أمتع جمهوره روجيه عساف وهو يؤدي دور «الملك لير» بالعامية اللبنانية على خشبة «مسرح المدينة»، العام الماضي، وها هو يذهب إلى زمن أبعد غوراً كمخرج هذه المرة، مع «حرب طروادة»، موغلاً في المغامرة مبقياً على العامية لغة لنصه. عساف أحد أعمدة المسرح اللبناني الحديث منذ ستينات القرن الماضي، لم يتعب بعد من التجوال جيئة وذهاباً بين الأعمال المسرحية الأكثر كلاسيكية والأشد تجريبية. ممثلاً، مخرجاً، كاتباً وأستاذاً جامعياً، كل الأدوار تليق به حتى وهو في ستينات عمره، مليئاً بالشغف ذاته الذي به أتحف متفرجيه وهو يقدم «مسرح الحكواتي»، نابضاً بتناسل القصص وتوالدها، واحدتها من بطن الأخرى، وها هو يعود إلى تراجيديات الإغريق وحكايات الآلهة وغضبها من دون أن يجد نفسه مأسوراً على الفصحى، أو إلى نص بعينه.
على مسرح «دوار الشمس» الذي أسسه عام 2005، وفتحه للشباب وأصحاب التجارب يقدم حتى التاسع عشر من هذا الشهر حكاية واحدة من أشهر حروب التاريخ وأكثرها ضراوة، كاتباً نصه المستوحى من ثلاثة نصوص يونانية قديمة: «إيفيجينيا في أوليس» و«الطرواديات» ليوريبيدس، و«أغاممنون» لإسخيليوس. مهمة ليست بالسهلة، أن تقدم مسرحية من قصص تلك المأساة المتخمة بالتفاصيل والحكايات المتداخلة، وأن تحدّد النقاط التي تراها الأكثر ملاءمة لزمنك وقومك، وانطلاقة قصتك ونهايتها التي تناسب مرادك.
الخيار ليس بريئاً والموضوع بوحشيته وتراجيديته أكثر حضوراً من أي وقت سبق. يقول في تعريف مغزى المسرحية «دولة تهاجم دولة أخرى، نزاع سياسي اقتصادي حرب عرقية دينية وثقافية مدمرة، خسائر في صفوف المدنيين، شيوخ، نساء، أطفال، شعب مهجّر، هل تعرف هذه القصة؟ حدثت من 3000 سنة». لكن مسار الحكاية على الخشبة، كما ارتآها عساف، تكاد تكون معاصرة جداً، لولا ملابس الجنود الإغريق والطرواديين وفساتين النساء وتسريحاتهن، التي برع بشارة عطا الله في جعلها بسيطة وكافية لملء المكان بعبق التاريخ.
على المسرح النزاع الشرس يحتدم بين اليوناني أغاممنون ملك الملوك، وزوجته كليتمنسترا، بعد أن طلبت منه الآلهة التضحية بابنته إيفيجينيا، لتعينه على الانتصار على الطرواديين بجعل الريح مواتية لإبحار أسطوله. بين الملك الذي يميل للتنفيذ تحركه شهوة السلطة ومحاولة الزوجة صده عن جريمته، تسلّم الابنة ذاتها للموت، لتفتح مع بدء الهجوم على الطرواديين الجحيم الذي سيبتلع بعد ذلك طوال 10 سنوات أهل الحرب من الطرفين. «الطرواديون كفار، همجيون، متخلفون، هذا ما نقوله عنهم، فماذا سيقولون عنا وأنتم تقتلونني فداء للآلهة، ألسنا مثلهم» تقول إيفيجينيا وهي ذاهبة إلى حتفها. وإذا كان سبب الحرب وشرارتها الأولى هو قيام بارس، ابن ملك طروادة بريام، بخطف جميلة الجميلات وملكة إسبارطة. فإن روجيه عساف ارتأى أن لا يبدأ من هنا، وأن ينقلنا على الخشبة ذاتها، من دون أي تغيير في الديكور، بين اليونان وطروادة، لنرى الألم ونزف الدم في الجانبين، والموت والقتل والنزف.
على خشبة اكتفت بقليل من العناصر لبشارة عطالله أيضاً، تمكن روجيه عساف من أن يجعلنا نعيش حروباً ومعارك ويضعنا في بهو قصور ووسط ساحات. مدرج خشبي انتصب مائلاً قليلاً إلى يمين الخشبة، يصعده الذاهبون إلى موتهم بعد أن ينزلقوا خلفه وهم يرحلون إلى العالم الآخر، وستارة إلى اليسار، أريد لها أن توحي بوجود خيمة، ومقعد خشبي أمامها، هذا كل ما احتاجت إليه الخشبة.
عناصر المسرح اليوناني حاضرة، وإن لم يكن الكورس جزءاً من المشهد فالأغنيات التي وضعت خصيصاً للعمل وأدتها إلين جبور، كما الموسيقى التي رافقت الكثير من المشاهد شدّت مفاصل الأحداث. ثمة حرص على إبقاء هالة الميثولوجيا اليونانية بكامل دراميتها وتفجعها، من دون إقحام عبارات أو تفاصيل معاصرة فجة تنتزعها من مناخاتها الأثينية، لكن هذا لم يمنع روجيه عساف الذي لا يخلو عمل له من الظرف والطرافة، من تمرير أسماء أطعمة لبنانية، أو استخدام عربتي تسوق حديثتين، لإدخال الملكة والملك إلى المسرح وهما يجلسان داخلهما، يجرّهما مخدوماهما. هي تلميحات لا تخدش زمن الحكاية التي لا تحتاج، على ما يبدو حسب ما يرى المؤلف والمخرج، إلى تدخل كبير منه لشدة ما تشبه واقعنا. الآلهة حاضرة، لا تكف عن التدخل، باسمها يقتل الصغار والكبار ويضحى بهم على المذابح. كل عُدة الهمجية والعسف والفجيعة حاضرة أيضاً: الحروب، السفك، أنهار الدماء، التعالي، العنصرية، ومن ثم تكبّد الضحايا المسالمين من النساء ما تقترفه أيدي الرجال. ولم يكن عساف في حاجة إلى الإشارة إلى اسم أي فئة متطرفة ونحن نرى الزوجات والبنات والأخوات يقتّلن ويسبين، ويغتصبن، واحدتهن وراء الأخرى، وهن يعبرن عن فظاعة الكارثة التي تجتاحهن جماعة، بعبارات تدين العنف والسفه ويتساءلن: «أما من إله لسلام؟» بعد خمسة وعشرين قرناً من تلك المعركة التي لا يزال هناك من يعتبر فظاعاتها أسطورة، ويشكك في حدوثها أصلا، تبقى طروادة رمزاً يستحق الاستعادة والقراءة والفرجة.
القصة معروفة ولم يشأ عساف في اقتباسه أن يخفف من هول الفواجع وانتزاع الأطفال والفتيات من أحضان أمهاتهم، تكرُّر الأحداث المظلمة تدحرجت في المشاهد الأخيرة، التي أشعرت المتفرج أن صدره قد ضاق، بكل هذا السفك الذي لا يتوقف.
11:9 دقيقه
روجيه عساف يستعيد «حرب طروادة» في بيروت
https://aawsat.com/home/article/1070621/%D8%B1%D9%88%D8%AC%D9%8A%D9%87-%D8%B9%D8%B3%D8%A7%D9%81-%D9%8A%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%C2%AB%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%B7%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%AF%D8%A9%C2%BB-%D9%81%D9%8A-%D8%A8%D9%8A%D8%B1%D9%88%D8%AA
روجيه عساف يستعيد «حرب طروادة» في بيروت
بعد أكثر من نصف قرن من التجارب الملهمة
روجيه عساف عاشق المسرح
- بيروت: سوسن الأبطح
- بيروت: سوسن الأبطح
روجيه عساف يستعيد «حرب طروادة» في بيروت
روجيه عساف عاشق المسرح
مواضيع
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




