مع تراجع الحرب السورية... إسرائيل تيمم شطر حزب الله

يتزايد القلق بشأن نوايا الداعمين للأسد وممر النفوذ الإيراني في المنطقة

ملصق يحمل صورتي الأسد ونصر الله على جدار في العاصمة السورية بداية هذا الشهر (أ.ف.ب)
ملصق يحمل صورتي الأسد ونصر الله على جدار في العاصمة السورية بداية هذا الشهر (أ.ف.ب)
TT

مع تراجع الحرب السورية... إسرائيل تيمم شطر حزب الله

ملصق يحمل صورتي الأسد ونصر الله على جدار في العاصمة السورية بداية هذا الشهر (أ.ف.ب)
ملصق يحمل صورتي الأسد ونصر الله على جدار في العاصمة السورية بداية هذا الشهر (أ.ف.ب)

رئيس النظام السوري بشار الأسد الذي يبدو أنه سوف يتجاوز مرحلة الحرب الأهلية السورية على رأس السلطة، تتزايد حدة القلق الذي يساور القادة العسكريين الإسرائيليين بشأن نوايا الرعاة الداعمين للأسد، وممر النفوذ الإيراني الناشئ في المنطقة.
ويعمل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على التحريض ضد إيران في المحافل الدولية مثل الجمعية العامة للأمم المتحدة الأسبوع الجاري. ويجري جيش الدفاع الإسرائيلي المناورات المتعددة التي تستهدف قوات حزب الله اللبناني المدعوم من إيران، وتصدر التصريحات الحادة والتهديدات النارية من جنرالات جيش الدفاع، على أمل تفادي ما يمكن أن يكون اشتباكاً إسرائيلياً مدمراً جديداً في لبنان، ولكنه هذه المرة سوف يكون في مواجهة المستشارين العسكريين الإيرانيين الرابضين على أعتاب الأبواب الإسرائيلية.
اعتبرت إسرائيل، ومنذ فترة طويلة، إيران، أنها تشكل أكبر التهديدات لوجودها، في إشارة إلى برنامجها النووي المشبوه، وتطوير قدرات الصواريخ الباليستية طويلة المدى، فضلاً عن الخطاب السياسي العدائي. بيد أن المكاسب التي حققتها القوات الحكومية السورية وحلفاؤها المدعومون من إيران قد منحت المخاوف الإسرائيلية بعدا وإلحاحا جديدين.
وتخشى إسرائيل من إقامة «الممر البري الشيعي» الذي يربط إيران ولبنان على نحو مباشر، مما يسمح بحرية حركة المقاتلين والأسلحة عبر المنطقة. ويحل تنظيم حزب الله الشيعي محل القلب من هذه المخاوف، وهو الميليشيا الشيعية التي حاربت إسرائيل من قبل في حرب أسفرت عن مأزق كبير، واستمرت قرابة الشهر الكامل في عام 2006. ولقد تعززت قوة الميليشيا بشكل كبير إثر ترسانة الصواريخ والقذائف التي حصلت عليها منذ ذلك الحين، وبعد سنوات القتال في الحرب السورية، والتي أكسبت الميليشيات خبرات قتالية كبيرة.
وحذر نتنياهو خلال خطابه الأخير إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة الثلاثاء الماضي، من أن إيران تنشر «ستارا من الطغيان والإرهاب» عبر المنطقة، وقال إن إسرائيل سوف تتولى الدفاع عن نفسها في مواجهة ذلك.
وأردف رئيس الوزراء الإسرائيلي قائلاً في خطابه: «سوف نعمل على منع إيران من إقامة القواعد العسكرية الدائمة في سوريا لقواتها الجوية والبحرية والبرية. كما سوف نعمل على منعها من إنتاج الأسلحة المميتة على الأراضي السورية أو في لبنان لاستخدامها ضدنا. وسوف نعمل كذلك على منع إيران من فتح جبهات الإرهاب الجديدة ضد إسرائيل على طول حدودنا الشمالية».
واختتمت إسرائيل في الأسبوع الماضي أكبر مناوراتها العسكرية خلال عقدين من الزمن، إذ حشدت نحو 30 ألف مقاتل لتدريبهم على الحرب القادمة ضد حزب الله.
وفي مقابلة حصرية مع وكالة «أسوشييتد برس»، قال قائد المناورة الإسرائيلية الجنرال تامير حيمان إنه رغم مكاسب حزب الله الأخيرة، فإن توازن القوى قد تحول وبصورة كبيرة لصالح إسرائيل منذ عام 2006.
وأضاف الجنرال الإسرائيلي: «إنْ كانت قدرات حزب الله قد تعززت، فإن قدراتنا العسكرية قد نمت على صعيد الاستخبارات، والأهداف، والمقدرة على توجيه الهجمات. وإذا ما استؤنف القتال بيننا، فإن الأضرار التي سوف تلحق بقوات حزب الله ستكون فادحة، وشديدة، ومريعة».
واستطرد قائد الفيلق الشمالي بالجيش الإسرائيلي: «ليست لدينا نوايا في هذا الوقت للخروج للحرب وهزيمة حزب الله. بل إن هدفنا هو المحافظة على الهدوء والاستقرار في الشمال».
وأسقطت القوات الإسرائيلية الثلاثاء الماضي ما وصفته إسرائيل بأنه طائرة استطلاع مسيرة تابعة لحزب الله اللبناني كانت تحلق على مسافة قريبة للغاية من الحدود السورية مع إسرائيل. وقال جيش الدفاع الإسرائيلي إن الطائرة من دون طيار مصنوعة في إيران وانطلقت من مطار دمشق، قبل أن تتمكن وسائل الدفاع الجوي الإسرائيلية من إسقاطها في الجزء الخاضع لسيطرة إسرائيل من مرتفعات الجولان السورية.
وبعد مرور 6 سنوات من القتال الذي حصد أرواح نحو 400 ألف شخص، تبدو قوات بشار الأسد قد حازت أخيرا اليد العليا مع استعادتها الأراضي التي سيطر عليها تنظيم داعش وقوات المعارضة السورية من قبل.
وروسيا التي تشن الحملة الجوية بالنيابة عن بشار الأسد، إلى جانب إيران وحزب الله، مع المقاتلين التابعين لهما على الأرض، قد قدموا الدعم الحيوي والحاسم للقوات الحكومية السورية، ومن المتوقع أن يلعبوا دورا رئيسيا في سوريا ما بعد الحرب.
يقول شاغاي تسوريل، المدير العام لوزارة الاستخبارات الإسرائيلية: «لقد أصبحت الصورة واضحة الآن في سوريا، مع عودة السيطرة التدريجية إلى أيدي الجيش السوري وحزب الله والميليشيات الشيعية على مساحات شاسعة من أراضي البلاد».
وقالت إسرائيل إن أي وجود دائم للقوات الإيرانية أو قوات حزب الله اللبناني على طول الحدود السورية مع إسرائيل، سوف يعد تجاوزاً للخط الأحمر المعلن من جانب تل أبيب، في إشارة إلى استعداد إسرائيل لاتخاذ الإجراءات العسكرية إذا لزم الأمر. وحذر تسوريل من «نشوب حريق إقليمي» جراء ذلك.
وأضاف أن روسيا بإمكانها النهوض بدور إيجابي؛ نظراً لأنها ترغب في تحقيق الاستقرار داخل سوريا. وقال أيضا إن روسيا تدرك أن إيران قد تثير حالة من الاحتكاك ليس مع إسرائيل فحسب، وإنما مع الأغلبية السنية من السكان في المنطقة.
وأردف تسوريل: «أعتقد بوجود فرصة جيدة لدى روسيا لكبح جماح إيران وحزب الله والميليشيات الشيعية في سوريا».
غير أن هذا أبعد ما يكون عن الوضوح. إذ انتقل نتنياهو إلى روسيا الشهر الماضي لمناقشة الأزمة السورية مع الرئيس فلاديمير بوتين، ولكن يبدو أنه عاد إلى بلاده خالي الوفاض. وقالت وسائل الإعلام الإسرائيلية الأسبوع الماضي إن روسيا رفضت طلباً إسرائيلياً بإبقاء القوات الشيعية داخل سوريا على مسافة 60 كيلومترا (40 ميلا) من الحدود الإسرائيلية. ولم يعلق أي من الطرفين على تلك التقارير الإخبارية حتى الآن.
وزعم وزير الاستخبارات الإسرائيلية يسرائيل كاتس، مؤخراً، في أحد المؤتمرات الأمنية، أن إيران وسوريا يعملان معا على صياغة اتفاق من شأنه أن يجلب القواعد البحرية أو الجوية أو البرية الإيرانية إلى أعتاب إسرائيل، مما يشكل دفعة كبيرة بالنسبة لحزب الله.
وأضاف الوزير كاتس: «قد يجلب الإيرانيون مختلف أنواع الصواريخ إلى سوريا، إلى جانب قوات كبيرة ومجهزة من الميليشيات التي قد تنتشر هناك، بما في ذلك عشرات الآلاف من القوات الأفغانية والباكستانية والعراقية والسورية التي تستهدف أمن إسرائيل وتسعى للقتال ضدها. ولسوف يشرف حزب الله على تدريب وقيادة الميليشيات الشيعية هناك».
ولقد حاولت إسرائيل التزام موقف المراقب على هامش الحرب الأهلية السورية. ولكنها اعترفت بتوجيه عشرات الضربات الجوية على ما يعتقد أنها شحنات من الأسلحة التي قد تغير من توازنات القوى في المنطقة، مثل الصواريخ الموجهة، أو أسلحة الدفاع الجوي المرسلة إلى قوات حزب الله. كما اتهمت الحكومة السورية إسرائيل بتنفيذ غارات جوية حديثة ضد منشأة عسكرية سورية على صلة محتملة بإنتاج الصواريخ أو الأسلحة الكيميائية.
وقال الجنرال حيمان إن مناورات الأسبوع الماضي كانت تركز على لبنان فحسب، وإن إسرائيل سوف تحاول الحيلولة دون اتساع رقعة أي مواجهة عسكرية مستقبلية خارج حدود لبنان.
وبعد سنوات من القتال داخل سوريا، لا يبدو أن تنظيم حزب الله مندفع في اتجاه إعلان الحرب على إسرائيل. إذ فقد الحزب ما يقدر بنحو 1500 مقاتل من رجاله في سوريا، كما أنه يعاني من تدني الروح المعنوي بين صفوف قواته، فضلا عن الضغوط المالية الكبيرة. ولكن مع انسحاب قوات الحزب من سوريا، فمن المتوقع أن ينظر صوب الجنوب، حيث يقبع عدوه الرئيسي اللدود.
يقول قاسم قصير الخبير اللبناني في شؤون حزب الله: «يملك حزب الله في الوقت الراهن قوة تماثل ما يملكه أي جيش تقليدي في المنطقة، من دون فقدان خبراته في مجال حرب العصابات. وقوات الحزب الآن أكثر قوة مما كانت عليه من قبل، وهذا ما دفع إسرائيل لإجراء المناورات العسكرية الأخيرة لإظهار قوتها».



«منفذ البحر الأحمر» يفاقم التوتر بين مصر وإثيوبيا

المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)
المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)
TT

«منفذ البحر الأحمر» يفاقم التوتر بين مصر وإثيوبيا

المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)
المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)

بعد نحو أسبوع من زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي لإريتريا، وإثر تأكيدات رسمية برفض وجود دول غير مشاطئة على البحر الأحمر، اتهمت إثيوبيا مصر بمحاولة عرقلة وصولها إلى منفذ على البحر؛ في خلاف متصاعد عدَّه محللون وخبراء جزءاً من رسائل للداخل الإثيوبي قبل الانتخابات المرتقبة الشهر القادم.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، نبيات غيتاتشو، خلال مؤتمر صحافي الخميس، إن الحكومة المصرية تحاول تطويق وعرقلة وصول بلاده إلى البحر الأحمر. ولم يحدد تفاصيل، غير أنه أكد أن بلاده ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية، ومستدامة.

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993 عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت ثلاثة عقود، وهي تعتمد على موانئ جيرانها، لا سيما ميناء جيبوتي.

الدول المشاطئة

خلال زيارته أسمرة في 17 مايو (أيار) الجاري، التقى الوزير المصري عبد العاطي مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشددا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أية محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، بحسب البيان المصري.

ولم يُسم عبد العاطي وقتها الدول المقصودة، غير أنه قال في تصريحات خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إن مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر.

رئيس إريتريا يستقبل وزيري الخارجية والنقل المصريين خلال زيارة لأسمرة (الخارجية المصرية)

وفي حين وصف المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد المنفذ البحري لإثيوبيا بأنه «رئة تتنفس منها»، يرى خبير الشؤون الأفريقية بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط حسين البحيري أن أديس أبابا «تتبنى سياسة خارجية تهدف إلى فرض وجودها الإقليمي عبر محاولة النفاذ إلى البحر الأحمر، وامتلاك منفذ بحري فيه».

وحذر البحيري من أن المساعي الإثيوبية «من شأنها إثارة حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني والعسكري في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر»، مضيفاً أن «إثيوبيا تحاول تبرير أطماعها البحرية بإلقاء اللوم على مصر، والادعاء بأنها تعرقل جهودها التنموية».

وتابع قائلاً: «التحركات الإثيوبية الحالية لا تهدد أمن دول الجوار بمنطقة القرن الأفريقي فحسب، بل تمس بشكل مباشر المصالح المائية، والأمن القومي المصري في منطقة حوض النيل، خاصة في ظل استمرار الرفض الإثيوبي للمطالب المصرية الرامية للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد ملء وتشغيل سد النهضة في فترات الجفاف، والجفاف الشديد».

السجال

ويأتي السجال المصري-الإثيوبي الجديد بعد زيارة أجراها مسؤولون إثيوبيون لواشنطن لتعزيز التعاون قبل أيام.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية غيتاتشو، خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده الخميس، إن وزير الخارجية جيديون تيموثيوس قاد وفداً إثيوبياً إلى العاصمة واشنطن، وأجرى لقاءات مهمة مع مسؤولين أميركيين، وتم توقيع اتفاقية تهدف إلى فتح آفاق أوسع للتعاون في مجالات الاقتصاد، والاستثمار، والتجارة، إلى جانب ملفات الدفاع، والأمن، والسلام الإقليمي.

ويرى عبد الشكور أن تقارب إثيوبيا والولايات المتحدة «هو من منطلق التعاون اقتصادياً وأمنياً بالنظر لتاريخ علاقات البلدين، وحاجتهما المشتركة في التعاون»، مستبعداً أن تصل المنطقة لـ«صِدام»، ومرجحاً استمرار الحملة الإعلامية الإثيوبية وتصاعدها قبل انتهاء الانتخابات المقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

وحول احتمالات اندلاع صدام عسكري بين إريتريا، المدعومة من مصر، وإثيوبيا بسبب أزمة البحر الأحمر، يرى البحيري أن السيناريو المرجح على المدى القريب هو استمرار الاكتفاء بالتصعيد السياسي والإعلامي المتبادل دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية، لافتاً إلى انشغال إثيوبيا بالتحضير للانتخابات العامة.

«دبلوماسية الموانئ»

ومنذ توليه منصبه في أبريل (نيسان) 2018، يسعى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد للوصول إلى البحر الأحمر، عبر ما تسمى «دبلوماسية الموانئ».

وفي مطلع عام 2024، حاولت إثيوبيا الحصول على منفذ بحري عبر ميناء بربرة في الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قبل أن تلاقي رفضاً من مقديشو، والقاهرة، والجامعة العربية.

وفي فبراير (شباط) الماضي شهدت جلسات قمة الاتحاد الأفريقي سجالاً غير مباشر بين مصر وإثيوبيا بشأن البحر الأحمر؛ فبينما ربط آبي أحمد استقرار منطقة القرن الأفريقي بحصول بلاده على منفذ بحري، جدد عبد العاطي تأكيد مصر أن «حوكمة البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة».


مبادرات أممية تدعم الزراعة اليمنية وتحد من الجفاف

تداخل الجفاف مع الفيضانات يربك المزارعين باليمن ويتسبب في آثار كارثية (رويترز)
تداخل الجفاف مع الفيضانات يربك المزارعين باليمن ويتسبب في آثار كارثية (رويترز)
TT

مبادرات أممية تدعم الزراعة اليمنية وتحد من الجفاف

تداخل الجفاف مع الفيضانات يربك المزارعين باليمن ويتسبب في آثار كارثية (رويترز)
تداخل الجفاف مع الفيضانات يربك المزارعين باليمن ويتسبب في آثار كارثية (رويترز)

تتقاطع تأثيرات الأزمة اليمنية مع التغيرات المناخية والجفاف وتدهور البنية التحتية في التأثير على الزراعة واستمرار المجتمعات الريفية، وبينما تعاني غالبية مناطق البلاد من ظواهر متناقضة، مثل الجفاف والفيضانات، فإن مشروعات تنموية أممية تتجه إلى إعادة بناء أنظمة الري وتحسين إدارة المياه، بوصف ذلك مدخلاً لاستعادة الإنتاج وتعزيز الأمن الغذائي وسبل العيش.

ورغم الأمطار الغزيرة التي شهدتها مناطق مختلفة من اليمن خلال بداية الربيع الحالي، فإن آثارها التدميرية كانت كبيرة، ولم يحقق سكان تلك المناطق استفادة كافية منها، بينما لا يزال الجفاف يؤثر على مناطق واسعة ينتظر سكانها موسم أمطار آخر لبدء زراعة عدد من المحاصيل؛ أهمها الحبوب.

وتعاني مناطق واسعة من التذبذب في مواعيد هطول الأمطار التي يعتمد عليها غالبية المزارعين اليمنيين؛ مما يؤدي إلى تأخرهم في رمي البذور، ويؤثر لاحقاً على وقت نضوج المحاصيل وجودتها، في ظل نقص الخبرات في التعامل مع التغيرات المناخية وطول فترات الجفاف والارتفاع الشديد في درجات الحرارة الذي تشهده البلاد.

ويقول سعيد الشرجبي، الأكاديمي والخبير الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط»، إن التغيرات المناخية الطارئة على المنطقة وعلى اليمن بشكل خاص، خلال السنوات الأخيرة، «تستدعي مزيداً من الدراسات والأبحاث وسن التشريعات لتتسنى معرفة طبيعة تأثيراتها؛ إيجابية أم سلبية، على إنتاج المحاصيل الزراعية».

إلى جانب الجفاف والفيضانات... يُلحق سوء إدارة المياه الضرر بالبنى التحتية والزراعة في اليمن (أ.ف.ب)

ويوضح أن هذه التغيرات أثرت بشكل مباشر على الحياة المعيشية للأسر في مناطق الزراعة؛ «مما يؤدي إلى المطالبة بضرورة إجراء تحليل شامل لتلك الأضرار، وإيجاد المعالجات التي تضمن التخفيف منها والآثار المترتبة على الإضرار بالغطاء النباتي والتنوع الحيوي».

وصدرت أخيراً تحذيرات أممية من موجة جديدة من الأمطار الغزيرة وغير المعتادة، يُتوقع أن تضرب أجزاء واسعة من البلاد خلال الأسابيع المقبلة.

ووفق «نشرة الإنذار المبكر والأرصاد الزراعية» الصادرة عن «منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو)» فإن هناك مؤشرات مقلقة بشأن تفاوت كبير في معدلات هطول الأمطار على مستوى اليمن، تتجه إلى مستويات ترفع احتمالات حدوث فيضانات مفاجئة.

ترشيد استهلاك المياه

تعدّ الأمطار الموسمية في الظروف الطبيعية عاملاً حاسماً في دعم الزراعة المطرية في اليمن؛ لإنبات محاصيل الحبوب التي يعتمد عليها السكان بشكل واسع في الأمن الغذائي المحلي، وتسهم في تعزيز خصوبة التربة.

مزارع يمني يقف أمام «بيته الزراعي» الذي أُنشئ بتمويل من برنامج أممي (الأمم المتحدة)

واختتم «مشروع تعزيز قدرة الزراعة والأمن الغذائي على الصمود في اليمن» برنامجاً تدريبياً استمر 5 أيام في مديريتَي الصلو والمسيمير، استهدف 200 مزارع ومزارعة؛ بهدف تعزيز الأمن الغذائي ومساعدة المجتمعات الريفية في التكيف مع التغيرات المناخية وتحسين قدرتها على مواجهة شح المياه.

ونُفذ «البرنامج» بالشراكة بين جهات حكومية و«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، وبدعم من الحكومة اليابانية، وتضمن تدريبات على الإنذار المبكر والمعلومات المناخية الزراعية، وتقنيات الري الحديث، والزراعة الذكية مناخياً، وإنتاج الأسمدة العضوية؛ بما يسهم في رفع الإنتاجية والحفاظ على الموارد الطبيعية.

وتكشف 3 مبادرات مدعومة من شركاء دوليين في مناطق ريفية بمحافظتَي تعز ولحج، كيف يمكن لتدخلات تبدو بسيطة نسبياً أن تُحدث أثراً واسعاً يتجاوز حدود الحقول، فمن خلال البيوت الزراعية المنزلية، وإعادة تأهيل قنوات الري، وتحديث البنية التحتية الزراعية، تستعيد عائلات ريفية قدرتها على إنتاج الغذاء وتوليد الدخل والاعتماد على الذات.

مزارع يمني يجني محصولاً من الحبوب بعد إحياء الأراضي الزراعية في قريته (الأمم المتحدة)

وحصل مئات المزارعين في مديرية المواسط، التابعة لمحافظة تعز، على بيوت زراعية صغيرة مجهزة بخزانات مياه وأنظمة ري بالتنقيط وبذور وأدوات أساسية؛ مما أتاح للعائلات إنتاج الخضراوات والأعشاب على مدار العام، مع تقليل استهلاك المياه وخفض تكاليف الزراعة، في بيئة تعاني أصلاً من شح الموارد المائية.

ويمثل هذا التدخل جزءاً من «مشروع الإدارة المتكاملة للموارد المائية لتعزيز مرونة الزراعة والأمن الغذائي»، الذي ينفذه «البرنامج» بتمويل من الوزارة الاتحادية الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية عبر «بنك التنمية الألماني»، ويشمل إعادة تأهيل المدرجات الزراعية والخزانات وأنظمة الري والطرق الريفية، إلى جانب دعم المؤسسات المحلية المعنية بإدارة المياه.

استعادة الأرض وتخفيف التوتر

في مديرية طور الباحة بمحافظة لحج، أعادت قناة ري جديدة الحياة إلى أراضٍ زراعية ظلت شبه قاحلة سنوات طويلة؛ نتيجة الجفاف وانهيار البنية التحتية وارتفاع تكاليف تشغيل الآبار، ضمن «مشروع الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن»، الممول من «البنك الدولي»، الذي ينفذه «البرنامج» بالشراكة مع «الصندوق الاجتماعي للتنمية» وجهات أممية أخرى.

مزارعات يمنيات في ريف محافظة لحج بعد أن أعاد تمويل أممي المياه إلى أراضيهن (الأمم المتحدة)

وبعد إعادة تأهيل القناة بطول 360 متراً، استعاد نحو 110 هكتارات من الأراضي القدرة على الإنتاج، وعاد مئات المزارعين إلى زراعة الحبوب والخضراوات والفواكه، بينما وفّر المشروع فرص عمل مؤقتة خلال مرحلة التنفيذ.

ويؤكد المزارعون أن الأرض، التي كانت تغطيها الأشواك، أصبحت مجدداً مصدراً للغذاء والدخل، وأن الأسر عادت إلى استهلاك ما تنتجه، وبيع الفائض في الأسواق المحلية.

وفي مديرية المسيمير التابعة للمحافظة نفسها، يجري تأهيل قناة ري تقليدية كانت تتعرض باستمرار للتعرية والسيول؛ مما كان يفرض على المزارعين أعمال صيانة متكررة ويؤثر على انتظام تدفق المياه، ليستفيد من المشروع عشرات المزارعين، بالإضافة إلى حماية عشرات الآلاف من الأمتار المربعة من الأراضي الزراعية.

المزارعون اليمنيون يقدرون أهمية دور البنية التحتية المحسّنة في دعم مشروعاتهم (الأمم المتحدة)

وطبقاً لما نقله القائمون على المشروع عن وجاهات اجتماعية في المديرية، فإن نقص المياه كان سبباً رئيسياً في توترات متكررة بين الأسر، وإن تحسين القناة لا يعزز الإنتاج الزراعي فقط، بل يدعم أيضاً الاستقرار الاجتماعي داخل المجتمع المحلي.

ومنح انتظام تدفق المياه المزارعين فرصة للتركيز على زراعة أراضيهم بدلاً من الانشغال بإصلاح القنوات الترابية وحماية المحاصيل من الخسائر.

وفي حين يواجه اليمنيون إحدى أشد الأزمات الإنسانية تعقيداً في العالم، تبدو إعادة تأهيل قنوات الري وتزويد المزارعين بتقنيات بسيطة وفعالة استثماراً مباشراً في الصمود والاستقرار.


وزارة الدفاع اليمنية: ماضون في توحيد القرار العسكري وإنهاء تعدد التشكيلات

لقاء وزير الدفاع اليمني بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي لليمن في عدن (سبأ)
لقاء وزير الدفاع اليمني بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي لليمن في عدن (سبأ)
TT

وزارة الدفاع اليمنية: ماضون في توحيد القرار العسكري وإنهاء تعدد التشكيلات

لقاء وزير الدفاع اليمني بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي لليمن في عدن (سبأ)
لقاء وزير الدفاع اليمني بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي لليمن في عدن (سبأ)

أكدت وزارة الدفاع اليمنية استمرار الجهود والترتيبات لتنفيذ استراتيجية توحيد القرار العسكري، وإنهاء حالة الانقسام، وتعدد التشكيلات المسلحة، بما يمنح الحكومة اليمنية قدرة أكبر على إدارة المعركة سياسياً وعسكرياً.

لقاء وزير الدفاع اليمني بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي لليمن في عدن (سبأ)

وقال العميد الركن عبده مجلي، الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، إن هذه الجهود التي يقودها وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، وهيئة العمليات المشتركة، تستهدف بناء قوات مسلحة أكثر كفاءة وقدرة على إدارة المعركة ضد جماعة الحوثي.

وأشار مجلي إلى رصد «تحشيدات حوثية خلال الأيام الماضية في مختلف الجبهات، خصوصاً في جبهات الحديدة وساحل البحر الأحمر»، موضحاً أن التحركات شملت نشاطاً مكثفاً في محافظة الحديدة ومناطق عدة من الساحل الغربي المُطل على البحر الأحمر، تضمن زراعة ألغام أرضية، والدفع بتعزيزات بشرية وآليات عسكرية، إلى جانب إنشاء تحصينات وخنادق جديدة قرب خطوط التماس.

ولفت الناطق باسم إلى أن «الهدف من هذه التحشيدات يتمثل في محاولة الحوثيين تعزيز مواقعهم الدفاعية في الساحل الغربي تحسباً لأي عمليات عسكرية قد تنفذها القوات المسلحة اليمنية ردّاً على أعمالهم العدائية»، مشيراً إلى أن الجماعة تسعى أيضاً إلى «ممارسة ضغوط ميدانية وسياسية بالتزامن مع التحركات الدولية المتعلقة بأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية».

جانب من حفل تخرج طلاب كلية الطيران والدفاع الجوي بمحافظة مأرب (سبأ)

وأضاف مجلي أن «الميليشيات الحوثية تُحاول كذلك إيجاد حالة من التوتر في الساحل الغربي المرتبط بالممرات البحرية الدولية، ولا سيما في ظل تصاعد الاهتمام الدولي بأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب».

وشدد على «جاهزية القوات المسلحة اليمنية في مختلف الجبهات القتالية، خصوصاً في الساحل الغربي»، مؤكداً استمرار التنسيق الميداني بين مختلف الوحدات والتشكيلات العسكرية، ضمن الجهود الرامية إلى توحيد القرار العسكري، وتعزيز مراكز العمليات المشتركة.

وقال إن «توحيد القرار العسكري يُحدد طبيعة المواجهة مع الميليشيات الحوثية، ويرفع الروح المعنوية والكفاءة القتالية، ويُعزز مستوى التنسيق العملياتي بين مختلف الجبهات، بما يُسهم في تسريع الاستجابة الميدانية وتقليص الازدواجية والانقسامات العسكرية».

وأضاف مجلي أن «الاستمرار في بناء قوات مسلحة موحدة يمنح الحكومة اليمنية قدرة أكبر على إدارة المعركة سياسياً وعسكرياً»، مشيراً إلى أن ذلك «يُعزز ثقة المجتمع الدولي بوجود شريك مؤسسي قادر على حماية الاستقرار وتنفيذ أي تفاهمات مستقبلية تتعلق بالأمن والاستقرار في اليمن ودول الجوار والعالم».

لقاء وزير الدفاع بمستشار المبعوث الأممي

وفيما يتعلّق بلقاء وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، في العاصمة المؤقتة عدن، بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي إلى اليمن الجنرال أنتوني هايورد، قال العميد عبده مجلي إن اللقاء يكتسب «أهمية سياسية وعسكرية كبيرة».

وأوضح الناطق الرسمي أن اللقاء جاء «في مرحلة حساسة تشهد تحركات أممية تهدف إلى إبقاء مسار السلام قائماً»، بالتزامن مع «تصعيد وتحشيدات وإقامة دورات طائفية من قبل جماعة الحوثي».

تدشين تشكيل بحري جديد للقوات البحرية اليمنية في قطاع البحر الأحمر من باب المندب (سبأ)

وأشار إلى أن أهمية اللقاء تبرز في ظل تأكيد الحكومة اليمنية التزامها بإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس وطنية حديثة، ومواصلة جهود توحيد القوات المسلحة ودمج مختلف التشكيلات العسكرية تحت مظلة وزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان العامة عبر مركز العمليات المشتركة.

وتحدّث مجلي عن «تنفيذ استراتيجية تهدف إلى توحيد القرار العسكري وإنهاء حالة الانقسام وتعدد التشكيلات العسكرية، بما يُسهم في بناء قوات مسلحة أكثر قدرة وكفاءة على إدارة المعركة المشتركة ضد جماعة الحوثي».

وأضاف أن «ترتيبات عسكرية وأمنية تُنفذ حالياً بهدف تعزيز الأمن والاستقرار في مختلف المناطق، واستعادة مؤسسات الدولة والشرعية، وإنهاء مشروع الميليشيات الحوثية التوسعي المدعوم من النظام الإيراني».