الانتخابات النيابية الألمانية: «مامي» أنجيلا باقية في الحكم

تحالف المسيحيين يحلّق في استطلاعات الرأي... والاشتراكي شولتز يفقد زخمه

الانتخابات النيابية الألمانية: «مامي» أنجيلا باقية في الحكم
TT

الانتخابات النيابية الألمانية: «مامي» أنجيلا باقية في الحكم

الانتخابات النيابية الألمانية: «مامي» أنجيلا باقية في الحكم

لم يسبق لاستطلاعات الرأي الألمانية أن كانت بمثل هذا الوضوح منذ سقوط جدار برلين وإعادة توحيد ألمانيا. فكل الاستطلاعات تعطي التحالف المسيحي تفوّقاً على منافسه الاشتراكي بما لا يقل عن 15 نقطة، قبل شهر واحد من موعد الانتخابات النيابية في 24 سبتمبر (أيلول) 2017.
وإذ يعزو بعض المحللين تفوّق التحالف المسيحي الديمقراطي على غريمه الاشتراكي الديمقراطي إلى إنجازات زعيمة الطرف الأول، المستشارة أنجيلا ميركل و«وسطيتها» السياسية بين المحافظين الألمان، فإن مجموعة من العلماء النفسانيين ترى أن سر جاذبية «مامي»، بحسب الوصف الذي يُطلق على ميركل، يكمن في شيء آخر. إذ يقول علماء من جامعة فريدريش ألكسندر في بافاريا إن سر نجاح ميركل يكمن في شكل وجهها، ويعتبرون أن النساء من ذوات الوجه العريض، مثل ميركل وهيلاري كلينتون، يتمتعن بشراهة إلى السلطة أكثر من غيرهن. وتسعى هذه النسوة إلى فرض النفوذ وتوفير شروط النجاح أكثر من غيرهن من النساء، بحسب دراسة علماء الجامعة البافارية.
وللوصول إلى هذه الخلاصة، درس العلماء تأثير زيادة النشاط الهرموني في الدماغ ونمو الجسم في مرحلة الشباب، وتوصلوا إلى أن هذا النشاط ينعكس على عظام الوجه وعلى تطور فصوص الدماغ الأمامية المسؤولة عن الحوافز والسلوك عند البشر. واستخدم العلماء طريقة قياس الوجه التي يُطلق عليها اسم طريقة «نسبة عرض الوجه إلى طوله»، وتوصلوا مجدداً إلى أن البشر يميلون إلى الذكورة والأنوثة كلما زادت نسبة عرض الوجه بالنسبة إلى طوله.
طبّق علماء جامعة بافاريا نتائج دراستهم على 213 فرداً وانطبقت على كثير من النساء، على رغم أن النسبة بين عرض وطول الوجه تصلح أكثر في تقييم الرجال. وذكر كيفن جونسون الذي قاد فريق العمل، أن أنجيلا ميركل نموذج جيد للعلاقة بين أبعاد الوجه وسلوك التهافت على السلطة. ومعلوم أن وسائل الإعلام الألمانية تُطلق منذ فترة اسم «مامي» (Mutti) على ميركل، لكن ذلك أثار اعتراض أكثر من سياسي اعتبر أن هذه التسمية تمنح أفضلية للمستشارة على غيرها في الانتخابات من خلال تصويرها بوصفها «أم كل الألمان».

التحالف المسيحي في الواجهة
وأظهر آخر استطلاع للرأي نُشر في ألمانيا أن ثلث الناخبين لم يحسموا بعد أمرهم إلى أي جهة سيصوتون. وكما هو متوقع، اعتبر الحزب الديمقراطي الاشتراكي هذه النتيجة - الثلث الحائر في تأييد هذا الطرف أو ذاك - دليلاً على إمكانية تجاوز الفجوة بينه وبين الاتحاد المسيحي في «الوقت الضائع» من المباراة، بينما اعتبرها المسيحيون تعبيراً عن وقوف الاشتراكيين وحلفائهم في «موقف تسلل».
ويشير استطلاع الرأي، الذي أجراه معهد «انزا» بتكليف من جريدة «بيلد» واسعة الانتشار، إلى أن الاتحاد المسيحي سيفقد نقطة ويحقق 37 في المائة من الأصوات. ويحقق الحزب الليبرالي (الحزب الديمقراطي الحر)، وهو الحليف التقليدي للمسيحيين، نسبة 8 في المائة. ويأتي الحزب الديمقراطي الاشتراكي في المرتبة الثانية محققاً نسبة 24 في المائة. وسيخسر حزب الخضر، بحسب الاستطلاع، نقطة واحدة، لكنه سيتخطى نسبة 5 في المائة اللازمة لدخول البرلمان ويحقق 6.5 في المائة.
وكان حزب اليسار وحزب «البديل لألمانيا» الشعبوي الحزبين الوحيدين اللذين حققا ارتفاعاً قدره نقطة واحدة مقارنة باستطلاعات الرأي قبل شهر. ويُتوقع أن يرتفع رصيد اليسار إلى أكثر من 10 في المائة قليلاً ليصبح القوة الثالثة في البرلمان، فيما سيحقق حزب «البديل لألمانيا» نسبة 10 في المائة.
وقبل شهرين كشفت نتائج استطلاعات الرأي من معهد «فورسا»، لصالح مجلة «شتيرن» وتلفزيون «ر ت ل»، أن تحالف المحافظين مع الليبراليين سينجح في تشكيل حكومة غالبية، وأن الاشتراكيين لا أمل لهم في الوصول إلى السلطة.
وبالأرقام، ظهر أن التحالف المسيحي سيحقق بمفرده نسبة 40 في المائة، تاركاً للاشتراكيين نسبة 22 في المائة، ولليبراليين نسبة 8 في المائة، ولليسار نسبة 9 في المائة، والخضر نسبة 8 في المائة، ولحزب «البديل لألمانيا» نسبة 7 في المائة. وعلى هذا الأساس، يُتوقع أن يحقق تحالف المحافظين مع الليبراليين نسبة 48 في المائة في مقابل مجموع قدره 46 في المائة لكل القوى الأخرى.

قضم التفاحة الخضراء أو التحالف الكبير
وبالمقارنة مع استطلاعات الرأي الأخيرة، يتضح أن أشكال التحالفات الحكومية المقبلة تقلّصت إلى مجرد شكلين فقط، هما التحالف الكبير (غروكو/ مختصر التحالف الكبير بالألمانية) بين الاتحاد المسيحي والحزب الديمقراطي الاشتراكي، وتحالف «جامايكا» الذي يعبّر عن ألوان التحالف المسيحي (الأسود) مع الليبراليين (الأصفر) وحزب الخضر (الأخضر). فمجموع نسبة المسيحيين مع الليبراليين (45 في المائة) لا يكفي لتحقيق الأكثرية اللازمة لتشكيل حكومة، ولا تكفي أصوات الاشتراكيين واليسار والخضر لتحقيق أغلبية تكفي لتأسيس حكومة «يسارية» (المجموع 40.6 في المائة). وإذ يرفض الجميع التحالف مع حزب «البديل لألمانيا»، ولا تعترض قيادة المسيحيين على التحالف مع الخضر، لا يبقى سوى احتمال استمرار التحالف الكبير في تولي الحكم في برلين، أو «قضم التفاحة الخضراء» من قبل المسيحيين والليبراليين (مجموع 51.5 في المائة لـ«تحالف جامايكا»). وسياسة «قضم التفاحة الخضراء»، بمعنى عدم الاعتراض على التحالف مع الخضر، هي سياسة أوجدها المستشار الأسبق هيلموت كول في أواخر أيامه.
لا يصب كلا الشكلين من التحالف في صالح الحزب الديمقراطي الاشتراكي الذي يفسّر جناحه الأيسر هبوط شعبية الحزب على أساس دخوله التحالف الكبير مع المحافظين. وحينها لا يبقى أمام حزب المرشح الاشتراكي مارتن شولتز غير القبول بدور الحليف الصغير في الـ«غروكو» إلى جانب المسيحيين، وهو الدور الذي كان الليبراليون يؤدونه في العادة، أو القبول بدور المعارض البرلماني الكبير لحكم «جامايكا».
ولم يكشف مارتن شولتز، الذي تخلى عن موقعه رئيساً للبرلمان الأوروبي ليخوض معترك المنافسة السياسية الألمانية، ما إذا كان سيرضى بموقع وزير الخارجية في حكومة تشكلها ميركل مستقبلاً، أو أنه سيحتفظ بموقعه التنظيمي فقط رئيساً للحزب الديمقراطي الاشتراكي.

وزراء يرحلون ووزراء قادمون
وعلى أي حال، يتوقع محللون سياسيون، في ضوء أداء وزراء التحالف الكبير الحاكم حالياً، أن يؤدي هذا التحالف إلى فقدان كثير من الوزراء حظوتهم لدى أنجيلا ميركل. وتوقّع معهد «انزا» لاستطلاعات الرأي أن يخسر المسيحيون 50 نائباً برلمانياً إذا خسروا 3 نقاط في الانتخابات في المحصلة الأخيرة مقارنة بنتائج انتخابات 2013.
ويكشف استطلاع الرأي أن المسيحيين والاشتراكيين سيخسرون كثيراً من النقاط، وعليهم على هذا الأساس أن يتخلّوا عن عشرات النواب في الدورة النيابية المقبلة. وطبيعي أن الرابح الأكبر من هذه الخسارة سيكون حزب «البديل لألمانيا» الشعبوي الذي سيقفز من صفر إلى 10 في المائة، وكذلك حزب اليسار الذي سيكسب 3 نقاط.
وبحسب تقديرات برنامج «مينوس آينز» الذي تبثه قناة التلفزيون الأولى (ا ر د)، فهناك قائمة جاهزة تضم تشكيلة الوزارة الجديدة في حالة انعقاد «التحالف الكبير» مجدداً بعد الانتخابات. وفضلاً عن الـ«مامي» ميركل على رأس الوزارة، من المتوقع أن يحتفظ وزير المالية الحالي السياسي المحافظ المخضرم فولفغانغ شويبله بكرسيه «السيّار» في الحكومة رغم بلوغه 78 سنة. كما أدت الاشتراكية أندريا ناليز عملها بشكل جيد في وزارة العمل، ويُتوقع بالتالي أن تحتفظ بحقيبتها الوزارية.
ويُعتقد أن قائمة الذين سيبقون في الحكومة، عند حصول «التحالف الكبير» مجدداً، ستشمل وزير دائرة المستشارة بيتر التماير (مسيحي)، ووزير الصحة هيرمان غروهه (مسيحي)، ووزيرة التعليم يوهانا فانكه (مسيحية)، ووزير الخارجية زيغمار غابرييل (اشتراكي)، ووزيرة العائلة كاتارينا برالي (مسيحية)، ووزير الزراعة كريستيان شميدت (مسيحي)، ووزير التنمية والعلوم غيرد موللر (مسيحي).
ويقف وزير الداخلية الاتحادي توماس دي ميزير (مسيحي) على قائمة المتوقع «تسريحهم» من الخدمة الوزارية المقبلة، ويرافقه الاشتراكي هايكو ماس الذي يحمل حقيبة وزارة العدل، وتنضم إليهما وزيرة الدفاع أورسولا فون ير لاين (مسيحية)، ووزير النقل ألكسندر دوبرند (مسيحي) ووزيرة البيئة باربرا هيندريكس (اشتراكية).
ويبدو يواخيم هيرمان، وزير داخلية بافاريا المتشدد (ينتمي إلى الاتحاد الاجتماعي المسيحي)، مرشحاً قوياً لخلافة دي ميزير في وزارة الداخلية. كما يبرز اسم ينز شبان، المنتمي بدوره إلى الاتحاد الاجتماعي المسيحي، مرشحاً قوياً لموقع وزير الدفاع.

الاشتراكي مارتن شولتز يفقد «تأثيره»
وكانت قيادة الحزب الديمقراطي الاشتراكي وافقت بالإجماع، في مؤتمر الحزب السنوي نهاية العام الماضي، على ترشيح مارتن شولتز (61 سنة) لمنازلة المحافظة ميركل على منصب المستشارية في الانتخابات العامة. وفي الحال، نال ترشيح شولتز موافقة الجناح اليساري في الحزب، وتأييد النقابات العمالية وثيقة الصلة بالحزب، وهو أول مرشح يحظى بمثل هذا التأييد الداخلي. كما رحّب حزب اليسار، وكذلك حزب الخضر، بترشيح شولتز، وعبّر مندوبو الحزبين عن اقتناعهم بإمكانية الرهان على شولتز لإقصاء ميركل.
وكان «البارومتر» السياسي، الذي تقدمه القناة الثانية في التلفزيون الألماني (ز د ف)، يضع شولتز، في استطلاعات الرأي، على رأس قائمة السياسيين الأكثر شعبية في ألمانيا، يليه اشتراكي آخر هو فرانك فالتر شتاينماير، ثم وزير المالية فولفغانغ شويبله، وتأتي ميركل بعدهم في المرتبة الرابعة.
وفي استطلاع للرأي أجرته القناة الأولى في التلفزيون الألماني (ا ر د) في يناير (كانون الثاني) الماضي، قال 67 في المائة ممن شملهم الاستفتاء إنهم يدعمون ترشيح شولتز. ونال شولتز نسبة من الأصوات بلغت 41 في المائة (+5 مقارنة بشهر ديسمبر/كانون الأول) مقابل النسبة نفسها للمستشارة ميركل (- 2 مقارنة بشهر ديسمبر).
وتفوّق شولتز على ميركل، في هذا الاستطلاع، من ناحية «المصداقية»، وحقق نسبة 65 في المائة مقابل 64 في المائة لميركل، ومن ناحية «اللطافة»، لأنه حقق 69 في المائة مقابل 63 في المائة للمستشارة. إلا أن ميركل تفوّقت عليه في قضايا «الكفاءة» بنسبة 78 في المائة إلى 68 في المائة، وفي القدرة القيادية 78 في المائة إلى 68 في المائة.
ووصفت الصحافة الألمانية ما أنجزه في بداية مشواره بـ«تأثير شولتز»، إلا أن هذا التأثير لم يدم طويلاً، إذ فقد شولتز زخمه، فيما نجحت ميركل في استعادة توازنها السياسي في التعامل مع مشكلة اللاجئين، وأجرت مصالحة مع هورست زيهوفر، زعيم الاتحاد الاجتماعي المسيحي (الشقيق البافاري للمسيحي الديمقراطي)، الذي هدد بدخول الانتخابات منافساً لميركل لو أنها استمرت في سياسة الترحيب باللاجئين.
وواقع الحال أن شولتز أنقذ الاشتراكيين من نسبة تحت العشرين في المائة، التي منحتها لهم استطلاعات الرأي قبل ترشيح نفسه، والتي اعتبرت «خسارة تاريخية» لهم من قبل الإعلام الألماني. وتحتسب نسبة 24 في المائة التي حققها شولتز لحزبه في الاستطلاعات قبل شهر من الانتخابات إنجازاً له، رغم كل شيء.
وفي تفسيرهم سبب تراجع الاشتراكيين السريع في استطلاعات الرأي، وصعود المسيحيين مجدداً، يُجمع معلقون سياسيون على أن حزب المستشارة ميركل كسب في واقع الحال الناخبين من معسكر حزب «البديل لألمانيا» بعد انعطافته «اليمينية» في موضوع سياسة الهجرة واللجوء.

برلمان مقبل بستة أحزاب
حقق حزب «البديل لألمانيا» أعلى نتائجه سنة 2015 مستغلاً أصوات الناقمين على سياسة الباب المفتوح أمام اللاجئين. وتراجعت أصواته كثيراً بعد أن أوصدت ميركل أبواب الهجرة مجدداً بوجه اللاجئين، لكنه أصبح القوة السادسة التي يتوقع أن تدخل البرلمان الألمان (البوندستاغ).
وإذا تم التعامل مع الاتحاد المسيحي كحزب واحد، يمكن القول إن «البوندستاغ» بقي بـ3 أحزاب طوال 40 سنة حتى منتصف الثمانينات. وهي أحزاب الاتحاد المسيحي والحزب الديمقراطي الاشتراكي والحزب الديمقراطي الحر. وكان الحزب الليبرالي (الديمقراطي الحر) القاسم المشترك الأعظم الذي حقق للحزبين الكبيرين كل مرة الأغلبية اللازمة عند فوزه في الانتخابات.
وتجاوز حزب «الخضر» حاجز 5 في المائة اللازمة لدخول البرلمان وأصبح القوة الرابعة فيه سنة 1987. أعقب ذلك سقوط جدار برلين والوحدة الألمانية و«نشوء حزب الديمقراطية الاشتراكية»، الذي تحوّل بعد ذلك من حزب شرقي بحت إلى حزب اليسار لكل ألمانيا في مطلع القرن الحادي والعشرين، وصعد إلى البرلمان كقوة خامسة. قبلها نجح الحزب في انتخابات التسعينات في إدخال بعض ناخبيه عبر الترشح الفردي في مناطقهم الانتخابية، لكنه لم يتحوّل إلى «كتلة برلمانية» إلا بعد تغيير اسمه إلى حزب اليسار.

اللجوء والاندماج أكثر ما يهم الناخب الألماني
أجرى برنامج «فال جيك» الذي تبثه القناة الأولى في التلفزيون الألماني (ا ر د)، بالتعاون مع معهد «انفراتيست» لاستطلاعات الرأي، دراسة ميدانية حول أهم الموضوعات التي «تحرّك الناخب الألماني» في الحملة الانتخابية الحالية.
ويتضح من الاستطلاع أن موضوع الهجرة واللاجئين والاندماج يحظى بالمرتبة الأولى من اهتمام الناخبين. وقالت نسبة 41 في المائة إن موضوع دمج اللاجئين يهمهم أكثر من أي شيء آخر، وطالبت نسبة 34 في المائة بوقف الهجرة إلى ألمانيا. وتتفق الغالبية مع سياسة الحكومة الحالية المتشددة، التي تتمسك بسياسة ترحيل اللاجئين الذين رُفضت طلبات لجوئهم، وتتشدد في لم شمل عوائل اللاجئين.
وأحصت الدراسة الميدانية دخول 1.3 مليون لاجئ ومهاجر إلى ألمانيا منذ سنة 2015، يشكّل الشباب تحت سن 20 سنة 33 في المائة منهم. وهناك اليوم 490 ألفاً منهم يبحثون عن عمل أو نالوا حق التدريب المهني، مع مشكلة عسيرة تتمثل بوجود 25 في المائة منهم من الأميين الذين لا يعرفون القراءة والكتابة بلغتهم الأم، ويقع على المسؤولين تعليمهم الألمانية وتدريبهم ودمجهم في سوق العمل.
وفي هذا المجال، منح البرنامج نقطة لصالح التحالف المسيحي على حساب بقية الأحزاب، خصوصاً أن الحزب الاشتراكي كان طوال الفترة الماضية شريكاً حكومياً ويتحمل كل النتائج السلبية الناجمة عن سياسة الهجرة في ألمانيا.
أما الموضوع الثاني الذي يهم الناخب الألماني فهو التقاعد والفقر بعد التقاعد وارتفاع الإيجارات، وهي مشكلة اجتماعية قديمة - جديدة. وقالت نسبة 35 في المائة إن تراجع معدلات الرواتب التقاعدية، وتصاعد نسبة المتقاعدين في المجتمع، تقلقهم إلى أبعد حد. وتضطر نسبة 30 في المائة من المتقاعدين إلى عمل إضافي ينقذهم من الفقر عند الشيخوخة.
ودعت نسبة 34 في المائة إلى محاربة الفقر في الشيخوخة وتقليل الفجوة بين الفقراء والأغنياء، فيما رأت نسبة 28 في المائة من الذين شملهم الاستفتاء ضرورة وضع حد لارتفاع الإيجارات المنفلت الذي تفاقم مع دخول أكثر من مليون لاجئ يبحث عن سكن إلى ألمانيا.
وتوقع يوخن بمبرتز، من معهد الدراسات الاقتصادية الألماني، أن ينخفض تقاعد ضعيفي الدخول أكثر مستقبلاً، وأن يتفاقم خطر الفقر في الشيخوخة. وقال إن تقاعد العامل والموظف الصغير في عام 2030 سيكون الراتب التقاعدي نفسه سنة 2017، بحسبان ارتفاع الأسعار والتضخم والضرائب.
وفي هذا المجال، منح بمبرتز نقطة إضافية للحزب الديمقراطي الاشتراكي، لأن الحزب الديمقراطي المسيحي لم يتقدم ببرنامج واضح لمعالجة هذه النقطة، في حين قدّم منافس ميركل الاشتراكي مارتن شولتز برنامجاً متكاملاً يضع فيه تصوراته لحل مشكلة الفقر بين الكهول عند فوزه في الانتخابات.
وفي التعليم، الذي يحتل المرتبة الثالثة من اهتمامات الناخبين الألمان، طالبت نسبة 57 في المائة بفرص متساوية لأبناء الفقراء والأغنياء في التحصيل العلمي العالي. كما طالبت نسبة 26 في المائة بالمساواة في فرص التعليم بين الولايات، وجعل الخطط التعليمية مركزية بدلاً من تركها إلى الحكومات المحلية.
واعترفت الدكتورة يانا تيلتمان، من معهد الدراسات التربوية الاتحادية، بأن فرص أولاد الأغنياء أكبر من فرص أبناء الفقراء والمهاجرين في التعليم العالي. لكنها اعتبرت المعادلة الشائعة «مال أكثر يعني تحصيلاً علمياً أفضل» قضية «نسبية»، مشيرة إلى أن الحافز والرغبة في شق الطريق يلعبان دوراً أيضاً، وليس فقط عامل الفقر والثراء.
وتكشف إحصاءات معهد «انزا» وجود حالة اجتماعية واضحة تكشف أن عائلات الأكاديميين أفضل مالياً من العمّال وغير الدارسين (تعليماً عالياً)، وقادرة على دعم أولادها في طموحهم الدراسي الجامعي، في حين تعجز العائلات الأفقر حالاً عن دعم أولادها في هذا المجال. وإذ يدرس في الجامعة 6 من كل 10 من أبناء عائلات الخريجين من التعليم العالي، لا يحقق ذلك سوى 1.5 من كل 10 من أبناء عائلات غير الخريجين.
ومنحت تيلتمان نقطة تفضيلية إلى الحزب الديمقراطي الاشتراكي الذي ينادي حالياً بالتعليم المجاني ومنح فرص متساوية في التعليم العالي لأبناء الأغنياء والفقراء، وبرفع حصة التعليم من الميزانية العامة. وأشارت الباحثة إلى أن دول الاتحاد الأوروبي تخصص 11.2 في المائة من ميزانيتها كمعدل لدعم التعليم، في حين تخصص الدولة الألمانية منذ عقود معدل 9.5 في المائة من ميزانيتها فقط لدعم التعليم.

اتفاق غير معلن على تجاهل موضوع الإرهاب
والملاحظ في الحملة الانتخابية 2017 تجنّب الحزبين الكبيرين إثارة موضع الإرهاب في الحملة الانتخابية. واتهمت صحيفة «هاندلزبلات» المعروفة الحزبين الحاكمين، وكذلك حزبي الخضر واليسار، بتجنب إثارة موضوع الإرهاب تحت شعار «الديمقراطية أهم من الإرهاب». وذكرت الصحيفة أن هذا التوجّه تعزز بعد العمليات الإرهابية الأخيرة في برشلونة.
وطبيعي أن يتجنب الحزبان الحاكمان موضوع الإرهاب، لأن «الأخطاء» التي ارتكبت في كثير من حالات التعامل مع الإرهابيين يتحملها وزراء داخلية من الحزبين، وخصوصاً وزير الداخلية الاتحادي توماس دي ميزير من الحزب الديمقراطي المسيحي والاشتراكي رالف ييغر وزير داخلية ولاية الراين الشمالي فيستفاليا.
ويمكن لإثارة موضوع الإرهاب أن يعيد إلى أذهان الناخبين ارتباطه بقضية إدخال مليون لاجئ دون كثير من التدقيق إلى الأراضي الألمانية. وبعد أن نفى دي ميزير أكثر من مرة - وأيدته ميركل في ذلك - وجود ترابط بين الإرهاب واللاجئين، اتضح الآن، بحسب ما يقول منتقدون، أن معظم الذين ارتكبوا العمليات الإرهابية في ألمانيا، أو الذين اعتقلوا بتهمة الإرهاب، هم من اللاجئين الذين وفدوا إلى ألمانيا بعد سنة 2015.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.