أمين عام مجلس وزراء الداخلية العرب: ثلاثة مستويات للتعامل مع الطوارئ الأمنية

د. كومان في حوار لـ«الشرق الأوسط»: الجماعات الإرهابية تجتهد للاستفادة من ثورات الربيع العربي

د. محمد كومان
د. محمد كومان
TT

أمين عام مجلس وزراء الداخلية العرب: ثلاثة مستويات للتعامل مع الطوارئ الأمنية

د. محمد كومان
د. محمد كومان

تشهد أدوات الإرهاب وآلياته ومجالاته تطورات دائمة ومستمرة على المستويين العربي والعالمي، خاصة في مناطق التوتر السياسي والأمني، مثل سوريا، وهو ما يؤدي إلى ضرورة التعامل مع هذا التطور بالوتيرة نفسها، خاصة أن الجماعات الإرهابية تجتهد حاليا للاستفادة من تبعات ثورات الربيع العربي.
وفي حوار مع «الشرق الأوسط» جزم الدكتور محمد كومان، الأمين العام لمجلس وزراء الداخلية العرب، بأن الدول العربية في حالة استيعاب تام لمفهوم أن الجريمة تتطور باستمرار، وهو ما يقتضي تطويرا مستمرا لأجهزة الأمن، سواء من حيث الكفاءة البشرية أو التجهيزات المادية، مبينا أن جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية تلعب دورا بارزا في هذا المجال.
وبيَّن أن مجلس وزراء الداخلية العرب يقدم أشكالا مختلفة من الدعم للأجهزة الأمنية في مختلف الدول العربية، مفيدا بأن أشكال هذا الدعم فنية، تأهيلية، ومادية، وذلك حسب ظروف الدول العربية، وحاجة الدولة العضو إلى الدعم.
وأفصح كومان عن طريقة التعامل مع الأمور الطارئة في أي من الدول العربية، موضحا أنها تجري على ثلاثة مستويات: المستوى الوطني، المستوى الثنائي بين الدول المتجاورة، والمستوى الجماعي للتعامل مع الأزمات وفق الاتفاقيات المبرمة بين الدول العربية.
وأعاد كومان تأكيد العمل على الإعداد لإقامة مكتب للأمن الفكري، واستحداث بروتوكول عربي لمنع انتشار السلاح؛ لكنه شدد، في الوقت نفسه على أهمية محاربة ترويج وتعاطي المخدرات، داعيا إلى العمل على خفض الطلب على المخدرات في المنطقة العربية. وفيما يلي نص الحوار:
> ما هي الجهود التي يبذلها مجلس وزراء الداخلية العرب في مجال الأمن الداخلي ومكافحة الجريمة؟ وكم عدد الهيئات والأجهزة الأمنية لدى المجلس؟
- نشأ مجلس وزراء الداخلية العرب لتحقيق غاية أساسية هي تعزيز التعاون العربي في مجال الأمن الداخلي ومكافحة الجريمة. ومنذ نشأته في بداية عقد الثمانينات من القرن الماضي ظل المجلس يبذل جهودا متواصلة في سبيل ذلك، وحقق الكثير من الإنجازات في هذا المجال، بوأته مكانة مرموقة ضمن مؤسسات العمل العربي المشترك، وعلى صعيد المنظمات والهيئات الدولية المعنية بمكافحة الجريمة، وهذا رغم أن المجلس مؤسسة فتية لم يمضِ على إنشائها سوى ثلاثة عقود.
ووضع المجلس استراتيجيات عدة في المجال الأمني، منها الاستراتيجية الأمنية العربية، والاستراتيجية العربية لمكافحة الاستعمال غير المشروع للمخدرات والمؤثرات العقلية، والاستراتيجية العربية للتوعية الأمنية والوقاية من الجريمة، والاستراتيجية العربية لمكافحة الإرهاب، والاستراتيجية العربية للحماية المدنية «الدفاع المدني»، والاستراتيجية العربية للسلامة المرورية، والاستراتيجية العربية للأمن الفكري.
ويحرص المجلس على ترجمة بنود هذه الاستراتيجيات إلى واقع ملموس، من خلال وضع خطط تنفيذية مرحلية لها، تتولى أمرها الأمانة العامة، وهي الجهاز التنفيذي للمجلس وجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الجهاز العلمي للمجلس. كما يحرص على تطوير هذه الاستراتيجيات بين الفترة، والأخرى لتواكب التطورات التي تشهدها الجريمة على الصعيدين العربي والدولي.
ووضع المجلس أيضا جملة من القوانين الاسترشادية والهياكل التنظيمية والأدلة النموذجية التي تستهدي بها الدول الأعضاء لتطوير هياكلها الأمنية أو نصوصها التشريعية.
ويعمل المجلس على تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، من خلال التشاور الذي يجري خلال المؤتمرات والاجتماعات السنوية التي تعقدها القطاعات الأمنية المختلفة في نطاق الأمانة العامة، والتي تتجاوز عادة العشرين، هذا فضلا عن تعزيز التعاون الإجرائي بين الدول الأعضاء في مجال ملاحقة المجرمين، والقبض عليهم وتقديمهم للعدالة؛ وهي المهمة التي يتولاها المكتب العربي للشرطة الجنائية التابع للأمانة العامة، في إطار الاتفاقيات النافذة، خاصة اتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي لعام 1983. والاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب التي جرى التوصل إليها بجهد مشترك بين مجلسي وزراء الداخلية والعدل العرب، وجرى التوقيع عليها عام 1998، خلال اجتماع مشترك للمجلسين.
> ماذا عن التعاون بين مجلسي وزراء الداخلية والعدل العرب؟
- أود أن أشير إلى أن التعاون البناء بين مجلسي وزراء الداخلية والعدل العرب أثمر التوصل إلى خمس اتفاقيات عربية مهمة، جرى التوقيع عليها في اجتماع مشترك للمجلسين شهدته القاهرة يوم 21 ديسمبر (كانون الأول) 2010. برئاسة الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية السعودي الأسبق رحمه الله.
وفي سبيل تحقيق رسالته النبيلة، وضع المجلس الهياكل الضرورية لنجاح العمل، والتي تتمثل في جناحين هما: الجناح العلمي للمجلس، الذي تجسده جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، التي تقوم بدور بناء على صعيد تأهيل وتدريب أجهزة الشرطة العربية، وإجراء الدراسات والبحوث اللازمة للعمل الأمني، والجناح الإداري والفني الذي تمثله الأمانة العامة للمجلس.
وتقوم في نطاق الأمانة العامة حاليا خمسة مكاتب متخصصة، هي، المكتب العربي لمكافحة الجريمة ومقره بغداد، والمكتب العربي للشرطة الجنائية الذي كان يتخذ من دمشق مقرا له، إلا أنه جرى نقل مهامه مؤقتا إلى الأمانة العامة؛ بسبب الأوضاع في سوريا، والمكتب العربي لشؤون المخدرات في عمَّان، والمكتب العربي للحماية المدنية والإنقاذ في الرباط، والمكتب العربي للإعلام الأمني بالقاهرة. ويجري الآن الإعداد لإقامة المكتب العربي للأمن الفكري. وهناك الاتحاد الرياضي العربي للشرطة الملحق بالأمانة العامة الذي يعمل على تنمية الرياضة الشرطية العربية.
وأنشأت كل دولة عضو في المجلس شعبة اتصال في وزارة الداخلية لديها تمثل نقطة الوصل مع بقية شعب الاتصال وأجهزة المجلس الأخرى. ويسعى المجلس إلى تطوير أجهزته وتعزيز قدراتها لتواكب كل المستجدات العربية والدولية المتعلقة بالجريمة، وفي هذا المجال بدأ في نطاق الأمانة العامة العمل بنظام الشيخ زايد للاتصالات العصري بين أجهزة المجلس، وهو نظام إلكتروني من شأنه أن يجعل التواصل وتبادل المعلومات بين هذه الأجهزة أكثر سرعة وأقل كلفة.

* أشكال الدعم
> ما هي الدول التي تركزون عليها؟ وما أشكال الدعم التي تقدمونها للأجهزة الأمنية ذات الإمكانات المحدودة؟
- الدول العربية كلها تسهم في العمل الأمني العربي المشترك؛ انطلاقا من قناعتها بأن الأمن العربي كل لا يتجزأ، لذلك فليس هناك تركيز على دولة معينة، إلا أن هناك ظروفا تمر بها بعض الدول تقتضي تقديم الدعم لأجهزتها الأمنية.
وسبق أن اتخذ المجلس في مناسبات عدة قرارات بتقديم الدعم لأجهزة الشرطة في دول معينة مرت بظروف عصيبة. وهذا الدعم يتخذ أشكالا عدة، منها الدعم الفني والتأهيلي الذي تقدمه الأمانة العامة ومكاتبها المتخصصة وجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، ومنها الدعم المادي الذي تقدمه الدول كل حسب ظروفها وإمكاناتها.

* تداعيات سلبية
> ما تقييمكم لثورات الربيع العربي؟ وهل ترونها حققت الأهداف التي قامت من أجلها؟ وكيف يمكن التصدي للأزمات الأمنية الحادة التي أفرزتها؟
- أولا، أريد الإشارة إلى أن كثيرا من الدول العربية شهدت تحولات وإصلاحات هادئة لم تفض إلى أحداث أمنية، كالتي شهدتها بعض الدول العربية الأخرى. وأعتقد أنه من المبكر الحكم على ما شهدته بعض الدول العربية من أحداث وتحولات؛ لأن الأمر ما زال في طور المخاض، ولم نصل بعد إلى مرحلة تسمح بتقييم ما حدث، وما أدى إليه من نتائج.
وكما أشرتم إلى ذلك، فإن الأحداث التي مرت بها المنطقة العربية كانت لها تداعيات خطيرة على الصعيد الأمني بعضها سلبي تمثل في الانفلات الأمني والخلل في ضبط الحدود؛ ما سمح باستشراء تهريب السلاح وتجارة المخدرات والهجرة غير الشرعية بشكل غير مسبوق، وهو ما مكن الجماعات الإرهابية والتنظيمات الإجرامية من استغلال هذه الأوضاع في تكثيف نشاطها الإجرامي.
لكن الأمر الإيجابي هو أن هذه الأوضاع أدت إلى إدراك حقيقي لأهمية الأمن وضرورته؛ ما أسهم في تقدير تضحيات رجال الشرطة، وتعزيز علاقات الثقة والتعاون بينهم وبين المواطنين؛ لذلك نرى الآن فرصة سانحة لتعزيز التعاون بين الشرطة والمجتمع، بين رجل الأمن والمواطن، من خلال تدعيم الجوانب الاجتماعية والإنسانية من مهام الشرطة في إطار ما بات يعرف بـ«الشرطة المجتمعية»، وكذلك من خلال تعزيز ثقافة حقوق الإنسان لدى منتسبي أجهزة الشرطة والأمن، وهما المجالان اللذان باتت الدول العربية توليهما اهتماما كبيرا في نطاق اجتماعات المجلس وسائر القطاعات الأمنية.
> في رأيكم، ما سبب سلسلة الهجمات والاغتيالات التي تشهدها اليمن؟ وما دوركم في التصدي لها؟
- طبعا من المتوقع في أي دولة تمر بالمرحلة الانتقالية التي تمر بها اليمن العزيزة أن تشهد أحداثا وأزمات أمنية، خاصة أن الجماعات الإرهابية تجتهد للاستفادة من هذه الأوضاع في نشر البلبلة وارتكاب أعمالها الدنيئة؛ ولكننا واثقون من قدرة الشعب اليمني العريق على تجاوز هذه المحنة، بفضل ما يتمتع به من قيم عربية أصيلة، وحس إسلامي نقي، وحرص على المصلحة الوطنية، مثلما نحن موقنون بجاهزية قوات الأمن اليمنية، وقدرتها على إحباط مخططات الجماعات الإجرامية، وتوفير مناخ أمني مستقر يسهم في التنمية التي تنشدها كل فئات المجتمع وأفراده، علما بأن الاجتماعات التي تعقدها الأمانة العامة ويحضرها ممثلو مختلف الدول العربية تشكل فرصة سانحة لمزيد من التعاون بين اليمن والدول الأخرى، خاصة الدول المجاورة في كافة المسائل الأمنية التي تدعم اليمن في محاربته للجريمة، خصوصا ما يتعلق بضبط الحدود، وتسليم المجرمين، وتبادل المعلومات الأمنية.

* تفادي العنف
> ما هي قراءتكم للمشهد في السودان؟ وهل تتوقعون دخوله قائمة دول الربيع العربي؟ وما نصائحكم للتعامل مع الأحداث هناك؟
- جميع المراقبين يلاحظون أن الأحداث التي شهدتها السودان قد تناقصت حدتها في الآونة الأخيرة؛ ما يبشر بتفادي مسار الاحتقان والعنف. ونحن نتطلع، في السودان وفي كل الدول العربية، إلى تغليب لغة الحوار والتفاهم، خاصة أننا كلنا شعب واحد، تجمعه وحدة الدين واللغة والتاريخ، ويواجه تحديات تقتضي في كل دولة عربية وحدة الصفوف، وحل المشكلات في الإطار الداخلي، وفق ما تمليه تعاليم ديننا الحنيف وقيمنا العربية الأصيلة.
> كيف ترى الأحداث المتسارعة في مصر وما أسفرت عنه من تغييرات رئاسية وفوضى أمنية وبم تصفونها؟ وما الحل لتحقيق الاستقرار الأمني والسياسي؟
- كما تعلمون أن موقف المجلس من كل الأحداث السياسية في المنطقة العربية هو الموقف الذي يتبلور في جامعة الدول العربية. وبخصوص التطورات في مصر، الجامعة العربية ومن ورائها كل الدول الأعضاء تحترم إرادة الشعب المصري وتطلعاته لتحقيق مصالحه العليا. وبالنسبة للأحداث الأمنية، نحن - إذ نألم للضحايا الذين سقطوا - مطمئنون على كفاءة قوات الأمن المصرية ووطنيتها وحرصها على حماية الشعب المصري العريق، وتحقيق الاستقرار الأمني الذي يمهد الطريق للاستقرار السياسي وللتنمية الشاملة.

* الأمن العربي والمستويات الثلاثة
> ما المتبع في التعامل مع الأمور الطارئة على الأمن؟ وكيف للدول العربية التعامل مع الأحداث والمتغيرات؟
- يجري التعامل مع الأمور الطارئة على ثلاثة مستويات: المستوى الوطني، حيث تضع كل دولة خططا مسبقة للتعامل مع ما يمكن أن يحدث من أزمات أمنية طارئة، وقد سبق للأمانة العامة أن أعدت خططا نموذجية لمواجهة الأزمات الأمنية في مجالات مختلفة مثل، وسائل النقل، والمظاهرات الرياضية، وأعمال الشغب، وغير ذلك من المجالات، وجرى تعميم هذه الخطط على الدول للاستفادة منها. المستوى الثاني للتعامل مع الأزمات الطارئة هو المستوى الثنائي، وأغلب الدول، خاصة المتجاورة لها اتفاقات تعاون تسمح بتبادل الدعم عند حدوث أزمات حادة. أما المستوى الثالث، وهو التعامل جماعيا مع الأزمات، فإن هناك اتفاقيات بين الدول العربية تحدد سبل التعاون في هذا المجال، علما بأن نظام المجلس يسمح بالدعوة لعقد اجتماع طارئ لمعالجة قضية معينة.

* الجريمة وتطوراتها
> برأيكم، هل تحتاج الدول العربية تطويرا مستمرا لآليات المنظومة الأمنية وكفاءتها؟
- من المعلوم أن الجريمة تتطور باستمرار؛ ما يقتضي تطويرا مستمرا لأجهزة الأمن، سواء من حيث الكفاءة البشرية أو التجهيزات المادية. والدول العربية تعي ذلك الأمر تماما؛ لذلك فهي تعمل باستمرار على تطوير أجهزتها، سواء بالتأهيل النظري والتدريب الميداني، أو عن طريق اقتناء الأجهزة الحديثة. وتلعب جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية دورا بارزا في هذا المجال، بتوفيرها التدريب والتأهيل العلمي الملائم لمنسوبي أجهزة الشرطة العربية.

* أهمية الرأي العام
> هل ترى ضرورة للتواصل مع الرأي العام من خلال وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي لتغطية الأحداث الأمنية؟ ولماذا؟
- لا يختلف اثنان على مدى تأثير وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي في الرأي العام. والأحداث التي مرت بها المنطقة العربية أكبر دليل على ذلك. وكان المجلس واعيا منذ زمن بعيد بأهمية التوعية الإعلامية؛ لذا فقد أنشأ مكتبا خاصا بالإعلام الأمني، ووضع استراتيجية عربية للتوعية الأمنية والوقاية من الجريمة، وقرر عقد مؤتمر دوري لرؤساء أجهزة الإعلام الأمني في الدول العربية.كما قرر عقد لجنة مشتركة بين أجهزة الإعلام الأمني ووسائل الإعلام العربية. وأغلب الدول العربية تستخدم وسائل الاتصال الحديثة مثل شبكات التواصل الاجتماعي، والهاتف الجوال لإيصال الرسائل التوعوية إلى الجمهور العريض.

* المخدرات ورواجها في العالم العربي
> ما العوامل التي تجعل المنطقة العربية عرضة لتجارة المخدرات؟ وهل يمكن الاكتفاء في مواجهة المخدرات بالمراقبة وسن القوانين ووضع الضوابط أم لا بد من تضافر جهود جهات مختلفة؟
- هناك عوامل عدة تجعل المنطقة العربية عرضة لتجارة المخدرات، منها وقوعها في منطقة عبور بين بلدان الإنتاج وبلدان الاستهلاك، ومنها المستوى المعيشي المتميز الذي تتمتع به بعض الدول، والذي يغري تجار ومروجي المخدرات بالمكاسب المالية التي يمكن أن يحققوها. وطبعا فإن مواجهة المخدرات لا يمكن أن تكتفي بالمكافحة التشريعية والأمنية؛ لأن من المهم القيام - بالتوازي مع الجهود الأمنية لخفض عرض المخدرات - بجهود لخفض الطلب على المخدرات، وهي جهود توجه أساسا إلى الأفراد الذين يمكن أن يسقطوا في فخ الإدمان لتحصينهم بالقيم الدينية والأخلاقية ولإيجاد حلول للمشكلات المادية والنفسية التي يمكن أن تدفع بهم إلى الإحباط. ومن البديهي أن هذا الأمر يحتاج تضافر جهود جهات مختلفة، منها الدعاة، والوعاظ، وجمعيات المجتمع المدني، والجهات الحكومية المعنية بالتربية والأسرة والتنمية.

* بروتوكول عربي
> كيف يمكن لأجهزة مكافحة الإرهاب التصدي للتحديات الجديدة التي تواجهها؟
- الجميع يعلم أن ظاهرة الإرهاب تشهد تطورات مستمرة، سواء في أدوات ارتكابها، أو في المجالات التي تطولها، مثل الإرهاب المعلوماتي والكيميائي والإشعاعي، ولكن التحديات الحالية التي يطرحها الإرهاب في المنطقة العربية تتعلق أساسا ببؤر التوتر التي تعرفها المنطقة، وكذلك بانتشار السلاح بصورة غير مسبوقة. والدول العربية تعمل على مواجهة هذه التحديات بتعزيز ضبط الحدود ومراقبتها والتعاون بين الدول المتجاورة في هذا المجال، كما تعمل على توفير الأساس التشريعي اللازم. فنحن الآن نعمل على وضع بروتوكول عربي لمواجهة انتشار السلاح في المنطقة العربية؛ ولكن من اللازم إيجاد حلول لمناطق التوتر التي تشكل أرضية خصبة لنمو الإرهاب وتطوره.

* مفهوم مواجهة الفكر بالفكر
> تعمل الأمانة العامة لمجلس وزراء الداخلية العرب على إنشاء مكتب للأمن الفكري. ماذا عن هذا المكتب؟ وهل لمستم ضرورة لاستحداثه؟
- قرر المجلس في دورته الماضية تكليف الأمين العام بتقديم تقرير للدورة المقبلة حول هذا المكتب ومهامه وهيكله التنظيمي. ومن المعلوم أن الأمن الفكري بات اليوم مجالا لا غنى عنه في العمل الرامي إلى مواجهة الإرهاب؛ إذ أن المواجهة الفكرية للإرهاب هي الوحيدة التي من شأنها تجفيف منابعه، وتصحيح الأفكار المغلوطة وإعادة المغرر بهم إلى جادة الصواب. ونحن في المجلس نضع دائما مقولة المغفور له بإذن الله الأمير نايف بن عبد العزيز «الفكر لا يواجه إلا بفكر» نصب أعيننا، ونستفيد من التجربة السعودية المتميزة في مجال المناصحة والرعاية، التي باتت محل تقدير على الصعيدين العربي والدولي. وقد رحبت مؤتمرات عدة، خاصة مؤتمر المسؤولين عن مكافحة الإرهاب بإنشاء هذا المكتب؛ لما يمثله من رافد لمواجهة الإرهاب في المنطقة العربية.
> ما آخر مستجدات مشروع إنشاء الصندوق العربي لتمويل الإنتاج الإعلامي المشترك والأنشطة الإعلامية الأمنية المناهضة للإرهاب؟
- مثل هذا الصندوق، رغم أهميته، يستلزم دراسات متأنية، خاصة أنه يرتب تبعات مالية كبيرة على الدول الأعضاء؛ لذا فإنه الآن قيد الدراسة الشاملة، حتى يجري وضعه بصورة تكون محل اتفاق الجميع.



تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.


احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
TT

احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)

في خطوة يمكن أن ينظر إليها على أنها استكشاف مبكر لقدرة الحكومة اليمنية الجديدة على تحويل التعهدات الدولية إلى مسارات تنفيذية واضحة، انعقد اجتماع مجموعة شركاء اليمن بمشاركة واسعة من ممثلي الدول والمنظمات الأممية والدولية المانحة، في إطار حشد دولي تقوده السعودية لدعم خطة الحكومة برئاسة شائع الزنداني.

الاجتماع، الذي عُقد عبر الاتصال المرئي، جاء في سياق تحولات سياسية وأمنية شهدها اليمن منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وسط رهانات على إعادة ترتيب المشهدين السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية أكثر صلابة.

وأكد رئيس الوزراء وزير الخارجية، شائع الزنداني، في كلمته الافتتاحية، أن الحكومة الجديدة «تمضي في مرحلة مفصلية لإعادة ترتيب الوضع السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية واضحة».

وشدد على أن ذلك «يعزز قدرة الدولة على إدارة المرحلة المقبلة ويمنحها ثقلاً حقيقياً في أي مسارات مقبلة للتعامل مع ميليشيا الحوثي، سواء عبر التفاوض أو غيره من الخيارات التي تفرضها تطورات الميدان».

جانب من اجتماع مجموعة شركاء اليمن حيث يظهر الزنداني عبر الاتصال المرئي (إكس)

الزنداني رأى أن اجتماع مجموعة شركاء اليمن «يمثل محطة مهمة للانتقال إلى مرحلة أكثر تركيزاً على النتائج وأكثر انسجاماً مع الأولويات الوطنية»، بما يضمن، حسب تعبيره، «توظيف الموارد المتاحة بأعلى كفاءة لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية التي يستحقها الشعب اليمني».

وأشار إلى أن التحولات التي شهدها اليمن منذ ديسمبر الماضي، وما رافقها من قرارات وصفها بـ«الحاسمة» من قِبَل مجلس القيادة الرئاسي، أسهمت في «إعادة ضبط المسار الوطني، وإنهاء حالات الازدواج والتشظي في القرار السياسي والعسكري»، وتهيئة الأرضية لتشكيل حكومة «أكثر وحدة وتماسكاً وشمولاً في تمثيلها الجغرافي وإشراكها للمرأة والشباب».

برنامج متكامل

في الشق الاقتصادي، أعلن رئيس الوزراء اليمني أن حكومته شرعت في تنفيذ برنامج عمل متكامل يستند إلى خطة التعافي الاقتصادي وبرنامج الإصلاحات المالية ومكافحة الفساد، مؤكداً «الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء التعافي المستدام عبر استعادة التوازن المالي والنقدي، وتحسين إدارة الموارد العامة، وتحفيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل، والارتقاء بالخدمات الأساسية، لا سيما الكهرباء والمياه والصحة والتعليم».

حكومة الزنداني تنتظرها ملفات معقدة على صعيد الأمن والخدمات والاقتصاد (سبأ)

كما لفت إلى اعتماد وثيقة سياسة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والعمل على إنشاء وحدة متخصصة للشراكة وطرح مشاريع البنية التحتية وفق معايير دولية شفافة، بهدف تعزيز ثقة المستثمرين وتشجيع تدفق الاستثمارات، بالتوازي مع إعطاء أولوية لإصلاح نظام التقاعد وإعادة هيكلة المؤسسات العامة وضخ كفاءات شابة وفق أسس مهنية.

وجدد الزنداني التزام الحكومة الكامل بدعم جهود الأمم المتحدة والمبادرات الإقليمية والدولية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب وتخفف المعاناة الإنسانية وتؤسس لسلام عادل ومستدام، مع الاستمرار في تعزيز الأمن الإقليمي والدولي ومكافحة الإرهاب وترسيخ سيادة القانون.

تنسيق الأولويات

في الاجتماع الدولي المساند للحكومة اليمنية، شدد محمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن، والمشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، على أهمية استمرار العمل المشترك لتذليل العقبات أمام جهود السلام والتنمية في اليمن بقيادة الحكومة اليمنية.

وقال إن الاجتماع يمثل فرصة مهمة «للتعرف على أولويات الحكومة اليمنية والبنك المركزي اليمني»، بما يعزز التنسيق المشترك لضمان توجيه الدعم التنموي والمالي بكفاءة وفاعلية، ومساندة الجهات المانحة والمنظمات الدولية في مواءمة تدخلاتها وفق أولويات الحكومة.

وتعكس تصريحات آل جابر توجهاً سعودياً يركز على ربط الدعم المالي والفني بخطط تنفيذية واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، في سياق دعم استقرار سعر الصرف، والمساهمة في دفع الرواتب، وتوفير المشتقات النفطية لمحطات الكهرباء، إلى جانب المشاريع التنموية طويلة الأمد التي ينفذها البرنامج السعودي في قطاعات البنية التحتية والطاقة والمياه والصحة.

وفي السياق ذاته، استعرض محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أولويات البنك، مؤكداً الالتزام بمبدأ الشفافية ومحاربة التضخم، ومشيراً إلى أهمية التنسيق والدعم الدولي لمواجهة التحديات النقدية والمالية، في ظل ضغوط مستمرة على العملة الوطنية وتراجع الموارد العامة.

حضور أممي

بدوره، أكد المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، أهمية ما تقدمه السعودية من مشاريع تنموية في هذه المرحلة، لافتاً إلى وجود «مؤشرات إيجابية حالياً في اليمن خصوصاً مع تحسن استقرار قطاع الطاقة».

وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة في ظل ارتباط استقرار الكهرباء والخدمات الأساسية بتهيئة بيئة مواتية لأي مسار سياسي أو اقتصادي، فضلاً عن انعكاسها المباشر على الوضع الإنساني.

كما تطرق المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية، جوليان هارنيس، إلى التحديات الإنسانية المستمرة، مؤكداً الحاجة إلى دعم مستدام يواكب الإصلاحات الحكومية ويعزز قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة الملف الإنساني بكفاءة.

ويعكس الاجتماع، وفق مراقبين، سعياً لإعادة صياغة العلاقة بين الحكومة اليمنية وشركائها الدوليين على أساس شراكة قائمة على الأولويات الوطنية، وتنسيق التدخلات، والانتقال من الاستجابة الطارئة إلى مسار تعافٍ مؤسسي طويل الأمد، في ظل استمرار تعقيدات المشهد الميداني والسياسي.