أفران الصلب الأوروبية في آتون معركة عالمية كبرى

لا تكاد المخاوف تهدأ حتى تبدأ دورة مشكلات جديدة

أفران الصلب الأوروبية في آتون معركة عالمية كبرى
TT

أفران الصلب الأوروبية في آتون معركة عالمية كبرى

أفران الصلب الأوروبية في آتون معركة عالمية كبرى

تخشى أفران صهر الصلب في ألمانيا وأوروبا على وجودها، فهي لم تكد تحل مشكلة الرسوم الجمركية مع الولايات المتحدة حتى واجهتها مشكلة أخرى؛ ليست فقط أصعب، بل ومصيرية أيضاً، مما جعل أصحاب الأفران يولون اهتماما كبيرا للعثور على حل - ولو مبدئي - مع أحد أهم وأكبر مصدر للصلب في العالم وهي الصين.
وبينما تشد المصانع الثقيلة أزر أصحاب أفران الصلب من جهة، فإنهم في نفس الوقت يتهمون بكين بالإفراط في الإنتاج والتصدير وطرح أسعار رخيصة، ويصفون هذه السياسة بالعيب التنافسي غير المقبول.. في وقت يسعى فيه الاتحاد الأوروبي إلى التشديد على المصانع في أوروبا لخفض الانبعاثات الحرارية، فكم هي محقة هذه الادعاءات؟
إذا ما عدنا بالتاريخ إلى الوراء، نرى أن الصلب كان دائما أزمة هيكلية في قطاع صناعة الصلب منذ نهاية الستينات، مرورا بالسبعينات وحتى اليوم، في بلدان صناعية مهمة مثل ألمانيا وفرنسا وبلجيكا وبريطانيا وإيطاليا والولايات المتحدة الأميركية.
ففي منتصف الستينات، ونظرا إلى المنافسة المدمرة والطاقة المفرطة في جميع أنحاء العالم، تشكلت 31 شركة لصناعة الصلب في جمهورية ألمانيا الاتحادية (قبل الوحدة الألمانية) بموافقة منظمة «مونتانيون» (المجموعة الأوروبية للفحم والصلب). وأصبح بيع الصلب منذ عام 1967 وحتى 1971 على أساس «كارتيل المبيعات»؛ أي الحصص، ما أدخل الهدوء إلى الأسواق.
وفي عام 1974، سجلت ألمانيا الغربية رقما قياسيا في إنتاج الصلب، وصل إلى 53 مليون طن وأرباحا ضخمة في المبيعات، إلا أن تراجعا في الطلب بسبب أزمة حادة في نهاية السبعينات نتج عنه توقف عدد من شركات إنتاج وصهر الفولاذ والحديد، فجعل ألمانيا بالتالي مرتبطة بالإنتاج الخارجي، وبالأخص قطاعها الصناعي الذي يعتبر أحد أهم أعمدتها الاقتصادية، فأصبح بشكل أو بآخر مهددا من قبل المنتجين العالميين.
ولقد مرت صناعة الحديد والصلب حتى أوائل القرن الحالي بحالة هدوء نسبية، إلى أن أيقظ المخاوف مرة أخرى عزم الولايات المتحدة الأميركية رفع الرسوم الجمركية، وكادت تشتعل حرب تجارية بالأخص بين ألمانيا والولايات المتحدة، واللتان تعتبران شريكا تجاريا على أعلى المستويات، ولم يكد الاتحاد الأوروبي وواشنطن يعثران خلال عهد الرئيس السابق باراك أوباما على حل توافقي، حتى فتح الرئيس الجديد دونالد ترمب نافذة حملت رياحا قوية، فهو عازم على إنقاذ صناعة بلاده أيضا في قطاع صناعة الحديد والصلب، لكن بوادر ارتياح لاحت في اللحظات الأخيرة، ومع ذلك لم يهدأ الوضع لأن الأوروبيين يخشون سياسة ترمب وخفاياها، وزاد الوضع صعوبة ببروز أزمة أكثر تعقيدا هذه المرة بين أوروبا والصين العازمة على اتباع سياسة حمائية لإنتاجها، مما يعني تحكمها بالكميات المصدرة والأسعار.

إنتاج ألمانيا من الصلب
في العام الماضي 2016، أنتجت ألمانيا ما يقرب من 43 مليون طن من الصلب الخام، لتكون أكبر منتج لهذا المنتج المهم بين بلدان الاتحاد الأوروبي، وظهرت بوادر تحسن كبيرة عام 2017، فارتفع إنتاجها في شهر يوليو (تموز) الماضي بنسبة تقل قليلا عن 4 في المائة، أي 3.5 مليون طن، مقارنة مع شهري مايو (أيار) ويونيو (حزيران)، علما بأن متوسط الإنتاج الشهري لبلدان الاتحاد الأوروبي يبلغ 13.6 مليون طن.
ومع تلك النتائج وصفت حكومة برلين الوضع بالمستقر. إذ يتم صهر ما يقرب من ثلثي الصلب الخام المنتج كصلب أكسجين (لد) في مصانع المعادن المتكاملة؛ أي أفران الصهر ومصنع الصلب ومطحنة الدرفلة، في حين يتم إنتاج الثلث المتبقي عن طريق الصلب الكهربائي (إل).

الإنتاج العالمي
أما على الصعيد العالمي، فتم عام 2016 إنتاج نحو 1.6 مليار طن من الصلب الخام، إلا أن النصف أنتجته الصين، فهي تنتج ما يقرب من 143.2 مليون طن شهريا، إضافة إلى كميات الإنتاج المفرطة، والتي يقدرها مراقبون بعدة مئات الأطنان سنويا... ومن المتوقع وصول الفائض في الصين لوحدها في عام 2017 إلى 430 مليون طن.
في المقابل، تتوقع منظمة التجارة العالمية وصول احتياجات العالم من الصلب حتى عام 2025 إلى نحو 2.23 مليار طن سنويا، لكن هذا أقل بنسبة خمسة في المائة من توقعات السنة السابقة وكانت 2.35 مليار طن، مما يعني أن نمو الطلب سوف يضعف أكثر مما كان متوقعا، وذلك لعدة عوامل من بينها تقليص حجم الاقتصاد الصيني نتيجة سياسة الحماية لبكين، والأزمات الإقليمية في روسيا وأوكرانيا والشرق الأوسط، ويدعم هذه التوقعات إلقاء نظرة على مختلف مناطق العالم وأوضاع الجهات الفاعلة في السوق العالمية.
وفي هذا الصدد يقول خبراء اقتصاد أوروبيون إنه رغم نمو صناعة الصلب الأوروبي بنسبة نحو 1.8 في المائة ووصوله إلى مستوى مستقر، ورغم أن متطلبات أوروبا لن تفوق عام 2025 مستوى 180 مليون طن سنويا، فإن هذا القطاع لا يزال أقل من المتوسط ويحتاج لتطوير، فالتحديات التي تزيد حدتها في أوروبا الشرقية والواردات الآسيوية تجعل سوق الصلب يدخل مرحلة توتر في المستقبل المنظور، لكن القدرات المفرطة للهيكليات والجهود لإعادة الهيكلة لصناعة الصلب هي التي ستحدد الصورة في أوروبا، فهل ينطبق ذلك على ألمانيا؟
البعض يقول إن ألمانيا ستظل سوقا محركة وستبقى سوق الصلب الألمانية والطلب عليها مستقرتين، نتيجة تطور فروع صناعية هامة، مثل صناعة السيارات والمحركات والآليات.
لكن على خلفية توقعات هذا العام، سوف تواجه شركات الحديد والصلب الألمانية تحديات مختلفة. صحيح أن النمو صلب ومتين، إلا أن صناعة الصلب المحلية في منافسة شرسة مع الصين فيما يتعلق بالحجم المفرط لصادرات الحديد والصلب، وما يترتب على ذلك من تراجع في أسعاره بما ينافس الأسعار في بلدان أوروبية منتجة، ما يعني بدوره فرصا أقل للمنتجين الأوروبيين للتصدير، فهم لا يستطيعون دخول منافسة بالأسعار حتى في أسواقهم الداخلية والخارجية التقليدية.. ولو استمرت تكلفة التحسين التي يتبعها منتجو الصلب خلال السنوات الأخيرة وحققت تقدما، فإن ذلك لن يمنع احتمال وقوع «حرب أسعار غير نظيفة» أو وقوع الأسواق في حالة مربكة على المديين المتوسط والطويل.
وقد تكون الرؤية الأكثر صوابا هي التي صرح بها أرند كوفلر، عضو مجلس إدارة اتحاد الشركات الألماني توسن - غروب، أكبر منتج للصلب في أوروبا وأكثر المتطلعين على الوضع. فخلال لقاء صحافي، وردا على سؤال يتعلق بموقف الحكومة الصينية كأكبر منتج للصلب في العالم من أزمة الصلب، قال كوفلر إن «الصين في مأزق، فالحكومة المركزية تريد خفض حجم الإنتاج؛ بينما تصر إدارات المقاطعات المنتجة على التصدي لهذه الخطوة، فهي تخشى على سوق العمل... فحتى الشركات الصينية المثقلة بالديون وذات إنتاج غير مربح منذ فترات طويلة تريد الإبقاء على نمط إنتاجها».

توجه صيني جديد
بيد أن توجها جديدا بدأ بالظهور الآن، فعلى سبيل المثال أعلنت مجموعة مصانع «ووهان» الصينية المملوكة من الدولة، وهي ثامن أكبر منتج للصلب في العالم، أن 30 ألفا من عمالها البالغ عددهم 80 ألف عامل، سوف يستمرون في العمل. في المقابل تريد الصين إلغاء ما يقارب من 1.8 مليون مكان عمل في صناعة الفحم والفولاذ، وبحلول عام 2018 ستخفض المصانع الصينية نحو عُشر قدراتها الإنتاجية، إلا أن ذلك ما زال قرارا مفتوحا.
وعليه، كيف سيتطور الاستهلاك العالمي للصلب في السنوات المقبلة؟ برأي رولاند دورن، خبير صناعة الصلب في معهد البحوث الاقتصادية في مدينة آسن، سوف يواصل الاستهلاك نموه، وإن كان بوتيرة أبطأ مما كانت عليه في الماضي... وهذا سيؤدي إلى ارتفاع نسبة الاستهلاك سنويا 3 في المائة فقط حتى عام 2025. كما أن هناك أدلة كثيرة بأن الطلب على الصلب في العقود المقبلة لن يزيد، لأن استهلاكه سينخفض، والسبب في ذلك أن محتوى الصلب لكثير من السلع سينخفض وسيستبدل بمواد أخرى، بالأخص في صناعة المكونات الإلكترونية، بالإضافة إلى ذلك يمكن مستقبلا استبدال الصلب بمواد أخرى في صناعة كثير من المنتجات.
لكن حدوث ذلك قد يكون بعد عقود طويلة، لذا تحتاج ألمانيا اليوم - وليس لاحقا - وقبل كل شيء إلى صناعة صلب خاصة بها، وهذا ما أشارت إليه دراسة أجرتها مؤسسة «بووس» للاستشارات التجارية، فالصلب سيظل لسنوات طويلة مقبلة مادة أساسية وهامة للإنتاج، فهو يدخل في 55 في المائة من الصناعات التحويلية، أي أن حصة الصلب في متوسط الاستهلاك أكثر من عشرة في المائة.
وبهذا يكون الصلب من المواد الأساسية للصناعات على مختلف أنواعها، مما يجعله على نفس المستوى في الأهمية كما المواد التي تدخل في الصناعات الدقيقة والإلكترونيات، فتشابكاته الوثيقة بقطاعات صناعية تساهم مثلا في نجاحات صناعة السيارات وما يقرب من خُمس إنتاجه يدخل في إنتاج الهندسة الميكانيكية و12 في المائة في بناء المركبات من طائرات وأسلحة عسكرية.

بدائل للصلب
وبناء عليه، تحضر ألمانيا نفسها لمواجهة أي مستجدات تطرأ على موقف البلدان المصدرة للصلب طالما أن صناعاتها المهمة لا تزال رهينة استيرادها لكميات كبيرة من الصلب وإنتاجها لا يكفي، وتحاول اليوم تطوير عملية التدوير وتوسيعها عن طريق تدوير السيارات القديمة، ويتم حاليا تدوير سيارة من كل خمس سيارات.
فوفق بيانات وزارة الصناعة، يتوفر عبر التدوير سنويا ما لا يقل عن 2.5 مليون طن من المعادن الصناعية مثل الصلب والفولاذ المقاوم للصدأ والألمنيوم والنحاس والنيكل. وما زالت كميات هائلة لم تتم الاستفادة منها تستقر في حاويات النفايات بدلا من فصلها بشكل منهجي ونقلها إلى شركات إعادة تدوير المعادن. وعليه، فإن «الخردة» ليست ذات قيمة فحسب، بل هي مهمة أيضا بالنسبة للاقتصاد الألماني، وتقوم حاليا شركات متوسطة وصغيرة بإعادة تدوير ما يقرب من 16 ألف طن من النفايات الإلكترونية سنويا، وبذلك تضرب ألمانيا عصفورين بحجر، فخلال إعادة تدوير خردة الصلب يقل إنتاج 80 في المائة من ثاني أكسيد الكربون لكل طن من الصلب الخام مقارنة مع صهر خام الحديد في المصانع، أيضا يمكن الحصول على كميات لا بأس بها من هذا المعدن.
لكن، ولكي تتمكن ألمانيا وبلدان الاتحاد الأوروبي من الاكتفاء بإنتاجها من الصلب لتغطية متطلبات قطاعها الصناعي، وهو الركيزة الأهم لاقتصادها، وأيضا حماية العاملين فيه من البطالة ويزيد عددهم عن النصف مليون شخص، يجب رفع الاستثمار في هذا القطاع، فهو لا يتجاوز حتى اليوم نسبة 1.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.



«ستاندرد آند بورز»: متانة اقتصاد السعودية تضمن تجاوزها تبعات الصراع الإقليمي

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

«ستاندرد آند بورز»: متانة اقتصاد السعودية تضمن تجاوزها تبعات الصراع الإقليمي

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)

أكَّدت وكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيف الائتماني، التصنيف الائتماني السيادي للسعودية عند مستوى «إي +/إيه-1» (A+/A-1) مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، مشيرة إلى أن المملكة في وضع جيد ومتميز يسمح لها بتجاوز الصراع الدائر في الشرق الأوسط بفاعلية.

وأوضحت الوكالة في تقرير لها أن تأكيدها تصنيف المملكة الائتماني مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، «يعكس ثقتنا بقدرة المملكة العربية السعودية على تجاوز تداعيات النزاع الإقليمي الراهن. ويستند هذا التوقع إلى قدرتها على تحويل صادرات النفط إلى البحر الأحمر، والاستفادة من سعتها التخزينية النفطية الكبيرة، وزيادة إنتاج النفط بعد انتهاء النزاع. كما يعكس هذا التوقع ثقتنا بأن زخم النمو غير النفطي والإيرادات غير النفطية المرتبطة به، بالإضافة إلى قدرة الحكومة على ضبط الإنفاق الاستثماري بما يتماشى مع (رؤية 2030)، من شأنه أن يدعم الاقتصاد والمسار المالي».

حصانة لوجيستية

وفي ظل تأكيدها على عدم وضوح الرؤية تجاه مسار حرب إيران، قالت الوكالة إن «السيناريو الأساسي الحالي يتلخص في أن التهديدات الرئيسية التي تواجه السعودية ستبدأ بالتلاشي بحلول نهاية مارس (آذار) مع بدء تراجع التوترات في المنطقة».

وتستند هذه الرؤية إلى الحصانة اللوجيستية التي تتمتع بها المملكة، والتي تمكنها من تحييد الآثار المترتبة على إغلاق الممرات البحرية؛ إذ يبرز خط أنابيب «شرق-غرب» بطول 1200 كيلومتر كبديل استراتيجي فائق الكفاءة، بقدرته على نقل نحو 5 ملايين برميل من الخام يومياً من منطقة بقيق في الشرق إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، مع احتمالية رفع هذه القدرة إلى 7 ملايين برميل يومياً، مما يضمن تدفق الصادرات نحو الأسواق الآسيوية والأوروبية بعيداً عن تقلبات المضيق.

أضافت أن القدرة الاستيعابية الإجمالية لخط «شرق-غرب» توفر للمملكة «صمام أمان» لوجيستياً قادراً على امتصاص الصدمات وتخفيف حدة أي اضطرابات في الصادرات، حتى في حال امتدت فترة الإغلاق الفعلي للمضيق، مما يعزز من مرونة سلسلة الإمداد السعودية وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها الدولية رغم الظروف الاستثنائية.

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (موانئ)

الإنتاج والتخزين

ولا تتوقف عناصر القوة السعودية عند البدائل اللوجيستية، بل تمتد لتشمل استراتيجية إدارة الإنتاج والتخزين، وفق «ستاندرد آند بورز»؛ حيث تمتلك المملكة فائضاً إنتاجياً يتراوح بين مليونين وثلاثة ملايين برميل يومياً، بالإضافة إلى سعات تخزينية ضخمة تقارب 30 مليون برميل.

وأشارت إلى احتفاظ السعودية بقدرات تخزين وتكرير في الخارج، في آسيا والولايات المتحدة، بما في ذلك في الشركات التابعة لشركة «أرامكو» (إس-أويل) في كوريا الجنوبية و«موتيفا» في الولايات المتحدة- وهو ما اعتبرته أمراً يمنح المملكة طبقة حماية إضافية تتيح لها تعويض أي نقص في الإمدادات فور انحسار الأعمال العدائية.

وعلى الصعيد المالي والاقتصادي، تتبنى الحكومة السعودية نهجاً يتسم بالبراغماتية والحرص على استدامة المالية العامة؛ إذ تعمل السلطات على مراجعة شاملة للأولويات الاقتصادية ومشاريع «رؤية 2030» لضمان مواءمتها مع المعطيات الراهنة.

ولفتت الوكالة إلى أن إن هذا التوجُّه، الذي يهدف إلى ضبط الإنفاق المالي دون التفريط في الأهداف الاستراتيجية طويلة الأمد، يعكس التزاماً راسخاً بحماية الموازنة العامة من الضغوط التضخمية التي قد يفرزها استمرار الصراع. وشدَّدت على أن تركيز المملكة على الإصلاحات الهيكلية يجعلها في وضع مالي واقتصادي قوي يتيح لها امتصاص الصدمات وتجاوز تبعات المرحلة الراهنة بأقل قدر من التأثير على مسارها التنموي المستقبلي.

رافعات مضخات نفط مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «أرامكو» (روسترز)

زخم غير نفطي

بجانب الدور المحوري لقطاع الطاقة، أكدت وكالة «ستاندرد آند بورز» أن التحول الهيكلي الذي يشهده الاقتصاد السعودي يمثل الركيزة الثانية لاستقرار التصنيف الائتماني، حيث يواصل النشاط غير النفطي نموه القوي ليشكل حالياً قرابة 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مرتفعاً بشكل ملموس من 65 في المائة في عام 2018. واعتبرت أن هذا الزخم الملحوظ في الأنشطة غير النفطية لا يعكس فقط توسعاً في القطاعات التقليدية، بل هو نتاج مباشر لبرامج «رؤية 2030» التي أحدثت نقلة نوعية في بيئة الأعمال؛ إذ تُسهم الاستثمارات الضخمة التي يقودها صندوق الاستثمارات العامة، بقيمة تصل إلى 40 مليار دولار سنوياً، في خلق قاعدة اقتصادية متنوعة لا ترتهن بتقلبات الأسواق العالمية للنفط، مما يوفر للمالية العامة تدفقات إيرادية أكثر استدامة وتنوعاً.

وأشارت الوكالة إلى أن هذا التحول لم يأتِ بمعزل عن الإصلاحات الاجتماعية وسوق العمل، حيث ساهم الارتفاع الملحوظ في مشاركة المرأة في القوى العاملة في تعزيز الطلب المحلي ودعم مرونة الاستهلاك الخاص. ولفتت إلى أن هذا التطور في سوق العمل، إلى جانب نمو الائتمان وتزايد الدخل المتاح للأسر، يعمل كحائط صد يمتص الصدمات الخارجية ويحافظ على وتيرة النمو الاقتصادي رغم أي ضغوط جيوسياسية محتملة.

ورأت الوكالة في هذا المسار التنموي «فك ارتباط» تدريجي ومدروس، مدعوماً ببيئة تنظيمية جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي، مما يجعل من الاقتصاد غير النفطي محركاً ذاتي الدفع لا يكتفي بدعم النمو فحسب، بل يرسخ الثقة في ملاءة المملكة وقدرتها على تحقيق التوازن المالي على المدى المتوسط والطويل، حتى في أكثر الظروف الإقليمية تحدياً.

آفاق النمو والتحول الهيكلي

توقعت وكالة «ستاندرد آند بورز» أن يواصل الاقتصاد السعودي مسار نموه رغم التحديات الإقليمية الراهنة، حيث تُقدر نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.4 في المائة خلال عام 2026، مع توقعات بمتوسط نمو يبلغ 3.3 في المائة للفترة ما بين 2027 و2029.

وأوضحت الوكالة في تقريرها بأنه على الرغم من الزيادة المتوقعة في الدين العام، فإنها تتوقع أن تحافظ المملكة على احتياطات مالية قوية، بالإضافة إلى ذلك، كانت المملكة قد بادرت - قبل حدوث التطورات الجيوسياسية الراهنة - في منح الأولوية لمشاريع التنويع المرتبطة برؤية السعودية 2030 لإدارة الخطط بشكل يتماشى مع الموارد المتاحة.

ومع إبقاء الحكومة الإنفاق الاجتماعي على رأس أولوياتها، رأت «ستاندرد آند بورز» أن إعادة تقييمها «المستمر لمشاريع الاستثمار، إلى جانب إصلاحات صناديق التقاعد، يُظهر التزامها باستدامة المالية العامة. ومن شأن ذلك أيضاً أن يُخفف من مخاطر نمو النشاط الاقتصادي بشكل مفرط، ويفتح المجال لانتعاش الاستثمار الأجنبي من مستوياته الراهنة».


مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» يظهر ارتفاعاً في يناير

يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
TT

مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» يظهر ارتفاعاً في يناير

يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)

ارتفع مؤشر التضخم الذي يراقبه مجلس الاحتياطي الفيدرالي من كثب في يناير (كانون الثاني)، في إشارة إلى استمرار الضغوط السعرية حتى قبل أن تؤدي الحرب مع إيران إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز.

وأفادت وزارة التجارة الأميركية، يوم الجمعة، بأن الأسعار ارتفعت بنسبة 2.8 في المائة في يناير مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو مستوى يقل قليلاً عن الزيادة المسجلة في ديسمبر (كانون الأول). وجاء صدور هذا التقرير متأخراً بسبب الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة الذي استمر 6 أسابيع خلال خريف العام الماضي، ما أدى إلى تراكم البيانات وتأجيل نشرها، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وباستثناء فئتي الغذاء والطاقة المتقلبتين، ارتفع مؤشر التضخم الأساسي بنسبة 3.1 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بـ3 في المائة في الشهر السابق، مسجلاً أعلى مستوى له في نحو عامين.

وعلى أساس شهري، ارتفعت الأسعار بنسبة 0.3 في المائة في يناير، بينما صعد التضخم الأساسي بنسبة 0.4 في المائة للشهر الثاني على التوالي، وهو معدل، إذا استمر، قد يدفع التضخم إلى مستويات تتجاوز بكثير الهدف السنوي البالغ 2 في المائة الذي حدده الاحتياطي الفيدرالي.

لكن البيانات الاقتصادية طغت عليها تداعيات الحرب مع إيران، التي اندلعت في 28 فبراير (شباط) وأدت إلى إغلاق مضيق هرمز، ما عطّل نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. ومنذ بدء الحرب، ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 40 في المائة، بينما قفزت أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى نحو 3.60 دولار للغالون، مقارنة بأقل من 3 دولارات قبل شهر، وفقاً لبيانات جمعية السيارات الأميركية.

ويتوقع اقتصاديون أن يؤدي هذا الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة إلى زيادة ملموسة في معدلات التضخم خلال شهري مارس (آذار) وأبريل (نيسان).

وفي ظل هذه التطورات، أبقى مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة الرئيسي عند مستويات مرتفعة بهدف كبح التضخم عبر إبطاء وتيرة الاقتراض والإنفاق والنمو الاقتصادي. ومن المتوقع على نطاق واسع أن يُبقي صناع السياسات في البنك المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعهم الأسبوع المقبل، في ظل المخاوف من أن يؤدي الصراع في الشرق الأوسط إلى تغذية الضغوط التضخمية، ولو على المدى القصير.


النمو الأميركي يخيّب التوقعات عند 0.7 % في القراءة النهائية للربع الأخير

يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)
يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)
TT

النمو الأميركي يخيّب التوقعات عند 0.7 % في القراءة النهائية للربع الأخير

يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)
يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)

أعلنت الحكومة الأميركية، في بيان صدر يوم الجمعة، أن الاقتصاد الأميركي سجل نمواً ضعيفاً بلغ 0.7 في المائة خلال الربع الأخير من العام، في خفض ملحوظ للتقديرات الأولية.

وأفادت وزارة التجارة الأميركية بأن الاقتصاد، الذي تأثر بشدة بالإغلاق الحكومي الذي استمر 43 يوماً في خريف العام الماضي، نما بمعدل سنوي بلغ 0.7 في المائة خلال الفترة الممتدة من أكتوبر (تشرين الأول) إلى ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالتقدير الأولي البالغ 1.4 في المائة، في حين كان الاقتصاديون يتوقعون تعديلاً في الاتجاه المعاكس يعكس نمواً أقوى.

ويمثل هذا تباطؤاً حاداً مقارنة بنمو بلغ 4.4 في المائة في الربع الثالث و3.8 في المائة في الربع الثاني من العام نفسه، وفق «رويترز».

وتأثر النمو بشكل كبير بتراجع الإنفاق والاستثمار الحكومي الفيدرالي، اللذين انخفضا بنسبة 16.7 في المائة نتيجة تداعيات الإغلاق الحكومي، ما اقتطع نحو 1.16 نقطة مئوية من نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأخير.

وعلى مستوى العام بأكمله، نما الاقتصاد الأميركي بنسبة 2.1 في المائة في عام 2025، وهو معدل نمو قوي نسبياً، لكنه أقل قليلاً من التقدير الأولي البالغ 2.2 في المائة لعامي 2023 و2024.

وخلال الربع الأخير، ارتفع الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 2 في المائة، مقارنة بنمو بلغ 3.5 في المائة في الربع الثالث، في حين سجل الاستثمار التجاري – باستثناء قطاع الإسكان – نمواً بنسبة 2.2 في المائة، وهو ما يُرجح أنه يعكس زيادة الاستثمارات في مجال الذكاء الاصطناعي، لكنه يظل أقل من وتيرة النمو البالغة 3.2 في المائة في الربع السابق.

ورغم ذلك، أظهر الاقتصاد الأميركي، الأكبر في العالم، قدراً من المرونة في مواجهة سياسات الرئيس دونالد ترمب، بما في ذلك فرض رسوم جمركية واسعة النطاق وعمليات ترحيل جماعية للمهاجرين. إلا أن الحرب مع إيران أسهمت في ارتفاع أسعار النفط والغاز، ما ألقى بظلال من عدم اليقين على التوقعات الاقتصادية.

في المقابل، تشهد سوق العمل الأميركية تباطؤاً ملحوظاً. فقد قامت الشركات والمنظمات غير الربحية والوكالات الحكومية بتسريح نحو 92 ألف موظف خلال الشهر الماضي. وخلال عام 2025، لم يتجاوز متوسط الزيادة الشهرية في الوظائف 10 آلاف وظيفة، وهو أضعف معدل توظيف خارج فترات الركود منذ عام 2002.

ويثير هذا الوضع تساؤلات لدى الاقتصاديين بشأن ما إذا كان التوظيف سيتسارع لمواكبة النمو الاقتصادي، أم أن النمو سيتباطأ ليتماشى مع ضعف سوق العمل، أو ما إذا كانت التطورات في مجالات الذكاء الاصطناعي والأتمتة تسمح للاقتصاد بالنمو بوتيرة أسرع دون الحاجة إلى خلق عدد كبير من الوظائف.

ويُعد التقرير الصادر يوم الجمعة التقدير الثاني من بين ثلاثة تقديرات لنمو الربع الأخير، على أن يصدر التقرير النهائي في 9 أبريل (نيسان).