ليبيا: خطة لتوحيد الجيش... ودخول مصراتة «بلا قتال»

دمج الإدارات والاستخبارات والحسابات العسكرية في طرابلس وبنغازي... وإنشاء مجلس أعلى للقوات المسلحة

TT

ليبيا: خطة لتوحيد الجيش... ودخول مصراتة «بلا قتال»

بين كميات من الملفات وهواتف التي لا تتوقف عن الرنين، وعشرات الضباط الداخلين والخارجين في مكتبه الملحق بمقر إقامته في إحدى ضواحي بنغازي، يدير العميد أحمد المسماري الذي يحظى بثقة قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر، مرحلة دقيقة تتضمن محاولة مهمة لتوحيد الجيش الذي تفرقت به السبل بعد إطاحة حكم معمر القذافي في 2011.
ولا تنقطع فناجين الشاي صغيرة الحجم التي تعلوها رغوة داكنة، عن الدوران حول ضيوف المكتب، من ضباط ورجال مخابرات وممثلي قبائل ومدن. ويُعرف المسماري في وسائل الإعلام بأنه المتحدث باسم الجيش، لكن مسؤولياته الأخرى وغير المعلنة كثيرة. وهذا يُمكن أن تلحظه بمجرد الاقتراب من أسوار مبنى المكتب من الخارج.
باختصار، يُعد المسماري من أحد أهم العُقول التي تتشاور يومياً تقريباً مع حفتر، واليد التي تنفذ تعليماته في نهاية المطاف. ويبدو جل وقته مشغولاً بخطة لتوحيد القوات المسلحة الليبية وتحديد مستقبل عمل الجيش في الشهور المقبلة.

كانت بين يديه تقارير استخباراتية تتحدث عن حجم الأسلحة التي حصلت عليها ميليشيات متطرفة من جهات خارجية عدة، لمقاومة تقدم الجيش في الجنوب والغرب. وبينما كان يراجع معلومات واردة من ضواحي بنغازي التي طُرد المتطرفون منها أخيراً، تلقى الرجل ذو البشرة السمراء والشارب الأسود المنسدل على جانبي فمه، اتصالات هاتفية جديدة من ضباط في القوات البحرية، كانوا يستعدون لتنفيذ أول مناورة بالذخيرة الحية على السواحل المحيطة بمدينة درنة، وهي مدينة ما زالت تتحكم فيها مجموعات متطرفة.
من الصعب معرفة الضابط من الجندي من المتطوع المدني. فالكل يعمل ويتحرك كأنه ضمن خلية نحل كبيرة لا تتوقف عن الشغل، رغم أن المعارك توقفت في بنغازي، باستثناء منطقة «سيدي خريبيش» المحاصرة التي تقع على مرمى حجر من الميناء البحري، في ثاني أكبر المدن الليبية. وتعرضت بنغازي لدمار واسع بسبب الأسلحة الفتاكة التي كان يملكها المتطرفون وهم يستميتون للاحتفاظ بالمدينة.
الآن، وبعد نحو ثلاث سنوات من الحرب المستعرة في الشرق والجنوب، تنفس الجيش الصعداء. ودخل مرحلة جديدة. عينه على أكبر مدينتين بعد بنغازي، وهما طرابلس ومصراتة غرباً. ويعوّل حفتر على ترتيب أوضاع العسكريين هناك للعمل تحت مظلة الجيش، وبالتالي تجنب الصدام والتدمير والاقتتال. وتوجد اتصالات بالفعل لتفادي هذا المصير.
حمل المسماري ملفات، وشد مقعده بعيداً عن مكتبه، وبدأ يشرح بطريقة تلقائية خطة توحيد الجيش. إنها تتضمن، بشكل لا لبس فيه، إحالة ضباط شاركوا في حروب ضد القوات المسلحة إلى محاكم عسكرية. واستبعاد أحد الضباط الليبيين في مصراتة، ممن سافروا أخيراً إلى قطر، من المشاركة في جهود توحيد الجيش الجارية عبر لقاءات تعقد في القاهرة.
وتركت الحملة التي شنها حلف شمال الأطلسي لمساندة المظاهرات ضد القذافي، الجيش مدمراً ومنقسماً على نفسه. وأعلن حفتر في 2014 «عملية الكرامة» بهدف جمع شتات الجيش ومحاربة الجماعات المتطرفة. ورغم الحظر الدولي على تسليح قواته، إلا أن حفتر تمكن من طرد المتطرفين من مناطق واسعة من البلاد، خصوصاً في الشرق، بينما ظلَّ أمر دخوله إلى العاصمة ومدينة مصراتة القوية، معلقاً، لكن يبدو أن هناك خطة معدة لهذا الغرض.
ويقول المسماري إن مفتاح دخول الجيش إلى طرابلس سيبدأ من مدينة الزاوية التي تقع غرب العاصمة، وإنه «لن يكون هناك قتال في مصراتة». ومعلوم أنه يتنازع على التحكم في طرابلس وما حولها، منذ شهور، قوات موالية لرئيس المجلس الرئاسي فايز السراج، وأخرى معادية له.
قطع سيل الحديث دخول شاب بملابس عسكرية، ليهمس في أذن المسماري بما بدا أنه بلاغ عاجل من جبهة ما. وحين استأنف المسماري كلامه، تذكر أن يشير إلى أن «لدينا ضباطاً من الأمازيغ والطوارق والتبو يعملون من أجل دولة موحدة، على عكس ما يُشاع بين حين وآخر، من أن هذه المكونات الثقافية تسعى إلى تقسيم ليبيا... إنهم ضباط وطنيون. وبعض منهم يشارك في لقاءات القاهرة لتوحيد المؤسسة العسكرية». وأضاف: «توجد شعارات غير صحيحة عن أن الأمازيغ يريدون الانفصال، وأنهم لا يريدون العربية، لكن هذا كله لا أساس له، ومحاولة لتشويه أهلنا الأمازيغ، وهم براء من ذلك... وفدُنا الآن إلى القاهرة يتألف من ضباط من القيادة العامة، بينهم خمسة ضباط من منطقة الأمازيغ».
وتابع: «لقد اختلطت دماء العسكريين الليبيين والمتطوعين المدنيين الذين معهم، على طول محاور بنغازي الحصينة، والتي كانت تتمركز فيها، لأكثر من عامين، جماعات جرى تصنيفها عربياً ودولياً كمنظمات إرهابية، بعضها مرتبط بدولة قطر... المحاربون تحت راية الجيش كانوا من كل أنحاء ليبيا. عربي، أمازيغي، طوارقي، تباوي. لا فرق. نقاتل معاً بإمكانيات محلية شبه معدومة. فقدنا أكثر من 5600 في معارك بنغازي ودرنة والهلال النفطي وفي الجنوب والمنطقة الغربية، ولدينا آلاف المصابين بينهم ما يزيد على 1200 أصبحوا مبتوري الأطراف وفاقدي البصر والسمع».
وهزّ المسماري رأسه كأنه ينفض ذكريات مريرة من ذهنه عن أيام الحرب وفقد الرفاق على الجبهات. وبعد لحظة صمت استعاد فيها رباطة جأشه، انبرى يتحدث في ثقة عن المستقبل الجديد لبناء أركان جيش قادر على خوض «معارك السيطرة» على عموم البلاد. وقال: «نعمل الآن على إنشاء المجلس الأعلى للقيادة العامة للقوات المسلحة، ومجلس أعلى للأمن. ودمج الهيئات العسكرية في طرابلس وبنغازي في منظومة واحدة».
لكن ما العمل؟ ماذا سيفعل الجيش، إذا استمرت الانقسامات وجلسات الحوار التي لم تنته منذ خريف 2014؟ يجيب المسماري بحزم: «لقد أعطينا مهلة مدتها 6 أشهر، لكي يحل السياسيون خلافاتهم. هذه المهلة تنتهي في مارس المقبل. وبعد ذلك ستكون لنا كلمة لإنقاذ البلاد... المواطنون يرون أن أمن ليبيا يتحقق بالجيش». وعن الخطوة المقبلة إذا انتهت هذه المهلة من دون حل الخلافات، قال: «أكيد معلوم ماذا سيفعل الجيش... وهو حسم الأمور بالقوة... وإذا اضطر الجيش لتولي المسؤولية السياسية بنفسه، فستكون عبئاً لكن لا بد منه، وإذا كانت هناك مطالب عامة بتولي حفتر رئاسة الدولة، فلا مانع».
تنتشر صور حفتر في شوارع بنغازي مقترنة بكلمات الفخار. بدأت المدينة أخيراً تتذوق طعم الهدوء، وتتخلص من أصوات انفجار القذائف الصاروخية. وعلى جانبي الطرقات يكنس العمال بقايا الفوضى وركام الحرب، ويعيدون ربط كابلات الكهرباء وتوصيل مواسير المياه التي دمرتها القنابل.
على مدى تاريخ قبائل ليبيا، يعد الشعر الشعبي الوسيلة الأكثر شجناً للتعبير عن مآسي الحروب والحب وشظف العيش. وحتى المسماري نفسه كان يردد مقاطع من هذا النوع من القصائد أثناء فترات التقاط الأنفاس. ولديه كتب كذلك من تأليفه عن التراث الليبي، يحوي بعضها مقطوعات شعرية تفخر بأيام الجهاد ضد الاستعمار.
اليوم. في كل منعطف وغرفة ضيافة وخيمة عرس تقريباً، هناك قصص أسطورية عن مقاتلين ضحوا بأرواحهم وهم يتقدمون بين الحواري الضيقة وعلى شوارع مزروعة بالألغام الأرضية، من أجل طرد المتطرفين. وفي خيمة عُرس في بلدة برسس القريبة، حيث مئات الحضور، دخل الشاعران الشعبيان الكبيران نصيب السكوري ومحمد بوستة في مناجاة عن حرب الجيش ضد تنظيم «أنصار الشريعة» في محيط مطار بنغازي المعروف باسم «مطار بنينا».
وتدعو أبيات هذين الشاعرين كل من لم يحضر الحرب في بنينا إلى أن يذهب ويشاهد آثار الرصاص على الأسوار. أو كما يقول مقطع من القصيدة باللهجة المحلية: «اللي ما حضر حفر الرصاص بعينه... تعاته يبهت في أسوار بنينا».
ويجد المسماري في انتصارات الجيش في المناطق الشرقية والجنوبية، عزاء لمن انطلقوا لتحرير بنغازي من جبروت المتطرفين في ظروف صعبة. «المعركة استغرقت، حتى الآن، نحو أربع سنوات متواصلة. كانت في البداية معركة تعبوية داخل بنغازي. معركة كانت صعبة جداً. كان التفوق العددي وفي العدة والعتاد لصالح الجماعات الإرهابية التي كانت في بنغازي نتيجة لتحالف كبير جداً بين تنظيم القاعدة وتنظيم الإخوان المسلمين... أقصد فريق الإخوان الذي رفع السلاح ودخل في تحالف مع أنصار الشريعة ومع القاعدة ومع الجماعة الإسلامية المقاتلة. وبعد ذلك ظهر تنظيم داعش في 2014. وانضموا جميعاً في خندق واحد ضد القوات المسلحة».
خلال السهرة الطويلة في مكتبه، عرض المسماري مقاطع مصورة لمعارك أدارها رجال قضوا نحبهم وهم يقاتلون بأبسط الإمكانيات، أمام ترسانة حديثة يملكها المتطرفون، من قذائف صاروخية ومفخخات ومناظير رؤية ليلية إلى بنادق قنص، بينما الجيش يعاني من حصار دولي يمنعه من شراء الأسلحة ومستلزمات ميادين القتال. وقال وهو يعرض مقطعاً: «لقد كان محاربونا يفتقرون حتى للملابس العسكرية. انظر... هذه مجموعة تقوم بتفكيك ألغام بأيادٍ عارية. ومع ذلك انتصرنا».
وفي غرفة مجاورة، ارتفعت أصوات مناقشات بين مجموعة ضباط بشأن الإعداد لمناورات القوات البحرية على الساحل الشرقي. ثم دخل إلى المكتب وفد عسكري من الزوار لترتيب السفر إلى لقاءات القاهرة. ودارت صينية الشاي مرة أخرى.
وبعد أن رشف من فنجانه، ورحب بالضيوف، واصل المسماري قائلاً، وهو يقاوم إرهاق هذا اليوم الطويل: «أقول لك... لقد تحقق الهدف من عملية الكرامة. كانت حين انطلقت في 2014 مجرد عملية، وأصبحت اليوم قيادة، وأصبحت اليوم جيشاً، وأصبحت اليوم شعباً. وبالتالي نحن الآن دخلنا في مرحلة أخرى».
ومنذ بداية إعلان الحرب على المتطرفين من جانب المشير حفتر، قسمت القيادة العامة للجيش المعركة إلى ثلاثة أهداف رئيسية. ويقول المسماري إن «الهدف الأول كان تعبوياً ميدانياً، والحمد لله وفقنا في ذلك. والهدف الثاني هو السيطرة على هدف التحكم في اللعبة السياسية (أي التحكم في النفط)، خصوصاً مع الأطراف الخارجية. لقد سيطرنا على الهلال النفطي بالكامل، والآن بدأ الهدف الاستراتيجي. الآن نعمل على الهدف الاستراتيجي، ألا وهو الوصول إلى العاصمة ودخولها. والسيد المشير (حفتر) يؤكد أن الدخول إليها سيكون سلمياً من دون سلاح أو استخدام لأي قوة عسكرية».
وعن الطريقة التي يخطط بها الجيش لدخول العاصمة سلمياً، يوضح المسماري: «حققنا استفادة في الشهور الأخيرة... أي بعد معارك صبراتة وزوَّارة وغيرهما (في غرب طرابلس)، بأن تمكنّا من فصل معركة منطقة غرب طرابلس عن طرابلس نفسها. وبدأت المناطق الخلفية هناك تقف مع القوات المسلحة، وتشكل مناطق داعمة لها، ومنها مناطق الجبل (الأمازيغية)». وأضاف: «تاريخياً وعسكرياً من قدم الزمان، مفتاح طرابلس هو مدينة الزاوية (40 كيلومتراً غرب العاصمة). الزاوية الآن فيها حراك كبير جداً. وفيها كثير من الشباب الذين كان مغرراً بهم، والذين دخلوا في هذه الميليشيات بدأوا الآن يتخلون عن سلاحهم. وبالتالي عندما تتم معركة الزاوية، ستتم معركة طرابلس».
أما عن دخول الجيش إلى مدينة مصراتة، فيقول: «بإذن الله لن يكون فيها قتال أيضاً... إنها مدينة ليبية وطنية كانت مُختطفة. الآن بدأ التحرك الوطني فيها بشكل كبير جداً. وأحيي الوطنيين في مصراتة. لقد بدأت فيها عمليات ضد الإرهاب والإرهابيين. نحن نثمن ذلك. ونؤيد وندعم ونساعد أي قوى تحارب القوى الظالمة أو القوى الإرهابية. وأوجه التحية إلى القيادات العسكرية والمدنية الوطنية في مصراتة. أقول لهم: نحن لا نقاتل وطنياً على الإطلاق. هذا من المحرمات. نحن جميعاً في خندق واحد لمحاربة من يتسترون باسم الدين لحكم ليبيا بالحديد والنار والسلاح. كل إرهابي وكل داعشي نعده عدواً للقوات المسلحة».
وعُرف اسم مصراتة في وسائل إعلام عالمية أثناء الانتفاضة المسلحة ضد حكم القذافي. حاصرتها دبابات النظام السابق. وحين ردت، نكلت بجثث القذافي ونجله المعتصم ووزير دفاعه أبو بكر يونس، وجلبتهم إلى المدينة بعد مقتلهم في سرت. ودفنتهم في أماكن غير معلومة حتى اليوم. لكن بعد أكثر من ست سنوات على إطاحة نظام القذافي، ضربت الخلافات قوات المدينة التي كانت قد استحوذت على كميات كبيرة من عتاد الجيش. وأصبحت فيها اليوم ميليشيات معادية لحفتر وأخرى تعتنق الفكر المتطرف. ويقاتل بعضها بعضاً.
وتحركت قوات في مصراتة خلال الأسابيع الماضية، وشنت حملة واسعة ضد مراكز لجماعات متشددة، وتم ضبط مخازن أسلحة ومتفجرات. ويقول المسماري إن «مصراتة ساهمت بهذه العلميات القوية جداً ضد المجاميع المتطرفة، في تراجع العمليات الإرهابية في بنغازي، باعتبار أن من قُبض عليهم في مصراتة، رؤوس تعلم بمخازن الأسلحة والذخائر والمتفجرات ومخابئها... هذا توصلنا إليه الآن عن طريق مصراتة».
ويوضح المسماري صورة مصراتة اليوم بشكل أكثر تفصيلاً: «ضباط مصراتة كانوا محكومين، حسب ما تحدثوا، بأربعة أنواع من الميليشيات... كانت لديهم ميليشيات مؤدلجة، والآن تم القبض على بعض منها وتتم محاربتها، وما زالت الحرب طويلة في هذا المجال. وهناك ميليشيات جهوية، وهناك ميليشيات للإيجار... وهناك ميليشيات وطنية يمكن التعويل عليها كقوة مساندة (للجيش). وبالتالي بدأت مصراتة الآن تتحرر».
بعد مداولات مع أطراف عسكرية ليبية من مشارب مختلفة، لا توجد مشاكل قانونية تمنع توحيد هذه المؤسسة. والجروح العميقة التي أصابت قادة عسكريين عقب مقتل القذافي تسببت في أغلبها جماعة «الإخوان» حين هيمنت على حكم البلاد في ذلك الوقت، بحسب المسماري الذي يقول: «في الجيش نحن تراتبية واحدة، وأقدمية عسكرية واحدة، ومدارس واحدة، وكليات واحدة... ليست لدينا فوارق».
وبحسب المسماري، فقد نجحتْ جماعة «الإخوان» بعد 2011 في إدخال ضباط للجيش كانوا خارج الخدمة. وهؤلاء الضباط «أغلبهم مؤدلجون ولهم أهداف، وفيهم من كان قد ترك الخدمة في عهد القذافي على أساس أن الجيش كافر. وهناك من خرج في قضايا أخلاقية. كل هؤلاء رجعوا إلى الجيش على يد الإخوان. واستطاع الإخوان بإرجاع الآلاف وإخراج الآلاف من العسكريين النظاميين بالتقاعد وبالاستقالات وبقانون العزل السياسي، إخلاء الساحة لهذه الفئة التي عبثت بالوطن».
وبسؤاله عما ترمي إليه الاجتماعات التي تعقد في القاهرة، يقول: «هذه الاجتماعات تُركز على أشياء تنظيمية فقط... مثلاً هناك هيئة تنظيم وإدارة تابعة للجيش في طرابلس، وأخرى هنا في بنغازي. يجب أن تُدمج هذه الهيئات في منظومة واحدة. أيضاً العمل على دمج هيئة الحسابات العسكرية، ودمج هيئة الاستخبارات. وإن شاء الله سنعمل على إنشاء المجلس الأعلى للقيادة العامة للقوات المسلحة، وسيادة المشير أصدر توجيهاته وتعليماته لنا كلجنة للبدء في التشاور والتحاور من أجل إنشاء مجلس أعلى للأمن في الدولة الليبية».
وعلى عكس ما يتداول لدى بعض الأوساط بأن أطراف الجيش الليبي «تتحاور» في القاهرة، يوضح المسماري أن ما يجري «ليس مرحلة حوار، لكن اجتماعات للجان الفنية... لقد بدأنا العمل». وأضاف بعدما انتهى من استقبال مكالمة هاتفية بدت، من تعبيرات وجهه، مهمة للغاية، أن «كل لجنة ستنبثق من هذه اللجان الفنية ستقوم بجمع الأفراد... مثلاً لدينا أفراد في مصراتة وفي طرابلس في الاستخبارات العسكرية. كيف نجعل كل هؤلاء في منظومة واحدة. هم أصلاً الآن أقدميتهم واحدة وتراتبيتهم واحدة. لكن من ناحية العمل فقط. كيف نجمع ملفات هؤلاء على بعضها بعضاً. وكذلك الأمر بالنسبة إلى هيئة التنظيم والإدارة والحسابات العسكرية. وبعد ذلك سنأتي لكل الإدارات. إدارة التوجيه المعنوي في طرابلس، وإدارة التوجيه المعنوي في بنغازي، يجب أن تكون إدارة التوجيه المعنوي واحدة».
وبمزيد من التوضيح لطبيعة تفاصيل توحيد المؤسسة العسكرية بين الشرق والغرب، يؤكد: «ببساطة... الأمر يحتاج إلى أن تقول لي ماذا لديك أنت، وأن أقول لك ماذا لدي أنا. لا بد من أن تكون هناك تصفية للموضوع. هُناك ضباط خدموا في ميليشيات. هؤلاء لا بد من أن يكونوا خارجاً. مثل هؤلاء لا يشملهم هذا الاتفاق. الضباط الذين شاركوا في حرب ضد الجيش، وفي حرب فجر ليبيا، وفي حرب البنيان المرصوص، وشاركوا مع الدواعش، وعملوا تحت قيادات مدنية، مثل هؤلاء لا يمكن ضمهم إلى القيادة العامة، إلا بعد عرضهم على المحاكم العسكرية». وأشار إلى أن أحد القادة العسكريين في مصراتة قام مؤخرا بزيارة لقطر، وتم إبعاده من إجراءات توحيد الجيش.
أحياناً يقول خصوم الجيش إن حفتر يسعى لأن يكون رئيساً وحاكماً لليبيا. وحين ظهرت بعض الأصوات، خصوصاً في شرق البلاد، تطالب بترشيحه للرئاسة أخيراً، تم تسليط الضوء على هذا الموضوع مرة أخرى. وعن الكيفية التي يفسر بها المسماري هذا الأمر، يقول إن «هذا الموضوع يتكون من شقين... الشق الأول هو أنه في البداية حين انطلقنا، لم يكن لدينا طموح للرئاسة ولا الوصول لمنصب. كان الطموح الأوحد هو القضاء على الإرهاب... ولم ندخل في أي حوار على الإطلاق من حوارات جنيف والصخيرات وغيرهما، على رغم أن الغرب حاول إدخال القوات المسلحة في هذا الأتون».
ويشير إلى أنه «بعد أن دخلت مصر والإمارات على الخط، وهما دولتان نحترمهما ونقدرهما، تواصل السيد المشير مع السيد السراج، ولكن لم يصلا إلى نتيجة. لقد وافق السراج على كل شروط المشير في الإمارات، وبعد ذلك تملص منها، وفي باريس وافق أمام المجتمع الدولي، وبعد ذلك تملص، وبالتالي نحن لدينا قناعة أن السراج لا يستطيع السيطرة على شيء، ولا يتحكم في أي شيء على الإطلاق، ولكن هناك قوى أخرى تعمل خلف السراج».
ويُكمل قائلاً: «حتى هذه اللحظة، يجري الحوار في تونس بمشاركة البرلمان الليبي، لكن نحن كعسكريين مهمتنا حماية الوطن والمواطن. المواطن بدأ وضعه الآن يتردى جداً. وبالتالي أعطيناهم 6 أشهر، ستنتهي في مارس المقبل، وبعد ذلك ستكون لنا كلمة لإنقاذ الوطن وكف العبث بأمن المواطن. والشعب الآن، في كل أنحاء البلاد، لا يرى مستقبلاً لليبيا إلا بين يدي الجيش». وأضاف: «أقول لمن يحملوننا المسؤولية، ورغم أن المسؤولية السياسية مسؤولية جسيمة، وليست مثل المسؤولية العسكرية، أقول: نحن مستعدون لتنفيذ أمر الشعب في أي لحظة. على المستوى العسكري والسياسي».
وعن موقف حفتر من تولي الرئاسة، قال المسماري: «لا مانع في ذلك... وبالتأكيد هذا المطلب جاء من رحم المعاناة، ونحن مهمتنا إنهاء هذه المعاناة، لكي تعود الأمور إلى جادة الصواب، وبعد ذلك من يسعى للحكم، فليأت إلى حكم ليبيا عن طريق صناديق الاقتراع».



العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».


هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
TT

هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)

بالتزامن مع التحركات العسكرية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، والضربات العسكرية المحتملة على إيران، تواصل الجماعة الحوثية في اليمن استعداداتها العسكرية وحشد المقاتلين واستحداث مواقع جديدة لأسلحتها، في وقت يُنظر لها فيه بأنها إحدى أهم الأذرع الإقليمية للرد الإيراني.

وعلى الرغم أن الجماعة المدعومة من إيران لم تصدر أي بيان رسمي يعلن موقفها من تعرض إيران لهجوم أميركي، فإن قادة فيها حذَّروا الولايات المتحدة من أي عمل عسكري، وتحمُّل المسؤولية الكاملة عن التصعيد وتداعياته، ولمحوا إلى أن تعاطيهم معه سيتم وفق ما تراه القيادة العليا بعد تقييم الموقف وتداعياته المحتملة.

وبقدر ما توحي هذه التلميحات، إلا أن ثمة تفسيرات لها بعدم الرغبة في لفت انتباه الإدارة الأميركية الحالية بقيادة دونالد ترمب إلى ضرورة التعامل مسبقاً مع الرد المقبل من قِبل الجماعة، خصوصاً وأن هذه الإدارة قد شنت حملة عسكرية سابقة ربيع العام الماضي على الجماعة وتسببت لها بالكثير من الخسائر.

ويرى إسلام المنسي، الباحث المصري في الشؤون الإيرانية، أن إيران قد لا تذهب إلى إحراق أوراقها كافة في حال لم يكن هناك داعٍ لذلك، خصوصاً مع التهديدات الأميركية بارتفاع سقف التصعيد في حال إقدام أي أذرع عسكرية إيرانية على التدخل والمشاركة في المواجهة.

مدمرة أميركية تصل إلى ميناء إيلات جنوب إسرائيل ضمن الحشد العسكري الأميركي في المنطقة (رويترز)

ولم تلجأ إيران لاستخدام أذرعها العسكرية خلال مواجهتها مع إسرائيل والضربة الأميركية المحدودة لها صيف العام الماضي؛ لكونها لم تشعر بخطر وجودي، وهو ما قد يتغير في المواجهة المرتقبة، ويمكن أن يدفع إلى تدخل الجماعة الحوثية، بما يشمل استهداف حلفاء ومصالح الولايات المتحدة وقواتها العسكرية، وفقاً لحديث المنسي لـ«الشرق الأوسط».

وإذا كانت إيران قد سبق لها وعرضت، في إطار تفاوضي، التخلي عن أذرعها العسكرية في المنطقة، بما في ذلك الحوثي، فإن ذلك يجعل من المؤكد أنها ستستخدمها في الرد، خصوصاً وأنها أنشأتها للدفاع عن أراضيها في جغرافيا بعيدة عنها، حسب المنسي.

وترجح الكثير من التقارير الاستخباراتية أن يكون «الحرس الثوري» الإيراني قد بحث مع الحوثيين تفعيل ساحات دعم بديلة خلال المواجهة الأميركية الإيرانية المنتظرة، واستخدام خلايا وأسلحة لم يجرِ استخدامها من قبل.

تأهب مكشوف

ومنذ أيام نقلت وسائل إعلام صينية عن قيادي عسكري حوثي، لم تسمّه، أن الجماعة رفعت فعلاً حالة التأهب، ونفذت عمليات تفتيش لمنصات إطلاق الصواريخ في مناطق عدة داخل اليمن، من بينها منطقة البحر الأحمر ذي الأهمية الاستراتيجية.

صورة نشرها الحوثيون لما زعموا أنه موقع تحطم طائرة أميركية مسيّرة في أبريل الماضي (غيتي)

في هذا السياق، يؤكد صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن الجماعة الحوثية ستشارك في الدفاع عن إيران ضد أي هجمات أميركية، مستنداً إلى خطابها الإعلامي المرافق لحشود أنصارها في الساحات والميادين، والذي يؤيد بشكل واضح حق إيران في الدفاع عن نفسها.

ورغم المواربة التي يتخذها هذا الخطاب بشأن إيران؛ فإنه يعيد التذكير بحرب غزة، ويجدد التعهدات الحوثية بالعودة إلى التصعيد العسكرية للدفاع عن سكان القطاع المحاصر، كما يوضح صلاح لـ«الشرق الأوسط»، منوهاً إلى أن إيران لم تشارك الحوثيين كل تلك التقنيات العسكرية المتطورة والنوعية، إلا بسبب ثقتها العالية بهم وقدرتهم على استخدامها لصالحها.

وخلال الفترة الماضية، وبعد استهداف إسرائيل حكومة الجماعة غير المعترف بها وعدداً من قياداتها، برز عدد من القادة الحوثيين المتشددين في ولائهم لإيران، بينما يجري على الأرض استحداث مواقع عسكرية ونقل معدات وأسلحة إلى مناطق جديدة في المناطق الساحلية والقريبة منها، إضافة إلى إمكانية استخدام خلايا أمنية في خارج حدود اليمن.

ويرجح صلاح أنه، ومع تهديدات الضربة العسكرية على إيران كبيرة، فإن الرد الإيراني سيأخذ منحى متقدماً قد يصل إلى السعي لإغلاق المضائق؛ وهو ما يجعل مضيق باب المندب في دائرة الاستهداف الحوثي.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

ويبدي الكثير من المراقبين قلقاً من أن تكون الجماعة الحوثية نقلت خلال السنوات الماضية عدداً من مقاتليها وخلاياها الاستخباراتية إلى خارج اليمن لاستهداف مصالح أميركية وغربية في المنطقة.

خيارات مفتوحة

وفقدت الجماعة الحوثية عند إعلان وقف إطلاق النار في غزة أحد أهم مبررات حشد المقاتلين وجمع الأموال، وبدأت بمواجهة تصاعد الغضب الشعبي ضد ممارساتها والحالة الإنسانية المتدهورة بخطاب إعلامي يحاول إقناع المتلقين بأن المعركة لم تنتهِ، وأن هناك جولات قادمة منها.

وفي موازاة استمرار الجماعة بحشد أنصارها أسبوعياً في مظاهرات تشمل مختلف مناطق سيطرتها تحت شعارات مناصرة قطاع غزة، لجأت إلى تنفيذ هجمات في جبهات المواجهة مع الحكومة الشرعية في اليمن، خصوصاً في محافظة تعز، في حوادث يصفها بعض الخبراء العسكريين بمحاولات جس النبض، بينما يرى آخرون أنها تهدف لصرف الانتباه عن ممارسات أخرى.

في هذا السياق، يذكّر وليد الأبارة، رئيس مركز اليمن والخليج للدراسات، بأن الجماعة واجهت مرحلة حرجة بعد وقف الحرب في غزة، بعد أن فقدت أحد أبرز مبررات هجماتها على الملاحة في البحر الأحمر، وإزاء ذلك فقد تلجأ إلى استحداث مبررات جديدة، بمزاعم العقوبات المفروضة عليها للحفاظ على زخمها الإعلامي ودورها الإقليمي.

أنصار الحوثيين في وقفة لهم بمدينة حجة تحت شعار الاستعداد للمواجهة المقبلة (إعلام حوثي)

إلى جانب ذلك، فهناك خياران آخران، حسب توضيحات الأبارة لـ«الشرق الأوسط»، يتمثل الأول بإعادة توجيه نشاطها نحو الداخل؛ بهدف تعزيز ميزان القوى العسكري والاقتصادي لمصلحتها، أو لفرض شروطها في أي تسوية مقبلة، بينما يتمثل الآخر بالرضوخ للضغوط الدولية والإقليمية والانخراط في مسار تفاوضي، خصوصاً في حال تصاعد العقوبات أو تراجع قدرتها الاقتصادية والعسكرية.

وحسب تقدير موقف لمركز اليمن والخليج الذي يديره الأبارة، فإن المعطيات تشير إلى أن الاحتجاجات الواسعة في إيران باتت تضغط على قدرة النظام على إدارة نفوذه الإقليمي بالوتيرة السابقة، دون أن تصل إلى تفكيك شبكة وكلائه.

وهذا الواقع يدفع طهران إلى مقاربة أكثر حذراً، تحكمها أولويات الداخل وحسابات التكلفة والعائد، مع الحفاظ على الحد الأدنى من النفوذ الخارجي دون تصعيد واسع.

ويُرجَّح الأبارة في هذا الإطار استمرار العلاقة مع الحوثيين ضمن استمرارية منضبطة، بدعم انتقائي يضمن بقاء الجماعة فاعلة، إلا أن اتساع الاحتجاجات أو تعرض إيران لضربة عسكرية مباشرة قد يفتح سيناريو إعادة تموضع حوثية أعمق، تشمل تنازلات سياسية وأمنية أوسع مقابل ضمانات إقليمية.