انخراط أميركي هادئ في الحرب ضد «داعش» في أفريقيا

جنود أميركيون ينقلون زميلاً مصاباً إلى مروحية (واشنطن بوست)
جنود أميركيون ينقلون زميلاً مصاباً إلى مروحية (واشنطن بوست)
TT

انخراط أميركي هادئ في الحرب ضد «داعش» في أفريقيا

جنود أميركيون ينقلون زميلاً مصاباً إلى مروحية (واشنطن بوست)
جنود أميركيون ينقلون زميلاً مصاباً إلى مروحية (واشنطن بوست)

منذ أقل من عام، بدا أن طموحات تنظيم «داعش» داخل أفريقيا قد تحطمت جميعًا. في ليبيا، نجحت ميليشيات مدعومة بجنود أميركيين من قوات العمليات الخاصة وضربات جوية في طرد مسلحي التنظيم من معقلهم في مدينة سرت. وأسفرت هذه الجهود عن مقتل المئات من مقاتلي «داعش»، بينما فر آخرون جنوبًا باتجاه مخابئ صحراوية.
من ناحيتها، أشارت كلوديا غزاني، المحللة البارزة لدى «مجموعة الأزمات الدولية»، إلى أنه: «لم تظهر أي رايات سوداء»، وذلك في وصفها للوضع عندما زارت جنوب ليبيا في أعقاب هزيمة التنظيم في ديسمبر (كانون الأول).
ومع هذا، تمكن الكثيرون من مقاتلي «داعش» المدربين على نحو جيد من اجتياز الصحراء إلى داخل المناطق الواسعة خارج سيطرة سلطات إنفاذ القانون داخل النيجر، وذلك تبعاً لما أفاده محللون ومسؤولون أمنيون إقليميون. بعد ذلك، تدفق بعضهم على المناطق التي نشط داخلها مسلحون في مالي ونيجيريا ودول أخرى.
وقد ساعد هؤلاء المقاتلون في ضخ حياة جديدة في الحركات المسلحة بالمنطقة، وكذلك خلق تحديات أمام القوات الأميركية المرابطة بالمنطقة. على الجانب الآخر، لم يعلم سوى القليل من الأميركيين أن جنودهم يشاركون في واحد من أكثر ميادين القتال تعقيداً على مستوى العالم سوى عندما قتل أربعة منهم الشهر الماضي على أيدي مسلحين في منطقة نائية في النيجر. الواضح أنه بدلاً عن الاحتفال بهزيمة جماعة مسلحة وخطيرة داخل أفريقيا، يواجه البنتاغون وحلفاؤه مجموعة من الجماعات المسلحة التي تزداد قوة يوماً بعد آخر في ظل تعمق العداء والتنافس بين «القاعدة» و«داعش» حول الاستئثار بالنفوذ والمجندين. في هذا الصدد، قال كالا موتاري، وزير دفاع النيجر، خلال مقابلة أجريت معه الأربعاء: «يكمن التحدي الأكبر في حالة غياب الاستقرار التي تعانيها ليبيا. ما يزال تدفق المقاتلين والأسلحة مستمراً من ليبيا باتجاه هذا الجزء من العالم نظراً لعدم وجود أي نمط من السيطرة عليه».
من ناحية أخرى، تمكن مسلحون، في خضم مساعيهم لحشد الدعم، من استغلال توترات عرقية وعشائرية، إضافة لمشاعر السخط إزاء الفقر والبطالة. وما يزيد تعقيد الجهود الرامية لهزيمة المسلحين، الضعف الذي تعانيه جيوش المنطقة أو الإجراءات القمعية التي تتخذها، وكذلك رداءة الحكم وافتقار الحدود إلى السيطرة المحكمة.
وجاء مقتل أربعة جنود أميركيين ليثير تساؤلات داخل واشنطن حول دور القوات الأميركية فيما يعرف باسم دول الساحل، في إشارة إلى حزام من مساحات قاحلة يمتد من غرب أفريقيا حتى شمال الوسط.
من جانبها، تشتبه إدارة ترمب في أن ثمة حليفا جديدا نسبياً لـ«داعش» يتحمل المسؤولية وراء مقتل الجنود الأميركيين. كانت الحكومة الأميركية قد عززت التزامها العسكري تجاه المنطقة، وجاء أحدث مؤشر على ذلك في تعهدها هذا الأسبوع بتقديم 60 مليون دولاراً لبناء قوة جديدة لمكافحة الإرهاب هناك.
ويخالج السلطات الأميركية القلق من أن يكون «داعش» الذي يواجه فقداناً لمساحات خاضعة لسيطرته داخل العراق وسوريا، قد بدأ يحول تركيزه نحو شمال وغرب أفريقيا. جدير بالذكر أن الآلاف من مقاتلي التنظيم الذين فروا من العراق وسوريا وليبيا ينتمون في الأصل لهذه المنطقة، خاصة تونس والمغرب.
من ناحيته، قال بروس هوفمان، مدير مركز الدراسات الأمنية التابعة لجامعة جورج تاون: «في الوقت الذي يجري الضغط عليهم، تزداد بالنسبة لهم أهمية الظهور وإبداء النشاط في منطقة أخرى، وبالتالي يحافظون على أهميتهم للقضية الكبرى. من وجهة نظرهم، فإنهم يرغبون في إظهار أنهم ما يزالون قادرين على التفوق على (القاعدة) في خضم المنافسة المحتدمة بين التنظيمين والتشاحن القائم بينهما».

التطلع نحو العودة
خلال الشهور الأخيرة، سعى «داعش» نحو العودة إلى ليبيا، وبالفعل دبر مجموعة من التفجيرات الانتحارية وأعمال العنف الأخرى. وقد أقدمت جماعة تابعة له في شمال سيناء بمصر إلى قتل عدة مئات من رجال الشرطة والجنود هذا العام، في الوقت الذي ظهرت جماعات وخلايا على صلة بـ«داعش» في الجزائر وتونس والمغرب.
من ناحية أخرى، تمكنت جماعة «بوكو حرام» في نيجيريا - التي أعلنت الولاء لـ«داعش» عام 2015 - من توسيع رقعة نفوذها وشن هجمات داخل الكاميرون وجنوب النيجر وتشاد. وأعلن قادة ميليشيات ومسؤولون ليبيون أن الكثير من أبناء غرب أفريقيا قاتلوا إلى جانب «داعش» في ليبيا قبل هزيمة التنظيم هناك.
من ناحيتهم، أعرب مسؤولون عسكريون أميركيون عن اعتقادهم بأن «داعش» داخل الصحراء الكبرى استهدف جنودا أميركيين والعديد من نظرائهم النيجيريين، رغم عدم إعلان أي جماعة مسؤوليتها عن ذلك. كانت الجماعة قد تأسست عام 2015 واعترف بها زعيم «داعش»، أبو بكر البغدادي في أكتوبر (تشرين الأول) 2016، في نفس الفترة تقريباً التي كان التنظيم على شفا الهزيمة داخل سيرت.
هذا العام، أعلن تنظيم «داعش في الصحراء الكبرى» مسؤوليته عن عدة هجمات في بوركينا فاسو وكذلك محاولة إطلاق سراح مسلحين إسلاميين من سجن في النيجر. في هذا الصدد، قال آرون زيلين، خبير بمثل هذه الجماعات لدى معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى: «ثمة بيئة أكبر الآن... أمام الجماعات المتطرفة لتنشط وتعمل فيها وتحاول بناء قدراتها».
عام 2007. بعد عامين من بدء وصول جنود أميركيين إلى شمال وغرب أفريقيا لتدريب جيوش محلية، تمثل التهديد الإرهابي الرئيسي في المنطقة في «القاعدة ببلاد المغرب»، وكانت جماعة ناشئة تضرب جذورها في الحرب الأهلية الجزائرية.
وبعد أربع سنوات، أسقطت ثورة «الربيع العربي» في ليبيا الديكتاتور العقيد معمر القذافي، لكن انهيار نظامه - بمعاونة ضربات جوية من حلف «الناتو» - خلف وراءه نتيجة غير متوقعة: إعادة بث الحياة في المسلحين المتطرفين بالمنطقة.
وتعرضت مخازن الأسلحة الخاصة بالقذافي للنهب وجرى تهريب الكثير من الأسلحة إلى دول أخرى. وساعدت هذه الأسلحة في تأجيج ثورة عام 2012 من جانب قبائل الطوارق البدو في شمال مالي سرعان ما اختطفتها «القاعدة في بلاد المغرب» وجماعات مسلحة أخرى. وعلى مدار عام تقريباً، سيطر متمردون على مساحات واسعة من المنطقة، حتى نجحت قوات فرنسية في طردهم.
ومع ذلك، استمرت «القاعدة في بلاد المغرب» وجماعات خرجت من عباءته في العمل داخل المنطقة، ومهاجمة قوات الأمن وإعلان المسؤولية عن هجمات مميتة ضد فنادق ومقاهٍ في مالي وساحل العاج وبوركينا فاسو. واليوم، تعتبر هذه الجماعة التابعة لـ«القاعدة» واحدة من أفضل الجماعات الإرهابية تسليحاً وتمويلاً على مستوى العالم، ذلك أنها تحصد عشرات الملايين من وراء تورطها في عمليات خطف أجانب غربيين.
هذا العام، تمكنت الجماعة من توسيع رقعة وجودها داخل ليبيا، وسعت للاستفادة من النكسات التي مني بها تنظيم داعش هناك ومحاولة اجتذاب مقاتلي التنظيم، حسبما أفاد محللون إقليميون.

هوة آيديولوجية
على خلاف الحال داخل سوريا، فإن مقاتلي «القاعدة» و«داعش» نادراً ما يتورطون في قتال بعضهم البعض، خاصة في ظل الكثير من الأفراد الذين انتقلوا من إحداهما إلى أحضان الأخرى، والكثير من مقاتلي الجماعتين على معرفة ببعضهم البعض منذ سنوات. وغالباً ما تعمل الجماعتان داخل ذات المنطقة. أما الخلافات بينهما فإنها لا ترتبط بالدين أو الفلسفة بقدر ارتباطها بأجندات القيادات أو المجموعات التي تمثلها الجماعتان.
وفي هذا الصدد، علق أندرو ليبوفيتش، الباحث المعني بالقضايا السياسية والأمنية الإقليمية والزميل الزائر لدى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، بقوله: «لا يعني ذلك أنه ليس ثمة توتر بين الجانبين، لكنه ليس نمط الهوة الآيديولوجية التي كثيراً ما يظن الناس بوجودها بين (داعش) و(القاعدة)».
في نهاية الأمر، سلطت الأضواء على جماعة «المرابطون»، التابعة لتنظيم «القاعدة» ويتزعمها جزائري يدعى مختار بلمختار. عام 2015. وقع خلاف بين بلمختار وآخر يدعى الشعراوي وينتمي إلى منتصف الأربعينات من العمر، وقد نشأ ضمن «داعش» داخل الصحراء الكبرى, والتي تقع القاعدة الرئيسية لعملياتها على جانبي الحدود بين النيجر ومالي، المنطقة التي شهدت مقتل الجنود الأميركيين.
من ناحيته، قال موتاري، وزير دفاع النيجر، إنه من المعتقد أن الشعرواي يعتمد على أسلحة حصل عليها من ليبيا ومقاتلين كانوا جزءًا من «داعش» عندما سيطر على سيرت. وأضاف: «هناك الكثير من المقاتلين في ليبيا، وكذلك آخرون قاتلوا في سوريا والعراق وجاءوا لاحقاً إلى ليبيا وانضموا إلى هذه الجماعة».

استمرار الهجمات
داخل النيجر، واحدة من أكثر دول العالم فقراً، هناك قرابة 800 جندي أميركي - كجزء من 6.000 جندي أميركي يرابطون داخل القارة الأفريقية ككل. وتتضمن القوات جنودا من القوات الخاصة بدأوا في الوصول هنا عام 2012 لتوفير تدريب بمجال مكافحة الإرهاب. كما أن هناك ما يقرب من 4.000 جندي فرنسي متمركزين في المنطقة.
وعلى امتداد الحدود الطويلة التي يغيب عنها القانون حيث قتل الجنود الأميركيون، وثقت الأمم المتحدة 46 هجوماً على الأقل منذ فبراير (شباط) 2016. استهدفت في معظمها قوات أمنية محلية.
ونجح المتطرفون في بناء روابط لهم داخل مجتمعات لطالما عانت الإهمال من جانب الحكومات المركزية الضعيفة بالمنطقة. وسمح فراغ السلطة لجماعات مسلحة باستغلال مشاعر السخط تجاه فساد الحكومة وتفشي الجريمة وغياب الفرص. وداخل الكثير من القرى، ألقى مسلحون إسلاميون القبض على لصوص ونجحوا في تسوية خلافات زوجية ونزاعات عائلية، ليحلوا بذلك فعلياً محل الحكومة.
داخل مالي، استغل «القاعدة داخل المغرب» ومسلحون متشددون آخرون التوترات العرقية والقبلية بين الطوارق والعرب في الشمال والجماعات العرقية المهيمنة على الجنوب. كما استغلوا التوترات بين الرعاة والمزارعين حول الأرض والعشب.
وعن ذلك، قال هوفمان: «بالنسبة لهذه المجتمعات، فإن وجود حركة سياسية، خاصة إذا كانت تعد بتقديم حلول فورية من خلال العنف، يعتبر عامل جذب هائل».
* خدمة «واشنطن بوست»
- خاص بـ»الشرق الأوسط»


مقالات ذات صلة

«الإرهابي المدان» في مجزرة كرايستشيرش يطلب إلغاء اعترافه وإعادة محاكمته

العالم برينتون تارانت (أرشيفية - أ.ب)

«الإرهابي المدان» في مجزرة كرايستشيرش يطلب إلغاء اعترافه وإعادة محاكمته

تقوم السلطات في ولينجتون بنيوزيلندا حاليا، باتخاذ «ترتيبات استثنائية»، بينما يستعد «الإرهابي المدان» في مجزرة كرايستشيرش، للمثول أمام محكمة الاستئناف.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
الخليج الكويت صنفت 8 مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب (كونا)

الكويت تُدرج 8 مستشفيات لبنانيّة على قائمة الإرهاب

قررت «لجنة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الصادرة بموجب الفصل السابع»، في الكويت، الأحد، إدراج 8 مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
شمال افريقيا الزبير البكوش مرتدياً ملابس الكشافة (صورة متداولة على صفحات ليبية)

الليبي «الزبير البكوش»... من حبال الكشافة إلى العنف المسلح

تمثل حياة المتهم الليبي الزبير البكوش الموقوف في الولايات المتحدة للاشتباه بتورطه في الهجوم على القنصلية الأميركية بمدينة بنغازي عام 2012، نموذجاً حياً للتناقض.

علاء حموده (القاهرة)
أوروبا جندي يقف حارساً في قرية وورو بولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي (أ.ب)

الولايات المتحدة قلقة إزاء توسّع الإرهاب في منطقة الساحل وغرب أفريقيا

الولايات المتحدة قلقة إزاء توسّع الإرهاب في منطقة الساحل وغرب أفريقيا... وفريق عسكري أميركي في نيجيريا لدعمها في مواجهة الإرهاب.

الشيخ محمد (نواكشوط)
آسيا تجمع احتجاجي في كراتشي على الهجوم الذي استهدف مسجداً في إسلام آباد (رويترز)

«داعش» يعلن مسؤوليته عن الهجوم على مسجد شيعي في إسلام آباد

أعلن ​تنظيم «داعش» عبر قناته على «تلغرام» ‌مسؤوليته ‌عن ‌هجوم دموي ‌على مسجد للشيعة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.