لبنان.. عهد «التسويات الضائعة»

سليمان ينهي عهده بقطيعة من «حزب الله».. و«الشغور» الرئاسي بعده يدخل البلاد في ظل المجهول

لبنان.. عهد «التسويات الضائعة»
TT

لبنان.. عهد «التسويات الضائعة»

لبنان.. عهد «التسويات الضائعة»

من المقرر أن يغادر الرئيس اللبناني ميشال سليمان مقر القصر الرئاسي في منطقة بعبدا، المشرفة على بيروت، يوم الأحد المقبل، بعد خطاب وداعي يلقيه مساء السبت، انكب هو ودوائر القصر الرئاسي على إعداده منذ أشهر عدة. ولكن لبنان الذي عاش في عهده اضطرابات أمنية كادت تودي به إلى أتون حرب أهلية جديدة، يواجه المجهول، بسبب الشغور الرئاسي.
وإذا كان الرئيس الأسبق إميل لحود، أنهى عهده بظل «قطيعة» سياسية كبرى من فريق «14 آذار»، فإن الرئيس سليمان ينهي عهده أيضا في ظل قطيعة من «حزب الله» والنظام السوري من خلفه، مفسحا المجال أمام «الشغور» للتسلل إلى المنصب المسيحي الأول في لبنان، بعد فشل الفرقاء بنسج تسوية سياسية مماثلة لتلك التي جعلت سليمان رئيسا بعد اتفاق الدوحة عام 2008، إثر أحداث دموية شهدتها بيروت عام 2008.

يبدأ سليمان مطلع الأسبوع المقبل صفحة جديدة من حياته، سيقضيها بين منزله في منطقة اليرزة المجاورة لبعبدا وفي مسقط رأسه عمشيت قرب مدينة جبيل (شمال بيروت)، مختتما مسيرة عسكرية بدأها عمليا منذ عام 1970 أوصلته إلى قيادة الجيش اللبناني لتسعة أعوام، قبل أن تسهل وصوله إلى سدة الرئاسة في لبنان عام 2008.
ست سنوات تولى فيها سليمان رئاسة الجمهورية اللبنانية في ظروف صعبة بل معقدة، داخليا وإقليميا. لم يسلم لبنان، الذي يتغنى أبناؤه بصيغته الفريدة من نوعها في المنطقة وبتنوعه المسيحي - الإسلامي، من رياح التغيير في العالم العربي، خصوصا بعد أن هبت على سوريا. خلال ثلاث سنوات من عهده، أرخت أزمة سوريا بثقلها على الساحة اللبنانية، زادت من حدة الانقسام السياسي خصوصا بعد مجاهرة «حزب الله» بانغماسه في القتال إلى جانب النظام السوري. أزمة ضاعفت تخبط الدولة والاقتصاد وعاثت بالأمن تفجيرات وصواريخ لم تسلم منها البلدات الحدودية، مولدة استنفارا طائفيا وعصبيا وأزمة لاجئين باتت أكبر من قدرة لبنان على تحملها.
لم يحفل العهد الرئاسي بإنجازات نوعية كثيرة، ليس تقصيرا من سليمان الذي يؤكد من يؤيده ومن يعارضه أن الظروف المحلية والإقليمية عاكسته ومنعته تحقيق الكثير، ولكن بفعل الانقسام الداخلي الذي عمقته أزمة سوريا. يكفي التذكير بأنه خلال السنوات الثلاث الأخيرة، انصرفت جهود أركان الدولة، وفي مقدمتهم الرئيس اللبناني، إلى محاولة إطفاء الحريق السوري في العشب اللبناني وتكريس سياسة «النأي بالنفس» عن أزمة سوريا، من دون أن تنجح في ذلك.
وبمعزل عن انعكاسات أزمة سوريا لبنانيا، تعاقبت أربع حكومات خلال عهد سليمان لم تنجز بدورها إلا القليل، ولم تتمكن حتى من ملء الشغور الإداري الذي فاقت نسبته 80 في المائة بفعل المناكفات السياسية، بين فريقي الأزمة، باستثناء ما بدأت بتحقيقه حكومة التسوية الأخيرة. لم تنجز حكومة الرئيس الأسبق فؤاد السنيورة الكثير رغم أنها شكلت امتدادا لتسوية الدوحة. واحتاجت حكومة الرئيس الأسبق سعد الحريري أكثر من أربعة أشهر حتى تبصر النور لتسقط بعد ذلك مع استقالة وزراء «8 آذار» ثم الوزير الشيعي الملك الذي كان محسوبا على سليمان عدنان السيد حسين.
وبعد تخليه عن تحالفه مع «14 آذار» تدريجيا بعد الانتخابات النيابية عام 2009، ساهم النائب وليد جنبلاط بترجيح الكفة لناحية تسمية نجيب ميقاتي رئيسا لحكومة العهد الثالثة عام 2011، وسط مقاطعة «14 آذار» التي امتنعت عن المشاركة فيها. مررت حكومة ميقاتي تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، بسلام، وهو ما لم تتمكن حكومة الحريري منه، لكنها لم تحقق الكثير خلال ثلاث سنوات صاخبة أمنيا، اختتمها ميقاتي بتقديم استقالته. ورغم تكليف الرئيس تمام سلام تشكيل حكومة بإجماع نيابي قل نظيره، فإن مشاوراته استغرقت 11 شهرا من الفراغ قبل ولادة حكومته بفعل تسوية سياسية استبقت مرحلة الشغور الرئاسي.
انطلاقا مما تقدم، ليس مبالغة القول إن ثلث عهد سليمان اتسم بالفراغ الحكومي والمناكفات السياسية، وفاقمت أزمة سوريا من سوء علاقته مع «حزب الله»، الذي قاتل في سوريا إلى جانب النظام. وشكل موقفه من كشف مخطط ما يسمى «المملوك - سماحة»، بدء التحول في علاقته مع النظام السوري، علما بأن علاقة وطيدة جمعته مع الطرفين، أي «حزب الله» والنظام السوري، خلال قيادته الجيش اللبناني وفي السنوات الأولى من عهده.
كما شهد عهد سليمان توترات أمنية صاخبة، مع 20 جولة قتال في مدينة طرابلس (شمال لبنان)، وخاض الجيش مواجهات مع مجموعة الشيخ المتشدد والمطلوب للعدالة أحمد الأسير في مدينة صيدا (جنوبا)، إضافة إلى بروز ظاهرة الانتحاريين والسيارات المفخخة التي ناهز عددها 14 تفجيرا، استهدف معظمها مناطق نفوذ «حزب الله»، إضافة إلى حواجز للجيش اللبناني ومدينة طرابلس.
الصعوبات التي واجهت سليمان في عهده، عبر عنها رئيس اللقاء الديمقراطي النائب وليد جنبلاط، بقوله بعد اختتام جلسة الحوار الأخيرة، مطلع الشهر الحالي: «بكلمات مختصرة، لقد قاد رئيس الجمهورية ميشال سليمان البلاد في أصعب الظروف ونجح في أن بقي رئيسا لجميع اللبنانيين دون تحيز لأي فريق من الفرقاء، ونجح في أن أدار هيئة الحوار التي بدأت أيام الرئيس نبيه بري في أصعب الظروف. سينصف التاريخ هذا الرجل لإنجازاته، وكم تحمل من غالبية الفرقاء اللبنانيين من صعوبات ومن مضايقات، لكنه نجح بأعصابه الباردة وحكمته ووطنيته ولبنانيته، في اجتياز أدق المراحل وتجنيب البلاد تشنجات كبيرة وتأكيد أن لا مفر من الحوار».
لكن رغم ضبابية المشهد الداخلي والإقليمي، استطاع سليمان القيام بخطوات مهمة أبرزها إطلاق هيئة الحوار الوطني، التي أقرت «إعلان بعبدا»، الذي نص في أحد بنوده على حياد لبنان عن صراع المحاور وتحديدا أزمة سوريا، رغم أن قوى سياسية تنصلت منه وتحديدا «حزب الله». وقال جنبلاط في هذا السياق، في كلمته في اختتام اجتماعات هيئة الحوار: «معا، أقررنا معه إعلان بعبدا، ونعلم أن الظروف الإقليمية والدولية لا تساعد اليوم على تحقيق هذا الإعلان، لكنه سيبقى مسجلا نقطة بيضاء في تاريخ عهده إلى جانب نقاط مفصلية أخرى».
ويقول الوزير السابق ناظم الخوري، المقرب من سليمان، لـ«الشرق الأوسط»، إن «إطلاق هيئة الحوار الوطني في القصر الجمهوري هو بلا شك من أبرز إنجازات العهد، بعد أن كان الرئيس نبيه بري أطلق الحوار عام 2006». ويوضح أن الهيئة أقرت، خلال 18 اجتماعا عقدته، نقاطا أساسية، أبرزها «إعلان بعبدا»، الذي أكد «تثبيت الميثاق الوطني والدستور والطائف». كما تخلل اجتماعات هيئة الحوار «الإعلان عن مواقف مصيرية، وآخرها جزم بري باسم جميع المسلمين في لبنان التمسك بالمناصفة، وفي الوقت ذاته نفي أي نية للمطالبة بعقد مؤتمر تأسيسي جديد في لبنان».
والإنجاز الحواري الثاني، وفق الخوري، هو في «وضع غالبية الأفرقاء تصورهم للاستراتيجية الدفاعية على طاولة البحث، وفي مقدمتهم تصور سليمان الذي لم يناقش للأسف بسبب إشكاليات سياسية». ويعرب الخوري عن اعتقاده أن سليمان «أرسى أسس الحوار الوطني الذي يتوجب على أي رئيس مقبل متابعته بوصفه ضرورة وطنية».
لا ينكر الخوري، وهو من الدائرة الضيقة المقربة من سليمان، أن «ظروفا وانقسامات إقليمية وداخلية أعاقت إنجاز إصلاحات كان الرئيس يأمل تحقيقها ولم يتسن له ذلك، ومن هنا لومه وعتبه على بعض الأفرقاء»، مبينا في الوقت ذاته أنه «وضع أسس إصلاحات ضرورية عدة على غرار تقديمه مشروع قانون انتخاب قائما على النظام النسبي، لكن البرلمان لم يناقشه، وإطلاقه أسس نظام اللامركزية الإدارية قبل نحو شهر». ويشير إلى أن «الأسس المتعلقة بالحوار الوطني واللامركزية وقانون الانتخاب باتت بمثابة مرجعية لأي رئيس مقبل».
وفي موازاة إشارته إلى أن «سليمان أعاد الحضور اللبناني إلى المحافل الدولية بشهادة كل الأفرقاء وحظي باحترام وثقة ومصداقية رؤساء الدول، كما أطلق سياسة (النأي بالنفس)، وفي عهده تبادل لبنان وسوريا العلاقات الدبلوماسية من خلال السفارات»، يشدد الخوري على أن سليمان «نجح سياسيا في تكريس نهج قائم على الحوار والاعتدال والإدارة الحكيمة للسياسة اللبنانية».
وفي سجل «الإنجازات» الرئاسية، يتحدث مقربون من سليمان عن جهوده في دعم الجيش اللبناني وتسليحه، لا سيما الهبة السعودية لتسليح الجيش اللبناني بثلاثة مليارات دولار، وتعد الهبة الكبرى في تاريخ الجيش اللبناني، إضافة إلى دور سليمان في إنشاء مجموعة الدعم الدولية لمساعدة لبنان فيما يتعلق بأزمة اللاجئين السوريين.
وكان سليمان عدد في وقت سابق ما كان يرغب في إنجازه قبل نهاية عهده بـ«تحقيق استرداد الجنسية للمغتربين، وتأمين حق اقتراع المغتربين، ووضع قانون جديد للانتخابات على أساس النسبية، وتطبيق الاستراتيجية الدفاعية». ويذكر أن سليمان كان من أشد المعارضين لقانون «اللقاء الأرثوذكسي»، الذي توافق الأفرقاء المسيحيون عليه في بكركي، وينص على أن تنتخب كل طائفة نوابها. كما عارض تمديد البرلمان اللبناني لنفسه في يونيو (حزيران) الماضي، وقدم طعنا إلى المجلس الدستوري لإبطال تنفيذه، لكن الانقسامات السياسية داخل المجلس حالت دون قيامه بدوره.
وينقسم الأفرقاء اللبنانيون في تقييم عهد سليمان، وإن كانوا يجمعون على الصعوبات الأمنية والسياسية، الداخلية والإقليمية، التي كانت بالمرصاد. يثني فريق 14 آذار عموما على التحول في خطاب سليمان من «حزب الله» وسوريا. يقول العميد المتقاعد وهبي قاطيشا، نائب رئيس حزب القوات، لـ«الشرق الأوسط»، إن سليمان «عندما تحرر من الهيمنة السورية أخذ المواقف السياسية المطلوبة في السنوات الثلاثة الأخيرة»، فيما يرى الباحث السياسي، المقرب من «حزب الله»، طلال عتريسي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن سليمان «لم ينجح في الحفاظ على ثوابت وردت في خطاب قسمه، ولم يكن لعهده نهج واضح».
التحول في علاقة سليمان بـ«حزب الله» بدا واضحا في العام الأخير من عهده الرئاسي تحديدا. في خطاب عيد الجيش، في الأول من أغسطس (آب) الماضي، أكد سليمان أنه «أصبح ملحا درس الاستراتيجية الوطنية للدفاع وإقرارها في ضوء تطورات المنطقة، والتعديل الطارئ على الوظيفة الأساسية لسلاح المقاومة الذي تخطى الحدود اللبنانية»، في إشارة إلى مشاركة الحزب في القتال بسوريا. وجاء الرد بعد أسبوعين على لسان رئيس كتلة «حزب الله» النائب محمد رعد الذي قال إن «إعلان بعبدا ولد ميتا ولم يبق منه إلا الحبر على الورق». وساءت العلاقة بين الطرفين تدريجيا لتبلغ أقصاها مع دعوة سليمان الأفرقاء أثناء المشاورات لتشكيل حكومة سلام، إلى التخلي عن «المعادلات الخشبية»، في إشارة إلى تمسك حزب الله بمعادلة «الجيش والشعب والمقاومة». فكان الرد الأقسى من الحزب الذي دعا «ساكن القصر» إلى «التمييز بين الخشب والذهب».
أثارت مواقف سليمان غضب «حزب الله»، الذي قاطع جلسات الحوار الأخيرة، وكذلك فعل بعض حلفائه المقربين من النظام السوري. وفي سياق متصل، برز موقف لافت لرئيس تيار المردة النائب سليمان فرنجية، الذي قال في حديث تلفزيوني أول من أمس، إن «مواقف رئيس الجمهورية الأخيرة هي ردة فعل على عدم التمديد، ولو قبلنا بالتمديد له لكان اليوم في صلب (8 آذار)».
وسأل فرنجية: «كل السلاح الذي كان يأتي من سوريا إلى (حزب الله) ألم يكن ميشال سليمان يمرره عندما كان قائدا للجيش؟ أكنا لنقبل به رئيسا لو لم يلتزم الاستمرار بهذه السياسة؟ أكان استطاع أن يصل إلى الرئاسة لو لم يعد (حزب الله) بالاستمرار بنفس السياسة معه؟ هل أصبح وطنيا في الشهرين الأخيرين من عهده؟». وذهب فرنجية إلى حد القول إن «سليمان يتمنى التحدث مع الأسد لكن الرئيس (بشار) الأسد يرفض الحوار معه»، لافتا إلى أن «إعلان بعبدا لا شيء فيه غير الحياد الذي لم يعد موجودا».
وفي هذا السياق، يرى الباحث والأستاذ الجامعي طلال عتريسي في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» أن «لا إنجازات مهمة متعلقة بالحياة السياسية أو بالملفات الكبرى أو عمل المؤسسات، يمكن التوقف عندها لدى مراجعة عهد سليمان»، مشيرا إلى أن «الظروف الإقليمية جعلت الرئيس في حالة من المد والجزر تفاعلا مع الأوضاع القائمة، مع النظام السوري وضده، مع المقاومة وضدها، عدا عن الفوضى الأمنية في الشمال وصيدا..». ويقول عتريسي، المواكب للشأن الإيراني والمقرب من «حزب الله»: «لا الظروف ساعدت سليمان ولا هو نجح بالعمل تحت راية شعار أو نهج واحد»، مشيرا إلى أنه «بدا في المرحلة الأخيرة أن الهدف من غزله السابق لـ(حزب الله) توظيفه من أجل التمديد». ويرى أن «مشكلة سليمان أن ثوابته لم تعد معروفة، بعد أن أخذته التجاذبات الإقليمية باتجاه معين وأثرت على مواقفه السياسية، خصوصا من المقاومة».
يعارض عتريسي القول إن «إعلان بعبدا» هو إنجاز. ويعلق بالقول: «إذا كان (إعلان بعبدا) إنجازا فهذا كارثة»، مذكرا بأن «رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة عارض مضمونه الذي جاء بعد مشاركة شبان من الشمال في القتال في سوريا ثم بات من مؤيديه، في حين أن (حزب الله) أيده ثم بات اليوم من معارضيه». ويستنتج عتريسي أن «أيا من القوى السياسية لا تدافع عن إعلان بعبدا بعدما لم يتحقق شيء مما ورد فيه».
ويذهب عتريسي إلى حد القول إن «سليمان لم يتمكن من جمع المسيحيين حوله، إذ فضل خوض صراعات مع بعض القوى المسيحية وعمد لتهميش بعضها كالنائب ميشال عون، وساهم ذلك في أن يضعف نفسه بنفسه».
في المقابل، لا يلتقي وهبي قاطيشا، نائب جعجع، مع عتريس إلا لناحية التأكيد على أن «الظروف المحلية والإقليمية لم تسعف سليمان كثيرا»، لكن قاطيشا يرى أن سليمان «عندما تحرر من الهيمنة السورية أخذ المواقف الوطنية المطلوبة». ويضع التحول في مواقفه من «حزب الله» في إطار «المواقف الوطنية الأساسية التي ينبغي على أي رئيس لبناني غير خاضع للضغوط الخارجية أن يعلنها». ويضيف: «صحيح أن الرئيس جاء بتسوية في الدوحة وكان قريبا من (حزب الله) خلال قيادته للجيش من أجل حل بعض المشاكل وضرورات التنسيق، لكنه عندما تحرر من الضغط السوري باتت مواقفه أكثر انسجاما مع قناعاته الوطنية».
يعارض قاطيشا الربط بين مواقف سليمان الأخيرة من «حزب الله» وقرار الأخير عدم التمديد له. يقول إنه «لو كان سليمان طامحا إلى التمديد، لما أعلن هذه المواقف الوطنية الصحيحة المنتقدة لقتال الحزب في سوريا، ولبقي يساير الحزب على حساب القضايا الوطنية»، متابعا: «لكنه عوض ذلك، فضل ترك الحكم كبيرا على أن يقدم على تسويات صغيرة».
ولا ينكر قاطيشا تباين وجهة نظر «القوات» مع سليمان في محطات كثيرة، لكنه يوضح: «إننا وقفنا إلى جانبه بوصفه رمزا وطنيا ولم نذهب بعيدا في انتقاداتنا، في حين أن قوى أخرى على غرار عون وفرنجية المرتبطين بسوريا والسلاح، أخذا مواقف يمكن وصفها، على الأقل، بأنها لا أخلاقية». ويرى قاطيشا أن «سليمان لم يتمكن من استيعاب الطرف الآخر ولم يسلم من شره». وفي موازاة تصنيف قاطيشا «إعلان بعبدا، رغم تنصل حزب الله منه، والهبة السعودية للجيش، إضافة إلى وقوف سليمان سدا منيعا في اجتماعات الحكومات المتعاقبة» في إطار «إنجازات العهد الرئاسي»، يشدد على أن واحدة من أبرز ميزات الرئيس هي كونه «دستوريا بامتياز، إذ شكل الدستور مرجعه في المحطات كافة انطلاقا من قناعته أنه ليس بإمكان أحد أن يكون أقوى من الدستور». وعلى وقع كل هذه الانتقادات والإشادات، يغادر سليمان القصر الرئاسي «براحة ضمير وفخر بما أنجزه رغم كل الظروف الصعبة والانقسامات الحادة»، وفق ما يؤكده الوزير السابق ناظم الخوري لـ«الشرق الأوسط»، متابعا: «يكفيه أنه كان قادرا على التجديف وسط المياه الهائجة، ونجح بمعية الرئيس سلام في تشكيل حكومة تسوية».
كما يبقى للتاريخ أن يحكم على عهد سليمان، الرئيس الثاني عشر للجمهورية اللبنانية، والأول بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان، وأن يقيم إنجازاته وإخفاقاته. يبقى أن النائب وليد جنبلاط كان سباقا في الحكم على هذه التجربة، بمقارنته بين سليمان والرئيس الأسبق فؤاد شهاب، وقوله إن «سليمان برفض أي مشروع تمديد يلتقي مع رئيس كبير من رؤساء لبنان هو الراحل فؤاد شهاب».

* «المقاومة» في خطاب القسم
* خصص الرئيس اللبناني ميشال سليمان في خطاب قسمه الرئاسي جزءا للحديث عن المقاومة، في إشارة إلى «حزب الله»، جاء فيه: «إن نشوء المقاومة كان حاجة في ظل تفكك الدولة، واستمرارها كان في التفاف الشعب حولها، وفي احتضان الدولة كيانا وجيشا لها، ونجاحها في إخراج المحتل يعود إلى بسالة رجالها، وعظمة شهدائها، إلا أن بقاء مزارع شبعا تحت الاحتلال، ومواصلة العدو الإسرائيلي لتهديداته وخروقاته للسيادة، يحتم علينا استراتيجية دفاعية تحمي الوطن، متلازما مع حوار هادئ، للاستفادة من طاقات المقاومة، خدمة لهذه الاستراتيجية. فلا تستهلك إنجازاتها في صراعات داخلية، ونحفظ بالتالي قيمها وموقعها الوطني. يتزامن هذا اليوم، مع الذكرى الوطنية للتحرير والنصر، فلتكن حافزا لنا لمزيد من الوعي لما يتربص بنا، ولتجديد تمسكنا بالحرية والديمقراطية، التي ضحينا من أجلهما لنصون الوطن».
- يعد ميشال سليمان الرئيس الثاني عشر للجمهورية اللبنانية، أي بعد توقيع اتفاق الطائف، علما بأن ولايته تنتهي في 25 مايو (أيار) المقبل. ولد في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) 1948 في عمشيت، قضاء جبيل. متأهل من السيدة وفاء سليمان، ولهما ثلاثة أولاد: ريتا ولارا وشربل. تخرج من المدرسة الحربية بصفة ملازم عام 1970، وتولى قيادة الجيش اللبناني بتاريخ 21 ديسمبر (كانون الأول) 1998 ولغاية 25 مايو (أيار) 2008. حصل في عام 1980 على إجازة في العلوم السياسية والإدارية من الجامعة اللبنانية. يتقن اللغات العربية والإنجليزية والفرنسية.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.