلى الصومال. وربما تكون هناك عناصر من الحوثيين داخل الصومال، حيث يدربون مقاتلي (حركة الشباب) على حرب الطائرات المسيّرة والمتفجرات، وغيرها من أساليب القتال التي أتقنوها على مدى سنوات من التدرّب على أيدي مستشارين من إيران و(حزب الله)» اللبناني.

عناصر من «حركة الشباب» الإرهابية الصومالية (أ.ب)

تدريبات

وترى ميليكين أن هذا التطور يأتي في لحظة حاسمة بالنسبة إلى الحوثيين؛ «حيث تعرضت شبكة حلفاء إيران ووكلائها إلى نكسات متتالية منذ عام 2024، وتراجعت قوة (حزب الله) بشكل كبير، وأطيح نظام بشار الأسد في سوريا، وتواجه الميليشيات العراقية قيوداً داخلية وسياسية متصاعدة، وأصبحت حركة (حماس) شبه مدمرة. وفي الوقت نفسه، تواجه طهران ضغوطاً عسكرية واقتصادية متنامية من الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين».

ومع ذلك، فقد خرج الحوثيون من هذه الفترة أجرأ. ورغم الضربات الأميركية والبريطانية والإسرائيلية المتواصلة، فإن الجماعة واصلت إظهار قدرتها على تعطيل الملاحة الدولية، وضرب إسرائيل، وترسيخ مكانتها لاعباً رئيسياً في انعدام الأمن بالبحر الأحمر. علاوة على ذلك، وعلى عكس كثير من حلفائهم، لا تزال القيادة العليا للحوثيين سليمة.

بالنسبة إلى الحوثيين، «توفر العلاقات بشبكات التهريب والمسلحين الصومالية الفرصةَ والنفوذ في خليج عدن. ويتيح التعاون مع (حركة الشباب) والجهات الإجرامية المرتبطة بها الوصولَ إلى طرق الملاحة البحرية غير المشروعة وشبكات الاستخبارات، وممرات تهريب الأسلحة، والبنية التحتية اللوجستية، على الجانب الأفريقي من مضيق باب المندب». وفي الوقت الذي يتعرض فيه داعموهم الرئيسيون لضغط دولي مكثف، فإن تنويع الشراكات يسمح للحوثيين بتقليل اعتمادهم على طهران مع توسيع نطاق عملياتهم في عمق المحيط الهندي الغربي.

أنظمة صاروخية حديثة لدى الحوثيين (وسائل إعلام)

وبالنسبة إلى «حركة الشباب»، تعني الشراكة مع الحوثيين الوصولَ إلى أنظمة أسلحة أعلى تطوراً، وخبرات في مجال الطائرات المسيرة، وقدرات بحرية، وأهمية إقليمية أكبر. ويُعتقد أن الحوثيين قد نقلوا بالفعل طائرات مسيّرة مسلحة، كما يتردد أن «حركة الشباب» طلبت في يوم ما إضافة صواريخ موجهة. ويمكن أن يكون عدم الاستقرار البحري المرتبط بهذا التحالف مربحاً لها من حيث ممارسة القرصنة والتهريب، فضلاً عن فرض الضرائب على الموانئ وابتزاز التجار وشركات الشحن.

وقالت ميليكين إن عواقب هذه العلاقة تتجاوز حدود اليمن والصومال. وأشارت إلى أن «هذا التعاون المتنامي بين الحوثيين و(حركة الشباب) يهدد بازدياد هشاشة الاقتصاد العالمي الهش بالفعل»... فقد أجبرت هجمات الحوثيين، التي بدأت أواخر عام 2023، كثيراً من شركات الشحن الكبرى على تغيير مسارها إلى «رأس الرجاء الصالح» لتجنب عبور البحر الأحمر. ويعني هذا القرار حدوث تأخيرات طويلة في سلاسل التوريد العالمية، وارتفاع تكاليف الوقود، وتضخم أقساط التأمين... والنتيجة هي ارتفاع الأسعار على المستهلكين في كل مكان، إلا إن أسواق الطاقة تظل الأكبر اضطراباً. لكن هذه العلاقة تشير أيضاً إلى تحول أوسع في علاقة إيران بالمتمردين.

ومع ضعف شبكة إيران الإقليمية، انتهز الحوثيون الفرصة لتأكيد أنهم كيان مستقل. كما أن تواصلهم مع جهات فاعلة، مثل روسيا والصين، إضافة إلى فروع تنظيم «القاعدة»، مثل «حركة الشباب»، و«تنظيم القاعدة في جزيرة العرب»، وحتى مع قراصنة الصومال، يعكس جهداً لتنويع العلاقات، وتقليل الاعتماد على طهران، وبناء نفوذ يتجاوز حدود اليمن. وقد يكون تحالفهم مع «حركة الشباب» مؤشراً مبكراً على كيفية تطور شبكة وكلاء إيران تحت الضغط.

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة للمرشد الإيراني علي خامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

ومع استمرار إيران في مواجهة ضغوط عسكرية واقتصادية وداخلية، فقد يضطر بعض شركائها - خصوصاً أولئك الذين يتعافون من فقدان القيادة ومخازن الأسلحة - إلى البحث عن مصادر تمويل وأسلحة ونفوذ إقليمي بديلة، بدلاً من الاعتماد فقط على طهران. ولهذا الغرض؛ فقد تبدأ هذه الجماعات تبني استراتيجيات أكبرَ عملية وواقعية والعمل خارج الخطوط الآيديولوجية التقليدية، مثلما يفعل الحوثيون.

واختتمت ميليكين تحليلها بالقول إن «هذه نتيجة ينبغي أن تُقلق صانعي السياسات أكثر بكثير مما كانت عليه الحال مع نموذج الوكالة التقليدي. فالضغط المطول على إيران وشبكتها الإقليمية قد يؤدي إلى أنظمة مسلحة أوسعَ تشرذماً، وأكبرَ استقلالية، ولا يمكن التنبؤ بها، في جميع أنحاء الشرق الأوسط».


ميلوني ومودي… «أشهر ثنائي على إنستغرام»: ما القصة؟

رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني تتحدث مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال قمة مجموعة السبع في إيفيان بشرق فرنسا (أ.ف.ب)
رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني تتحدث مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال قمة مجموعة السبع في إيفيان بشرق فرنسا (أ.ف.ب)
TT

ميلوني ومودي… «أشهر ثنائي على إنستغرام»: ما القصة؟

رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني تتحدث مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال قمة مجموعة السبع في إيفيان بشرق فرنسا (أ.ف.ب)
رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني تتحدث مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال قمة مجموعة السبع في إيفيان بشرق فرنسا (أ.ف.ب)

في مشهد غير تقليدي على هامش القمم الدولية، خطف رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ونظيرته الإيطالية جورجيا ميلوني الأنظار بتفاعلاتهما الودية والمرحة، التي تجاوزت البروتوكول الرسمي لتتحول إلى ظاهرة لافتة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث باتا يُوصفان بـ«أشهر ثنائي على إنستغرام».

وخلال قمة مجموعة السبع في فرنسا، تبادل الزعيمان لحظات من الدعابة أثناء وصولهما لالتقاط الصورة الجماعية التقليدية في مدينة إيفيان لي بان. وأظهر مقطع فيديو لحظة تحيتهما لبعضهما البعض، بينما مازح مودي نظيرته بشأن شهرتهما على منصات التواصل الاجتماعي.

وكان رد ميلوني واضحاً عبر الميكروفون، إذ قالت مبتسمة: «نعم، نحن أشهر ثنائي على إنستغرام».

رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني تتحدث مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال جلسة عمل في قمة مجموعة السبع بفرنسا (أ.ب)

هذه التفاعلات الودية، التي تتكرر بين الزعيمين على هامش اللقاءات الدولية، أثارت موجة واسعة من التفاعل عبر الإنترنت، شملت صوراً ساخرة، وتعديلات من المعجبين، ومنشورات انتشرت على نطاق واسع، بل وولّدت اتجاهاً خاصاً حمل اسم «Melodi» (ميلودي)، وهو دمج بين اسمي عائلتيهما.

وبدأت هذه الظاهرة عندما التقى الزعيمان للمرة الأولى خلال قمة مجموعة العشرين في بالي عام 2023، ثم تجدد اللقاء في نيودلهي لاحقاً في العام نفسه. وبلغ التفاعل ذروته في ديسمبر (كانون الأول) 2023، حين نشرت ميلوني صورة «سيلفي» تجمعها مع مودي خلال مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين في دبي، مرفقة بوسم #Melodi.

وفي تطور لافت مؤخراً، أهدى مودي الزعيمة الإيطالية كيساً من حلوى «ميلودي» الهندية الشهيرة خلال زيارته إلى روما، في لفتة طريفة أثارت تفاعلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي.

وأظهر مقطع فيديو نشرته ميلوني مودي وهو يسلّمها الحلوى وسط أجواء من الضحك، بينما علّقت قائلة: «شكراً لك على الهدية». وسرعان ما انتشر الفيديو على نطاق واسع.

ويُعدّ الزعيمان من بين أكثر الشخصيات حضوراً وشعبية على الإنترنت؛ إذ يتابع مودي نحو 107 ملايين شخص على منصة «إكس»، في حين تحظى ميلوني بمتابعة تقارب 3.3 مليون شخص. ويُسهم ظهورهما المشترك في تعزيز حضورهما الإعلامي، بوصفهما من القادة الذين يجيدون توظيف المنصات الرقمية للتواصل مع الجمهور.