تحدق شيماء الطياشي، وهي تونسية عاطلة عن العمل إلى جانبها زوجها، صوب جدران مصنع الأحذية الذي ألفته وعملت فيه طوال 15 عاما، تعرفت خلالها على شريك حياتها ونسجا معا أحلام قصة جميلة.
ظهر الكابوس فجأة، ولم تستطع حبس دموعها حين تذكرت إغلاق المصنع الذي تركها تصارع مع زوجها وأبنائها الثلاثة مصيرا غامضا.
تقول شيماء إنها تواجه ظروفا اجتماعية صعبة بمنحة شهرية قيمتها مائة دولار توفرها الدولة لا تكفي حتى لشراء الطعام، وتصف الحياة بأنها «أصبحت لا تطاق».
وأغلق مصنع «جال قروب» الإيطالي للأحذية الواقية الواقع في مدينة منزل بنزرت التونسية بسبب أزمة مالية، ليضيف أكثر من 4500 عامل إلى قائمة العاطلين عن العمل، في بلد يبلغ معدل البطالة فيه 15.9 في المائة.
ولا تعدو شيماء سوى نموذج لكثير من الشبان والفتيات، ممن يعانون شظف العيش في ظل تلك الظروف الصعبة.
يقول محمد عبد المؤمن الذي كان يعمل في نفس المصنع، إن ابنته ستضطر للانقطاع عن الدراسة، وإنه أصبح عاجزا حتى عن توفير الأكل لأبنائه الأربعة بعد إغلاق المصنع، مضيفا أنه أصبح يعيش على إعانات بعض الأصدقاء.
وتظهر هذه الحالات استمرار نفس الأسباب التي فجرت احتجاجات شعبية أنهت حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي من مشكلات اقتصادية واجتماعية ومعدل تضخم مرتفع.
يتزامن ذلك مع معاناة التونسيين من ارتفاع الأسعار والتضخم الذي وصل إلى 6.5 في المائة لأول مرة هذا العام، قبل أن يتراجع إلى 5.8 في المائة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
ويشكو رجال أعمال من تدهور الأوضاع الأمنية التي لم تعد تشجع الاستثمار الأجنبي.
وقال محمد فريخة وهو صاحب مشروع «سيفاكس» للطيران، إن «الاحتجاجات والإضرابات تؤرق المستثمرين، وإن المطالب يجب أن تتوقف كي تتمكن تونس من استقطاب الاستثمارات».
وبلغت الزيادات في الأجور هذا العام مليار دينار تونسي مما سيفاقم عجز ميزانية يصل إلى 6.8 في المائة، وستكون نسبة النمو في حدود ثلاثة في المائة بسبب تباطؤ الاقتصاد جراء الأزمة السياسية في البلاد واستمرار الأزمة الاقتصادية في أوروبا أول شريك تجاري لتونس.
ويرى الخبير الاقتصادي عز الدين سعيدان أن تونس تمر بأزمة اقتصادية، لكن الوضع ليس كارثيا، وأن هناك إمكانية للخروج من هذا المأزق مع انتهاء الأزمة السياسية وتشكيل حكومة جديدة تبعث برسائل طمأنة بأن التوافق حصل وتعطي مزيدا من الثقة للاقتصاد.
لكن وداد بوشماوي وهي رئيسة الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية انتقدت فشل النخبة في التوصل لاتفاق وحذرت من أن الاهتمام بالشأن السياسي تجاوز الاهتمام بالشأن الاقتصادي الذي وصفته بأنه «أصبح منسيا».
ولفتت بوشماوي إلى غياب الاستثمارات وتزايد عمليات التهريب التي تخرب الاقتصاد وتسهل دخول السلاح والمخدرات للبلاد.
وقالت إن «النخبة السياسية خيبت الآمال ولم تستغل الفرصة.. الآن كل الأضواء حمراء أمامنا».
ولم تتوقف تونس المثقلة بهموم اقتصادية منذ احتجاجات اجتماعية بدأها الشاب العاطل عن العمل محمد البوعزيزي في أواخر عام 2010 بإحراق نفسه لتنتقل بعدها موجة الاحتجاجات إلى أنحاء أخرى من دول المنطقة.
وبعد نحو ثلاث سنوات، لا يزال كثير من التونسيين الذين يصل تعدادهم إلى 11 مليون نسمة يشعرون بالضيق ويرون أن الأوضاع الاجتماعية لم تزد إلا سوءا، بفعل استمرار الخصومات السياسية بين الحكام الإسلاميين والمعارضة الليبرالية.
لكن الفرقاء السياسيين في تونس بدأوا الشهر الماضي مفاوضات لإنهاء أسوأ أزمة سياسية والتوافق حول حكومة جديدة خلال ثلاثة أسابيع لقيادة البلاد إلى انتخابات.
وجاءت الأزمة السياسية التي فجرها اغتيال اثنين من المعارضين العلمانيين هذا العام لتزيد من تعقد الوضع في تونس رغم بدء محادثات بين المعارضة والحكومة لإنهاء أشهر من الجمود السياسي.
وبعد أكثر من أسبوع من بداية الحوار بين الفرقاء السياسيين، علقت المحادثات بسبب الفشل في الاتفاق على مرشح لمنصب رئيس الوزراء. ومن المتوقع أن تستأنف المحادثات يوم الاثنين المقبل.
لكن كثيرين لا يكترثون فعلا لهذه المحادثات ويرون أنها تتعلق باقتناص المناصب ولا تعنيهم في شيء.
يقول عبد المؤمن: «هذا ليس حوارا من أجل الوطن.. إنه حوار من أجل الكراسي والغايات الشخصية فقط». يضيف: «منذ الثورة ونحن نسمع وعودا وكلاما جميلا، ولكننا لا نرى سوى الكوابيس، آخر همهم هو مصلحتنا، اليوم فقدنا عملنا ولا أحد يهتم بنا».
وأجبرت الاحتجاجات والاعتصامات والمطالب برفع الأجور في تونس أكثر من 150 مستثمرا أجنبيا على إغلاق مؤسساتهم، مما زاد من عمق الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعانيها البلاد وسط تراجع الصادرات المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي وهبوط الدينار التونسي إلى أقل مستوياته وتراجع احتياطي البلاد من العملة الأجنبية.
كما زاد استفحال الأزمة السياسية من مصاعب تونس في الاقتراض الخارجي، لا سيما بعد خفض تصنيفها السيادي للبلاد.
وأذكى تفجير انتحاري الشهر الماضي أمام فندق في منتجع سوسة السياحي (لم يقتل فيه سوى منفذه المخاوف من سقوط البلاد في براثن الفوضى وتهديدات الجماعات الدينية المتشددة).
وتعد هذه أول مرة يستهدف فيها متشددون قطاع السياحة وهو المصدر الأول للعملة الصعبة في تونس والذي يوفر نحو نصف مليون فرصة عمل.
ومباشرة بعد التفجير، خفضت وكالة «فيتش» التصنيف الائتماني لتونس إلى (BB -) بعدما كان (BB +) مع نظرة مستقبلية سلبية.
وعزت الوكالة ذلك إلى تعثر عملية التحول السياسي في البلاد منذ انتفاضة الربيع العربي، وقالت فيتش في بيان: «لقد زاد الغموض بشأن نجاح عملية التحول في نهاية الأمر. واكتسبت الهجمات والاغتيالات التي تقوم بها جماعات إرهابية زخما في الأشهر الأخيرة وهو ما تسبب في تدهور أوضاع الأمن والاستقرار».
وتحت ضغط المقرضين الدوليين أعلنت الحكومة أنها ستبدأ سياسة تقشف تشمل تقليص الدعم وتجميد زيادة الرواتب وهو ما قد يزيد الاحتقان ويقود البلاد إلى مزيد من الاحتجاجات الاجتماعية.
استمرار الأزمة السياسية في تونس يفاقم المشكلات الاقتصادية ويغذي الإحباط
رئيسة اتحاد الصناعة: الوضع الاقتصادي أصبح منسيا
أبرز مسببات ثورة التونسيين تمثل في الوضع الاقتصادي الذي يختفي وسط الأزمة السياسية والاعتداءات الإرهابية التي شهدتها البلاد (رويترز)
استمرار الأزمة السياسية في تونس يفاقم المشكلات الاقتصادية ويغذي الإحباط
أبرز مسببات ثورة التونسيين تمثل في الوضع الاقتصادي الذي يختفي وسط الأزمة السياسية والاعتداءات الإرهابية التي شهدتها البلاد (رويترز)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة





