«سيرينيتد»... الحرب السورية في كبسولة رعب

مشاهدة الفيلم مواجهة للخوف الحقيقي لا المتخيل

مشهد من الفيلم
مشهد من الفيلم
TT

«سيرينيتد»... الحرب السورية في كبسولة رعب

مشهد من الفيلم
مشهد من الفيلم

الجمهور الذي حضر عرض الفيلم في مهرجان برلين مطلع هذا العام خرج صامتاً مذهولاً، أعجزته المأساة، كما بدا، عن قول شيء. المشاهدة لمثل هذا الفيلم مواجهة للرعب الحقيقي، لا المتخيل، لما يصنعه الواقع الإنساني، ويتفوق فيه على مخيلة الإنسان، حتى حين تجند لتصوير الحكاية في فيلم هوليوودي أحدث أدوات الخداع وأكثرها تطوراً. غير أن ذلك الرعب لم يحل دون أن يمنح مشاهدو الفيلم في برلين جائزتهم له؛ كان ثمة ما يستحق الإعجاب.
العنوان نفسه قصد منه إحداث أثر مبدئي بغرابته؛ «انسيرييتد» يحمل كلمة سوريا (سيريا بالإنجليزية، وتشتق منه الصفة «سيريان»). الصياغة الأجنبية حولت اسم البلد إلى فعل يشبه أفعالاً تحمل إيحاء العزل (كما في الكلمة الإنجليزية: إنسيوليتد)، والإدخال أو الإيحاء السري المشبوه (إنسنيويتد)، وكما في مفردات أخرى قريبة من هذه، ليؤدي ذلك كله إلى جعل الوجود في سوريا وجوداً قسرياً مرعباً، بما تحمله المفردات الأجنبية من دلالات وإيحاءات تغيب عن الاسم العربي بحد ذاته؛ إنه جدل لغوي مثمر، وإن كانت ثمرته الخوف.
الفيلم كتبه وأخرجه البلجيكي فيليب فان ليو، وهو مصور سينمائي تحول للإخراج، وسبق له أن عمل على فيلم حول مجزرة رواندا، تروى من زاوية لا تختلف كثيراً عن تلك الموظفة في هذا الفيلم. نحن في «سيرينيتد» في شقة محاصرة بدمشق أثناء الحرب الأهلية، تقيم فيها أسرة من الطبقة الوسطى: سيدة مع بنتيها وابنها الأصغر ووالد زوجها وخادمتهم، ومع هؤلاء تعيش مؤقتاً شابة متزوجة حديثاً مع زوجها وطفلها الرضيع، إلى جانب شاب من أسرة أخرى عالق معهم في الشقة المحاصرة. يبدأ الفيلم بخروج زوج الشابة ليرتب لخروجه مع أسرته الصغيرة إلى بيروت هرباً من الحرب، وعند خروجه يصاب بطلقة قناص تلقيه أرضاً. ترى الخادمة الحدث، وتخبر ربة البيت، أم يزن (تمثلها الفلسطينية هيام عباس في الدور الرئيسي)، وتتفقان على عدم إخبار الزوجة حليمة (تمثلها اللبنانية دياماند أبو عبود، في دور مساعد)، لكن خبر إصابة الزوج ما يلبث أن يصل إلى الزوجة. يحدث ذلك في إطار من الرعب الخارجي، المتمثل في أصوات القصف المتوالي والتهديد المستمر لكل من يخرج، إلى جانب مجيء رجال النظام السوري ليعرفوا ما إذا كان في الشقة أحد من المطلوبين أمنياً.
الطرقات التي تأتي إلى الباب المحكم الإغلاق، والمقاومة الشرسة التي تبديها أم يزن في دفاعها المستميت عن المقيمين معها، تؤدي أخيراً إلى دخول اثنين من رجال النظام عن طريق شرفة، ليجدوا أمامهم الزوجة الشابة التي رفضت البقاء في المطبخ الموصد على الجميع لأنها لن تترك ابنها الرضيع وحده في غرفة أخرى. في تلك اللحظة، يجدها الرجلان، لتبدأ لحظة رعب حقيقية تمثل ذروة الفيلم؛ تلك الذروة هي ما يبرز في مشهد اغتصاب تؤديه دياماند بتميز، ابتداء من استجوابها حتى موافقتها على إشباع رغبة وحوش النظام، حماية لبقية الأسرة القابعين وراء باب المطبخ.
أحداث الفيلم ومكانه وزمانه تحقق الوحدات الأرسطية الشهيرة للمسرح (المكان، والزمان، والحدث)، الأمر الذي حدا بكاتب مراجعة للفيلم، نشرتها صحيفة «الغارديان»، إلى القول بأن الفيلم أقرب إلى مسرحية. والحق أن المسافة بين اللونين من الفن تتضاءل، فالشقة السورية، الشقة المسرينة، تصبح خشبة مسرح لأحداث لا تتجاوز اليوم الواحد؛ أحداث متلاحقة على نحو يقبض الأنفاس. وبطبيعة الحال، فإن ما ينتج عن ذلك هو توتر عالٍ يضغط على المشاهد، لكن ليس على الطريقة الهوليوودية في أفلام الأكشن، حيث تشتد الرغبة في معرفة ما سيحدث، أو يزداد القلق على مصير الأبطال، وإنما ذلك كله مضافاً إلى عنصر الواقع التسجيلي الأقرب إلى الوثائقية. في لاواعي المشاهد، يكمن وعي بأن ما يحدث على الشاشة يقترب، بل ويقل كثيراً عما حدث ويحدث لأسر سورية كثيرة، بل لأسر وأفراد في مناطق حرب أخرى (في حلب والموصل مثلاً). البعدان التاريخي والسياسي، ومتابعة الأخبار، تجعل ما ينبلج على الشاشة من ألم متوقعاً من ناحية، وشديد الإيلام من ناحية أخرى. الغربيون أقرب إلى أن يفاجأوا بما يرسمه الفيلم من صور يعرفها السوريون عن قرب شديد، كما سبق أن عرفها اللبنانيون وشعوب أخرى كثيرة.
في سياق المعاناة هذا، ينطرح السؤال عن السبب الذي جعل الفيلم يختار عائلة من الطبقة الوسطى، الطبقة التي يقيم المنتمون إليها في شقة جيدة التأثيث، ولديهم خادمة وبعض وجوه الترف النسبي الأخرى. لماذا لم يختر الفيلم أسرة فقيرة؟ هل السبب يعود إلى اعتقاد الكاتب / المخرج أن الأسرة المتوسطة أعلى تمثيلاً للأسر السورية؟ ربما، لكن لا شك أن كون الأسرة متوسطة الحال يخفف من البعد الميلودرامي للفيلم، من حيث إنه لا يبالغ في استدرار تعاطف المشاهد، وإنما يبقيه في منطقة مريحة إلى حد ما. فالطعام متوفر هنا، ويقدم على مائدة جيدة، ولتناول الطعام آدابه الراقية، كما للسلوك بشكل عام. يضاف إلى ذلك البعد الذي حرص المخرج / الكاتب على إدخاله، المتمثل في مشاهد العشق التي لا تخلو من شبقية (علاقة الشاب القادم من أسرة أخرى بإحدى الفتيات، وكذلك إعجاب الزوجة الشابة بذلك الشاب نفسه). يبدو لي أن هذه نقطة ضعف في الفيلم، من حيث هي تستدر اهتمام المشاهد وتريحه بقدر ما هي متأثرة بالليبرالية الاجتماعية السائدة في الغرب، الزاحفة إلى الشعوب الأخرى.
تبقى مسألة أخرى، هي اختيار المخرج لممثلين غير سوريين لأداء الأدوار الرئيسية؛ فلسطين ولبنان في المقام الأول. هل المقصود هو إبراز أن مصيدة الحرب تشمل الجميع، وأن في سوريا فلسطينيين عالقين في الحرب مثل السوريين أنفسهم؟ هل المرأة اللبنانية ترمز إلى معاناة اللبنانيين جراء الحرب السورية، وجراء حربهم الأهلية السابقة؟ ربما هذا كله، لكن غياب الممثل السوري عن الدور الرئيسي يصعب تبريره من دون اللجوء إلى حجة أنه من الصعب العثور على أولئك الممثلين، وهو ما يصعب تصوره لكثرة الممثلين في سوريا، وازدهار المواهب السورية في التمثيل.
لكن الفيلم يظل على الرغم من ذلك إنجازاً من شأنه إبراز المأساة السورية، وتعريف العالم بها، إلى جانب الأبعاد الفنية التي تجعل مشاهدة الفيلم تجربة في معاناة الآخرين من زاوية واقعية، بل شديدة الواقعية. إنه فيلم يستحق المشاهدة.


مقالات ذات صلة

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

يوميات الشرق المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

قالت المخرجة النرويجية أنيت أوسترو إن فيلمها «البجعة الذهبية» جاء بعد رحلة طويلة من التفكير في الطريقة التي يمكن من خلالها سرد هذه القصة المعقدة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

قال المخرج السويسري، مارسيل فايس، إن فيلمه الوثائقي «أفتح عقلي» كان محاولة لرصد تجارب العلاج النفسي من الخارج.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المعهد العالي للسينما في مصر (فيسبوك)

أزمة في «أكاديمية الفنون» المصرية فجّرها قسم التصوير بمعهد السينما

أصدرت أكاديمية الفنون المصرية، التابعة لوزارة الثقافة، بياناً حول الأزمة التي أثيرت بخصوص إلحاق طالب بالدراسات العليا في قسم التصوير بمعهد السينما.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
سينما «ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)

أفلام ستانلي كوبريك العسكرية تقاوم منطق الحرب

أنجز المخرج الأميركي ستانلي كوبريك (1928 - 1999) 13 فيلماً طويلاً، من بينها 5 أفلام تدور حول حروب مختلفة. بدأ مصوراً صحافياً لمجلة «لايف»، ثم أخرج فيلمين قصيرين

محمد رُضا (لندن)
سينما «الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)

شاشة الناقد- من الانقلاب إلى الطوفان: 3 أفلام بين السياسة والكارثة

ما زالت بعض أهم الأفلام السياسية تأتي من دول أميركا اللاتينية التي عايشت أوضاعاً وتقلبات عنيفة مع انتقال سلطة قائمة إلى أخرى، غالباً بالعنف وحملات الاعتقال.

محمد رُضا (لندن)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.