السيسي ونتنياهو بحثا الضمانات الأمنية في غزة وإحياء مفاوضات السلام

قمة إسرائيلية ـ أميركية ناقشت إمكانية تعديل الاتفاق النووي مع إيران أو إلغائه

جانب من الإجراءات الأمنية بالقرب من «برج ترمب» في نيويورك أمس (أ.ف.ب)
جانب من الإجراءات الأمنية بالقرب من «برج ترمب» في نيويورك أمس (أ.ف.ب)
TT

السيسي ونتنياهو بحثا الضمانات الأمنية في غزة وإحياء مفاوضات السلام

جانب من الإجراءات الأمنية بالقرب من «برج ترمب» في نيويورك أمس (أ.ف.ب)
جانب من الإجراءات الأمنية بالقرب من «برج ترمب» في نيويورك أمس (أ.ف.ب)

التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في نيويورك أمس، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة، في محادثات تناولت إحياء عملية السلام في الشرق الأوسط.
وقالت مصادر سياسية وبرلمانية مصرية لـ«الشرق الأوسط»: إن الضمانات الأمنية المصرية بشأن قطاع غزة، كانت محوراً رئيسياً في اللقاء النادر بين الطرفين، في ظل التفاهمات الأخيرة بين القاهرة وحركة حماس الفلسطينية. ويعد هذا أول اجتماع «معلن» بين زعيمي البلدين منذ انتخاب السيسي رئيسا في مصر عام 2014.
وقال بيان للرئاسة المصرية أمس: إن الرئيس السيسي استقبل بمقر إقامته بنيويورك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بحضور سامح شكري وزير الخارجية، وخالد فوزي رئيس المخابرات العامة، واللواء عباس كامل مدير مكتب رئيس الجمهورية.
وأوضح السفير علاء يوسف، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة، أن اللقاء شهد بحث سبل إحياء عملية السلام، حيث أكد الرئيس السيسي الأهمية التي توليها مصر لمساعي استئناف المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، بهدف التوصل إلى حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية وفقاً لحل الدولتين والمرجعيات الدولية ذات الصلة. وأضاف يوسف، أن الرئيس السيسي ثمّن جهود إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في هذا الشأن، مشيراً إلى ما ستسهم به التسوية النهائية والعادلة للقضية الفلسطينية في توفير واقع جديد بالشرق الأوسط تنعم فيه جميع شعوب المنطقة بالاستقرار والأمن والتنمية.
وتابع المتحدث الرسمي: إن رئيس الوزراء الإسرائيلي أعرب من جانبه عن تقديره لدور مصر المهم في الشرق الأوسط، وجهودها في مكافحة الإرهاب، وإرساء دعائم الاستقرار والسلام في المنطقة. وذكر السفير يوسف، أنه تم خلال اللقاء بحث سبل استئناف عملية السلام وإنشاء دولة فلسطينية، مع توفير الضمانات اللازمة بما يسهم في إنجاح عملية التسوية بين الجانبين.
وبين مصر وإسرائيل تنسيق أمني بسبب الانتشار المكثف للجماعات المسلحة في محافظة شمال سيناء المصرية المتاخمة لإسرائيل وقطاع غزة. وقال السفير ناجي الغطريفي، مساعد وزير الخارجية المصري السابق: إن «فرص وجود خرق في إحياء عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين ما زالت محدودة، ومرتبطة بشكل رئيسي بإنهاء الانقسام الفلسطيني الداخلي، وهو لا يزال في بدايته رغم الجهود المصرية الكبيرة المبذولة في هذا الشأن».
وتابع الغطريفي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «التطوّر النوعي الآخر هو أن تلتزم حماس بانفصالها عن الجماعات المتطرفة الأخرى، وعلى رأسها جماعات الإخوان المسلمين».
وكانت حركة حماس قد أعلنت يوم الأحد الماضي بعد وساطة مصرية حلّ اللجنة الإدارية في غزة، استجابة لطلب السلطة الفلسطينية، كما وافقت على إجراء انتخابات عامة لإنهاء خلاف مستمر منذ فترة طويلة مع حركة فتح التي يتزعمها الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
ويعوّل الفلسطينيون على تلك الانفراجة في العلاقات بين السلطة الوطنية الفلسطينية وحركة حماس، التي تدير قطاع غزة، في أن تسهم في تعزيز الموقف الفلسطيني في محادثات السلام مع إسرائيل.
من جانبه، يقول الدكتور سمير غطاس، عضو مجلس النواب المصري المعني بالملف الفلسطيني: إن المحور الرئيسي في لقاء السيسي ونتنياهو يتعلق بالمساعي الإسرائيلية في الحصول على ضمانات أمنية مصرية بشأن قطاع غزة، بعد الاتفاق الأخير مع حماس، فهذا هو الهم الأول لإسرائيل. وأضاف، إن «حماس ما زالت من وجهة نظر إسرائيل حركة إرهابية، وهي تريد أن تحمّل مصر مسؤولية ضمان الأمن في قطاع غزة»، مستبعدا أي تقدم ملموس على صعيد إحياء المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية في الوقت الراهن. وقال غطاس: «بالنسبة لعملية السلام، فالشروط بدت واضحة ومعروفة لكل الأطراف، إسرائيل تريد تعديل بندين رئيسيين في المبادرة العربية للسلام، الأول متعلق بإسقاط حق العودة، واستبعاد المطالبة بعودة الجولان السورية، باعتبار أنه لا يوجد طرف سوري واضح يمكنه استعادتها في الوقت الراهن». وتابع غطاس: إن «نتنياهو يطالب بالتطبيع العربي مع إسرائيل قبيل البدء في إجراءات التسوية، وهو عكس ما تنص عليه المعاهدة تماما. وفي كل الأحوال، هو ينتظر الموقف الأميركي الذي لم يكن حاسما حتى الآن».
وتجمدت جهود السلام بين إسرائيل والفلسطينيين عقب انهيار المحادثات التي دعمتها الولايات المتحدة في ربيع 2014. وعبر الرئيس الأميركي الذي زار إسرائيل والضفة الغربية المحتلة في مايو (أيار)، عن إمكانية توسطه للتوصل إلى اتفاق سلام نهائي. كما التقى ترمب نتنياهو في نيويورك الاثنين قبل اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعبّر مرة أخرى عن أمله في التوصل إلى تسوية سلمية.
في هذا الصدد، أبدى الرئيس الأميركي دونالد ترمب تفاؤلا كبيرا في الفرص المتاحة لتحقيق السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل خلال لقائه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وأكد ترمب متانة العلاقات الأميركية – الإسرائيلية، والتزام الولايات المتحدة الثابت بأمن إسرائيل وإمكانية التوصل إلى سلام إسرائيلي - فلسطيني دائم، وتوسيع الفرص الاقتصادية لتحسين ظروف السلام.
في المقابل، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أقل تفاؤلا حول ما إذا كان الوقت مناسبا لدفع جهود السلام، وعبّر عن شكوك في «قدرة» الفلسطينيين على تقديم «التنازلات المطلوبة» لتحقيق تسوية دائمة. وركز نتنياهو في محادثاته بشكل كبير على الملف النووي الإيراني، وأبدى رغبته في اتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه إيران وكبح طموحها لإنتاج أسلحة نووية، مشددا على ضرورة التخلي عن الصفقة الحالية مع إيران.
بدوره، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي أمس في نيويورك، أن لدى الرئيس الأميركي «رغبة قوية جدا» بدفع العملية والمصالحة العامة مع العالم العربي. جاءت تصريحات نتنياهو خلال حديث أجراه مع الصحافيين الإسرائيليين، عقب اجتماعه مع ترمب على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وقال نتنياهو: إن مستشاري ترمب يواصلون محاولة تحقيق تقدم في مسألة استئناف المحادثات السلمية، لكنه أوضح عدم إحراز تقدم حتى الآن. وقال: «الرئيس لم يخض في التفاصيل، إنه يأمل حدوث تقدم مع الفلسطينيين، وهو يحمّل هذه المهمة لطاقمه في الأساس. أنا شريك في الرغبة في تحقيق السلام مع الفلسطينيين، وأنا أتمسّك بالمصالح الحيوية، وفي مقدمتها الأمن».
ورفض نتنياهو الرد التفصيلي على سؤال حول ما إذا كان لا يزال ملتزما بالخط الذي حدده خلال خطاب «بار إيلان» في يونيو (حزيران) 2009، بشأن دعم «إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح وتعترف بالدولة اليهودية». وقال إنه أوضح على مر السنين بأن إسرائيل ستحافظ دائما على السيطرة الأمنية في الضفة الغربية في إطار اتفاق السلام. وأضاف: «لن يتحقق السلام إذا لم نتمكن من ترسيخ الأمن. لا أريد الدخول في تعريفات الحل. لم أغير موقفي بشأن خطاب بار إيلان. موقفي كان واضحا».
إلى ذلك، بحث الجانبان الأميركي والإسرائيلي الاتفاق النووي مع إيران. وقال نتنياهو: إن الإدارة الأميركية مهتمة بتعديل الاتفاق النووي مع إيران، وإنها وعدت بالتعامل الإيجابي مع المقترحات الإسرائيلية لإجراء هذا التعديل. إلا أنه اعترف في الوقت نفسه بأن الترجمة الفعلية لهذا الاستعداد تحتاج إلى وقت. وأضاف، أنه اقترح على الرئيس طريقة ممكنة لتعديل الاتفاق، فأجابه ترمب بأن واشنطن ستنسحب من الاتفاق إذا قامت الأمم المتحدة بتطبيقه بشكل ضعيف. وتابع نتنياهو إن «هناك تغييرا في موقف واشنطن تجاه إيران. وهناك اتفاق مع الأميركيين على أن هذا الاتفاق سيئ، وقيل لي بصراحة إن هناك مصلحة أميركية واضحة بشأن الرغبة في تصحيح العيوب في الاتفاق». وأضاف نتنياهو، إن «البند الرئيسي في جدول الأعمال المتعلق بتعديل الاتفاق هو (بند الانتهاء) Sunset clause الذي يحدد متى تنتهي القيود المفروضة على البرنامج النووي الإيراني». واستطرد: «لقد قلت في الماضي إن المشكلة الكبرى التي أراها هي ليست إذا كانت إيران ستنتهك الاتفاق، وإنما هل ستنفذه». وأضاف: «عندها ستكون أمامهم فترة قصيرة لتخصيب اليورانيوم بحجم صناعي لبناء ترسانة من القنابل الذرية. وهذه هي المشكلة الكبيرة في الاتفاق».
وسئل نتنياهو حول حقيقة كون غالبية القيادة الرفيعة في واشنطن، ومن بينها وزير الدفاع جون ماتيس ووزير الخارجية ريكس تيلرسون ومستشار الأمن القومي هربرت مكماستر، تعارض الانسحاب الأميركي من الاتفاق وإلغاءه. وقال: «حسب رأيي، يوجد في الإدارة الأميركية من يؤيدون إلغاء الاتفاق ومن يعارضون ذلك. أنا أعربت عن موقفي بشكل واضح جدا، وهو أنه يجب تعديل أو إلغاء الاتفاق؛ لأنه إذا لم يتم تعديله فإنه سيقود إلى تسلح إيران النووي. أنا أفضّل بألا يشمل الاتفاق الأمور التي تهددنا. نقطة انطلاق الرئيس (الأميركي) بشأن إيران مشابهة لنقطتنا. هذا لم يكن قائما في الإدارة السابقة. الرئيس الحالي يرى مثلنا في إيران أساس مشكلات الشرق الأوسط».
إلى ذلك، قال نتنياهو إنه طرح أمام ترمب قلقه بشأن الوضع في سوريا بعد انتهاء الحرب الأهلية. وأوضح، أن الاعتراض الإسرائيلي للوجود الإيراني في سوريا يشمل كامل أراضي الدولة السورية، ولا يتوقف عند منطقة معينة. وقال: «إنهم يعتزمون إحضار قوات ومعدات إلى سوريا كلها، وأنا أحذرهم من أننا لن نجلس مكتوفي الأيدي. صحيح أنه يوجد قادة إيرانيون وجنود إيرانيون لم نتحرك ضدهم، لكننا تحركنا عندما اعتقدنا أن هناك تهديدا لحدودنا المباشرة، وهذا كان ساريا إلى ما قبل شهرين أو ثلاث. الآن حدث تغيير نتيجة لهزم (داعش)، هناك ترسيخ إيراني منهجي في سوريا، اقتصاديا وعسكريا، مع نية معلنة بأن تكون مستعدة لتدمير إسرائيل وغزو الشرق الأوسط. يوجد هنا شيء صغير يجب مقاومته في مهده».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.