دفن أموات السوريين يثير أزمة في لبنان بسبب ارتفاع الكلفة واكتظاظ المقابر

السفارة السورية تسهل عملية نقل الجثامين عند توفر شهادات طبية وأوراق ثبوتية

دفن أموات السوريين يثير أزمة في لبنان بسبب ارتفاع الكلفة واكتظاظ المقابر
TT

دفن أموات السوريين يثير أزمة في لبنان بسبب ارتفاع الكلفة واكتظاظ المقابر

دفن أموات السوريين يثير أزمة في لبنان بسبب ارتفاع الكلفة واكتظاظ المقابر

اختار محمد، شاب سوري في منتصف العشرينات، الهرب من الحرب الدائرة في سوريا والانتقال إلى لبنان، حيث يقيم في منطقة صيدا جنوبا. ترك منزله وعمله مدرسا؛ بحثا عن مكان أكثر أمانا واستقرارا بعد أن قتل والده بإلقاء براميل متفجرة على أحياء مدينة حمص قبل عام ولم يبق له إلا والدته المفجوعة.

في لبنان، لمس محمد بيده أن معاناة اللاجئ السوري في لبنان لا تختلف كثيرا عن معاناة السوري تحت القصف، بقي يردد أن «اللاجئ السوري يعيش في لبنان من قلة الموت». لم يتوقع أن الموت الذي نجا منه بفعل البراميل المتفجرة في سوريا سيلاقيه في لبنان بعد إصابته بجلطة في القلب أودت بحياته.

بكثير من المرارة والغصة، تروي الأم الثكلى لـ«الشرق الأوسط» ظروف وفاة ابنها: «أصيب محمد بجلطة قلبية ما استدعى نقله إلى أحد مستشفيات صيدا لإسعافه لكن الوقت حان لرحيله». لكن المأساة، وبحسب الوالدة، لم تتوقف عند حد وفاة ابنها وعائلها فحسب، إنما امتدت إلى مراسم الدفن. تقول: «بقيت جثته في براد المستشفى ثلاثة أيام بسبب عدم تمكننا من دفنه في مدافن صيدا، بسبب التكاليف المادية الباهظة، إذ إن سعر القبر 500 ألف ليرة لبنانية (ما يعادل 333 دولارا أميركيا)، وهو ما لا نقوى على تحمله».

وتوضح أم محمد أنه «بعد ثلاثة أيام على وفاة ابنها اتصلت إدارة المستشفى ببلدية عرسال (في البقاع) التي أرسلت بدورها سيارة الإسعاف وتكفلت بنقله من صيدا إلى البقاع، حيث دفن مجانا ومن دون مقابل في مقابر مشتركة مع اللبنانيين». وتضيف بحزن: «وفرت لي البلدية خيمة صغيرة قريبة من قبر ابني لأتمكن من زيارته بشكل دائم وأقرأ له الفاتحة عن قرب». قبل أن تنفعل متسائلة: «أين سأدفن إذا مت؟ ألا يحق لنا أن نموت ميتة كريمة؟».

تبرز مشكلة دفن اللاجئين السوريين بشكل خاص في منطقة صيدا. ويقول قائد «كتائب شهداء الأقصى» في مخيم عين الحلوة قرب صيدا، اللواء منير المقدح لـ«الشرق الأوسط»، إن «المخيم يعاني أزمة في هذا السياق، إذ إن عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين نزحوا من سوريا تزايد بشكل مضاعف، ما أدى إلى اكتظاظ المقابر المتوفرة في المخيم». ويشير إلى أن «الفصائل الفلسطينية عمدت إزاء ذلك إلى شراء أرض جديدة للدفن بقيمة 250 ألف دولار أميركي، ما يفسر أن كلفة الدفن فيها تصل إلى 500 ألف ليرة لبنانية، في حين تصل كلفة القبر في مقبرة سبلين إلى 800 ألف ليرة (533 دولارا أميركيا)»، وفق المقدح.

في البقاع، تعد بلدة عرسال الحدودية المعروفة بتعاطفها مع المعارضة السورية، من المناطق الأكثر استقطابا للاجئين السوريين، حيث إن قربها من الحدود السورية يجعلها «منفذا لعدد كبير من الهاربين من بطش النظام السوري»، وفق ما يقوله نائب رئيس بلدية عرسال أحمد فليطي لـ«الشرق الأوسط». ويوضح أنه «منذ عام 2013 حتى اليوم استحدثت البلدية نحو 250 مدفنا للموتى السوريين في مدافن مشتركة مع اللبنانيين المتوفين في عرسال»، مضيفا: «لا نأخذ أي بدل مادي من أحد لعلمنا سلفا بالأوضاع الاقتصادية المتردية التي يعيشها اللاجئون».

ويشير فليطي إلى أنه «بعد أن امتلأت القبور الموجودة، جمعت البلدية التبرعات لشراء قطعة أرض في منطقة البابين، القريبة من خيم اللاجئين في البلدة، بقيمة 270 ألف دولار»، مبينا: «إننا لم ننظم عملية الدفن فيها بأسلوب يفصل السوري عن اللبناني، رفضا منا للتمييز بين البشر، فكلنا شعب واحد».

ويؤكد أحد مقاتلي الجيش الحر الموجودين في عرسال لـ«الشرق الأوسط» أن عشرات القتلى من مقاتلي المعارضة دفنوا في جرود قرى لبنان الحدودية خلال هروبهم من الاشتباكات الدائرة في سوريا وتحديدا معركتي القصير والقلمون. يقول المقاتل الذي يعرف عن نفسه باسم شهاب الدين إنه «خلال حالات الهروب عادة ما يصاب المقاتلون بشظايا القصف والبراميل المتفجرة، منهم من يتوفى على الحال ومنهم من يصل إلى عرسال بحالة حرجة وينقله الصليب الأحمر الدولي إلى المستشفى الميداني في البلدة لتلقي العلاج مجانا».

ويوضح شهاب الدين الذي كان حاضرا خلال وفاة 16 مقاتلا، على حد قوله، أنه في تلك الحالات «قرأنا الشهادة والفاتحة بعد أن حددنا بقعة الدفن، التي اخترناها ترابية غير حجرية لتسهيل عملية الحفر»، مضيفا: «حفرنا القبور بالخشب أو بما توفر معنا، وفي أحيان بأيدينا كوسيلة أخيرة متاحة، وطبعا الشهيد لا نغسله إنما يكفن بثيابه وبرائحة الشهادة الطاهرة». وفي المقابل، تعد عائلة المقداد من قبيلة طيئ السورية أن دفن موتاها في بلد غير البلد الأم أمر معيب ومحرم. خلقت وفاة إسماعيل في لبنان مشكلة كبيرة نظرا لارتفاع كلفة نقل الجثمان إلى منطقة حمص. ويقول أحد أقرباء إسماعيل، وهو يعمل حارسا في بناء سكني ببيروت، لـ«الشرق الأوسط»: «عانينا من مسألة دفن الجثمان في سوريا، فخوفنا الأول بما أننا معارضون للنظام السوري كان في التواصل مع السفارة السورية لتسهيل عملية نقل المرحوم إلى حمص، مما دفعنا إلى اجتياز الحدود السورية بمساعدة المقاتلين عن طريق عرسال. وبما أننا لم نتمكن من دفنه في حمص، مسقط رأسه، بسبب الحصار الذي كان لا يزال مفروضا على حمص، دفناه في منطقة الحسكة».

من ناحيتها، تنفي السفارة السورية في بيروت «ما يقال عن صعوبات تفرضها على اللاجئ السوري في لبنان لنقل الجثامين إلى سوريا». ويقول أحد الموظفين في المكتب الإعلامي للسفارة في بيروت لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه الأنباء غير صحيحة، فالسفارة تطلب من عائلة الفقيد رسالة من المستشفى حيث توفي، توضح سبب الوفاة وتفاصيل طبية عنه، وطبعا أوراقه الثبوتية التي من المفترض أن تكون موجودة لدى مفوضية اللاجئين، التي تتولى تسجيل كل سوري دخل إلى البلد». ويشير إلى أنه «في حال عدم توفر الأوراق الثبوتية بسبب التهجير القسري الذي عاناه النازح، فإن السفارة تأخذ الموضوع بعين الاعتبار وتعمل على تسهيل عملية نقل الرفات من لبنان إلى سوريا». ويلفت المصدر نفسه إلى أن «الصليب الأحمر الدولي يتكفل بعملية نقل الجثمان، فيما العائلة ملزمة بدفع تكاليف الدفن وتحاول السفارة المساعدة بمبلغ بسيط في حال لم تتوفر الماديات للدفن».



اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

من جانبه، أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، لـ«الشرق الأوسط»، أن مستوى التنسيق مع السعودية «عالٍ جداً»، منوهاً بحسمها مسألة إخراج قوات «المجلس الانتقالي» من المحافظة خلال وقت قياسي، والتزامها توفير الغذاء والحوافز، وتقديمها وعوداً بتنفيذ حزمة مشروعات كبيرة لتطوير البنية التحتية.

وقال الخنبشي إن الأوضاع في حضرموت بدأت تعود إلى طبيعتها، وشدَّد على أن المحافظة «يجب أن تكون رقماً سياسياً فاعلاً في أي تسوية مقبلة»، لافتاً إلى لقاءات سيجريها مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية فيها خلال الأيام المقبلة؛ للتوافق على رؤية موحدة تمثلهم في «مؤتمر الحوار الجنوبي» الذي تستضيفه الرياض قريباً.

من جهته، أكد السفير الأميركي لدى اليمن، ستيفن فاغن، دعم بلاده إجراء «الحوار الجنوبي» الشامل، وأهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار، وذلك خلال اجتماع مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.


العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».