فرنسا: توجيه تهمة الإرهاب لموقوفين حاولا الالتحاق بـ«داعش» وخططا لتفجيرات

يتظاهرون ضد قانون الطوارئ في باريس أول من أمس (أ.ف.ب)
يتظاهرون ضد قانون الطوارئ في باريس أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

فرنسا: توجيه تهمة الإرهاب لموقوفين حاولا الالتحاق بـ«داعش» وخططا لتفجيرات

يتظاهرون ضد قانون الطوارئ في باريس أول من أمس (أ.ف.ب)
يتظاهرون ضد قانون الطوارئ في باريس أول من أمس (أ.ف.ب)

في حمأة التحضير لمسيرات وإضرابات اليوم الثلاثاء احتجاجاً على تعديلات الحكومة لقانون العمل، وبسبب الأعاصير المدمرة التي ضربت ممتلكات فرنسية في بحر الكاراييبي، تراجعت تفاصيل العمليات الإرهابية التي كان يحضر لها في إحدى ضواحي باريس، والتي عطلتها الأجهزة الأمنية يوم الأربعاء الماضي بعد القبض على ثلاثة أشخاص، ووضع اليد على كمية صغيرة من المتفجرات، وعلى كميات كبيرة من المواد الداخلة في تصنيع متفجرة «أم الشيطان» كما يسميها أتباع تنظيم داعش. لكن الضجيج الإعلامي وتبعات الإعصار «إيرما» الذي حمل التدمير والخراب لجزيرتي سان برتليمي وسان مارتان جعلت تتمات التحقيق الذي تقوم به الأجهزة الأمنية تتراجع إلى المرتبة الثالثة رغم فداحة ما توصل إليه التحقيق وما كشف عنه عصر الأحد فرنسوا مولينس، المدعي العام المتخصص في شؤون الإرهاب والتفاصيل التي جاء بها.
من بين الأشخاص الثلاثة الذين أوقفوا يومي الأربعاء والخميس الماضيين، أخلت الأجهزة الأمنية سبيل الشخص الثالث «هشام»، ووجه الادعاء العام رسميا اتهامات للشخصين الآخرين بتشكيل خلية إرهابية وأرسلا إلى السجن. ومن بين هذين الشخصين، يبدو علي محمد رحماني الذي يحمل الجنسيتين الجزائرية والفرنسية على أنه «الرأس المدبر». رحماني ولد في مدينة أميان ويبلغ من العمر 36 عاماً، وهو صاحب الشقة التي اكتشفت فيها المواد المتفجرة في مدينة فيل جويف الواقعة على مدخل باريس الجنوبي، كما أنه صاحب مرأب للسيارة في مدينة تييه، غير البعيدة عن فيل جويف، حيث عثر أيضا على كميات إضافية من المواد الداخلة في تصنيع «أم الشيطان».
أما الرجل الثاني واسمه فردريك أل، فهو مواطن فرنسي يبلغ من العمر 37 عاماً، اعتنق الديانة الإسلامية في عام 2008. وبحسب المدعي العام فإنه أكد أنه أخذ يمارس الشعائر الدينية منذ عام 2015. وبعد أن كان بائعاً متنقلاً في الأسواق الشعبية، فإنه أصبح عاطلاً عن العمل منذ عام 2011. ونقلت صحيفة «جورنال دو ديمانش» الأسبوعية أن زوجة فردريك وولديه ما زالوا في الجزائر رغم بدء العام الدراسي في فرنسا.
في حديثه السريع للصحافة عصر الأحد، أكد فرنسوا مولينس أن خطة الشخصين الموقوفين كانت «تصنيع قنبلة من أجل القيام باعتداء إرهابي».
وجاء هذا الاعتراف بعد أن تمت مواجهتهما بالمعلومات التي توصل إليها التحقيق منذ توقيفهما وعقب تواجههما صباح الأحد. بيد أن مولينس أشار إلى عدم وجود هدف محدد كانا عازمين على ضربه، وجل ما جاء به أنهما كانا ينويان استهداف منظمة «سانتينيل» المولجة السهر على أمن وراحة المواطنين والمشكلة من الجنود الفرنسيين.
ينم كلام المدعي العام عن قناعة مطلقة لجهة الغرض الإرهابي للموقوفين، ولما كانا يحضران له. والجدير بالذكر أن وزير الداخلية جيرار كولومب ذكر الأسبوع الماضي أن الموقوفين زعما أنهما يصنعان المتفجرات لسرقة موزع آلي للأوراق النقدية. لكن علي محمد رحماني وفردريك أل اعترفا بأنهما كانا ينويان في عام 2015 الالتحاق بـ«داعش» في سوريا لكن افتقارهما للاتصالات الضرورية محلياً وللأموال اللازمة أثناهما عن هذا المشروع الذي استبدلا به، على ما يبدو، ارتكاب أعمال إرهابية على الأراضي الفرنسية.
وبعكس الموقوف الأول الذي لم يكن معروفاً لدى الأجهزة الأمنية الفرنسية، فإن فردريك كان موجوداً على اللائحة المسماة «أس» والتي تضم أسماء الأشخاص الذين يشكلون تهديداً للأمن في فرنسا، بسبب «زياراته» للمواقع الجهادية على الإنترنت وبسبب اتصاله، على ما يبدو، بـ«رشيد قاسم» وهو فرنسي التحق بـ«داعش» في سوريا وقتل في فبراير (شباط) الماضي. ومعروف عن قاسم أنه كان أحد كبار «المجندين» الفرنسيين، وبرز اسمه أكثر من مرة في تحقيقات تناولت عمليات إرهابية حصلت في فرنسا في العامين الماضيين.
وعلى رغم ضبابية مشروع المتهمين الإرهابي، فإن ما جمعاه من مواد وما قاما به من تحضيرات يدل بشكل قاطع على نية إرهابية. فمن جانب، عمدا إلى تحويل شقة علي محمد رحماني إلى «مختبر» لتصنيع المتفجرات. وقد اعترف الشخصان بأنهما كانا ينويان تصنيع ما بين 3 و4 كيلوغرامات من مادة «تي آي تي بي» وعثرت المخابرات وجهاز مكافحة الإرهاب على 105 غرامات من هذه المادة في شقة فيل جويف إضافة إلى كميات من المواد الداخلة في تصنيع المادة المتفجرة مثل أسيد الأسيتون، وماء الأوكسجين وأسيد السولفوريك إضافة إلى معدات وأسلاك كهربائية ضرورية للتفجير. كذلك عثر المحققون على كميات أكبر في مرأب السيارة الخاص برحماني في مدينة تييه.
وأشارت صحف فرنسية إلى العثور على كتابات باللغة العربية في الشقة المذكورة. وفي السياق عينه، بيّن تفحص الحواسيب الخاصة بالرجلين عن بحوث قاما بها بخصوص كيفية تصنيع المادة المتفجرة واستخدام البندقية الرشاشة من طراز كلاشنيكوف وقيادة الشاحنات الكبيرة. بيد أن الأهم من ذلك أنهما اعترفا بقيامهما بتجربتين للتعرف على كيفية حصول تفجير مادة «تي إن تي بي».
الخلاصة التي توصل إليها المدعي العام أن فرنسا ما زالت تعيش في «ظل التهديدات الإرهابية التي يمثلها محبذو داعش الذين يتبنون آيديولوجيته، لكنهم لم يتركوا الأراضي الفرنسية». وبحسب مولينس، فإن هؤلاء يمثلون خطراً مشابهاً للخطر الذي يمثله العائدون من «ميادين التطرف» أكان ذلك في سوريا أو العراق أو بلدان الصحراء «مالي، النيجر، بوركينا فاسو، تشاد...». وصعوبة التصدي لهؤلاء تكمن في أنهم إما من الذئاب المتوحدة أو من الخلايا النائمة، أي أنهم ليسوا موجودين تحت منظار الأجهزة الأمنية، ويمكن أن يقرروا التحرك في أي لحظة لسبب أو لآخر. وتخوف باريس أن هزائم «داعش» في سوريا والعراق لن تضع حداً للإرهاب الذي ضرب فرنسا وبلداناً أوروبية أخرى «بلجيكا، بريطانيا، ألمانيا، إسبانيا...» لا بل إنها ستغذيه، ما يتطلب برأيها مزيداً من الحذر والتعاون بين الدول الأوروبية. وسيبدأ البرلمان الفرنسي قريبا دراسة مشروع قانون رفعته الحكومة من أجل تعزيز صلاحيات الأجهزة الأمنية بشكل دائم، رغبة منها في وضع حد للعمل بحالة الطوارئ المفروضة على البلاد منذ عامين.


مقالات ذات صلة

الجيش النيجيري يعلن القضاء على 24 مقاتلاً من «بوكو حرام»

أوروبا وحدة من قوات الشرطة تجوب شوارع مينا في نيجيريا (أ.ب)

الجيش النيجيري يعلن القضاء على 24 مقاتلاً من «بوكو حرام»

الجيش النيجيري يعلنُ القضاء على 24 مقاتلاً من «بوكو حرام»، بعد أن حاول عشرات المقاتلين من التنظيم الهجوم على قرية كوكاريتا.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا صورة جماعية لمسؤولي البلدين نشرها الجيش الموريتاني من الاجتماع عبر «فيسبوك»

اجتماع عسكري جزائري - موريتاني للتنسيق الأمني وإدارة الحدود

عقد وفدان عسكريان من الجزائر وموريتانيا اجتماعاً في مدينة تندوف، أقصى جنوب غربي الجزائر، بالقرب من الحدود بين البلدين، بهدف «تطوير التنسيق الأمني المشترك».

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا عناصر من جماعة «بوكو حرام» الإرهابية في نيجيريا (متداولة)

نيجيريا: مقتل 20 مدنياً على يد «بوكو حرام»

هدد تنظيم «بوكو حرام» الإرهابي بتصفية 416 رهينة لديه إذا لم تستجب الحكومة لمطالبه المتمثلة في دفع مبلغ 3.7 مليون دولار أميركي...

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا رئيس أركان الجيش خلال اجتماع حماية المنشآت من التهديدات (وزارة الدفاع)

الجزائر: قائد الجيش يبحث حماية المنشآت الحيوية من «تهديدات جديدة»

الفريق سعيد شنقريحة يؤكد أن وقاية المنشآت الحيوية والبنى التحتية «تعد خياراً استراتيجياً وعقلانياً وجزءاً أساسياً في منظومة الدفاع الوطني»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شؤون إقليمية أفراد من الشرطة يفتشون سيارة بموقع حادث بعد سماع دوي إطلاق نار بالقرب من مبنى القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول 7 أبريل 2026 (رويترز)

تركيا توقف 90 شخصاً تشتبه بارتباطهم بـ«داعش»

أعلنت وزارة الداخلية التركية، الاثنين، توقيف 90 شخصاً للاشتباه بارتباطهم بـ«داعش»، وذلك بعد أسبوعين من عملية إطلاق نار خارج القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...