«وول ستريت» في القمة ولا خوف من فقاعة

بفضل شركات الاقتصاد الرقمي والمعرفي

«وول ستريت» في القمة ولا خوف من فقاعة
TT

«وول ستريت» في القمة ولا خوف من فقاعة

«وول ستريت» في القمة ولا خوف من فقاعة

بلغ مستوى مؤشر «إس أند بي 500»، الأسبوع الماضي، 2532 نقطة مقابل مستوى 1562 نقطة في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2007، قبل أن يهبط لاحقاً بنسبة 56 في المائة ليبلغ أدنى مستوى له في مارس (آذار) 2009 عند 683 نقطة. ومنذ تلك النقطة المتهاوية جداً يكون المؤشر قد صعد بالنسبة البسيطة المطلقة 270 في المائة من دون حساب إثر توزيعات الأرباح.
وكان مؤشر «داو جونز» قد بلغ أدنى مستوياته بعد الأزمة في 6 مارس 2009، عندما هبط إلى 6626 نقطة مقابل إقفال عند مستوى 22773 نقطة الأسبوع الماضي، وفي الفترة ذاتها ارتفع مؤشر «ناسداك» من 1293 نقطة إلى 6590 نقطة.
وبعكس الأسواق الأوروبية والأسواق العالمية الأخرى، خرجت السوق الأميركية من الأزمة على نحو سريع اعتباراً من 2013 عندما عادت المؤشرات إلى مستويات 2007، وذلك بمرونة عالية وسرعة تأقلم نادرة مستفيدةً من دعم حكومي استثنائي لا سيما على صعيد السياسة النقدية التي خفضت الفوائد إلى أدنى مستويات تاريخية، وأطلقت برامج تيسير كمّي لشراء الأصول بلغ حجمه 4500 مليار دولار، فضلاً عن حوافز اقتصادية وضريبية وضعت في خدمة تنافسية الاقتصاد الأميركي. وسمح ذلك للشركات بتسريع إعادة التركيز على مرحلة ما بعد الأزمة، في وقت ظلت فيه أسواق أخرى متخبطة في كيفية الخروج من التداعيات.
ويقول محللو «وول ستريت»: «يتعزز المشهد المطمئن الآن مع زياد وضوح السياسة الاقتصادية والضريبية الجديدة لإدارة الرئيس دونالد ترمب، وبذلك تزول تدريجياً حالة عدم اليقين التي كانت سادت في الأشهر الماضية، ويعود المستثمرون لاستئناف نشاطهم في تداولات قد تدفع مؤشرات (وول ستريت) إلى مستويات أعلى، وذلك في موازاة موجة متطلبات للمساهمين ظهرت في الجمعيات العمومية لتدفع إدارات الشركات إلى فعالية أكبر، علماً بأن تلك المتطلبات كانت بدأت تطل برأسها أكثر فأكثر منذ ما بعد الأزمة، مجبرةً الشركات على مزيد من التأقلم مع الأوضاع الجديدة، سواء بعمليات إعادة هيكلة أو بتغيير جذري لبعض نماذج الأعمال التي كشفت الأزمة هشاشتها، وهكذا استطاعت الشركات من جديد سلوك طريق النمو».
ويضيف محللون آخرون إلى ما سبق عاملاً جديداً كلياً، إذ يؤكد هؤلاء أن «الأمر لم يعد متعلقاً بشركات الاقتصاد التقليدي أو بشركات ناشئة، بل إن السوق اليوم مفعمة بشركات مكرسة النجاح في اقتصاد جديد كلياً ومختلف جذرياً عما كان في 2007 وما قبلها. والمقصود هنا شركات التقنية مثل (غوغل) و(أمازون) و(فيسبوك) و(آبل)... التي عرفت كيف تبني إمبراطوريات احتكارية أو شبه احتكارية على مستوى العالم. وتضاف إلى تلك الشركات أخرى ناشئة ممولة الآن بمليارات الدولارات لتكون نجوم الأسواق في المستقبل. كل هذه المكونات تتجمع معاً لتمنح المستثمرين أجواء تفاؤلية إضافية تختلف في عواملها جذرياً عما كان في 2007».
ربما لا يشبه 2017 عام 2007 بشيء، لكن ذلك لا يمنع من بعض الحذر الذي يبديه قلقون من المستويات المرتفعة التي وصلت إليها مؤشرات البورصة، لتبدأ التساؤلات حول ما إذا كانت أسعار الأسهم بلغت مستويات خطرة أو «مضاربية» قد تتشكل معها فقاعات.
يرد المحللون المتفائلون بالقول: «في قراءة تاريخية للسوق الأميركية في مدى المائة سنة الماضية، يتبين أن المستويات العالية شكلت ثلث الفترة المذكورة، أي أن السوق الأميركية قضت 30 سنة من أصل 100 في قمم كانت دائماً تثير قلق البعض. لذا لا مبرر كافٍ للخوف إذا كان المستثمر طويل النفس أو يوظف أمواله للأمد الطويل، كما يفعل الملياردير وارين بافيت رئيس شركة (بيركشير هاثاوي)».
ويضيف المتفائلون: «على المستثمر اليوم أن يعرف أن الأمور مختلفة كلياً عن السابق، وللدلالة على ذلك يجدر التذكير بأن قائمة أكبر الشركات العالمية من حيث القيمة السوقية انقلبت رأساً على عقب بين 2007 و2017. فعشية الأزمة المالية كانت القائمة مشكَّلَة من (إكسون موبيل) و(جنرال إلكتريك) و(بتروشاينا) و(شاينا موبيل) والبنك الصناعي والتجاري الصيني، و(مايكروسوفت) و(غازبروم) و(إيه تي أند تي) و(شل) و(سيتي غروب)... أما القائمة اليوم فتطغى عليها الشركات التقنية، وهي مكونة من (آبل) و(غوغل) و(مايكروسوفت) و(فيسبوك) و(أمازون) و(بيركشير هاثاواي) و(علي بابا) و(تيسنت) و(جونسون آند جونسون) و(أكسون موبيل). أي أن 70 في المائة من قائمة أكبر شركات العالم هي شركات تقنية ورقمنة وتكنولوجيا معلومات في اقتصاد معرفي غير تقليدي. ولهذه الشركات قيم سوقية بمئات المليارات. وإذا كان لا بد من المقارنة، فتجدر الإشارة - على سبيل المثال - إلى أن قيمة الشركات المدرجة في مؤشر «كاك 40» الفرنسي تساوي 1.5 تريليون دولار، أي أقل من نصف قيمة 5 شركات أميركية فقط هي (آبل) و(غوغل) و(مايكروسوفت) و(فيسبوك) و(أمازون)، التي تزيد قيمتها مجتمعة على 3 تريليونات دولار كما عند إغلاقات الأسبوع الماضي».
يضاف إلى العمالقة المكرسين في قطاع التقنية شركات أخرى في القطاع نفسه يلمع نجمها على الطريق ذاته، مثل شركة «نتفلكس» التي بلغت قيمتها السوقية 86 مليار دولار، الأسبوع الماضي.
ويشير متخصصون في متابعة الشركات العملاقة إلى «قدرة هائلة لدى شركات التقنية والرقمنة على الانعطاف الاستراتيجي بفعل استحواذات في عدة اتجاهات. فشركة (غوغل) تحولت بفعل الاستحواذ على (يوتيوب) من مجرد محرك بحث إلى وجهة جديدة ترفيهية وثقافية لا تقل أهمية. و(فيسبوك) تحولت من مجرد شبكة تواصل اجتماعي إلى منصة عالمية للاتصالات تضم نحو ملياري مستخدم يضاف إليهم 1.3 مليار من مستخدمي (مسنجر) و1.2 مليار من مستخدمي (واتس آب) التابعة لمجموعة (فيسبوك)، و800 مليون مستخدم لمنصة (إنستغرام) التي استحوذت عليها أيضاً، أي أن نصف سكان الكرة الأرضية متصل الآن بـ(فيسبوك) وتوابعها. علما بأن الشركة قامت بنحو 64 استحواذاً لم يفهم المحللون بعدُ كل استهدافاتها. أما شركة (أمازون) المعروفة بريادتها للتجارة الإلكترونية فهي أيضاً مستحوِذَة على حصة مرموقة من قطاع الحوسبة السحابية، وتستغل الداتا (البيانات) المعلوماتية الهائلة التي لديها في قطاعات أخرى. و(نتفلكس) التي بدأت في تأجير أفلام الفيديو (أونلاين) دخلت أخيراً في نطاق الإنتاج الهوليوودي بمليارات الدولارات».
ويختم المحللون بتأكيد أن «(وول ستريت) تعيش اليوم عصراً مختلفاً كليّاً لا جمود فيه خلال سنوات طويلة مقبلة، لأن لدى كل شركة من شركات التقنية قدرةً تحوليةً كبيرةً. وهذا لا يمت بصلة لشركات الاقتصاد القديم الذي كان سائداً قبل الأزمة العالمية التي اندلعت في 2007».



مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
TT

مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)

قال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، السبت، إن اتفاقية التجارة المؤقتة المبرمة مع الولايات المتحدة ستعزز شعار «صنع في الهند» من خلال فتح فرص جديدة أمام المزارعين ورجال الأعمال، وخلق فرص عمل للنساء والشباب، حسبما أفادت وكالة أنباء «برس ترست أوف إنديا».

كما شكر رئيس الوزراء الرئيس الأميركي دونالد ترمب على التزامه الشخصي بعلاقات قوية بين الهند والولايات المتحدة.

وقال مودي في منشور له على منصة التواصل الاجتماعي «إكس»: «إنه لخبر رائع للهند والولايات المتحدة الأميركية... لقد اتفقنا على إطار لاتفاقية تجارية مؤقتة بين دولتين عظيمتين».

وأضاف، إن هذا الإطار يعكس النمو المتزايد في العمق والثقة والديناميكية للشراكة الهندية الأميركية.

وأوضح مودي: «إنه يعزز شعار، صنع في الهند، عبر فتح فرص جديدة أمام المزارعين المجتهدين في الهند، ورجال الأعمال، والشركات الصغيرة والمتوسطة، ومبتكري الشركات الناشئة، والصيادين، وغيرهم. وسيولد توظيفاً على نطاق واسع للنساء والشباب».

وأكد مودي أن الهند والولايات المتحدة تشتركان في التزامهما بتعزيز الابتكار، وهذا الإطار سيعمق شراكات الاستثمار والتكنولوجيا بين البلدين.

وقال إن هذا الإطار سيعزز أيضاً سلاسل التوريد المرنة والموثوقة ويساهم في النمو العالمي.

وذكر ترمب أنه بموجب الاتفاقية، سيتم خفض الرسوم الجمركية على السلع القادمة من الهند إلى 18 في المائة، من 25 في المائة بعد أن وافق رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على التوقف عن شراء النفط الروسي.


منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

أعلنت الحكومة الكوبية مجموعة من الإجراءات لمواجهة أزمة الطاقة الحادة التي تعاني البلاد منها في ظل الضغوط الأميركية، من ضمنها اعتماد أسبوع عمل من أربعة أيام، والانتقال إلى العمل عن بُعد، وصولاً إلى إغلاق فنادق.

وقال نائب رئيس الوزراء أوسكار بيريز أوليفا فراغا، متحدثاً للتلفزيون الرسمي، إن هذه الضغوط «تدفعنا إلى اتخاذ سلسلة من القرارات، هدفها الأول ضمان الاستمرار لبلادنا، وتأمين الخدمات الأساسيّة من دون التخلي عن التطوير».

وأوضح محاطاً بعدد من الوزراء، ولا سيما وزراء العمل، والتربية، والمواصلات، أن «الوقود سيخصص لحماية الخدمات الأساسية للمواطنين، والنشاطات الاقتصادية الضرورية».

ومن بين التدابير المعلنة خفض أسبوع العمل إلى أربعة أيام في الإدارات الرسمية، وشركات الدولة، والعمل عن بُعد، وفرض قيود على بيع الوقود، والحدّ من خدمة الحافلات، والقطارات، فضلاً عن إغلاق بعض المرافق السياحية بصورة مؤقتة.

سيارات كلاسيكية تصطف في طابور للتزود بالوقود في ظل تحرك أميركا لقطع إمدادات النفط عن كوبا (رويترز)

وفي مجال التربية، سيتم تقليص مدة الحصص الدراسية اليومية، وسيجري التعليم في الجامعات وفق نظام شبه حضوري.

وقال موظف في مصرف، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طالباً عدم كشف اسمه: «في مكان عملي، طلبوا من الجميع العودة إلى منازلهم لمدة شهر»، موضحاً أنه بموجب التدابير المعلنة الجمعة سيواصل تلقي أجره الكامل لمدة شهر على الأقل.

وقال بيريز أوليفا فراغا، إن هذه التدابير ستسمح بادخار الوقود لاستخدامه في «إنتاج الطعام وتوليد الكهرباء» وستتيح «الحفاظ على النشاطات الأساسية التي تدر عملات أجنبية».

لكنّه أكّد أنه سيتم الحفاظ على الاستثمارات في الطاقات المتجددة، وأن البلاد ستواصل جهودها لزيادة إنتاج النفط الوطني الذي يمثل 30 في المائة من استهلاكها.

وأقامت كوبا 49 محطة كهروضوئيّة عبر البلاد خلال العام 2025، ما سمح برفع إنتاج الطاقة الشمسية من 3 في المائة قبل عامين إلى 10 في المائة حالياً.

«مرحلة عصيبة»

وكان الرئيس ميغيل دياز كانيل قال الخميس خلال مؤتمر صحافي نقله التلفزيون إن البلاد البالغ عدد سكانها 9.6 مليون نسمة تمر بـ«مرحلة عصيبة».

وأوضح أن الحكومة اعتمدت «مرجعية» هي التوجيهات التي أصدرها الزعيم السابق فيدل كاسترو خلال سنوات الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، الحليف الأكبر لكوبا، في 1991.

ولا يزال العديد من الكوبيين يذكرون تلك «المرحلة الخاصة» التي شهدت انقطاع التيار لنحو 15 ساعة في اليوم، ونقصاً في المواد الغذائية، وتوقف مصانع عن العمل، وشوارع مقفرة، أو خالية إلا من الدراجات الهوائية.

يستخدم الناس في هافانا الدراجة الأجرة للتنقل في حياتهم اليومية الجمعة 6 فبراير 2026 (أ.ب)

وبدأ اقتصاد الجزيرة الخاضعة لحظر أميركي مستمر منذ العام 1962، ينتعش اعتباراً من 1997، مستفيداً من تنمية السياحة، والاستثمارات الأجنبية.

وفي العام 2000، وقعت البلاد اتفاق تعاون مع فنزويلا في عهد الرئيس هوغو تشافيز (1999-2013) نص على إمدادها بالنفط مقابل إرسال هافانا أطباء، وأساتذة، وغيرهم من المهنيين.

إلا أن هذه الإمدادات توقفت بالكامل بعدما قبضت قوات خاصة أميركية على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال عملية نفذتها في مطلع يناير (كانون الثاني) في كاراكاس، فيما شدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الضغط على الجزيرة الشيوعية التي تعاني أزمة اقتصادية حادة مستمرة منذ ست سنوات.

ووقع ترمب مرسوماً ينص على إمكانية فرض رسوم جمركية مشددة على الدول التي تبيع النفط لهافانا. كما أكد أن المكسيك التي تمدّ كوبا بالنفط منذ 2023 ستوقف إمداداتها.

وتبرر واشنطن سياستها هذه مؤكدة أن الجزيرة التي تبعد 150 كيلومتراً فقط عن سواحل ولاية فلوريدا تشكل «خطراً استثنائياً» على الأمن القومي الأميركي.

وتتهم الحكومة الكوبية واشنطن التي لا تخفي رغبتها في أن يتغير النظام في هافانا بالسعي لـ«خنق» اقتصادها.


الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
TT

الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)

تبرز الأسواق الناشئة اليوم بوصفها أهم الركائز في خريطة الاقتصاد العالمي الجديد. فلم تعد هذه الأسواق مجرد وجهات استثمارية ثانوية، بل تحولت إلى محرك أساسي لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ومختبر فعلي للابتكار وتطوير سلاسل الإمداد الدولية.

ومع انعقاد مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة، يصبح التساؤل ملحاً حول طبيعة هذه القوى الصاعدة التي تجاوزت مرحلة «الدول النامية» لتصبح «القطب الجديد» الذي يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، معلنةً عن ولادة عصر اقتصادي تقوده الطموحات الجريئة، والإصلاحات الهيكلية الواسعة.

ما وراء «التحول الهيكلي»

تُعرّف الأسواق الناشئة بأنها الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية مهمة، تجمع بين خصائص الدول المتقدمة والدول الأقل نمواً. فهي دول تخلت تدريجياً عن الاعتماد على الزراعة وتصدير المواد الخام، واتجهت إلى بناء قواعد صناعية وتقنية أكثر تطوراً، مدعومةً بإصلاحات تشريعية وهيكلية تهدف إلى تعميق اندماجها في الاقتصاد العالمي.

وتعد هذه الأسواق حلقة الوصل بين الاقتصادات المبتدئة ذات المخاطر المرتفعة، وبين الأسواق المتقدمة التي تتسم بنمو منخفض ولكنه مستقر.

تجار العملات أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر أسعار الأسهم المركب (كوسبي) في سوق كوريا الجنوبية الناشئة (رويترز)

لماذا تسمى «ناشئة»؟

يعود المصطلح إلى ثمانينات القرن الماضي، حين ابتكره الخبير الاقتصادي أنطوان فان أغتمايل من مؤسسة التمويل الدولية. وقد جاء اختيار كلمة «ناشئة» ليعكس حالة البزوغ، والتحول، والتطور المستمر؛ فهي أسواق تنمو فيها الفرص بشكل متسارع، وتتطور أنظمتها المالية والرقابية بوتيرة تجعلها وجهة مفضلة لرؤوس الأموال الباحثة عن عوائد أعلى مقارنة بالأسواق المشبعة، مثل الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية.

ثقل ديمغرافي وجغرافي

تشكل الأسواق الناشئة أكثر من 80 في المائة من سكان العالم، ما يمنحها قاعدة شبابية ضخمة تمثل محركاً للاستهلاك والإنتاج في المستقبل. أما جغرافياً، فهي تمتد عبر آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، وتملك موارد طبيعية واستراتيجية هائلة، من النفط والمعادن النادرة، إلى مراكز تصنيع وتقنية فائقة التطور مثل الهند، والصين، وإندونيسيا، والبرازيل. هذا الانتشار يجعلها لاعباً محورياً في سلاسل التوريد العالمية وإعادة هيكلتها.

قاطرة النمو العالمي

تشير بيانات صندوق النقد الدولي ومؤسسة «ستاندرد آند بورز»، إلى أن الاقتصادات الناشئة تسهم اليوم بما يقرب من 65 في المائة من نمو الاقتصاد العالمي. وعند قياس الناتج المحلي الإجمالي بمعيار «تعادل القوة الشرائية» (PPP) (وهو مقياس يقارن حجم الاقتصادات ومستويات المعيشة بين الدول بناءً على القدرة الشرائية الحقيقية للعملات، وليس فقط أسعار الصرف)، يتضح أن إجمالي حجم اقتصادات الأسواق الناشئة قد تجاوز بالفعل حجم اقتصادات الدول المتقدمة.

ويعكس هذا التحول انتقال مركز الثقل نحو اقتصادات تمتلك شهيةً للنمو، وقدرة على استيعاب التحولات الصناعية والتكنولوجيا المتسارعة، بما في ذلك التحول الرقمي والطاقة المتجددة واقتصاد المعرفة.

من «بريكس» إلى النمور الجديدة

رغم اختلاف التصنيفات بين مؤشرات مثل MSCI وFTSE، تبقى مجموعة «بريكس» في مقدمة الاقتصادات الناشئة عالمياً. وإلى جانبها، تبرز دول مثل المكسيك وتركيا وإندونيسيا وفيتنام وماليزيا، التي باتت تُعرف بـ«النمور الآسيوية الجديدة». هذه الدول لا تكتفي بتطوير أسواقها المالية، بل تبني شراكات إقليمية وتكتلات اقتصادية جديدة تعزز حضورها في التجارة والاستثمارات الدولية.

السعودية... قائد الأسواق الناشئة بالمنطقة

لا يمكن الحديث عن بزوغ فجر الاقتصادات الناشئة دون التوقف عند السعودية، التي تحولت إلى «أهم سوق ناشئة» في المنطقة، ومحرك رئيسي للنمو الإقليمي.

وتصنف وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني المملكة باستمرار بصفتها سوقاً ناشئة رائدة في المنطقة، وتشير إلى أنه على الرغم من كون المملكة سوقاً ناشئة، فإن وضعها الائتماني القوي - المدعوم باحتياطيات ضخمة وإصلاحات مالية - يميزها ضمن هذه الفئة.

وتعد السوق المالية السعودية «تداول» الركيزة الأولى لهذا التفوق، حيث نجحت في التحول من سوق إقليمية إلى واحدة من أهم عشر بورصات في العالم من حيث القيمة السوقية. وبفضل انضمامها لمؤشرات عالمية مرموقة مثل MSCI وFTSE للأسواق الناشئة، أصبحت المملكة الوجهة المفضلة لتدفقات السيولة الدولية؛ إذ لم تعد البورصة السعودية مجرد مرآة لقطاع الطاقة، بل باتت تحتضن قطاعات تقنية ومصرفية وعقارية كبرى توفر للمستثمرين تنوعاً استثمارياً نادراً في الأسواق الناشئة التقليدية.

وسوف يكون قرار فتح السوق المالية (تداول) للاستثمار، وتخفيف القيود على الملكية الأجنبية، المحفز الإضافي لتدفق المليارات إلى المملكة.

فرص ومخاطر

تمنح الأسواق الناشئة المستثمرين بوابة ذهبية للوصول إلى معدلات نمو لا توفرها الاقتصادات المتقدمة، مع عوائد مجزية وقدرة فائقة على التنويع الجغرافي والقطاعي. ومع ذلك، يظل الاستثمار في هذه الأسواق محكوماً بـ«معادلة مخاطر» تتطلب نفساً طويلاً؛ حيث تبرز تقلبات العملات المحلية والمخاطر الجيوسياسية ضمن أهم التحديات، فضلاً عن «حساسية» هذه الأسواق تجاه قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي التي تتحكم في شهية المخاطرة وتدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود. ورغم هذه التحديات، تظل النظرة الاستراتيجية طويلة الأمد إيجابية؛ إذ لم يعد الاستثمار في هذه القوى مجرد خيار للتنويع، بل هو رهانٌ مستنير على المحركات الحقيقية للاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.