مع تراجع الحرب السورية... إسرائيل تيمم شطر حزب الله

يتزايد القلق بشأن نوايا الداعمين للأسد وممر النفوذ الإيراني في المنطقة

ملصق يحمل صورتي الأسد ونصر الله على جدار في العاصمة السورية بداية هذا الشهر (أ.ف.ب)
ملصق يحمل صورتي الأسد ونصر الله على جدار في العاصمة السورية بداية هذا الشهر (أ.ف.ب)
TT

مع تراجع الحرب السورية... إسرائيل تيمم شطر حزب الله

ملصق يحمل صورتي الأسد ونصر الله على جدار في العاصمة السورية بداية هذا الشهر (أ.ف.ب)
ملصق يحمل صورتي الأسد ونصر الله على جدار في العاصمة السورية بداية هذا الشهر (أ.ف.ب)

رئيس النظام السوري بشار الأسد الذي يبدو أنه سوف يتجاوز مرحلة الحرب الأهلية السورية على رأس السلطة، تتزايد حدة القلق الذي يساور القادة العسكريين الإسرائيليين بشأن نوايا الرعاة الداعمين للأسد، وممر النفوذ الإيراني الناشئ في المنطقة.
ويعمل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على التحريض ضد إيران في المحافل الدولية مثل الجمعية العامة للأمم المتحدة الأسبوع الجاري. ويجري جيش الدفاع الإسرائيلي المناورات المتعددة التي تستهدف قوات حزب الله اللبناني المدعوم من إيران، وتصدر التصريحات الحادة والتهديدات النارية من جنرالات جيش الدفاع، على أمل تفادي ما يمكن أن يكون اشتباكاً إسرائيلياً مدمراً جديداً في لبنان، ولكنه هذه المرة سوف يكون في مواجهة المستشارين العسكريين الإيرانيين الرابضين على أعتاب الأبواب الإسرائيلية.
اعتبرت إسرائيل، ومنذ فترة طويلة، إيران، أنها تشكل أكبر التهديدات لوجودها، في إشارة إلى برنامجها النووي المشبوه، وتطوير قدرات الصواريخ الباليستية طويلة المدى، فضلاً عن الخطاب السياسي العدائي. بيد أن المكاسب التي حققتها القوات الحكومية السورية وحلفاؤها المدعومون من إيران قد منحت المخاوف الإسرائيلية بعدا وإلحاحا جديدين.
وتخشى إسرائيل من إقامة «الممر البري الشيعي» الذي يربط إيران ولبنان على نحو مباشر، مما يسمح بحرية حركة المقاتلين والأسلحة عبر المنطقة. ويحل تنظيم حزب الله الشيعي محل القلب من هذه المخاوف، وهو الميليشيا الشيعية التي حاربت إسرائيل من قبل في حرب أسفرت عن مأزق كبير، واستمرت قرابة الشهر الكامل في عام 2006. ولقد تعززت قوة الميليشيا بشكل كبير إثر ترسانة الصواريخ والقذائف التي حصلت عليها منذ ذلك الحين، وبعد سنوات القتال في الحرب السورية، والتي أكسبت الميليشيات خبرات قتالية كبيرة.
وحذر نتنياهو خلال خطابه الأخير إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة الثلاثاء الماضي، من أن إيران تنشر «ستارا من الطغيان والإرهاب» عبر المنطقة، وقال إن إسرائيل سوف تتولى الدفاع عن نفسها في مواجهة ذلك.
وأردف رئيس الوزراء الإسرائيلي قائلاً في خطابه: «سوف نعمل على منع إيران من إقامة القواعد العسكرية الدائمة في سوريا لقواتها الجوية والبحرية والبرية. كما سوف نعمل على منعها من إنتاج الأسلحة المميتة على الأراضي السورية أو في لبنان لاستخدامها ضدنا. وسوف نعمل كذلك على منع إيران من فتح جبهات الإرهاب الجديدة ضد إسرائيل على طول حدودنا الشمالية».
واختتمت إسرائيل في الأسبوع الماضي أكبر مناوراتها العسكرية خلال عقدين من الزمن، إذ حشدت نحو 30 ألف مقاتل لتدريبهم على الحرب القادمة ضد حزب الله.
وفي مقابلة حصرية مع وكالة «أسوشييتد برس»، قال قائد المناورة الإسرائيلية الجنرال تامير حيمان إنه رغم مكاسب حزب الله الأخيرة، فإن توازن القوى قد تحول وبصورة كبيرة لصالح إسرائيل منذ عام 2006.
وأضاف الجنرال الإسرائيلي: «إنْ كانت قدرات حزب الله قد تعززت، فإن قدراتنا العسكرية قد نمت على صعيد الاستخبارات، والأهداف، والمقدرة على توجيه الهجمات. وإذا ما استؤنف القتال بيننا، فإن الأضرار التي سوف تلحق بقوات حزب الله ستكون فادحة، وشديدة، ومريعة».
واستطرد قائد الفيلق الشمالي بالجيش الإسرائيلي: «ليست لدينا نوايا في هذا الوقت للخروج للحرب وهزيمة حزب الله. بل إن هدفنا هو المحافظة على الهدوء والاستقرار في الشمال».
وأسقطت القوات الإسرائيلية الثلاثاء الماضي ما وصفته إسرائيل بأنه طائرة استطلاع مسيرة تابعة لحزب الله اللبناني كانت تحلق على مسافة قريبة للغاية من الحدود السورية مع إسرائيل. وقال جيش الدفاع الإسرائيلي إن الطائرة من دون طيار مصنوعة في إيران وانطلقت من مطار دمشق، قبل أن تتمكن وسائل الدفاع الجوي الإسرائيلية من إسقاطها في الجزء الخاضع لسيطرة إسرائيل من مرتفعات الجولان السورية.
وبعد مرور 6 سنوات من القتال الذي حصد أرواح نحو 400 ألف شخص، تبدو قوات بشار الأسد قد حازت أخيرا اليد العليا مع استعادتها الأراضي التي سيطر عليها تنظيم داعش وقوات المعارضة السورية من قبل.
وروسيا التي تشن الحملة الجوية بالنيابة عن بشار الأسد، إلى جانب إيران وحزب الله، مع المقاتلين التابعين لهما على الأرض، قد قدموا الدعم الحيوي والحاسم للقوات الحكومية السورية، ومن المتوقع أن يلعبوا دورا رئيسيا في سوريا ما بعد الحرب.
يقول شاغاي تسوريل، المدير العام لوزارة الاستخبارات الإسرائيلية: «لقد أصبحت الصورة واضحة الآن في سوريا، مع عودة السيطرة التدريجية إلى أيدي الجيش السوري وحزب الله والميليشيات الشيعية على مساحات شاسعة من أراضي البلاد».
وقالت إسرائيل إن أي وجود دائم للقوات الإيرانية أو قوات حزب الله اللبناني على طول الحدود السورية مع إسرائيل، سوف يعد تجاوزاً للخط الأحمر المعلن من جانب تل أبيب، في إشارة إلى استعداد إسرائيل لاتخاذ الإجراءات العسكرية إذا لزم الأمر. وحذر تسوريل من «نشوب حريق إقليمي» جراء ذلك.
وأضاف أن روسيا بإمكانها النهوض بدور إيجابي؛ نظراً لأنها ترغب في تحقيق الاستقرار داخل سوريا. وقال أيضا إن روسيا تدرك أن إيران قد تثير حالة من الاحتكاك ليس مع إسرائيل فحسب، وإنما مع الأغلبية السنية من السكان في المنطقة.
وأردف تسوريل: «أعتقد بوجود فرصة جيدة لدى روسيا لكبح جماح إيران وحزب الله والميليشيات الشيعية في سوريا».
غير أن هذا أبعد ما يكون عن الوضوح. إذ انتقل نتنياهو إلى روسيا الشهر الماضي لمناقشة الأزمة السورية مع الرئيس فلاديمير بوتين، ولكن يبدو أنه عاد إلى بلاده خالي الوفاض. وقالت وسائل الإعلام الإسرائيلية الأسبوع الماضي إن روسيا رفضت طلباً إسرائيلياً بإبقاء القوات الشيعية داخل سوريا على مسافة 60 كيلومترا (40 ميلا) من الحدود الإسرائيلية. ولم يعلق أي من الطرفين على تلك التقارير الإخبارية حتى الآن.
وزعم وزير الاستخبارات الإسرائيلية يسرائيل كاتس، مؤخراً، في أحد المؤتمرات الأمنية، أن إيران وسوريا يعملان معا على صياغة اتفاق من شأنه أن يجلب القواعد البحرية أو الجوية أو البرية الإيرانية إلى أعتاب إسرائيل، مما يشكل دفعة كبيرة بالنسبة لحزب الله.
وأضاف الوزير كاتس: «قد يجلب الإيرانيون مختلف أنواع الصواريخ إلى سوريا، إلى جانب قوات كبيرة ومجهزة من الميليشيات التي قد تنتشر هناك، بما في ذلك عشرات الآلاف من القوات الأفغانية والباكستانية والعراقية والسورية التي تستهدف أمن إسرائيل وتسعى للقتال ضدها. ولسوف يشرف حزب الله على تدريب وقيادة الميليشيات الشيعية هناك».
ولقد حاولت إسرائيل التزام موقف المراقب على هامش الحرب الأهلية السورية. ولكنها اعترفت بتوجيه عشرات الضربات الجوية على ما يعتقد أنها شحنات من الأسلحة التي قد تغير من توازنات القوى في المنطقة، مثل الصواريخ الموجهة، أو أسلحة الدفاع الجوي المرسلة إلى قوات حزب الله. كما اتهمت الحكومة السورية إسرائيل بتنفيذ غارات جوية حديثة ضد منشأة عسكرية سورية على صلة محتملة بإنتاج الصواريخ أو الأسلحة الكيميائية.
وقال الجنرال حيمان إن مناورات الأسبوع الماضي كانت تركز على لبنان فحسب، وإن إسرائيل سوف تحاول الحيلولة دون اتساع رقعة أي مواجهة عسكرية مستقبلية خارج حدود لبنان.
وبعد سنوات من القتال داخل سوريا، لا يبدو أن تنظيم حزب الله مندفع في اتجاه إعلان الحرب على إسرائيل. إذ فقد الحزب ما يقدر بنحو 1500 مقاتل من رجاله في سوريا، كما أنه يعاني من تدني الروح المعنوي بين صفوف قواته، فضلا عن الضغوط المالية الكبيرة. ولكن مع انسحاب قوات الحزب من سوريا، فمن المتوقع أن ينظر صوب الجنوب، حيث يقبع عدوه الرئيسي اللدود.
يقول قاسم قصير الخبير اللبناني في شؤون حزب الله: «يملك حزب الله في الوقت الراهن قوة تماثل ما يملكه أي جيش تقليدي في المنطقة، من دون فقدان خبراته في مجال حرب العصابات. وقوات الحزب الآن أكثر قوة مما كانت عليه من قبل، وهذا ما دفع إسرائيل لإجراء المناورات العسكرية الأخيرة لإظهار قوتها».



الحدود مع مصر... مزاعم إسرائيلية متكررة تفاقم التوترات

صورة عامة لجزء من الحدود بين قطاع غزة ومصر (رويترز)
صورة عامة لجزء من الحدود بين قطاع غزة ومصر (رويترز)
TT

الحدود مع مصر... مزاعم إسرائيلية متكررة تفاقم التوترات

صورة عامة لجزء من الحدود بين قطاع غزة ومصر (رويترز)
صورة عامة لجزء من الحدود بين قطاع غزة ومصر (رويترز)

لا يكاد الحديث الإسرائيلي عن ضرورة تأمين الحدود مع مصر يخبو حتى يطفو على السطح من جديد، مع مزاعم متكررة عن وجود عمليات تهريب، نفتها القاهرة مراراً، وسط توتر بالعلاقات، خصوصاً منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

أحدث هذه المزاعم جاءت على لسان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي قال في مقابلة مع «القناة 14» العبرية المقربة منه، مساء الثلاثاء، إن إسرائيل بحاجة إلى حماية حدودها مع مصر، وإنه أجرى مناقشات مع الجانب المصري، وأخبرهم بما يتوقع القيام به.

وأضاف أن «جزءاً من ذلك يجري تنفيذه بالفعل، التزاماً بالاتفاقيات بين مصر وإسرائيل».

ويأتي حديث نتنياهو بعد تقرير إسرائيلي مطول، نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» قبل أيام، زعم أنه «منذ عام 2020، يطرأ ارتفاع مستمر في عمليات التهريب عبر الحدود المصرية والأردنية، وقد دخلت المسيّرات الصغيرة على الخط، وهو ما أسهم في رفع كمية الأسلحة المُهرَّبة ونوعيتها».

«خطاب دعائي»

مدير «الشؤون المعنوية» الأسبق بالجيش المصري والخبير العسكري والاستراتيجي، اللواء سمير فرج، يرى في تلك المزاعم «مجرد خطاب مستهلك ورسائل للداخل قبل الانتخابات المقبلة في إسرائيل».

وأضاف، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «نتنياهو يعيش حالة إخفاقات على جميع المستويات، سواء في غزة أو إيران أو لبنان، ويريد بهذه البروباغندا أن يدرك نفسه سياسياً قبل سقوطه انتخابياً».

وشدّد على أن مصر «تصون حدودها، وقادرة على فرض ذلك، وناجحة في ذلك على كل المستويات».

واستطرد قائلاً: «مصر ملتزمة باتفاقية السلام، ولا تقبل بخرقها أو المساس بحدودها مهما كان»، مؤكداً أن المنطقة بحاجة إلى استقرار، وليس حملة شائعات، تهدد وتزيد من التوترات بالمنطقة.

الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

ويلفت عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والأكاديمي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن حديث نتنياهو جاء مع قناة تُعَد من أبرز أذرعه الإعلامية التي تروج له انتخابياً.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن نتنياهو «يحاول أن يضخم الدعاية، ولا يراعي أن حديثه يزيد التوتر مع مصر، ويخلق مزيداً من الأزمات».

وتابع: «رئيس الوزراء الإسرائيلي يبحث عن إنقاذ نفسه ومصالحه السياسية ووجوده السياسي عبر مزاعم لا أساس لها من الصحة».

«هروب من المأزق»

وبين الحين والآخر، يخرج الجيش الإسرائيلي ببيانات رسمية، يشير فيها إلى أنه «أسقط طائرة مُسيَّرة كانت تُهرّب أسلحة من الأراضي المصرية إلى إسرائيل». وحدث ذلك أكثر مرة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قبل قرار تحويل الحدود إلى «منطقة عسكرية مغلقة».

وأكدت «الهيئة العامة للاستعلامات» في مصر وقتها أن اتهامات إسرائيل «خطاب مستهلك»، وقالت إن مصر «سئمت هذه الادعاءات التي تُستخدم لإلقاء المسؤولية على أطراف خارجية كلّما واجهت الحكومة الإسرائيلية مأزقاً سياسياً أو عسكرياً».

وفي سبتمبر (أيلول) 2025، تحدث نتنياهو عن مخاوفه من حشد مصر قواتها العسكرية في سيناء، وردّت «الهيئة العامة للاستعلامات» بتأكيدها على أن انتشار القوات المسلحة «جاء بموجب تنسيق كامل مع أطراف معاهدة السلام». وأشارت الهيئة حينها إلى أن «القوات الموجودة في سيناء في الأصل تستهدف تأمين الحدود المصرية ضد كل المخاطر، بما فيها العمليات الإرهابية والتهريب».

نقطة مراقبة أمنية مصرية (رويترز)

وكانت صحيفة «إسرائيل هيوم» العبرية قد نقلت في أبريل (نيسان) 2025، عمن وصفته بأنه مسؤول أمني إسرائيلي رفيع المستوى، أن البنية التحتية العسكرية المصرية في سيناء تمثل «انتهاكاً كبيراً» للملحق الأمني في اتفاقية السلام، وأن المسألة تحظى بأولوية قصوى على طاولة وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس.

وفي فبراير (شباط) 2025، قال الجيش الإسرائيلي إنه أحبط محاولة لتهريب أسلحة عبر الحدود مع مصر. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلن الجيش المصري في إفادة رسمية أنه «أحبط محاولة لتهريب المواد المخدرة جنوب منفذ العوجة على الحدود الشمالية الشرقية مع إسرائيل».

ويؤكد الدكتور أنور أن مصر ملتزمة باتفاقية السلام، ودائماً تحافظ على الاستقرار، «لكن لا تسير وفق ما تريد إسرائيل».

وأضاف: «مصر صاحبة رؤية، وقادرة على فرض الأمن والاستقرار وحماية حدودها، وتدرك أن نتنياهو يريد مزيداً من الفوضى على الحدود؛ وهي لديها سيناريوهات مسبقة للتعامل مع أي تهديد وفق محددات أمنية وقانونية لا قبول بالخروج عنها».


فهمي يبدأ عمله أميناً للجامعة العربية رافعاً راية «الإصلاح»

نبيل فهمي يتسلم مهام منصبه أميناً للجامعة العربية خلفاً لأحمد أبو الغيط (الجامعة العربية)
نبيل فهمي يتسلم مهام منصبه أميناً للجامعة العربية خلفاً لأحمد أبو الغيط (الجامعة العربية)
TT

فهمي يبدأ عمله أميناً للجامعة العربية رافعاً راية «الإصلاح»

نبيل فهمي يتسلم مهام منصبه أميناً للجامعة العربية خلفاً لأحمد أبو الغيط (الجامعة العربية)
نبيل فهمي يتسلم مهام منصبه أميناً للجامعة العربية خلفاً لأحمد أبو الغيط (الجامعة العربية)

بدأ السفير نبيل فهمي، الأربعاء، عمله أميناً عاماً لجامعة الدول العربية، رافعاً راية «الإصلاح والتطوير»، حيث عقد لقاءات عدة ركزت في مجملها على تحديد أولويات العمل في المرحلة المقبلة، ووضع مقترحات للتطوير تستهدف تمكين المنظومة العربية من مواجهة التحديات الراهنة.

ووفق مصادر وخبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن فهمي لديه «رؤية إصلاحية واضحة»، وستمنحه خبراته وعلاقاته الدولية القدرة على تحقيقها، وإن ظلت هناك تحديات على صعيد العمل العربي المشترك.

وخلال مراسم رسمية أُقيمت في مقر الأمانة العامة بالقاهرة، تسلم فهمي مهامه من الأمين العام السابق أحمد أبو الغيط، الذي اختتم فترة ولايته.

نبيل فهمي يرفع راية الجامعة العربية داخل مقرها الدائم بالقاهرة (الجامعة العربية)

وأفاد بيان صحافي بأن فهمي تلقى إحاطات من مسؤولي الأمانة العامة حول بعض المستجدات في الملفات السياسية، كما عقد اجتماعاً مع الأمناء العامين المساعدين لبحث الأولويات خلال المرحلة المقبلة، ومنهجية وسير العمل في مختلف القطاعات.

وكانت أولى المراسلات التي وقعها الأمين العام هي خطابات إلى قادة الدول العربية «لتوجيه الشكر والتقدير على الثقة الغالية التي أولوه إياها»، كما وقَّع خطابات إلى وزراء الخارجية العرب «تضمنت تقييماً للأوضاع العربية، ومقترحات لتمكين العالم العربي والجامعة العربية من التصدي للتحديات القائمة، وتطويرها وإصلاحها، فضلاً عن تعزيز جهود البناء الاقتصادي والاجتماعي»، حسب البيان.

كان وزراء الخارجية العرب قد اعتمدوا الشهر الماضي -بتفويض من القادة- قرار تعيين فهمي أميناً عاماً جديداً للجامعة لمدة خمسة أعوام بدءاً من الأول من يوليو (تموز) 2026.

«رؤية الإصلاح»

وقال مصدر دبلوماسي لـ«الشرق الأوسط»: إن اجتماعات الأمين العام في اليوم الأول، مع مساعديه في الأمانة العامة، والعاملين بها «كانت تنظيمية لترتيب إجراءات العمل داخل الأمانة العامة خلال الفترة المقبلة».

ومن المقرر، وفق المصدر، أن يعقد الأمين العام الجديد اجتماعات أخرى مع المندوبين الدائمين للجامعة، بدايةً من الأسبوع المقبل، للحديث حول منظومة العمل العربية، ورؤية الإصلاح، وتحسين الأداء، استكمالاً لاجتماعات سابقة جرت مع إعلان ترشحه وقبل تسلمه المنصب.

الأمين العام السابق للجامعة العربية أحمد أبو الغيط مع الأمين العام الجديد نبيل فهمي (الجامعة العربية)

فيما ذكر مصدر دبلوماسي آخر لـ«الشرق الأوسط» أن لقاءات الأمين العام الجديد الأولية ركزت على ضرورة إصلاح وتطوير منظومة العمل العربي المشترك، مشيراً إلى أن «الأمين العام لديه رؤية واضحة للإصلاح وإعادة ترتيب البيت العربي».

وعدَّ الأمين المساعد رئيس قطاع الإعلام والاتصال بالجامعة العربية، السفير أحمد رشيد خطابي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» الثقة التي حظي بها فهمي «بداية لمرحلة جديدة في العمل العربي المشترك، وإضافة نوعية لحيوية المبادرات الهادفة لتطوير جامعة الدول العربية»، مشيراً إلى «خبرته الدبلوماسية وتجربته وتكوينه الأكاديمي الرفيع وتوجهه الواضح للقيام بإصلاحات بنّاءة ورصينة لمنظومة العمل العربي المشترك».

وأضاف أن تعيين فهمي «يأتي في سياق عربي مشحون بتحديات كبيرة وأزمات على المستويات السياسية والتنموية والاقتصادية... والتوجه الجديد للأمين العام يعطي مزيداً من الفاعلية والنجاعة والمصداقية للجامعة، ويكرس الثقة في المنظمة كأعرق منظمة إقليمية».

وأكد خطابي حاجة الجامعة إلى «تطوير وإصلاح هيكلي عميق بروح توافقية وتشاركية يعزز وجودها في المشهد الدولي».

العمل العربي المشترك

مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، الدكتور عمرو الشوبكي، قال إن فهمي «لديه رؤية إصلاحية، كما أنه منفتح على دوائر مختلفة تتجاوز الدبلوماسية التقليدية»، منوهاً بما يتمتع به من «خبرات سياسية متنوعة وعلاقات عربية ودولية عميقة».

وأضاف أن الأمين العام الجديد «يؤمن بأنه لا يجب التطابق في كل الملفات، وأن الأهم هو تحقيق التنسيق في الملفات المتوافق عليها».

وشدد الشوبكي في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» على «ضرورة توفر إرادة عربية لإصلاح الجامعة»، مشيراً إلى «الوضع العربي المأزوم في ظل تحديات كبرى تواجه المنطقة».

فهمي وأبو الغيط يتجولان في أروقة الجامعة (الجامعة العربية)

يتفق معه مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن فهمي «لديه شخصية قوية وواضحة وطموحة وجريئة، مما يعطيه القدرة على المبادرة»، متوقعاً أن تشهد الفترة المقبلة «تحركات للأمين العام لتنشيط مؤسسات الجامعة وتكوين مواقف عربية جماعية قادرة على مواجهة التحديات».

ونبيل فهمي هو الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ تأسيسها عام 1945، حيث تسلم هذا المنصب سبعة مصريين قبله، إلى جانب التونسي الشاذلي القليوبي الذي تولى أمانة الجامعة في الفترة بين 1979 و1990 حين انتقل مقر الجامعة إلى تونس.

وتسلم فهمي مهامه الرسمية بعد اجتماع ثلاثي جمعه مع أبو الغيط، والأمين العام الأسبق عمرو موسى، داخل الجامعة العربية، يوم الاثنين.

وأشار موسى، عبر حسابه الشخصي، إلى أن الأمناء الثلاثة تبادلوا الحديث حول الأوضاع الراهنة والتحديات التي تواجه المنطقة العربية، وقال معقباً على صورتهم معاً: «ثلاثة أجيال من الدبلوماسية المصرية... في خدمة الأمة العربية والعمل العربي المشترك».


نهب آثار اليمن يتسارع في مناطق سيطرة الحوثيين

قطع أثرية يمنية مهربة معروضة للبيع في الخارج (إعلام محلي)
قطع أثرية يمنية مهربة معروضة للبيع في الخارج (إعلام محلي)
TT

نهب آثار اليمن يتسارع في مناطق سيطرة الحوثيين

قطع أثرية يمنية مهربة معروضة للبيع في الخارج (إعلام محلي)
قطع أثرية يمنية مهربة معروضة للبيع في الخارج (إعلام محلي)

يتواصل نزيف الآثار اليمنية في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، وسط تصاعد عمليات التنقيب غير المشروع، واستهداف المواقع التاريخية الغنية باللقى الأثرية، في ظل اتهامات لمتنفذين بتوفير الحماية لشبكات متخصصة في نهب الآثار، وتهريبها إلى خارج البلاد، الأمر الذي يهدد بفقدان جزء مهم من الإرث الحضاري اليمني.

ويؤكد مختصون أن محافظتي إب وذمار (جنوب صنعاء)، اللتين تضمان عدداً من أبرز المدن التاريخية وعواصم الممالك اليمنية القديمة، تحولتا خلال الأشهر الأخيرة إلى بؤرتين لعمليات الحفر العشوائي التي تستهدف المقابر، والمواقع الأثرية، بحثاً عن القطع النادرة، بالتزامن مع ظهور مقتنيات يمنية قديمة في أسواق البيع غير القانونية داخل البلاد، وخارجها.

وكشف الخبير في شؤون الآثار اليمنية عبد الله محسن عن عرض مجموعة من القطع الأثرية النادرة للبيع في مدينة يريم بمحافظة إب، بعد أيام فقط من تنفيذ أعمال حفر عشوائي في عدد من المقابر الأثرية بمدينة ظفار التاريخية، العاصمة القديمة لمملكة حِمْيَر.

وأوضح محسن أن المجموعة المعروضة تضم حلياً ذهبية، وبرونزيات أثرية ذات قيمة تاريخية كبيرة، من بينها مقبض خنجر ذهبي نادر يعود إلى القرن الأول الميلادي، ويعد، وفقاً لمختصين، ثالث قطعة معروفة من هذا الطراز المنتمي إلى الحقبة الحميرية.

عصابات تستهدف المقابر اليمنية القديمة بحثاً عن الكنوز (إعلام محلي)

وأشار إلى أنه تلقى صور القطع عبر أحد المهتمين بالتراث اليمني، والذي فضّل عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، مؤكداً أن المعروضات تحمل سمات أثرية واضحة تعكس أصالتها، وقيمتها العلمية، وترجح ارتباطها بالمقابر التي تعرضت للحفر أخيراً.

ويرى مهتمون بالتراث أن تزامن عمليات النبش مع ظهور هذه القطع في أسواق البيع يعزز الشكوك بشأن وجود شبكات منظمة تعمل على استخراج الآثار، وتسويقها بصورة سريعة، مستفيدة من ضعف الرقابة، وغياب الحماية الفعلية للمواقع التاريخية.

قطع نادرة

من جهتها، أكدت أستاذة الآثار ليلى عقيل أن القطعة الظاهرة في الصور تمثل مقبضاً ذهبياً لسيف أو خنجر صُنع بإتقان باستخدام أسلاك ذهبية دقيقة، ويتوسطه رمز «طوق هرقل» الذي شاع استخدامه خلال العصر الهلينستي بين القرنين الأول والثالث الميلادي، وكان يرمز إلى القوة، والسلطة.

وأضافت أن المقبض يعد ثالث نموذج معروف من هذا النوع، ويشابه خنجرين أثريين سبق اكتشافهما، أحدهما محفوظ ضمن مجموعة دار الآثار الإسلامية، بينما عُثر على الآخر في موقع العصيبية الأثري، ويتميز كلاهما بزخارف نباتية دقيقة مطعمة بالمينا الملونة، وهو ما يعزز فرضية انتماء القطعة الجديدة إلى الفترة الزمنية نفسها.

قطعة أثرية يمنية معروضة للبيع في الولايات المتحدة (إعلام محلي)

كما أوضحت أن الأساور الذهبية المبرومة التي ظهرت ضمن المجموعة تعد من الحلي الكلاسيكية الشائعة في اليمن القديم، وقد عُثر على نماذج مماثلة لها في عدد من المواقع الأثرية، بينها العصيبية، وقرية الفاو، وموقع الحصمة في شقرة بمحافظة أبين، مرجحة أن يعود تاريخها إلى الفترة الممتدة بين القرنين الأول والثالث الميلاديين.

ويؤكد مختصون أن أهمية هذه القطع لا تقتصر على قيمتها المادية، بل تمتد إلى ما توفره من معلومات علمية عن تاريخ الممالك اليمنية القديمة، وتطور صناعاتها، وفنونها، الأمر الذي يجعل فقدانها أو تهريبها خسارة علمية وثقافية يصعب تعويضها.

شبكات التهريب

في موازاة ذلك، حذر مختصون في شؤون الآثار من تنامي نشاط شبكات نهب المواقع التاريخية في إب، وذمار، مؤكدين أن أعمال الحفر غير القانونية باتت تتكرر بوتيرة متزايدة خلال الأشهر الماضية، مستغلة تدهور أوضاع المؤسسات المعنية بحماية التراث، وغياب الرقابة على المواقع الأثرية.

وقال هؤلاء إن لديهم معلومات تؤكد وجود القطع الأثرية النادرة بحوزة شبكة نافذة متخصصة في نهب المواقع التاريخية، والاتجار باللقى الأثرية، وتحظى -بحسب إفاداتهم- بدعم وحماية من شخصيات نافذة في مناطق سيطرة الحوثيين، وهو ما يسهل استمرار عمليات التنقيب غير المشروع، ونقل القطع عبر شبكات تهريب منظمة إلى خارج اليمن.

نقش أثري ملقى بالقرب من منازل في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

وأشاروا إلى أن استمرار العبث بالمواقع الأثرية لا يعني فقدان مقتنيات تاريخية فحسب، بل يؤدي أيضاً إلى تدمير الطبقات الأثرية، والسياق العلمي للمواقع، وهو ما يحرم الباحثين من معلومات تاريخية لا يمكن استعادتها لاحقاً، ويلحق أضراراً دائمة بالإرث الحضاري اليمني.

ودعا المختصون السلطات المعنية والمنظمات الدولية المختصة بحماية التراث الثقافي إلى التحرك العاجل لتعقب الشبكات المتورطة في نهب الآثار، ومصادرة المجموعات الموجودة بحوزتها، ووقف أعمال التنقيب غير القانوني، وتشديد الرقابة على المواقع التاريخية، مؤكدين أن الآثار اليمنية تمثل جزءاً من التراث الإنساني العالمي، وأن استمرار تهريبها يهدد بفقدان صفحات مهمة من تاريخ اليمن، والمنطقة.