السيسي لـ«الشرق الأوسط»: لن ننسى مواقف خادم الحرمين.. والسعودية أولى محطاتي

أمن الخليج من أمن مصر ولن نسمح بالمساس به * ليبيا بحاجة إلى خريطة طريق

المشير عبد الفتاح السيسي لدى استقباله رئيس تحرير {الشرق الأوسط} د. عادل الطريفي
المشير عبد الفتاح السيسي لدى استقباله رئيس تحرير {الشرق الأوسط} د. عادل الطريفي
TT

السيسي لـ«الشرق الأوسط»: لن ننسى مواقف خادم الحرمين.. والسعودية أولى محطاتي

المشير عبد الفتاح السيسي لدى استقباله رئيس تحرير {الشرق الأوسط} د. عادل الطريفي
المشير عبد الفتاح السيسي لدى استقباله رئيس تحرير {الشرق الأوسط} د. عادل الطريفي

في مطلع أكتوبر (تشرين الأول) 2013، خلال زيارتي للقاهرة، كان الوضع المصري يومها، يعرض نفسه بكل تفاصيله وتعقيداته السياسية، ومشاكله الاجتماعية، ومخاطره الأمنية على ملامح المارة في الشوارع، وعلى وجوه كل من يمكن أن تلتقيه وتحاوره، أو حتى يهمس لك بكلام عابر.
في الفندق الذي أقمت فيه، لم تكن الأحاديث والحوارات المتداولة في قاعاته، تختلف عمّا يمكن جمعه عن ملامح الناس في الشوارع من قلق واضطراب وتشاؤم أغلق حتى النوافذ، التي يمكن أن تتسرّب عبرها أحلام المصريين بانفراج ما قريب. كان أي شيء وكل شيء، يكفي لأن يرسم صورة لمصر لم تعرفها في أحلك عصورها.
اليوم بدت القاهرة خارجة من تلك التفاصيل، تتنفس الأمل برئتين واسعتين، وهي تتمتع بقدر معقول من الاطمئنان. كانت الساعة تقترب من الرابعة والربع فجرا، حين وصلت إلى مطار القاهرة. الانتقال من هناك سهل، وحركة السير بدت مريحة إلى حد كبير، في ظل استقرار نسبي، اشتاقت له القاهرة كثيرا. وحين دخلت بنا السيارة أطراف العاصمة المصرية، كانت الطرقات مشرعة أمام حركة الناس والسيارات، حتى في مثل هذا الوقت المبكر من النهار. القاهرة (مصر) كما يطلق عليها المصريون، كانت طبيعية إلى حد مريح.
تغيرت مشاعر الناس. ملامحهم بدت أكثر ارتياحا. حتى الكلام الذي كان يشغل الناس تغير نسبيا، ربما لأن تعابير الناس أخذت تعكس قدرا كبيرا من الأمل بالمرحلة المقبلة. أما الأحاديث المباشرة، فتبدأ كلها بالاستقرار وتنتهي عنده، خصوصا بعد ما شهدته مصر من تفجيرات وأعمال إرهابية في الفترة السابقة.
من يتحدث إلى رجال الأعمال، يدرك عمق الأزمة الاقتصادية التي تخنق مصر، على الرغم من تماسك العملة المصرية وثباتها في وجه عواصف التدهور المتعاقبة. لكنها أحاديث تمر في طريقها إليك بتطلعات صادقة إلى انتعاش اقتصادي في مرحلة ما بعد انتخاب الرئيس، والجميع يأمل أن تكون الانتخابات البرلمانية المقبلة انعطافة ديمقراطية حقيقية، تغلق الأبواب على العديد من المشكلات، وتحقق الاستقرار الأمني الذي لم يزل يعاني من ثغرات تنفذ منها أعمال إرهابية، آخرها ما وقع أول من أمس، في القاهرة وشمال سيناء، وأودى بحياة ثلاثة مواطنين وجرح تسعة آخرين، بينهم مجندون.
التقيت المرشح الرئاسي، المشير عبد الفتاح السيسي، قبل يوم من موعد الصمت الانتخابي. كان محاطا بالعديد من الزوار، وكاميرات التلفزة التي كانت تسجل مواقفه الأخيرة قبل بدء السباق الرئاسي. كان جدول أعماله كثيفا ومزدحما. لكننا التقينا وأعطاني من وقته الكثير.
أجرينا الحوار في استراحة بضاحية مدينة نصر، تطل على النصب التذكاري للجندي المجهول، الهرمي الشكل. وهو من تصميم الفنان المصري، سامي رافع، الأستاذ في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة، الحاصل على الدكتوراه من كلية الفنون الجميلة في فيينا. صمّمه فور فوزه في مسابقة فنية لعمل نصب تذكاري، شارك فيها عدد كبير من الفنانين المصريين. وكان الرئيس المصري الراحل، أنور السادات، هو من أمر بتشييد النصب التذكاري، أو «قبر الجندي المجهول»، تخليدا للمصريين الذين فقدوا أرواحهم في حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر 1973، وافتتح بعد الحرب بعامين. وقد اختير الموقع مكانا لدفن الرئيس السادات عقب اغتياله في أكتوبر 1981.
بني النصب التذكاري على شكل هرم، رمزاً لفكرة الخلود في حضارة المصريين القدماء. وهو عبارة عن هرم مجوف من الداخل. ويبلغ ارتفاعه 33.64 متر، في حين يبلغ عرض حيطانه عند القاعدة 14.30 متر. وتبلغ سماكة حوائطه الأربعة 1.9 متر، وقد سُجّل عليها واحد وسبعون اسما رمزيا.
اللقاء مع المشير، ترك لديَّ انطباعا قويا حول ثلاث مزايا يتحلى بها السيسي:
أولا: تواضعه على المستوى الشخصي، الذي ينعكس في بساطة تعامله مع الآخرين، ويكسبه احتراما مضاعفا.
ثانيا: طرحه المباشر وأفكاره المحددة والواضحة. فالرجل يعرف ما عليه، وما ينبغي القيام به.
ثالثا: صراحته المتناهية في تناول العديد من الملفات الساخنة والحرجة والحساسة، وحتى الأكثر تعقيدا مما يشهده واقع مصر راهنا. حتى في تناوله وتعليقاته على نظام حكم حسني مبارك ومحمد مرسي، كان المشير هادئا، صريحا في اختيار تعابيره. وفي ما يلي نص الحوار:

* شهدت المنطقة انتفاضات شعبية خلال السنوات الثلاث الماضية. هل كان ذلك نتيجة تحولات اجتماعية أم تحول في ميزان القوى الإقليمية؟
- لا شك أن هناك تحولات اجتماعية حدثت نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية في أكثر من بلد، نتج عنها ما نتج كما نرى - بيد أنه يجب ألا نغفل وجود تحولات إقليمية - حدثت نتيجة لتلك الثورات والتغييرات. هناك فعلا من يحاول أن يغيّر ميزان القوى لصالحه والمساس بمصالح الآخرين. لقد شهدنا في مصر تحولات كبيرة، وكان هناك من يحاول الإضرار بالمصلحة القومية لمصر، لكننا استطعنا تجاوز كل ذلك بإرادة الشعب، وإن كنا بحاجة حقيقية للعمل والجهد وكثير من الأمل حتى تعود مصر إلى وضعها الطبيعي.
الجميع لديه الثقة بالمستقبل، لكننا لن نحقق ما نصبو إليه إلا من خلال العمل الجاد على كل المستويات. إن التحسن الحقيقي لن يكون إلا بوجود تعاون إقليمي جاد وواع.
أما في ما يخص موازين القوى فأرى أن المعالجة الحقيقية تكون في وجود قوة حية، قوية وحاكمة في المنطقة، وهنا في مصر أيضا ومحيطها العربي.

* تشهد ليبيا مواجهات مسلحة ما بين عناصر من القوات الليبية السابقة والميليشيات الإسلامية، ما تقييمكم لما يحدث في بلد الجوار؟
- للأسف تحولت ليبيا خلال العامين الماضيين إلى بؤرة لتجمع الميليشيات المسلحة والمتطرفة. خرج الليبيون لتغيير النظام السابق وللمشاركة في صنع المستقبل وصياغته، وإنشاء دولة المؤسسات، دولة مدنية يشترك فيها الجميع، ولكن بوجود الميليشيات تحولت الغلبة للسلاح والعنف، وأصبحت ليبيا نقطة تجمع للعناصر الإرهابية.
كان يجب على الأوروبيين بعد إسقاط النظام السابق أن يكملوا ما بدأوه، فيقومون بجمع السلاح للحفاظ على الأمن والسلم، ولا أعتقد أن أحدا كان ليعترض على ذلك.. أما في مصر فكان هناك قرار حاسم ورسالة واضحة مفادها أننا لن نسمح بانطلاق أي عمل إرهابي من داخل ليبيا ضد بلادنا.

* إذاً المهمة لم تنتهِ في ليبيا بعد؟
- بعد ما حدث في ليبيا كان ينبغي القضاء على ظاهرة السلاح المنتشر، التي لا تعكس ما يطمح إليه الشعب الليبي الذي يصبو إلى الحرية وفرض الإرادة الشعبية التي تريد بناء دولة تستوعب الجميع، وهذا بكل تأكيد لن يحدث في ظل وجود السلاح، وإنما من خلال خريطة طريق تعبر عن إرادة الليبيين لا الميليشيات، وسيجد هذا دعما من الجميع.

* هل يعني ذلك ضرورة دعم الأطراف التي تقاتل الميليشيات الإسلامية؟
- لا يعني ذلك تدخل مصر، أو حتى الدول العربية في ليبيا، إنما من الواجب دعم الاعتدال، وتقوية الليبيين في مواجهة التطرف.

* هذا يقودني إلى السؤال عن الحرب السورية.. هل ترون أن هناك تغييرا في المواقف العربية نتيجة طول الأزمة؟
- كان هناك موقف عربي مما يحدث في سوريا، لكن الواقع الميداني تطور، وأعتقد أننا نحتاج إلى مراجعة هذا الواقع الجديد، لأننا نريد حلولا سياسية مع تجنب الحل العسكري. في الوقت نفسه نحرص على سوريا دولة موحدة، لا تقسّم أو تجزأ، لأن تقسيمها سيسبب مشكلات، ويخلق واقعا جديدا معقدا. نحن أيضا أمام معادلة الحفاظ على الواقع السوري ووجوب تصفية الجماعات الإرهابية والتكفيرية التي ظهرت على ساحته.

* ولكن، ماذا بشأن بقاء الرئيس الأسد، خصوصا ونحن مقبلون على انتخابات رئاسية؟
- معالجة الأزمة السورية يجب أن تنطلق من نقاط ثلاث هي الأساس الذي يمكن البناء عليه، وهي كيفية الوصول إلى حل من دون تصعيد الموقف في سوريا أو تقسيمها ومن دون أن يكون هناك دور للجماعات التكفيرية. وحتى يتحقق هذا كله، لا بد أن يعمل الجميع على إيجاد حلول تحقق هذا الهدف.

* ولكن الجماعات المسلحة التي تتدخل في سوريا تشمل أيضا حزب الله؟
- التحالف بين سوريا وحزب الله معلوم ومعروف، وأي دعم من هذا الطرف للطرف الآخر مفهوم. وحده حل المشكلة السورية سوف ينهي العلاقة العضوية بين الطرفين، وبالتالي يمكن بعد ذلك حل بقية الملفات المرتبطة بالواقع المرير الذي يعاني منه الشعب السوري لأكثر من ثلاث سنوات.

* وماذا بشأن حركة حماس التي ترتبط بصلات عقائدية وتنظيمية مع الإخوان المسلمين؟
- ارتباطات حماس أوعقيدتها ليست مهمة بالنسبة لنا. المهم عندنا أن لا يؤثر كل ذلك في أمن مصر، وألا تستخدم العقيدة في الإضرار بأحد.
بالتأكيد، لا أحد يتصور أنه يستطيع أن يضر بأمن مصر أو العبث بمقدرات شعبها. هذا الملعب غير متاح. وللناس حرية اعتقاد ما يرونه، فنحن لا نتدخل في اختيارات أحد، ولكن لن نسمح في الوقت ذاته بالمساس بالأمن القومي لمصر.
يعرف الجميع أن المصريين لا يقبلون بكل ما يهدد أو يمس أمنهم، كما أن (حماس) موجودة منذ 2005، وخلال تلك الفترة ازدهرت تجارة الأنفاق وتهريب السلاح، وكانت لها أضرار كبيرة، ولم تتعرض لهم الدولة المصرية، لكن منذ بداية الأحداث الإرهابية في سيناء، كان هناك قرار حاسم بأن يتوقف كل ذلك. وأؤكد هنا بأننا لن نسمح بعودة الوضع كما كان، حماية للأمن القومي في مصر.

* ذكرتم أنه لن يكون هناك وجود لجماعة الإخوان المسلمين حال فوزكم بالانتخابات الرئاسية؟
- الشعب المصري لديه موقف منهم، هم وحدهم يتحملون مسؤولية هذه الحالة. الشعب المصري كان على استعداد في 3 يوليو أن يقبل بوجود الجميع، لكن تأييد الجماعة انتهى اليوم بشكل كامل.

* وماذا بشأن التنظيم الدولي؟ خصوصا أن بعض دول المنطقة أدرجت التنظيم على قوائم الإرهاب؟
- لقد بدا واضحا خلال الآونة الأخيرة التعاون الكامل بين الكتلة العربية الحية والقادرة على التأثير لاتخاذ هذا القرار المهم، الذي سيكون من بين نتائجه إنهاء وجود هذه الجماعة وطنيا ودوليا. أي بقايا تنظيم سيكون تأثيره محدودا. لكن علينا، في مصر ودول الخليج أن ننتبه لذلك.
نرى أيضا أن الواقع الجديد في المنطقة العربية يعيد تشكيل رؤية الغرب للإخوان وأمثالهم، ولدينا أمثلة لما يحدث في ليبيا وسوريا.

* شهدنا انكفاء مصر للداخل خلال الأعوام الماضية بسبب الأوضاع الداخلية. ما هو شكل السياسة الخارجية التي تسعون لتطبيقها في حال فوزكم؟
- لدينا سياسة منفتحة على الجميع، نحن نريد أن نتعاون ولا نرغب في الصدام مع أحد، شرط الاحترام المتبادل وابتعاد الآخر عن الصدام معنا. نهتم كثيرا بوحدة أمن مصر والخليج وكل الدول العربية، وهو أمر غير قابل للتجزئة. سنعمل على تعميق التعاون مع دول حوض النيل كعمق استرتيجي متبادل، ونرسخ التعاون مع كل دول العالم على أساس الندية والاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشأن الداخلي.
أؤكد أيضا على توسيع خيارات التعاون لتحقيق المصالح القومية، فالعلاقات الاستراتيجية مع أميركا لا تتعارض أبدا مع القوى الدولية الأخرى مثل روسيا والصين والاتحاد الأوروبي.
نحن ملتزمون بقضية فلسطين حتى تقام الدولة وعاصمتها القدس الشرقية، ومهتمون بالقارة الأفريقية والعلاقات مع الدول الإسلامية، وسنعمل على إدارة العلاقات الخارجية وفق رؤية ومنظور استراتيجيين يحققان المصالح المتبادلة للجميع.

* ما قراءتكم للمفاوضات النووية بين إيران ومجموعة (5+ 1) هل أنتم مؤيدون أم معارضون؟
- نحن مع أي ترتيبات أمنية لا تمس أمن الخليج، باعتباره أمنا مصريا، ولا نسمح بالمساس به.

* ماذا بشأنكم أنتم في ما يتعلق بملف التكنولوجيا النووية؟
- الاستخدام السلمي للقدرات النووية تكفله المعاهدات الدولية، فهناك دول لديها تكنولوجيا متقدمة تمكنها من تصنيع قنبلة، ولكنها لم تفعل ذلك، والسؤال هنا هو: هل يمكن أن نصل إلى مستوى امتلاك المعرفة والقدرة النووية ونستخدمهما بشكل سلمي؟

* صرحتم بأن السعودية ستكون أول دولة تقوم بزيارتها رئيسا لمصر، ما الرسالة التي ستحملونها؟
- أولا، كل التقدير والاحترام لخادم الحرمين الملك عبد الله بن عبد العزيز، فهو ملك عربي حكيم وأصيل، ولهذا ذكرت بأن أول دولة أنوي زيارتها ستكون المملكة العربية السعودية. نريد أن نذهب لنقدّر رجل العرب وحكيمهم حق قدره، فلن ننسى مواقفه معنا وبيان دعمه لشعب مصر، الذي أحدث تغييرا في المعادلة وغيّر الكثير منها.
الشكر والتحية لحكيم العرب، وأؤكد على ضرورة تكامل مواقف البلدين في أوقات الشدة، وأن نكون معا دائماً، ولا نسمح بأن تتأثرعلاقتنا مرة أخرى.
ثانيا، إن خدمة أهداف الأمن القومي المصري والسعودي هي أن نتكامل.
إن الحس القومي العربي استدعانا لأن نكون متشابكين ونشد على أيدي بعضنا بعضا. نحن نحتاج لهذا دائما.
ذكرت في وقت سابق أن مصر لن تقف متفرجة أمام أي تهديد لأي دولة خليجية، وما بيننا «مسافة السكة»، وهذا يعني أنه في حالة أي عمل يهدد أي دولة وتم استدعاء مصر.. فورا نلبي - وأكرر «مسافة السكة».

* التحقت بالعمل ملحقا عسكريا لدى السعودية، ما ذكرياتكم خلال تلك المرحلة؟
.- ذكريات كثيرة ومؤثرة، منها زيارتي للفيصلية بعد افتتاحها. كما أتذكر الكرم السعودي والأكل المتميز والشخصية السعودية، التي أكن لها كل احترام.

* تزامنت زيارتكم لدولة الإمارات مع إجراء مناورات عسكرية مشتركة.. ما دلالة ذلك؟
- أريد التأكيد على أن هناك تعاونا عسكريا دائما منذ فترة طويلة، وتدريبات سنوية متبادلة، وسوف نستمر في المزيد من التدريبات، بحيث نعرف المسارح المختلفة للعمليات.

* منذ أكثر من عام وهناك عمليات تتعلق بمكافحة الإرهاب في سيناء ومناطق أخرى، هل تكتفون بالمعالجة الأمنية؟
- الأمر واضح ويجب أن ننتبه لخطورة الخريطة التي نراها الآن.
لا ننتظر أن يصل الإرهاب إلى بلادنا، ولا بد من المواجهة. من المهم وضع استراتيجية شاملة لتحصين عقول وقلوب أهالينا، كما سنعمل على تغيير الخطاب الديني الذي يسيء للإسلام، وذلك من خلال رؤية واستراتيجية عربية مشتركة لحل هذه المسائل.

* حلول مثل ماذا؟
– نهتم بمدارس علوم الدين، ونعيد الاعتبار للمدرسة التي تستدعي وسطية الإسلام، وتحصن العقول من التطرف.

* يظهر من تصريحاتكم أنكم مطلعون على أدبيات الإسلام السياسي؟
– لا أريد أن أسمى لك كتبا بعينها، هذا الموضوع محل بحث وقراءة سنين طويلة، وأنا أسأل «ليه كده»؟ منذ اغتيال الزعيم الراحل أنور السادات وأنا اشعر أن هناك شيئا خطأ، ومن يريد أن يتأكد عليه أن يقرأ الخريطة، ولذا وجب علينا كمسلمين أن نفكر لماذا حدث كل هذا، ولم نصحح الخطأ.

* ولكن كما تعرف حدثت مراجعات في عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك – هل يعني ذلك عدم اقتناعكم بمنهج احتواء الإسلامين؟
- هناك فرق بين الذين يتخلون عن العنف ويلتزمون بالدستور والقانون، وبين الذين يتخلون فقط عن القيام بأعمال إرهابية من دون تغير في تفكيرهم، وبالتالي فالأمر يتطلب وضع استراتيجية شاملة، ومراجعة مستمرة حتى يتوقف التهديد.
نرى أن دور الأزهر مهم، وسوف يستمر قبل وبعد ما حدث وفي المستقبل، وأنه علينا أن نعمل على تحصين الشباب بالإسلام الوسطي الحقيقي، الذي يمنع انتشار التطرف، لأنه بغير ذلك سيظل التطرف والتشدد فكرا قائما، ولكن في حجمه الطبيعي.
للأسف ما يحدث يعطي انطباعا بأن هذا هو الواقع، وأن الدين هو التطرف. وفي ذلك خطأ وظلم كبيران.

* شهد الاقتصاد المصري تراجعا كبيرا، ما خطتكم في الإصلاح؟
- في البداية نحن درسنا نماذج مشابهة لمصر مثل البرازيل وغيرها من حيث الكتلة السكانية لاستخلاص بعض الدروس، ولكني في الوقت ذاته دائما أسأل الذين من حولي والعارفين بالشأن الاقتصادي: هل كانت لتلك الدول الظروف نفسها التي تشهدها مصر اليوم من ناحية الانتقال السياسي؟ لدينا تحديات كثيرة وسلبيات تحتاج إلى استراتيجية شاملة وطموحة، لتخرج مصر من دائرة الفقر ويخف العبء، وهذا يتطلب تفهما من الجميع.
لك أن تستحضر ما حدث في اليونان أخيرا، وقفت كل أوروبا معها ومرت من الأزمة، وكذلك الحال في البرتغال وإسبانيا.

* ماذا بشأن الدعم الحكومي؟
- هناك أغنياء وحتى سفارات أجنبية يحصلون على دعم، المواطن المصري المحتاج حقيقة أولى به.. أمور كثيرة يجب إعادة تنظيمها عبر ما أسميه الدعم الذكي.
يوجد هناك خطط كثيرة ومبادرات وأمثلة.. بلد مثل البرازيل هل كان لديها ثورات؟
هناك فعلا خطة، ولكن نتمنى أن يسمح المجال العام والمناخ بذلك.

* هل لديكم خطة للمائة يوم الأولى؟
- فكرة المائة يوم هي استدعاء لفكرة خارجية.
والمائة يوم الأولى تصلح كمعيار في الدول التي لديها استقرار سياسي ومؤسسات دولة قوية، ولم تشهد تهديدا كما جرى في مصر. يجب أن يشعر المصري بأن الوضع يتحسن في شهور قليلة وفي المجالات المختلفة.

* خلال ثورة 25 يناير واقتحام مبنى أمن الدولة. هل تسربت وثائق الدول المصرية وأسرارها؟
- لم يتم تسريب أسرار الدولة. نعم حدثت بعض السلبيات بسبب حالة الفوضى التي عمت آنذاك، لكن بعض المؤسسات مثل المخابرات والخارجية وغيرهما من مؤسسات الدولة لديها أسرارها، وهذه الظروف انتهت، ولن يُسمح أبدا بتهديد منشآت أمنية مرة أخرى، والاعتداء عليها مهما كان الثمن.

* في حال انتخابكم سيكون لديكم صلاحية العفو، فهل تنوي استخدامها مع الإخوان الذين صدرت بحقهم أحكام؟
- المشكلة أنهم يحتاجون إلى أن يصالحوا المصريين.. انزل إلى الشارع واسأل الناس.

* هل كنت تنوي الترشح للانتخابات الرئاسية وقت إعلان بيان 3 يوليو الذي أنهى حكم الجماعة؟
- لا، كان هناك ضغط شعبي كبير من أغلب المصريين. الإحساس بالخطر والتخوف من وقوع المواجهة دفعا الناس للمطالبة بانتهاء عهدهم، ولو كانت الأمور تسير بشكل سلس لما دفعت الناس لاستدعائي.

* ما الدول التي تنوي زيارتها بعد انتخابكم؟
- لا شك أن الأولوية ستكون للدول العربية، وسبق أن ذكرت المملكة العربية السعودية، وأنوي أيضا زيارة كل من الإمارات والكويت، ولا بد من زيارة الدول الأفريقية القريبة، لدينا أميال كثيرة لنقطعها.

* وماذا لو قدمت لك دعوة لزيارة البيت الأبيض؟
- سوف أقبل بالزيارة التي تفيد المصلحة القومية المصرية، ومصالح الشعب المصري، لا شك أن لدينا فهما مختلفا، ولدى البعض فهم مختلف، ولدينا فهم لما جرى للمرحلة الماضية، ولكن بوسعا القول إن الشهور الأولى التي تلت 30 يونيو، كان من الصعب على البعض في أميركا وأوروبا استيعاب ما جرى فيها أو تفهم الأسباب الموضوعية للتحرك الذي قام به الشعب المصري. ولكن شهدنا بعد ذلك بداية استيعاب تدريجي، ولا أقول إن ذلك الاستيعاب تحقق بالكامل، لأن خريطة الطريق لم تنتهِ بعد.

* ما تصوركم للبرلمان المقبل بعد الانتخابات؟
- آمل أن يكون البرلمان استمرارا للتجربة التي بدأت، ولديّ أمل كبير أن يخلق البرلمان المقبل، القواعد الأساسية للعمل وللتجربة التي تمكن الشعب من تحقيق تطلعاته.

* في السياسة العربية، تؤثر شخصية الرئيس أو الزعيم وعلاقته بنظرائه في سياسة الدول. هل ستطرح نموذجا مختلفا؟
- المفروض ألا تؤثر شخصية الرئيس أو الزعيم أو القائد أو أي شخصية منتخبة وخياراتها الشخصية على خيارات الدولة، فالأصل أن المصلحة القومية هي الأساس.



زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
TT

زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)

مع ساعات الفجر الأولى، يجلس برك بو سبعة (63 عاماً) إلى طاولة أحد المقاهي الشعبية في قلب مدينة المكلا القديمة، يتأمل وجوه المارّة، ويتبادل أطراف الحديث مع أصدقائه عن هموم تتشابه وتفاصيل حياة لم تعد كما كانت.

ويُعدّ بو سبعة من قدامى سكان المدينة الساحلية، وقد ارتبط رزقه ورزق أسرته ببحر العرب، الذي يعانق جبال المكلا شرق اليمن، ويمنح الصيادين ما تجود به أمواجه؛ يوماً بعد آخر.

قدم «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» أكثر من 200 قارب للصيادين في المكلا (الشرق الأوسط)

يستعيد برك، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، ملامح الحياة القديمة في المكلا، قائلاً إن «الأيام كانت أبسط وأجمل»، مضيفاً: «الناس كانوا طيبين... لا يميلون إلى المشكلات، ويحبون الضيف ويكرمونه».

وأثناء احتسائه الشاي بالحليب، يتابع بو سبعة حديثه عن العادات اليومية قائلاً: «كما ترى، يبدأ الناس صباحهم هنا بالباخمري والمطبق (من الأكلات الشعبية)، فيما تختلف الطقوس بعد الظهر، حيث يتناولون الأرز الصيادية، ويشتهر بها عمر عبود باسعد».

برك بو سبعة أحد قدامى الصيادين في مدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

ولا يزال بعض المظاهر القديمة حاضراً في ذاكرة بو سبعة، ومنها جلسات العصر التي كان الناس يلتفون فيها لسماع قصص عنترة، تُروى على شكل حلقات متتابعة تمتد أياماً عدة. ويقول: «من أشهر من كان يروي هذه القصص عبد أحمد، وكان الناس ينتظرون جلساته بشغف».

ويشير بو سبعة إلى المكان الذي كانت تُعقد فيه تلك الجلسات، خلف سدة يعقوب باوزير، وهي مقبرة كبيرة في المكلا القديمة، لافتاً إلى أن بعض الروايات تقول إن يعقوب باوزير قدم إلى المدينة من العراق.

وعن هموم الصيادين اليوم، يختصرها بو سبعة في 3 عناوين رئيسية: «غلاء المعيشة، وصعوبة توفير المحروقات، وارتفاع أسعار معدات الصيد»، مؤكداً أن هذه التحديات باتت تثقل كاهل من لا يزالون يعتمدون على البحر مصدراً وحيداً للرزق.

«كونتينر الريان»

تدخّل صياد آخر في الحديث قائلاً: «تحسّن وضع الصيادين الآن بعد مغادرة الإماراتيين». سألته كيف؟ فطلب عدم ذكر اسمه، موضحاً: «كانت هناك مناطق يُحظر علينا الصيد فيها من قبل القوة الإماراتية التي كانت موجودة».

وأضاف: «مُنعنا الصيد في منطقة شحير القريبة من مطار الريان، وكذلك في منطقة الضبة. اليوم تنفّسنا الصعداء بعد مغادرتهم».

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، طلب في 30 ديسمبر (كانون أول) الماضي، مغادرة ⁠كل ​القوات ‌الإماراتية ومنسوبيها جميع الأراضي اليمنية في غضون 24 ⁠ساعة.

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)

غير أن الرجل، الذي يبدو في عقده الرابع، تحدث بمرارة عمّا يُعرف بـ«كونتينر الصيادين». اعتدل في جلسته، ثم واصل حديثه قائلاً: «كان هناك كونتينر خصصه الإماراتيون في مطار الريان لاحتجاز الصيادين المخالفين تعليماتهم».

وتابع: «كما كانت تُحتجز الهواري (القوارب) لفترات قد تصل أحياناً إلى شهر، وهو أمر كارثي بالنسبة إلى صياد يعتمد في قوت عائلته على صيده اليومي».

وأشار الصياد إلى ملاحظة أخرى وصفها باللافتة، قائلاً: «بعض الصيادين كانت تُصرف لهم رواتب شهرية من قبل الإمارات مقابل الامتناع عن الصيد، وعند تسلمهم تلك الرواتب فوجئوا بأن أسماءهم مُسجّلة في الكشوفات المالية بوصفهم (جنوداً) لدى القوة الإماراتية».

ووفق تقديرات محلية، يبلغ عدد الصيادين في مدينة المكلا نحو 3 آلاف صياد، يتوزعون على عدد من مناطق المدينة. ووفقاً لأحدهم، فقد قدّم «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، قبل نحو عامين، أكثر من 200 قارب دعماً للصيادين في المكلا، في إطار الدعم التنموي المستمر الذي تقدمه المملكة للشعب اليمني في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.


سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
TT

سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)

أثار إعلان السلطة المحلية وقوات «تحالف دعم الشرعية» في اليمن عن المصادقة على خطة إخراج المعسكرات من مدينة عدن، التي تُتخذ عاصمة مؤقتة للبلاد، حالة من الارتياح لدى سكان المدينة التي عانت من الصراعات في السابق، وطالبوا بتحويل المعسكرات إلى حدائق ومدارس، عادّين ذلك خطوة مهمة لتجنيب المدينة أي صراعات مستقبلية.

وعبّر سكان في المدينة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، عن سعادتهم بهذه الخطوة، ورأوا أن تحويل المعسكرات إلى حدائق عامة ومدارس سيخدم السكان، ويسهم في تجنيب المدينة الصراعات لتكون آمنة ومستقرة، قائلين إنهم كانوا يتطلعون منذ مدة طويلة إلى مثل هذه الخطوة التي أثّرت على الدور الفاعل للمدينة ودورها الاقتصادي.

وقال صهيب، وهو معلم، إنهم يتطلعون إلى «مزيد من القرارات الجادة التي تصب في مصلحة سكان المدينة وتلبي تطلعاتهم المشروعة؛ لأن سكان عدن دفعوا عبر سنوات طويلة ثمن الصراعات التي أثّرت بشكل واضح على الطابع المدني الذي عُرفت به، وعلى الدور الاقتصادي المنشود بصفتها أكبر موانئ البلاد والعاصمة الاقتصادية لها».

تحقيق الأمن والاستقرار ركيزة أساسية لاستعادة عدن مكانتها الاقتصادية (إعلام محلي)

من جهته، يرى سامي عبد الباسط، وهو طالب جامعي، أن سكان عدن عانوا من الصراعات نتيجة انتشار المعسكرات فيها، وأنه حان الوقت لإغلاق هذه الصفحة من خلال تعزيز دور شرطة المدينة وإخراج المعسكرات منها، مبيناً أن وجود المعسكرات وسط التجمعات السكنية من شأنه أن يفتح الباب أمام أي مغامرة، كما حدث في عامي 2018 و2019.

الأمر ذاته عبّرت عنه نسرين، وهي موظفة حكومية، وأكدت أن الناس يتطلعون إلى أن تعود عدن كما عُرفت؛ مدينة مسالمة ومستقرة ومركزاً للأنشطة الثقافية والفنون، مشيرة إلى أنها بحاجة إلى تحسين الخدمات والفرص الاقتصادية، وأن إخراج المعسكرات سيشكّل خطوة مهمة في دعم وتعزيز الطابع المدني الذي عُرفت به منذ زمن طويل، قبل أن تدفع ثمن الصراعات.

آليات تنفيذية

وكانت قيادة السلطة المحلية بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن، برئاسة وزير الدولة محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، قد عقدت اجتماعاً مشتركاً مع قيادة التحالف الداعم للشرعية في اليمن، ممثلة باللواء الركن فلاح الشهراني، وبحضور قيادات أمنية وعسكرية؛ لمناقشة خطة إعادة تموضع المعسكرات خارج نطاق المدينة.

وذكر إعلام السلطة المحلية أن الاجتماع ناقش الآليات التنفيذية وخطة إخراج المعسكرات وإعادة تموضعها في المواقع المتفق عليها، على أن يعلَن عن تفاصيل ذلك لاحقاً من قبل الجهات المختصة؛ وذلك في إطار الجهود الهادفة إلى تعزيز الطابع المدني لمدينة عدن وترسيخ الأمن والاستقرار فيها.

وطبقاً لما أوردته المصادر، فإن «تنفيذ خطة إعادة التموضع سيكون على 3 مراحل، وفق خطوات وآليات واضحة جرى التوافق عليها، بما يضمن تحقيق الأهداف الأمنية والتنظيمية المنشودة».

وشدد المجتمعون على أن تحقيق الأمن والاستقرار يمثل ركيزة أساسية لاستعادة مكانة عدن ودورها الريادي، لا سيما في الجوانب الاقتصادية والاستثمارية، بما يسهم في دعم مسار التنمية وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.

استقرار الوقود

وفي لقاء آخر، ناقشت السلطة المحلية بعدن مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، ممثلة بمستشار قائد القوات المشتركة اللواء الركن فلاح الشهراني، سبل تعزيز استقرار إمدادات الغاز المنزلي والمشتقات النفطية، وتحسين خدمات الطاقة في العاصمة المؤقتة للبلاد والمحافظات المحررة.

وكرّس الاجتماع، الذي حضره وكيل محافظة عدن لشؤون التنمية، عدنان الكاف، ووكيل وزارة النفط والمعادن، طلال بن حيدرة، لمناقشة التحديات المرتبطة بغياب الخزانات الاستراتيجية للغاز وتداعيات توقف الإمدادات مؤخراً، والتوجه إلى إنشاء خزانات استراتيجية تضمن استقرار التموين وتفادي الأزمات مستقبلاً.

حضور فاعل لـ«تحالف دعم الشرعية» في تحسين الخدمات لسكان عدن (إعلام حكومي)

كما ناقش المشاركون آليات تأمين الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، وتعزيز التنسيق بين الجهات ذات العلاقة لضمان استمرارية تزويد السوق المحلية بالغاز والحد من أي اختناقات.

وثمن الحاضرون في الاجتماع الدعم الذي تقدمه السعودية في مجال المشتقات النفطية، وما أسهم به في تحسين خدمة الكهرباء واستقرار التيار خلال الأيام الماضية، ضمن الاستعدادات المبكرة لفصل الصيف.


اليمن: القادة الجنوبيون يتطلعون إلى حلول عادلة في مؤتمر الحوار المرتقب

اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
TT

اليمن: القادة الجنوبيون يتطلعون إلى حلول عادلة في مؤتمر الحوار المرتقب

اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)

في لحظة سياسية دقيقة، يعود ملف الجنوب اليمني إلى واجهة المشهد الإقليمي، وسط تحركات سعودية حازمة تهدف إلى إعادة صياغة مساره بعيداً عن الاستقطاب والصراعات المفتوحة، وبمقاربة تضع الحوار الشامل خياراً وحيداً لتفكيك التعقيدات المتراكمة وإنهاء حالة الجمود.

وفي هذا السياق، انطلقت في العاصمة السعودية الرياض، الأحد، أعمال «اللقاء التشاوري الجنوبي» بمشاركة واسعة من القيادات والشخصيات السياسية والاجتماعية، إلى جانب المشايخ والأعيان، من مختلف محافظات جنوب اليمن، في خطوة تمهيدية لعقد مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب، الذي ترعاه السعودية، ضمن جهودها الرامية إلى دعم مسار سياسي شامل يعالج القضية الجنوبية بعيداً عن الإقصاء والتهميش، وبما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة.

ويأتي هذا اللقاء في ظل تعقيدات غير مسبوقة يعيشها المشهد اليمني، وما تواجهه القضية الجنوبية من تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متراكمة، حيث يسعى المشاركون إلى بلورة رؤية جنوبية جامعة تقوم على الحوار بوصفه خياراً أساسياً لمعالجة جذور الأزمة، بعيداً عن منطق التصعيد والعنف، أو اختزال القضية في تمثيل أحادي لا يعكس تنوع الجنوب وتعدد مكوناته.

وأكد المجتمعون، في بيان ختامي تلاه عبد الرحمن المحرّمي، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، أن اللقاء يعكس «إرادة جنوبية جامعة تمثل مختلف شرائح الجنوب ومحافظاته، وتسعى إلى التوصل إلى حل عادل وآمن ومستدام للقضية الجنوبية»، مشددين على أن هذا المسار السياسي يستند إلى الحوار المسؤول بوصفه الطريق الوحيد القادر على تجنيب الجنوب مزيداً من الانقسامات والصراعات الداخلية.

لقاء تشاوري في الرياض للقيادات الجنوبية أكد على نهج الحوار للتوصل إلى حلول عادلة للقضية الجنوبية (رويترز)

وأوضح البيان أن المشاركين لمسوا، من خلال لقاءاتهم المباشرة مع القيادات والمسؤولين في السعودية، دعماً واضحاً ومتطابقاً مع مطالب الجنوبيين المشروعة، وفي مقدمتها حقهم في الوصول إلى حل سياسي شامل يضمن كرامتهم وأمنهم واستقرارهم، دون فرض شروط مسبقة أو سقوف سياسية، وبما يكفل حق أبناء الجنوب في تقرير مستقبلهم السياسي عبر آلية توافقية لا يُقصى فيها أحد.

وشدد البيان على أن خيارات أبناء الجنوب، بما فيها شكل الدولة ومستقبلها السياسي، تظل حقاً أصيلاً لهم وحدهم، وأن المملكة العربية السعودية لا تتبنى موقفاً معادياً لأي خيار، شريطة أن يكون ناتجاً عن حوار جنوبي - جنوبي شامل، لا يُفرض من قبل مكون أو شخص بعينه، ولا يُختزل في تمثيل لا يعكس الإرادة الجنوبية الجامعة.

رعاية سعودية وفرصة تاريخية

البيان أكد أن مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب، برعاية السعودية، يمثل «فرصة تاريخية نادرة» لإعادة تصويب مسار القضية الجنوبية، محذراً من محاولات العبث بهذه الفرصة عبر خلق استقطابات داخلية، أو الزج بالجنوب في صراعات جانبية تخدم أطرافاً إقليمية تسعى لإدامة الفوضى، ولا تصب في مصلحة الجنوبيين أو مستقبلهم.

وفي هذا السياق، برزت دعوات واسعة داخل اللقاء، إلى ضرورة الفصل بين عدالة القضية الجنوبية بوصفها قضية سياسية وحقوقية مشروعة، وبين الممارسات الفردية لبعض القيادات التي يرى مراقبون أنها ألحقت أضراراً جسيمة بالقضية، من خلال احتكار التمثيل، أو توظيفها في صراعات إقليمية لا تخدم تطلعات أبناء الجنوب.

السعودية تقود مساراً يقوم على الحزم والمسؤولية الإقليمية للتوصل إلى حلول آمنة لقضايا اليمن المعقدة (رويترز)

ويشير محللون إلى أن تراجع الزخم السياسي للقضية الجنوبية خلال مراحل سابقة ارتبط، إلى حد كبير، بممارسات سياسية ومالية مثيرة للجدل، وبتغليب المصالح الشخصية على المصلحة العامة، وهو ما أسهم في إضعاف حضور القضية على المستويين الإقليمي والدولي، قبل أن تعيد الرعاية السعودية الحالية تصديرها بوصفها قضية سياسية مركزية ضمن مسار الحل الشامل في اليمن.

وأشار المحرمي إلى أن القيادات والشخصيات الجنوبية المشاركة لمست منذ وصولها إلى الرياض، ترحيباً صادقاً ودعماً عملياً للقضية الجنوبية، مؤكداً أن هذا الدعم لم يقتصر على الجانب السياسي؛ بل شمل الملفات المعيشية والاقتصادية والأمنية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

وأوضح البيان أن اللقاءات التي عقدتها القيادات الجنوبية مع مسؤولي مؤسسات الدولة في المملكة، أسهمت في تقديم صورة أكثر عمقاً ووضوحاً عن أبعاد القضية الجنوبية، الأمر الذي عزز من حضورها السياسي إقليمياً، وساعد في تسريع معالجة عدد من الملفات العاجلة، وفي مقدمتها أزمة صرف المرتبات المتأخرة، التي أثقلت كاهل الموظفين المدنيين والعسكريين على حد سواء.

القيادات الجنوبية شددت على رفض الإقصاء أو الاحتكار لموضوع القضية الجنوبية (رويترز)

كما أعلنت السعودية عن دعم اقتصادي وتنموي للجنوب واليمن عموماً، بلغت قيمته نحو 1.9 مليار ريال سعودي (نصف مليار دولار) في خطوة عُدّت مؤشراً عملياً على التزامها بدعم الاستقرار المعيشي، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وتهيئة البيئة اللازمة لإنجاح أي مسار سياسي مقبل، مع تكفلها برواتب الموظفين المدنيين الحكوميين بمبلغ 9 ملايين دولار، وكذا برواتب كل العسكريين والأمنيين المرتطبين باللجنة المشتركة لقيادة تحالف دعم الشرعية.

وفي الجانب الأمني، تلقى المجتمعون تأكيدات مباشرة بشأن استمرار دعم القوات الجنوبية التي تضطلع بمهمة مكافحة الإرهاب وحماية الأمن والاستقرار، في مواجهة التهديدات التي تشكلها ميليشيات الحوثي والتنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها «القاعدة» و«داعش»، بما يعزز من قدرة الجنوب على حماية مكتسباته الوطنية.

دعوة للمشاركة والمسؤولية

دعا البيان الذي قرأه المحرّمي، جماهير الشعب الجنوبي، إلى التعبير عن تطلعاتهم المشروعة بوعي ومسؤولية، ودعم مسار الحوار الجنوبي برعاية السعودية، باعتباره الإطار الأكثر واقعية وأماناً للتوصل إلى حل سياسي شامل، يحفظ الحقوق ويصون المكتسبات، بأقل تكلفة ممكنة.

كما وجّه البيان نداءً إلى المجتمع الدولي لمساندة هذا المسار الجاد، واحترام تطلعات الجنوبيين، ودعم الجهود السعودية الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في الجنوب واليمن والمنطقة، باعتبار أن معالجة القضية الجنوبية تمثل مدخلاً أساسياً لأي تسوية شاملة ومستدامة.

حشد من المتظاهرين في عدن المطالبين بإيجاد حلول للقضية الجنوبية (رويترز)

وفيما يتعلق بالمظاهرات التي تشهدها مدينة عدن بين الحين والآخر، أكد البيان أن هذه التحركات تعبّر في جوهرها عن مطالب شعبية مشروعة مرتبطة بالقضية الجنوبية والظروف المعيشية الصعبة، ولا يمكن اختزالها في دعم شخص أو مكون بعينه.

ويرى مراقبون أن توظيف هذه الاحتجاجات سياسياً من قبل بعض القيادات، بهدف تحقيق مكاسب شخصية أو تعزيز نفوذ ضيق، أسهم في تشويه صورة الحراك الجنوبي، وأضعف مصداقية القضية أمام المجتمع الدولي، لا سيما في ظل اتهامات متداولة حول قضايا فساد وسوء إدارة ألحقت أضراراً مباشرة بحياة المواطنين.

رفض للنهج الفوضوي

في مقابل الإشادة بالدور السعودي، برزت داخل اللقاءات الجنوبية مواقف نقدية حادة تجاه دور أبوظبي في اليمن، حيث يرى مراقبون أن السياسات الإماراتية، القائمة على دعم أطراف بعينها، أسهمت في تعميق الانقسامات الجنوبية، وإطالة أمد الفوضى، وعرقلة الوصول إلى حل سياسي شامل.

من المرتقب أن يتوصل حوار القادة الجنوبيين في الرياض إلى فتح صفحة جديدة في تاريخ اليمن (رويترز)

ويربط محللون هذا الدور بما تصفه تقارير دولية بنمط تدخل إماراتي مشابه في دول أخرى مثل السودان وليبيا والصومال، حيث أدت سياسات دعم الفصائل المحلية إلى تعقيد الأزمات بدلاً من حلها، في حين تميزت المقاربة السعودية، وفقاً لهذه الرؤية، بالتركيز على دعم الدولة، والحوار، والاستقرار، والتنمية.

ويرى محللون أن استمرار أي تدخلات خارجية تحرّض على شق الصف الجنوبي، أو توظف القضية الجنوبية لخدمة أجندات إقليمية، قد يدفع الرياض إلى اتخاذ مواقف أكثر صرامة لحماية مسار الحوار، وضمان عدم تقويض جهود مكافحة الإرهاب، وتحقيق الأمن والاستقرار في اليمن.