لبنان.. عهد «التسويات الضائعة»

سليمان ينهي عهده بقطيعة من «حزب الله».. و«الشغور» الرئاسي بعده يدخل البلاد في ظل المجهول

لبنان.. عهد «التسويات الضائعة»
TT

لبنان.. عهد «التسويات الضائعة»

لبنان.. عهد «التسويات الضائعة»

من المقرر أن يغادر الرئيس اللبناني ميشال سليمان مقر القصر الرئاسي في منطقة بعبدا، المشرفة على بيروت، يوم الأحد المقبل، بعد خطاب وداعي يلقيه مساء السبت، انكب هو ودوائر القصر الرئاسي على إعداده منذ أشهر عدة. ولكن لبنان الذي عاش في عهده اضطرابات أمنية كادت تودي به إلى أتون حرب أهلية جديدة، يواجه المجهول، بسبب الشغور الرئاسي.
وإذا كان الرئيس الأسبق إميل لحود، أنهى عهده بظل «قطيعة» سياسية كبرى من فريق «14 آذار»، فإن الرئيس سليمان ينهي عهده أيضا في ظل قطيعة من «حزب الله» والنظام السوري من خلفه، مفسحا المجال أمام «الشغور» للتسلل إلى المنصب المسيحي الأول في لبنان، بعد فشل الفرقاء بنسج تسوية سياسية مماثلة لتلك التي جعلت سليمان رئيسا بعد اتفاق الدوحة عام 2008، إثر أحداث دموية شهدتها بيروت عام 2008.

يبدأ سليمان مطلع الأسبوع المقبل صفحة جديدة من حياته، سيقضيها بين منزله في منطقة اليرزة المجاورة لبعبدا وفي مسقط رأسه عمشيت قرب مدينة جبيل (شمال بيروت)، مختتما مسيرة عسكرية بدأها عمليا منذ عام 1970 أوصلته إلى قيادة الجيش اللبناني لتسعة أعوام، قبل أن تسهل وصوله إلى سدة الرئاسة في لبنان عام 2008.
ست سنوات تولى فيها سليمان رئاسة الجمهورية اللبنانية في ظروف صعبة بل معقدة، داخليا وإقليميا. لم يسلم لبنان، الذي يتغنى أبناؤه بصيغته الفريدة من نوعها في المنطقة وبتنوعه المسيحي - الإسلامي، من رياح التغيير في العالم العربي، خصوصا بعد أن هبت على سوريا. خلال ثلاث سنوات من عهده، أرخت أزمة سوريا بثقلها على الساحة اللبنانية، زادت من حدة الانقسام السياسي خصوصا بعد مجاهرة «حزب الله» بانغماسه في القتال إلى جانب النظام السوري. أزمة ضاعفت تخبط الدولة والاقتصاد وعاثت بالأمن تفجيرات وصواريخ لم تسلم منها البلدات الحدودية، مولدة استنفارا طائفيا وعصبيا وأزمة لاجئين باتت أكبر من قدرة لبنان على تحملها.
لم يحفل العهد الرئاسي بإنجازات نوعية كثيرة، ليس تقصيرا من سليمان الذي يؤكد من يؤيده ومن يعارضه أن الظروف المحلية والإقليمية عاكسته ومنعته تحقيق الكثير، ولكن بفعل الانقسام الداخلي الذي عمقته أزمة سوريا. يكفي التذكير بأنه خلال السنوات الثلاث الأخيرة، انصرفت جهود أركان الدولة، وفي مقدمتهم الرئيس اللبناني، إلى محاولة إطفاء الحريق السوري في العشب اللبناني وتكريس سياسة «النأي بالنفس» عن أزمة سوريا، من دون أن تنجح في ذلك.
وبمعزل عن انعكاسات أزمة سوريا لبنانيا، تعاقبت أربع حكومات خلال عهد سليمان لم تنجز بدورها إلا القليل، ولم تتمكن حتى من ملء الشغور الإداري الذي فاقت نسبته 80 في المائة بفعل المناكفات السياسية، بين فريقي الأزمة، باستثناء ما بدأت بتحقيقه حكومة التسوية الأخيرة. لم تنجز حكومة الرئيس الأسبق فؤاد السنيورة الكثير رغم أنها شكلت امتدادا لتسوية الدوحة. واحتاجت حكومة الرئيس الأسبق سعد الحريري أكثر من أربعة أشهر حتى تبصر النور لتسقط بعد ذلك مع استقالة وزراء «8 آذار» ثم الوزير الشيعي الملك الذي كان محسوبا على سليمان عدنان السيد حسين.
وبعد تخليه عن تحالفه مع «14 آذار» تدريجيا بعد الانتخابات النيابية عام 2009، ساهم النائب وليد جنبلاط بترجيح الكفة لناحية تسمية نجيب ميقاتي رئيسا لحكومة العهد الثالثة عام 2011، وسط مقاطعة «14 آذار» التي امتنعت عن المشاركة فيها. مررت حكومة ميقاتي تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، بسلام، وهو ما لم تتمكن حكومة الحريري منه، لكنها لم تحقق الكثير خلال ثلاث سنوات صاخبة أمنيا، اختتمها ميقاتي بتقديم استقالته. ورغم تكليف الرئيس تمام سلام تشكيل حكومة بإجماع نيابي قل نظيره، فإن مشاوراته استغرقت 11 شهرا من الفراغ قبل ولادة حكومته بفعل تسوية سياسية استبقت مرحلة الشغور الرئاسي.
انطلاقا مما تقدم، ليس مبالغة القول إن ثلث عهد سليمان اتسم بالفراغ الحكومي والمناكفات السياسية، وفاقمت أزمة سوريا من سوء علاقته مع «حزب الله»، الذي قاتل في سوريا إلى جانب النظام. وشكل موقفه من كشف مخطط ما يسمى «المملوك - سماحة»، بدء التحول في علاقته مع النظام السوري، علما بأن علاقة وطيدة جمعته مع الطرفين، أي «حزب الله» والنظام السوري، خلال قيادته الجيش اللبناني وفي السنوات الأولى من عهده.
كما شهد عهد سليمان توترات أمنية صاخبة، مع 20 جولة قتال في مدينة طرابلس (شمال لبنان)، وخاض الجيش مواجهات مع مجموعة الشيخ المتشدد والمطلوب للعدالة أحمد الأسير في مدينة صيدا (جنوبا)، إضافة إلى بروز ظاهرة الانتحاريين والسيارات المفخخة التي ناهز عددها 14 تفجيرا، استهدف معظمها مناطق نفوذ «حزب الله»، إضافة إلى حواجز للجيش اللبناني ومدينة طرابلس.
الصعوبات التي واجهت سليمان في عهده، عبر عنها رئيس اللقاء الديمقراطي النائب وليد جنبلاط، بقوله بعد اختتام جلسة الحوار الأخيرة، مطلع الشهر الحالي: «بكلمات مختصرة، لقد قاد رئيس الجمهورية ميشال سليمان البلاد في أصعب الظروف ونجح في أن بقي رئيسا لجميع اللبنانيين دون تحيز لأي فريق من الفرقاء، ونجح في أن أدار هيئة الحوار التي بدأت أيام الرئيس نبيه بري في أصعب الظروف. سينصف التاريخ هذا الرجل لإنجازاته، وكم تحمل من غالبية الفرقاء اللبنانيين من صعوبات ومن مضايقات، لكنه نجح بأعصابه الباردة وحكمته ووطنيته ولبنانيته، في اجتياز أدق المراحل وتجنيب البلاد تشنجات كبيرة وتأكيد أن لا مفر من الحوار».
لكن رغم ضبابية المشهد الداخلي والإقليمي، استطاع سليمان القيام بخطوات مهمة أبرزها إطلاق هيئة الحوار الوطني، التي أقرت «إعلان بعبدا»، الذي نص في أحد بنوده على حياد لبنان عن صراع المحاور وتحديدا أزمة سوريا، رغم أن قوى سياسية تنصلت منه وتحديدا «حزب الله». وقال جنبلاط في هذا السياق، في كلمته في اختتام اجتماعات هيئة الحوار: «معا، أقررنا معه إعلان بعبدا، ونعلم أن الظروف الإقليمية والدولية لا تساعد اليوم على تحقيق هذا الإعلان، لكنه سيبقى مسجلا نقطة بيضاء في تاريخ عهده إلى جانب نقاط مفصلية أخرى».
ويقول الوزير السابق ناظم الخوري، المقرب من سليمان، لـ«الشرق الأوسط»، إن «إطلاق هيئة الحوار الوطني في القصر الجمهوري هو بلا شك من أبرز إنجازات العهد، بعد أن كان الرئيس نبيه بري أطلق الحوار عام 2006». ويوضح أن الهيئة أقرت، خلال 18 اجتماعا عقدته، نقاطا أساسية، أبرزها «إعلان بعبدا»، الذي أكد «تثبيت الميثاق الوطني والدستور والطائف». كما تخلل اجتماعات هيئة الحوار «الإعلان عن مواقف مصيرية، وآخرها جزم بري باسم جميع المسلمين في لبنان التمسك بالمناصفة، وفي الوقت ذاته نفي أي نية للمطالبة بعقد مؤتمر تأسيسي جديد في لبنان».
والإنجاز الحواري الثاني، وفق الخوري، هو في «وضع غالبية الأفرقاء تصورهم للاستراتيجية الدفاعية على طاولة البحث، وفي مقدمتهم تصور سليمان الذي لم يناقش للأسف بسبب إشكاليات سياسية». ويعرب الخوري عن اعتقاده أن سليمان «أرسى أسس الحوار الوطني الذي يتوجب على أي رئيس مقبل متابعته بوصفه ضرورة وطنية».
لا ينكر الخوري، وهو من الدائرة الضيقة المقربة من سليمان، أن «ظروفا وانقسامات إقليمية وداخلية أعاقت إنجاز إصلاحات كان الرئيس يأمل تحقيقها ولم يتسن له ذلك، ومن هنا لومه وعتبه على بعض الأفرقاء»، مبينا في الوقت ذاته أنه «وضع أسس إصلاحات ضرورية عدة على غرار تقديمه مشروع قانون انتخاب قائما على النظام النسبي، لكن البرلمان لم يناقشه، وإطلاقه أسس نظام اللامركزية الإدارية قبل نحو شهر». ويشير إلى أن «الأسس المتعلقة بالحوار الوطني واللامركزية وقانون الانتخاب باتت بمثابة مرجعية لأي رئيس مقبل».
وفي موازاة إشارته إلى أن «سليمان أعاد الحضور اللبناني إلى المحافل الدولية بشهادة كل الأفرقاء وحظي باحترام وثقة ومصداقية رؤساء الدول، كما أطلق سياسة (النأي بالنفس)، وفي عهده تبادل لبنان وسوريا العلاقات الدبلوماسية من خلال السفارات»، يشدد الخوري على أن سليمان «نجح سياسيا في تكريس نهج قائم على الحوار والاعتدال والإدارة الحكيمة للسياسة اللبنانية».
وفي سجل «الإنجازات» الرئاسية، يتحدث مقربون من سليمان عن جهوده في دعم الجيش اللبناني وتسليحه، لا سيما الهبة السعودية لتسليح الجيش اللبناني بثلاثة مليارات دولار، وتعد الهبة الكبرى في تاريخ الجيش اللبناني، إضافة إلى دور سليمان في إنشاء مجموعة الدعم الدولية لمساعدة لبنان فيما يتعلق بأزمة اللاجئين السوريين.
وكان سليمان عدد في وقت سابق ما كان يرغب في إنجازه قبل نهاية عهده بـ«تحقيق استرداد الجنسية للمغتربين، وتأمين حق اقتراع المغتربين، ووضع قانون جديد للانتخابات على أساس النسبية، وتطبيق الاستراتيجية الدفاعية». ويذكر أن سليمان كان من أشد المعارضين لقانون «اللقاء الأرثوذكسي»، الذي توافق الأفرقاء المسيحيون عليه في بكركي، وينص على أن تنتخب كل طائفة نوابها. كما عارض تمديد البرلمان اللبناني لنفسه في يونيو (حزيران) الماضي، وقدم طعنا إلى المجلس الدستوري لإبطال تنفيذه، لكن الانقسامات السياسية داخل المجلس حالت دون قيامه بدوره.
وينقسم الأفرقاء اللبنانيون في تقييم عهد سليمان، وإن كانوا يجمعون على الصعوبات الأمنية والسياسية، الداخلية والإقليمية، التي كانت بالمرصاد. يثني فريق 14 آذار عموما على التحول في خطاب سليمان من «حزب الله» وسوريا. يقول العميد المتقاعد وهبي قاطيشا، نائب رئيس حزب القوات، لـ«الشرق الأوسط»، إن سليمان «عندما تحرر من الهيمنة السورية أخذ المواقف السياسية المطلوبة في السنوات الثلاثة الأخيرة»، فيما يرى الباحث السياسي، المقرب من «حزب الله»، طلال عتريسي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن سليمان «لم ينجح في الحفاظ على ثوابت وردت في خطاب قسمه، ولم يكن لعهده نهج واضح».
التحول في علاقة سليمان بـ«حزب الله» بدا واضحا في العام الأخير من عهده الرئاسي تحديدا. في خطاب عيد الجيش، في الأول من أغسطس (آب) الماضي، أكد سليمان أنه «أصبح ملحا درس الاستراتيجية الوطنية للدفاع وإقرارها في ضوء تطورات المنطقة، والتعديل الطارئ على الوظيفة الأساسية لسلاح المقاومة الذي تخطى الحدود اللبنانية»، في إشارة إلى مشاركة الحزب في القتال بسوريا. وجاء الرد بعد أسبوعين على لسان رئيس كتلة «حزب الله» النائب محمد رعد الذي قال إن «إعلان بعبدا ولد ميتا ولم يبق منه إلا الحبر على الورق». وساءت العلاقة بين الطرفين تدريجيا لتبلغ أقصاها مع دعوة سليمان الأفرقاء أثناء المشاورات لتشكيل حكومة سلام، إلى التخلي عن «المعادلات الخشبية»، في إشارة إلى تمسك حزب الله بمعادلة «الجيش والشعب والمقاومة». فكان الرد الأقسى من الحزب الذي دعا «ساكن القصر» إلى «التمييز بين الخشب والذهب».
أثارت مواقف سليمان غضب «حزب الله»، الذي قاطع جلسات الحوار الأخيرة، وكذلك فعل بعض حلفائه المقربين من النظام السوري. وفي سياق متصل، برز موقف لافت لرئيس تيار المردة النائب سليمان فرنجية، الذي قال في حديث تلفزيوني أول من أمس، إن «مواقف رئيس الجمهورية الأخيرة هي ردة فعل على عدم التمديد، ولو قبلنا بالتمديد له لكان اليوم في صلب (8 آذار)».
وسأل فرنجية: «كل السلاح الذي كان يأتي من سوريا إلى (حزب الله) ألم يكن ميشال سليمان يمرره عندما كان قائدا للجيش؟ أكنا لنقبل به رئيسا لو لم يلتزم الاستمرار بهذه السياسة؟ أكان استطاع أن يصل إلى الرئاسة لو لم يعد (حزب الله) بالاستمرار بنفس السياسة معه؟ هل أصبح وطنيا في الشهرين الأخيرين من عهده؟». وذهب فرنجية إلى حد القول إن «سليمان يتمنى التحدث مع الأسد لكن الرئيس (بشار) الأسد يرفض الحوار معه»، لافتا إلى أن «إعلان بعبدا لا شيء فيه غير الحياد الذي لم يعد موجودا».
وفي هذا السياق، يرى الباحث والأستاذ الجامعي طلال عتريسي في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» أن «لا إنجازات مهمة متعلقة بالحياة السياسية أو بالملفات الكبرى أو عمل المؤسسات، يمكن التوقف عندها لدى مراجعة عهد سليمان»، مشيرا إلى أن «الظروف الإقليمية جعلت الرئيس في حالة من المد والجزر تفاعلا مع الأوضاع القائمة، مع النظام السوري وضده، مع المقاومة وضدها، عدا عن الفوضى الأمنية في الشمال وصيدا..». ويقول عتريسي، المواكب للشأن الإيراني والمقرب من «حزب الله»: «لا الظروف ساعدت سليمان ولا هو نجح بالعمل تحت راية شعار أو نهج واحد»، مشيرا إلى أنه «بدا في المرحلة الأخيرة أن الهدف من غزله السابق لـ(حزب الله) توظيفه من أجل التمديد». ويرى أن «مشكلة سليمان أن ثوابته لم تعد معروفة، بعد أن أخذته التجاذبات الإقليمية باتجاه معين وأثرت على مواقفه السياسية، خصوصا من المقاومة».
يعارض عتريسي القول إن «إعلان بعبدا» هو إنجاز. ويعلق بالقول: «إذا كان (إعلان بعبدا) إنجازا فهذا كارثة»، مذكرا بأن «رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة عارض مضمونه الذي جاء بعد مشاركة شبان من الشمال في القتال في سوريا ثم بات من مؤيديه، في حين أن (حزب الله) أيده ثم بات اليوم من معارضيه». ويستنتج عتريسي أن «أيا من القوى السياسية لا تدافع عن إعلان بعبدا بعدما لم يتحقق شيء مما ورد فيه».
ويذهب عتريسي إلى حد القول إن «سليمان لم يتمكن من جمع المسيحيين حوله، إذ فضل خوض صراعات مع بعض القوى المسيحية وعمد لتهميش بعضها كالنائب ميشال عون، وساهم ذلك في أن يضعف نفسه بنفسه».
في المقابل، لا يلتقي وهبي قاطيشا، نائب جعجع، مع عتريس إلا لناحية التأكيد على أن «الظروف المحلية والإقليمية لم تسعف سليمان كثيرا»، لكن قاطيشا يرى أن سليمان «عندما تحرر من الهيمنة السورية أخذ المواقف الوطنية المطلوبة». ويضع التحول في مواقفه من «حزب الله» في إطار «المواقف الوطنية الأساسية التي ينبغي على أي رئيس لبناني غير خاضع للضغوط الخارجية أن يعلنها». ويضيف: «صحيح أن الرئيس جاء بتسوية في الدوحة وكان قريبا من (حزب الله) خلال قيادته للجيش من أجل حل بعض المشاكل وضرورات التنسيق، لكنه عندما تحرر من الضغط السوري باتت مواقفه أكثر انسجاما مع قناعاته الوطنية».
يعارض قاطيشا الربط بين مواقف سليمان الأخيرة من «حزب الله» وقرار الأخير عدم التمديد له. يقول إنه «لو كان سليمان طامحا إلى التمديد، لما أعلن هذه المواقف الوطنية الصحيحة المنتقدة لقتال الحزب في سوريا، ولبقي يساير الحزب على حساب القضايا الوطنية»، متابعا: «لكنه عوض ذلك، فضل ترك الحكم كبيرا على أن يقدم على تسويات صغيرة».
ولا ينكر قاطيشا تباين وجهة نظر «القوات» مع سليمان في محطات كثيرة، لكنه يوضح: «إننا وقفنا إلى جانبه بوصفه رمزا وطنيا ولم نذهب بعيدا في انتقاداتنا، في حين أن قوى أخرى على غرار عون وفرنجية المرتبطين بسوريا والسلاح، أخذا مواقف يمكن وصفها، على الأقل، بأنها لا أخلاقية». ويرى قاطيشا أن «سليمان لم يتمكن من استيعاب الطرف الآخر ولم يسلم من شره». وفي موازاة تصنيف قاطيشا «إعلان بعبدا، رغم تنصل حزب الله منه، والهبة السعودية للجيش، إضافة إلى وقوف سليمان سدا منيعا في اجتماعات الحكومات المتعاقبة» في إطار «إنجازات العهد الرئاسي»، يشدد على أن واحدة من أبرز ميزات الرئيس هي كونه «دستوريا بامتياز، إذ شكل الدستور مرجعه في المحطات كافة انطلاقا من قناعته أنه ليس بإمكان أحد أن يكون أقوى من الدستور». وعلى وقع كل هذه الانتقادات والإشادات، يغادر سليمان القصر الرئاسي «براحة ضمير وفخر بما أنجزه رغم كل الظروف الصعبة والانقسامات الحادة»، وفق ما يؤكده الوزير السابق ناظم الخوري لـ«الشرق الأوسط»، متابعا: «يكفيه أنه كان قادرا على التجديف وسط المياه الهائجة، ونجح بمعية الرئيس سلام في تشكيل حكومة تسوية».
كما يبقى للتاريخ أن يحكم على عهد سليمان، الرئيس الثاني عشر للجمهورية اللبنانية، والأول بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان، وأن يقيم إنجازاته وإخفاقاته. يبقى أن النائب وليد جنبلاط كان سباقا في الحكم على هذه التجربة، بمقارنته بين سليمان والرئيس الأسبق فؤاد شهاب، وقوله إن «سليمان برفض أي مشروع تمديد يلتقي مع رئيس كبير من رؤساء لبنان هو الراحل فؤاد شهاب».

* «المقاومة» في خطاب القسم
* خصص الرئيس اللبناني ميشال سليمان في خطاب قسمه الرئاسي جزءا للحديث عن المقاومة، في إشارة إلى «حزب الله»، جاء فيه: «إن نشوء المقاومة كان حاجة في ظل تفكك الدولة، واستمرارها كان في التفاف الشعب حولها، وفي احتضان الدولة كيانا وجيشا لها، ونجاحها في إخراج المحتل يعود إلى بسالة رجالها، وعظمة شهدائها، إلا أن بقاء مزارع شبعا تحت الاحتلال، ومواصلة العدو الإسرائيلي لتهديداته وخروقاته للسيادة، يحتم علينا استراتيجية دفاعية تحمي الوطن، متلازما مع حوار هادئ، للاستفادة من طاقات المقاومة، خدمة لهذه الاستراتيجية. فلا تستهلك إنجازاتها في صراعات داخلية، ونحفظ بالتالي قيمها وموقعها الوطني. يتزامن هذا اليوم، مع الذكرى الوطنية للتحرير والنصر، فلتكن حافزا لنا لمزيد من الوعي لما يتربص بنا، ولتجديد تمسكنا بالحرية والديمقراطية، التي ضحينا من أجلهما لنصون الوطن».
- يعد ميشال سليمان الرئيس الثاني عشر للجمهورية اللبنانية، أي بعد توقيع اتفاق الطائف، علما بأن ولايته تنتهي في 25 مايو (أيار) المقبل. ولد في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) 1948 في عمشيت، قضاء جبيل. متأهل من السيدة وفاء سليمان، ولهما ثلاثة أولاد: ريتا ولارا وشربل. تخرج من المدرسة الحربية بصفة ملازم عام 1970، وتولى قيادة الجيش اللبناني بتاريخ 21 ديسمبر (كانون الأول) 1998 ولغاية 25 مايو (أيار) 2008. حصل في عام 1980 على إجازة في العلوم السياسية والإدارية من الجامعة اللبنانية. يتقن اللغات العربية والإنجليزية والفرنسية.



أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.