اقتصاد «الألغاز» البريطاني يبحث عن الخروج من «خانة الارتباك»

تجاوز بسلاسة الصدمة الأولى لتصويت «بريكست» ... والآن يفقد زخمه مع غموض المفاوضات

اقتصاد «الألغاز» البريطاني يبحث عن الخروج من «خانة الارتباك»
TT

اقتصاد «الألغاز» البريطاني يبحث عن الخروج من «خانة الارتباك»

اقتصاد «الألغاز» البريطاني يبحث عن الخروج من «خانة الارتباك»

«اقتصاد المملكة المتحدة في حالة أسوأ مما يبدو، متوجها إلى شبه الركود»؛ هكذا استهلت شركة «يو بي إس» السويسرية للخدمات المالية تقريرها عن الاقتصاد البريطاني الذي نشر منذ أيام قليلة، موضحا أن هناك تراجعا ملحوظا في المؤشرات الاقتصادية منذ بداية العام، وتوقعت أن يتوجه الاقتصاد البريطاني نحو «المنطقة الصفرية» في المستقبل القريب.
ويأتي التحليل المتشائم بعد أيام من صدور تقرير مجموعة من الاقتصاديين المؤيدين للخروج من الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك باتريك مينفورد من جامعة كارديف، يشير إلى توقعاتهم بأن ترك سوق الاتحاد والاتحاد الجمركي الموحد سيضيف 135 مليار إسترليني (173 مليار دولار) إلى الاقتصاد البريطاني، فضلا عن انخفاض الأسعار عن طريق فتح التجارة الحرة العالمية وتحفيز المنافسة.
لكن على عكس تلك النظرة الموغلة في التفاؤل، قالت مونيك أويوترا، المحللة الاقتصادية، لـ«الشرق الأوسط»: إن «المملكة المتحدة ستفقد ما يصل إلى 30 في المائة من إجمالي تجارتها بعد ترك الاتحاد الأوروبي».
ومن المرجح أن يفقد الاقتصاد البريطاني زخمه في النصف الثاني من العام الحالي... ووفقا لمسح قامت به «الشرق الأوسط»، فإن بنك إنجلترا قد يخيب آمال أولئك الذين يرغبون في رفع أسعار الفائدة. ورغم أن الاستطلاع أكد تعافي الاقتصاد البريطاني في الربع الثاني مقارنة بالربع الأول من العام، فإن هناك بعض الإشارات المتشائمة على المدى القصير. ووسط الاضطراب الكبير الذي يعانيه الاقتصاد البريطاني والسياسات بشكل عام، في ظل الغموض المتزايد حول تبعات الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، فإن نتائج البيانات الاقتصادية تأتي ممتزجة بدورها على نحو يزيد من هذا الغموض.
وأشار مسح لـ«ماركيت» أول الشهر الماضي، إلى انخفاض في جميع شركات الخدمات البريطانية إلى أدنى مستوى لها في أربعة أشهر، وذلك عن شهر يونيو (حزيران) الماضي، أي بعد عام واحد بالتمام والكمال من استفتاء «بريكست». في حين أظهرت بيانات رسمية في وقت سابق الأسبوع الماضي أن بريطانيا سجلت على نحو غير متوقع أول فائض في الميزانية في شهر يوليو (تموز) من أي عام منذ 2002. وهو نبأ سار لوزير المالية فيليب هاموند في سنة مالية ما زالت تبدو صعبة على الحكومة.
وقال مكتب الإحصاءات الوطنية - نقلا عن بيانات لا تشمل البنوك التي تسيطر عليها الدولة: إن الفائض في يوليو الماضي بلغ 184 مليون جنيه إسترليني (236 مليون دولار) مقارنة مع عجز 308 ملايين جنيه في العام الماضي. وتلقى الفائض دعما من زيادة 10.6 في المائة على أساس سنوي في عائدات ضريبة الدخل من الأفراد في يوليو، وهو الشهر الذي يشهد عادة ارتفاعا في مثل هذه العوائد.
لكن السنة بأكملها تبدو أقل إشراقا من حيث النتائج، حيث تسبب التصويت لصالح «بريكست» في العام الماضي في ارتفاع التضخم وتكاليف الاقتراض، وأدى إلى تباطؤ النمو منذ بداية العام الحالي. وعادة ما يكون يوليو شهرا قويا لإيرادات ضريبة الشركات أيضا، على الرغم من تراجعها بشكل طفيف في العام الحالي مقارنة بمستواها قبل عام.
وهاموند غير ملتزم بضبط الميزانية حتى منتصف العقد المقبل، وهو ما يمنحه بعض المرونة لإبطاء وتيرة خفض العجز الراهنة «إذا ما اقتضى الأمر» لدعم الاقتصاد أثناء إتمام عملية خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي. وقال متحدث باسم وزارة المالية: إن بيانات يوليو تظهر أن الحكومة تحرز «تقدما جيدا» نحو أهدافها الخاصة بالموازنة، لكن الدين العام لا يزال شديد الارتفاع.
وفي أفضل سيناريو لمؤسسة «بي دبليو سي» الاقتصادية الدولية، فإن النمو في المملكة سيتباطأ إلى نحو 1.5 في المائة في 2017 و1.4 في المائة في 2018، متأثرا بتباطؤ النمو في الإنفاق الاستهلاكي، يقابله بعض الارتفاع في صادرات المملكة المتحدة والاستثمار العام، وأرجعت «بي دبليو سي» التأثير السلبي إلى الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي.
وفي محاولة لفك شفرات لغز الاقتصاد البريطاني، تناقش «الشرق الأوسط» حال مختلف العوامل والقطاعات الكبرى التي تؤثر في وتتأثر بالاقتصاد بشكل عام؛ سعيا لفهم الوضع الحالي، ومحاولة استشفاف ما هو قادم.
على المستوى العام، حقق الاقتصاد البريطاني أداءً مستقرا في عام 2016، وسجل ثاني أسرع معدل نمو بين اقتصادات مجموعة السبعة الصناعية الكبرى، وكان النمو في الأشهر الستة التي تلت استفتاء «بريكست» أقوى كثيرا مما كان يخشى البعض قبله، وبخاصة مع توقعات وزارة الخزانة أن يقود التصويت إلى ركود.
وعلى مدى العام الماضي، واصل قطاع الخدمات التوسع بقوة، في حين كافح قطاعا البناء والتصنيع، ونما الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني من عام 2017 بنحو 0.3 في المائة على أساس ربع سنوي، وتوسع حجم الاقتصاد مقارنة مع الذروة قبل الانكماش بنحو 8.1 في المائة، لتبلغ نسبة التغير السنوي 2.3 في المائة.
وكان هذا أبطأ انتعاش في مستويات الإنتاج منذ عام 1920، وحقق الاقتصاد البريطاني المعدل نفسه الذي حققه في الربع الأول من 2013. ويذكر أن معدل النمو المذكور سابقا كان مؤشرا إيجابيا على قوة الاقتصاد البريطاني؛ ما جنبه مخاوف الوقوع في «الركود الثالث» في الألفية الجديدة، وبعد أقل من خمس سنوات فقط من بداية التعافي من «الركود الثاني» الذي أعقب الأزمة العالمية، حيث عاد الناتج المحلي الإجمالي للفرد إلى معدلات ما قبل الركود في الربع الثاني من عام 2015.
وظل النمو الاقتصادي أفضل مما كان متوقعا في النصف الثاني من 2016، ليبدأ سلسلة من التراجعات «النسبية» في 2017، فضلا عن ارتفاع التضخم المدفوع بانخفاض قيمة الإسترليني الذي يضغط على دخل الأسر ويقلل من الإنفاق الاستهلاكي الذي كان المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة. ويتوقع مكتب الموازنة أن يحقق الاقتصاد البريطاني نموا بنسبة 2 في المائة العام الحالي، و1.6 في المائة العام المقبل... لكن لا يمكن إغفال حقيقة أن خبراء مكتب الموازنة توقعوا أيضا تباطؤ معدلات النمو في النصف الثاني من 2016 بعد الاستفتاء، لكن توقعاتهم تلك خابت وعلى عكس ما حققه الاقتصاد، والذي كان أقوى من المتوقع. وتظل توقعات المكتب للعامين الحالي والمقبل تقع في خانة التباطؤ، حيث تؤخر معظم الشركات خططها الاستثمارية وتضغط معدلات التضخم على الدخل الأسري، في حين توقعت «الشرق الأوسط» في تحليلات أعقبت «بريكست» أن قرار مغادرة الاتحاد الأوروبي سيؤثر على النمو على المديين المتوسط والطويل، وليس القصير.
كان تخفيض الإنفاق العام موضوعا رئيسيا منذ عام 2010... لكن الحكومة لا تزال تكافح من أجل سد العجز قي الميزانية في المملكة المتحدة. وعرقل ذلك استمرار ضعف الإيرادات الضريبية. ولا يزال عبء الديون المتراكمة أعلى من 80 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. ورغم تحسن العائدات الضريبية؛ فإنها تظل متواضعة بالنظر إلى قوة الانتعاش. وتعتبر التحركات في أسواق السندات والعملات مقياسا لتوقعات المستثمرين بشأن الآفاق الاقتصادية للبلاد، حيث إن بيع السندات من خلال مكتب «إدارة الديون» هو الطريقة الرئيسية التي تقترض بها الحكومة البريطانية الأموال لتمويل الفجوة بين ما تنفقه والأموال التي تتلقاها.
ومع ارتفاع الأرباح التي تطالب بها الأسواق لإقراض الأموال (تمويل العجز)، يصبح هذا التمويل أكثر تكلفة على الحكومات.
وفي ظل تلك النظرية، تستطيع المملكة المتحدة «حاليا» الاقتراض بقدر أكبر من الحرية بسبب انخفاض التكلفة (العائد على السندات)، الأمر الذي يخفف الضغط على المالية العامة، وهو أمر يعكس في ذات الوقت أن بإمكان بنك إنجلترا تخفيض سعر الفائدة في وقت قريب.
وانخفض الإسترليني بشكل ملحوظ منذ التصويت على «بريكست»، ولامس في بعض الأحيان أدنى مستوى له في 30 عاما مقابل الدولار، لكن ذلك الأمر لم يلبِ رغم ذلك «رغبات» سابقة للمصدرين البريطانيين.
وفي فترات سابقة، حين كان الإسترليني في أوج قوته أمام الدولار لدرجة أنه وصل في أغسطس (آب) 2007 إلى مستوى 2.11 دولار، كان المصدرون البريطانيون يشتكون من أن قوة الإسترليني تقلص من تنافسية منتجاتهم، وطالبوا آنذاك بتدخل السلطات البريطانية لخفض قيمة العملة... إلا أن انخفاض مستوى الإسترليني حاليا لا يخدم بشكل كبير التصدير البريطاني، ولن يسفر عن قفزة فجائية في مستويات التصدير؛ أولا نظرا لكون الإسترليني لا يزال «عملة قوية»، حتى وإن فقد بعض مكاسبه، وثانيا لأن ظروف التجارة العالمية في أعقاب الأزمة لم تعد تتأثر فقط بقوة العملة.
وانخفض الجنيه الإسترليني أيضا بشكل حاد مقابل اليورو، ولكن الخروج البريطاني يخلق أيضا مخاطر على منطقة العملة الموحدة، لكن الانخفاض كان أقل من مقابل الدولار.
وكان تراجع معدل البطالة «السريع» في المملكة المتحدة واحدا من قصص النجاح الاقتصادي الرئيسية خلال العام الماضي، مدفوعا بتوسع في العاملين بـ«دوام جزئي» و«العاملين لحسابهم الخاص»، لكن وتيرة التحسن قد تباطأت بشكل ملحوظ، فقد انخفضت «الأجور الحقيقية» بنحو 8 في المائة منذ بداية الأزمة المالية، ولكن يظل التعافي بطيئا.
ووصل معدل البطالة إلى 4.4 في المائة وفقا لأحدث بيانات مكتب الإحصاءات الوطني، وانخفض معدل البطالة على مدى العاميين الماضيين من مستوى 8 في المائة الذي حققه في يناير (كانون الثاني) 2013، غير أن وتيرة الانخفاض قد تباطأت، ووصل معدل التشغيل 75.1 في المائة، في حين ارتفع الدخل الأسبوعي بنحو 2.1 في المائة في الأشهر الثلاثة المنتهية في يونيو الماضي.
وبعد «طفرة قصيرة»، تباطأ متوسط معدل الأجور السنوية على الرغم من أنه لا يزال يرتفع بشكل أسرع من التضخم؛ الأمر الذي يعطي دفعة لـ«الأجور الحقيقية» بعد خمس سنوات من الانكماش. في حين يقترب عدد العاملين إلى مستويات قياسية بنحو 32 مليون شخص في 16 أغسطس الحالي.
وكانت الإنتاجية طول عقود كثيرة قبل الأزمة المالية تنمو بوتيرة ثابتة، لكن الإنتاجية البريطانية منذ الأزمة مثلت «كعب أخيل» الذي عوق تعافي الاقتصاد البريطاني بشكل جيد، سواء جرى قياس الإنتاجية على مستوى «المدخلات والمخرجات» أو «المخرجات لكل عامل» أو «المخرجات قياسا لساعات العمل» أو «كفاءة كل من اليد العاملة ورأس المال المستخدم»، فمنذ الأزمة المالية فشلت الإنتاجية في التعافي؛ مما تسبب في ارتباك مسؤولي بنك إنجلترا ومكتب الموازنة.
ومنذ تصويت «بريكست»، كان هناك تأثير للتراجع الحاد في قيمة الإسترليني، وأصبحت الواردات أكثر تكلفة... ويتوقع بنك إنجلترا أن يستمر التضخم في الارتفاع.
وعلى مدار الأعوام القليلة الماضية انخفض معدل التضخم بشكل «استثنائي»، مدفوعا إلى حد كبير بانخفاض أسعار النفط وقوة الجنيه الإسترليني وانخفاض تكلفة الواردات والتخفيضات التنافسية؛ وكلها عوامل صبت في مصلحة الأسر.
ومنذ أكثر من عام، يتوقع الخبراء أن يبقى مؤشر التضخم منخفضا، قبل أن يبدأ في الارتفاع الحاد. وقد وصل معدل التضخم بالفعل في سبتمبر (أيلول) الماضي إلى 1 في المائة، وذلك للمرة الثانية بعد تراجعه إلى المعدل ذاته في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014. وكان المؤشر قد تراجع إلى «انكماش وجيز» في أبريل (نيسان) 2015، وذلك للمرة الأولى منذ أكثر من نصف قرن، لكنه وصل في يوليو الماضي إلى 2.6 في المائة على أساس سنوي.
وأدى انخفاض أسعار النفط في الأعوام السابقة إلى انخفاض تكاليف المدخلات بالنسبة للمصنعين، لكن مع إسترليني «أضعف» الآن بدأت التكاليف في الارتفاع، وكان العامل الكبير الذي أدى إلى تراجع التضخم انخفاض الأسعار في المتاجر، وقام معظم تجار التجزئة بتغطية انكشاف الإسترليني.
قبل تصويت المغادرة، كان الحديث الوحيد الدائر في الأوساط الاقتصادية البريطانية يتمحور حول «متى يحين أول ارتفاع لأسعار الفائدة؟»... ولكن السؤال الآن تحول إلى «كيف يمكن لبريطانيا أن تتخلى عن معدلات فائدة منخفضة؟». ومع ذلك، يواجه بنك إنجلترا مهمة صعبة، فهو في حاجة إلى التوازن بين الرغبة في دعم الاقتصاد، مع ضمان أن يظل التضخم تحت السيطرة، ووصلت أسعار الفائدة حاليا إلى 0.25 في المائة.
دائما ما كان الإنفاق الاستهلاكي إحدى القوى الدافعة للانتعاش في المملكة المتحدة، لكن لا تزال هناك مخاوف بشأن أساس هذا الإنفاق، إذا ما كان الناس «يستغلون مدخاراتهم» أو «يحصلون على قروض»؛ نظرا لأن الأمر الأخير سيسبب مشاكل مستقبلية.
ووصل معدل مبيعات التجزئة في يوليو الماضي على أساس سنوي إلى 1.3 في المائة، في حين بلغت موافقات الرهن العقاري في يونيو الماضي 64.68 ألف موافقة. وشهدت مبيعات التجزئة نموا قويا مدعومة بانخفاض أسعار الفائدة والتضخم. وانخفضت ثقة المستهلكين بشكل حاد في أعقاب التصويت، لكنها تعافت بسرعة إلى مستويات ما قبل التصويت... في حين لا تزال موافقات الرهن العقاري أقل بكثير من مستويات ما قبل الأزمة.
ويعد قطاع الخدمات هو القوة الحقيقية للاقتصاد البريطاني، وهو ما يمثل نحو 80 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي... وهي واحدة من أجزاء الاقتصاد القليلة التي تجاوزت ذروة ما قبل الركود، ليصل معدل إنتاج قطاع الخدمات في مايو (أيار) الماضي إلى 2.4 في المائة على أساس سنوي، في حين جاء المعدل الشهري في الفترة نفسها عند 0.2 في المائة، وعلى أساس ربع سنوي 0.7 في المائة.
وعانى القطاع الخدمي مثله مثل بقية القطاعات الاقتصادية البريطانية، ولكن «التدابير الرسمية» أدت إلى استعادة القطاع ذروته بنهاية عام 2011، وذلك في وقت مبكر جدا قبل باقي الاقتصاد... وما زال القطاع مستمرا في التوسع بمعدل «صحي».
وانخفض مسح مديري المشتريات بشكل حاد في أعقاب التصويت لمغادرة الاتحاد الأوروبي، لكنه عاد عقب ذلك سريعا إلى معدلات ما قبل التصويت.
على عكس المعتقد، فإن التصنيع له مكان «رمزي» في الاقتصاد البريطاني... ورغم أهميته، فإن هذه الأهمية انخفضت على مدى عقود. ففي عام 1948 ساهم التصنيع بنحو 36 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنحو 10 في المائة فقط اليوم، فضلا عن انخفاض عدد العاملين في القطاع بوتيرة أسرع من حصته في الناتج، بينما ساهمت التكنولوجيا في جعل القطاع أكثر إنتاجية لأنه أصبح يركز على سلع ذات قيمة أعلى.
ووصل التغير السنوي في ناتج الإنتاج الصناعي في يونيو 2017 إلى 0.3 في المائة، ومعدل إنتاج الصناعات التحويلية في نفس الفترة إلى 0.6 في المائة على أساس سنوي، ومعدل التغير في الإنتاج الصناعي في يونيو إلى 0.5 في المائة.
ولا يزال الإنتاج الصناعي في المملكة المتحدة يكافح من أجل الانتعاش من الركود السابق، ويبقى متراجعا بنحو 9 في المائة من حجمه قبل الركود. وتبقى الصادرات هي النقطة الرئيسية الضعيفة للتصنيع بعد أن تعرضت للتباطؤ في منطقة اليورو... وعلى العكس، فإن الطلب المحلي «قوي»، لكن الصناعة ككل لا تزال أقل من معدلاتها قبل الركود.
وكان مؤشر مديري مشتريات التصنيع، الذي يدرس مستويات النشاط في القطاع التصنيعي، على «اتجاه نزولي»، متسقا إلى حد ما قبل الاستفتاء مع انخفاض النشاط ككل... ثم انخفض بشكل حاد في أعقابه مباشرة، لكن منذ ذلك الحين انتعش المؤشر مدعوما بارتفاع الطلب على الصادرات بعد انخفاض قيمة الإسترليني.
ويشكل البناء نحو 6 في المائة من الاقتصاد البريطاني، لكنه تراجع بشدة بسبب الركود الذي أعقب الأزمة المالية العالمية، وانكمش بنحو 17 في المائة من الذروة إلى أدنى مستوياته، بعد فترة طويلة من النمو مدفوعا بشكل أساسي من بناء المنازل.
وعاود القطاع الانخفاض مرة أخرى، لكن البيانات لا تزال متقلبة «للغاية»، ووصل التغير السنوي في إنتاج البناء في يونيو الماضي إلى 0.9 في المائة، متراجعا بنحو «سالب 0.1» مقارنة بمايو، وتباطأ إنتاج البناء لأشهر عدة، وتعافى إلى حد ما في الربع الأول من عام 2016، بعد أن انخفض بشكل حاد بعد التصويت وعاود النشاط بشكل حاد أيضا، وبخاصة مع تحسن تسليمات «الطوب»، وهي طريقة أخرى للتأكد من صحة هذه الصناعة.
وأدخلت الحكومة البريطانية الكثير من المخططات واستخدمت الكثير من الضغوط السياسية لتشجيع البنوك على تحسين فرصة الحصول على التمويل للشركات، وذلك على الرغم من أن بيانات بنك إنجلترا تشير إلى انخفاض الإقراض كل شهر منذ عام 2011.
وعاود الإقراض النمو في بداية عام 2016، وبلغ معدل النمو السنوي في إقراض المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم «سالب 0.9» في المائة، ومعدل النمو السنوي في الإقراض لجميع الشركات 0.3 في المائة، وبلغ الإقراض للشركات غير المالية ما يقرب من 460 مليار إسترليني في يوليو الماضي، و165 مليار إسترليني للشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم غير المالية.
وتبقى القروض لجميع الشركات ضعيفة، وفسر محللون ذلك بأن الشركات استفادت من أسعار الفائدة المنخفضة للغاية لتسديد الديون، وخاب أمل «الاستثمار التجاري» بعد النمو القوي وسط الاضطرابات حول الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي.
وتمتلك المملكة المتحدة تاريخا من الازدهار في سوق الإسكان الذي يقوده الائتمان، والذي تلاه «أزمة» أسعار المنازل. ويولي المنظمون الآن اهتماما وثيقا لأي علامات قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار «خارج نطاق السيطرة».
ومنذ الصيف الماضي هدأت معظم الأسواق، لكن الأسعار لا تزال أعلى بكثير مما كانت عليه قبل بضع سنوات، وبلغ التغير السنوي في متوسط أسعار المنازل في مارس (آذار) الماضي نحو 9 في المائة، وعلى أساس شهري بلغ 2.9 في المائة، ومنذ صيف 2016 ارتفعت أسعار المنازل بشكل أسرع مما كان يعتقد سابقا.



التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

TT

التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)
وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

رسائل كثيرة بعثها مؤتمر العلا في نسخته الثانية، لكنَّ أبرزها أنَّ «زمن الانتظار» خلف الاقتصادات المتقدمة قد انتهى؛ فاليوم تقف الأسواق الناشئة لا كأنها قوة مكملة، بل بوصفها محركاً سيادياً يقود أكثر من 70 في المائة من النمو العالمي. هذه الرسائل لم تكن مجرد استعراض للأرقام، بل كانت «بيان ثقة» يرتكز على ثلاثة دروس جوهرية قدمها وزير المالية السعودي محمد الجدعان من واقع التجربة السعودية، لتكون بمثابة بوصلة للاقتصادات الناشئة.

لقد وضع الجدعان العالم أمام حقيقة اقتصادية صلبة أنَّ مصداقية السياسات لا تُقاس ببراعة الخطط، بل بجسارة التنفيذ. وتجسد ذلك في دروسه الثلاثة؛ أولها أن استقرار الاقتصاد الكلي والانضباط المالي هما حجر الزاوية لأي نهوض، وثانيها أن الإصلاحات الهيكلية لا قيمة لها دون مؤسسات قادرة على تنفيذها، إذ تنبع المصداقية من الحوكمة والشفافية لا من الوعود. أما الدرس الثالث، فهو أن التعاون الدولي متعدد الأطراف بات ضرورة وجودية لحماية هذه الأسواق من الصدمات المتكررة.

هذه «الثلاثية» (الاستقرار، وكفاءة المؤسسات، والتعاون) هي التي تلخص فلسفة التحول الجديدة؛ حيث لم تعد الأسواق الناشئة مجرد ساحة للتجارب، بل أصبحت هي المنصة التي تُصاغ منها الحلول لمواجهة تحديات الدين وتباطؤ التجارة. غير أنَّ هذه الرسائل لم تغفل الجانب التنبيهي؛ إذ إنَّ هذه الأسواق - ورغم تفوقها النموذجي على الاقتصادات المتقدمة - لا تزال تتحرك فوق أرضية ملغومة بالديون المرتفعة، مما يجعل من دعوة الجدعان لتحويل المؤسسات إلى «أدوات تنفيذية مرنة» المرتكز الذي لا يقبل المساومة لضمان استدامة النمو.

وكانت انطلقت أعمال النسخة الثانية من مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026، الأحد، الذي تحتضنه محافظة العلا الواقعة (غرب السعودية) بالشراكة بين وزارة المالية وصندوق النقد الدولي، وبمشاركة رفيعة المستوى من صُنّاع القرار الاقتصادي، ووزراء مالية، ومحافظي بنوك مركزية، وقادة مؤسسات مالية دولية، ونخبة من الخبراء والمختصين من مختلف دول العالم.

«مجموعة العشرين»

وفي كلمته الافتتاحية، أوضح الجدعان أن هذه الاقتصادات أصبحت المُحرِّك الرئيسي للنشاط الاقتصادي الدولي بعد أن تضاعفت حصتها في الاقتصاد العالمي بأكثر من مرتين منذ عام 2000، لافتاً إلى أن أكبر 10 اقتصادات ناشئة في «مجموعة العشرين» تمثل وحدها الآن أكثر من نصف نمو العالم.

وتابع أن الاقتصاد العالمي يمرُّ بلحظة تحول عميق، تقودها الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، التي باتت تُشكِّل اليوم نحو 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من حيث القوة الشرائية، وتسهم بأكثر من 70 في المائة من النمو العالمي.

جانب من حضور وزراء ومسؤولين في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأشار إلى أنه رغم هذا الدور المحوري، فإن هذه الاقتصادات تواجه بيئةً دوليةً تزداد تعقيداً وتشرذماً، مع ارتفاع مستويات الديون، وتباطؤ نمو التجارة العالمية، وزيادة التعرُّض للصدمات الجيوسياسية.

وحذَّر الجدعان من أن أكثر من نصف البلدان منخفضة الدخل تعاني حالياً من ضائقة ديون، أو تقع تحت خطرها، في وقت تراجعت فيه معدلات نمو التجارة إلى نحو نصف ما كانت عليه قبل الجائحة، مما يفرض ضرورة تبني استجابة سياسية منسقة ونابعة من الملكية الوطنية للدول؛ لضمان فاعلية مواجهة هذه التحولات الهيكلية.

الإصلاحات الهيكلية

وشدَّد على أن التجربة السعودية خلال العقد الماضي عزَّزت دروساً أساسية، في مقدمتها؛ الاستقرار الاقتصادي الكلي هو الأساس المتين للنمو وليس عائقاً له، وأن مصداقية السياسات تأتي من كفاءة التنفيذ والقدرة على ترجمة الاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة، وليس من مجرد الخطط.

وفي هذا السياق، أكد أن الإصلاحات الهيكلية جاءت ثانياً، وهي لا يمكن أن تحقق نتائجها المرجوة ما لم تدعمها مؤسسات قوية وقادرة على الإنجاز، مشيراً إلى أن الحوكمة والشفافية تظلان الضمانة الأساسية لتحويل الرؤى إلى أثر ملموس على أرض الواقع.

ولفت الجدعان إلى أن تعزيز التعاون الدولي، وتفعيل دور المؤسسات متعددة الأطراف يأتي ثالثاً، مثل صندوق النقد والبنك الدوليَّين، ليس فقط بوصفها جهات إقراض، بل بوصفها بمثابة مستشارين موثوقين لدعم الاقتصادات الناشئة في رحلتها وسط الصدمات المتكررة.

النمو دون المستويات

من جهتها، ذكرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، أن النمو العالمي لا يزال دون مستويات ما قبل الجائحة، محذرة من أن ذلك يثير القلق في ظل توقع التعرض لمزيد من الصدمات، مع تآكل الهوامش المالية في كثير من الدول، وارتفاع ضغوط الإنفاق ومستويات الدين.

وحدَّدت غورغييفا أولويَّتين للسياسات؛ الأولى إطلاق نمو يقوده القطاع الخاص عبر تقليص البيروقراطية، وتعميق الأسواق المالية، وتعزيز المؤسسات وتحسين الحوكمة، إلى جانب تمكين الشباب من اكتساب مهارات وظائف المستقبل وتشجيعهم على ريادة الأعمال.

أما الثانية، فتعزيز التكامل في عالم يشهد تبدل التحالفات وأنماط التجارة، عبر اغتنام فرص التعاون الإقليمي وعبر الأقاليم، وخفض الحواجز بما يحافظ على التجارة بوصفها محركاً للنمو.

وأبانت غورغييفا أن إطلاق المؤتمر، العام الماضي، جاء اعترافاً بالدور المتنامي للاقتصادات الناشئة في عالم يشهد تحولات واسعة في الجغرافيا السياسية والتكنولوجيا والتجارة.

وطبقاً لمديرة صندوق النقد الدولي، فإن السياسات الجيدة تؤتي ثمارها، وإن معدلات النمو في الاقتصادات الناشئة تبلغ نحو 4 في المائة هذا العام، متجاوزة بفارق كبير نظيرتها في الاقتصادات المتقدمة، البالغة قرابة 1.5 في المائة، بينما تزيد حصة الاقتصادات الناشئة من الاقتصاد العالمي على 56 في المائة.

غورغييفا تتحدث إلى الحضور في مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

التجارة والاستثمار

من ناحيته، أكد وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، على ضرورة السرعة والمرونة في صنع السياسات لاقتصادات الأسواق الناشئة، قائلاً: «الوقت ليس محايداً، فالتأخير يحمل تكلفة اقتصادية كلية تتراكم بمرور الوقت، لذلك تمكنت الدول التي استطاعت ضغط دورات اتخاذ القرار مع الحفاظ على الثقة والمصداقية من تحويل تلك السرعة إلى ميزة استراتيجية».

وزاد الإبراهيم، أن السعودية «ستظل منارة للبراغماتية في شراكاتها»، وستعمل كأنها حلقة وصل تخلق منصة للفرص من جميع أنحاء العال، مفيداً أن التجارة والاستثمار لا يزالان محركين أساسيين للنمو والمرونة لاقتصادات الأسواق الناشئة.

وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)

وأردف وزير الاقتصاد والتخطيط: «أمامنا اليوم فرصة لبحث آليات المواكبة مع نظام التجارة المتطور، واستكشاف كيف يمكننا تحقيق قيمة أكبر من خلال ذلك»؛ مؤكداً على الدور الاستراتيجي للمؤسسات في ضمان المواءمة مع نظام التجارة العالمي.

المخاطر الجيوسياسية

من جانبه، صرّح وزير المالية الصيني لان فوان آن، بأن الاقتصادات الناشئة والنامية تواجه 3 تحديات رئيسية، تشمل ضعف زخم النمو، واتساع فجوات التنمية، وازدياد أوجه القصور في منظومة الحوكمة الاقتصادية العالمية.

وتابع أن الاقتصاد العالمي سجَّل نمواً بنحو 3.3 في المائة خلال عام 2025، وهو أقل من متوسط ما قبل الجائحة، مؤكداً أن ذلك يعود إلى تصاعد الحمائية وازدياد عدم اليقين الجيوسياسي، وما نتج عن ذلك من تباطؤ في التجارة العالمية، وتجزؤ الاقتصاد الدولي.

وزير المالية الصيني في كلمته الخاصة خلال مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأكمل أن هذه التطورات أسهمت في تعطيل تخصيص الموارد عالمياً وتعميق الفجوة التكنولوجية، لا سيما في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، في وقت لا تزال فيه الدول النامية متأخرة في حجم الاستثمارات التقنية. وحسب لان فوان آن، فإن أوضاع الديون في الدول منخفضة الدخل واصلت التدهور، ما يقيّد نمو الاستهلاك والاستثمار، ويؤثر سلباً على جهود التنمية، مشيراً إلى أن دول الجنوب العالمي تمثل نحو 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتسهم بنحو 75 في المائة من النمو العالمي.

السياسات النقدية

من جهة أخرى، أفاد محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، بأن حالة عدم اليقين الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية، مشيراً إلى 4 أسباب رئيسية لذلك؛ تتمثل في التجزؤ الجيوسياسي، والتسارع الكبير في التطورات التكنولوجية - لا سيما الذكاء الاصطناعي- وتقلبات أسعار السلع، إضافة إلى النمو المتنامي للوساطة المالية غير المصرفية.

وأبان السياري أن آليات انتقال السياسات النقدية التقليدية بدأت تظهر علامات ضعف مع تراجع دور القنوات المصرفية التقليدية، في وقت تجاوزت فيه أصول الوساطة المالية غير المصرفية 51 في المائة من إجمالي الأصول المالية العالمية، ما أدّى إلى زيادة حساسية الأسواق لتقلبات السيولة، وظهور ضغوط متكررة عبر آليات، مثل طلبات تغطية الهوامش، وخصومات الضمانات، وعمليات خفض المديونية المتزامنة.

محافظ البنك السعودي المركزي في جلسة حوارية (الشرق الأوسط)

وزاد أن الصدمات التي تواجه النظام المالي العالمي أصبحت متعددة الأبعاد وأكثر تكراراً، وغالباً ما تكون خارجية بالنسبة للاقتصادات الناشئة التي تعاني أصلاً تحديات داخلية تزيد من حدة التقلبات.

وتحدث السياري عن تجربة المملكة، موضحاً أنها اعتمدت على هوامش احتياطية للحفاظ على الاستقرار المالي والأسواق، وأظهرت أهمية السياسات المعاكسة للدورات الاقتصادية في الحد من التقلبات، مشيراً إلى أن تراكم الاحتياطيات خلال فترات النمو يستخدم استراتيجياً لدعم ميزان المدفوعات وتخفيف أثر تقلبات أسعار السلع.

وشرح أن ربط الريال بالدولار الأميركي أسهم في ترسيخ استقرار الأسعار، لافتاً إلى أن متوسط التضخم خلال السنوات الخمس الماضية ظل دون مستوى 3 في المائة.

التضخم

أما محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، فيرى أن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات، مشيراً إلى أن مستوى النشاط الاقتصادي تأثر بهذه الضبابية مع تفاوت الزخم بين الدول والقطاعات والمناطق، غير أن الاقتصاد العالمي أثبت قدرة واضحة على التكيف مع مشهد سريع التغير.

وأردف، أن التضخم لم يرتفع بشكل ملحوظ خلال العام الماضي، رغم استمرار ضغوط تكاليف المعيشة في كثير من الدول، مضيفاً أن الأوضاع المالية العالمية كانت داعمة إلى حد كبير على الرغم من فترات التقلب وارتفاع عوائد السندات السيادية.

وفيما يتعلق بالنظام المالي، شرح أن الإصلاحات التي أعقبت الأزمة المالية جعلته أكثر متانة وقدرة على امتصاص الصدمات الكبيرة رغم انتقال جزء من الوساطة المالية من البنوك إلى المؤسسات غير المصرفية، مؤكداً أن البنوك لا تزال مصدراً أساسياً للائتمان والسيولة.

إصلاحات السعودية

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر العلا، أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، البروفسور بول أنتراس، أن السعودية تقدِّم نموذجاً استثنائياً في مشهد التحولات التجارية العالمية، يختلف جذرياً عن القوالب التقليدية للأسواق الناشئة. وعدّ أن العولمة لم تنتهِ، بل أعادت تشكيل نفسها فيما سماه «التكامل المجزأ».

ولفت أنتراس إلى أن «رؤية السعودية» وإصلاحاتها الهيكلية تضعانها في موقع متميز للاستفادة من «التكامل المجزأ» الذي يشهده العالم، مشدداً على أن رهان المملكة على التحول اللوجيستي والذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي لنمو مستدام يتجاوز ضجيج الأزمات العالمية.

أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد البروفيسور بول أنتراس خلال حديثه إلى الحضور في المؤتمر (الشرق الأوسط)

وعن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على خطط الدول الناشئة للتحول نحو الصناعات المعقدة، أجاب أنتراس: «تحد أسعار الفائدة المرتفعة، مضافة إليها علاوة المخاطر التي تواجهها الأسواق الناشئة، دون شك من الاستثمارات. التصدير يتطلب ائتماناً واستثماراً وتحسيناً للجودة. ولكن الفائدة ارتفعت لسبب جوهري، وهو أنها تعكس توقعات نمو عالية ناتجة عن الذكاء الاصطناعي والتغيُّر التكنولوجي».

ووفق أنتراس، فإن هذا النمو هو المخرج، فـ«إذا تحقَّقت إمكانات النمو هذه، فستتحسَّن الإنتاجية بشكل كبير، مما يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على التنبؤ بالطلب بشكل أفضل والعثور على أسواق لم يتم استغلالها من قبل. لذا، نعم، الفائدة قوة سلبية، لكن إذا كانت مدفوعةً بإمكانات نمو حقيقية، فقد لا يكون الأمر بهذا السوء».


السعودية ومصر تؤكدان جاهزية موانئهما لعودة الملاحة بعد استقرار أوضاع المنطقة

رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
TT

السعودية ومصر تؤكدان جاهزية موانئهما لعودة الملاحة بعد استقرار أوضاع المنطقة

رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)

أكد سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية»، على جاهزية المواني السعودية وقناة السويس لاستقبال عودة الخطوط الملاحية الكبرى للعبور مرة أخرى من المنطقة بعد استقرار الأوضاع.

وعبر المزروع، خلال لقائه الفريق أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس المصرية، على هامش فعاليات المؤتمر السنوي الدولي للنقل البحري واللوجيستيات (مارلوج) بالقاهرة، عن تقديره لجهود هيئة قناة السويس في تعزيز الاستدامة والاستقرار لحركة الملاحة العالمية المارة بمنطقة البحر الأحمر وباب المندب.

تجدر الإشارة إلى أن منطقة البحر الأحمر كانت تشهد فترة من الاضطرابات الملاحية، بسبب الهجوم على السفن التجارية، من قبل جماعة الحوثيين اليمنية، غير أن التوصل لوقف إطلاق النار في غزة، ساهم في توقف الحوثي بنسبة كبيرة عن تلك الهجمات، وعودة خطوط الملاحة الدولية الكبرى للمرور من قناة السويس، التي يمر بها نحو 12 في المائة من التجارة العالمية.

وأبدى المزروع رغبته في التعاون مع قناة السويس في مجال بناء المعديات، فضلاً عن التعاون مع شركات الهيئة العاملة في مجالات التكريك وأعمال الأرصفة، لا سيما مع اتجاه المملكة لتطوير ميناء جدة والقيام بالعديد من مشروعات البنية التحتية.

وشدَّد رئيس «الهيئة العامة للموانئ» بالمملكة العربية السعودية على أن التعاون مع هيئة قناة السويس يعكس قوة العلاقات الثنائية بين البلدين ووحدة الأهداف، متوقعاً أن تشهد الفترة المُقبلة مزيداً من التعاون البنَّاء بين الجانبين.

من جانبه، صرَّح الفريق أسامة ربيع، أنه بحث مع المزروع، سبل التعاون المستقبلي، والتباحث حول آليات التعاون في مجالات تقديم الخدمات اللوجيستية، وبناء الوحدات البحرية، وأعمال المواني والتكريك.

وأعرب ربيع، وفقاً لبيان صحافي صادر عن هيئة قناة السويس، عن تطلعه «لتعزيز علاقات الشراكة والصداقة ومد جسور التعاون لتشمل مجالات عمل جديدة بما يتناسب مع طبيعة المرحلة الراهنة في ضوء تطور مفهوم الخدمات البحرية واللوجيستية بهيئة قناة السويس وزيادة متطلبات المواني البحرية السعودية».

وأكد الفريق ربيع أن «هيئة قناة السويس تمتلك تجربة تعاون ناجحة مع (هيئة الموانئ السعودية) حيث قامت أكاديمية المحاكاة والتدريب البحري التابعة للهيئة بعملية نمذجة ناجحة لميناء رأس الخير في السعودية تمهيداً لتنفيذ عملية ازدواج لقناة الاقتراب في الميناء، وهو التعاون الذي شهد إشادة كبيرة من جانب وفد (هيئة الموانئ السعودية)».

واستعرض ربيع جهود توطين الصناعة البحرية في الترسانات والشركات التابعة لهيئة قناة السويس والتي شهدت طفرة كبيرة خلال العامين الماضيين تحت شعار «صنع في مصر» بجودة عالمية وأسعار تنافسية.

بدأت فعاليات المؤتمر السنوي الدولي للنقل البحري واللوجيستيات (مارلوج) في نسخته الخامسة عشر، والذي تنظمه الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري تحت رعاية جامعة الدول العربية وبالتعاون مع وزارة النقل المصرية بالقاهرة، خلال الفترة من 8 - 10 فبراير (شباط) الحالي.

وأشار رئيس الهيئة إلى أن إحصائيات الملاحة بالقناة خلال النصف الأول من العام المالي (2025/ 2026) شهدت تحسناً نسبياً مُسجلة نمواً في أعداد السفن العابرة بنسبة 5.8 في المائة، وارتفاعاً في الحمولات الصافية بنسبة 16 في المائة، بما انعكس إيجاباً على زيادة الإيرادات بنسبة 18.5 في المائة، وذلك مقارنة بالفترة ذاتها من العام المالي 2024/ 2025.

وأضاف أن حركة الملاحة بالقناة منذ بداية العام الحالي 2026 سجلت عبور 1315 سفينة بإجمالي حمولات صافية 56 مليون طن محققة إيرادات قدرها 449 مليون دولار مقابل عبور 1243 سفينة بإجمالي حمولات صافية قدرها 47 مليون طن، محققة إيرادات قدرها 368 مليون دولار، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.


«صندوق النقد الدولي» يوقع مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي» لتعزيز التعاون

تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
TT

«صندوق النقد الدولي» يوقع مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي» لتعزيز التعاون

تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)

وقّع «صندوق النقد الدولي» مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي»، على هامش «مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة»؛ بهدف تعزيز التعاون المشترك بين الجانبين، وقد وقّعتها المديرة العامة لـ«صندوق النقد الدولي» الدكتورة كريستالينا غورغييفا، والمدير العام لـ«صندوق النقد العربي» الدكتور فهد التركي.

تهدف مذكرة التفاهم إلى «تعزيز التنسيق في مجالات السياسات الاقتصادية والمالية، بما يشمل التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض، وتبادل البيانات والأعمال التحليلية، وبناء القدرات، وتقديم المساندة الفنية، دعماً للاستقرار المالي والاقتصادي في المنطقة».

وأكد الجانبان أن هذه المذكرة تمثل خطوة مهمة نحو «تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين المؤسستين، والإسهام في دعم شبكة الأمان المالي الإقليمي؛ بما يخدم الدول الأعضاء، ويعزز قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية».