موريتانيا.. على أبواب «صيف انتخابي»

بلد الانقلابات العسكرية يعيش أزمة ثقة ولي ذراع بين النظام والمعارضة

موريتانيا.. على أبواب «صيف انتخابي»
TT

موريتانيا.. على أبواب «صيف انتخابي»

موريتانيا.. على أبواب «صيف انتخابي»

تتأهب موريتانيا لخوض انتخابات رئاسية في يونيو (حزيران) المقبل، وسط أجواء من التوتر والخلاف. فأبرز أحزاب المعارضة أعلنت مقاطعتها للانتخابات التي وصفتها بأنها «غير توافقية»، فيما أعلن واحد من أبرز المترشحين انسحابه من السباق باعتبار أن النتيجة ستكون محسومة لصالح الرئيس الحالي محمد ولد عبد العزيز، الساعي إلى الظفر بمأمورية رئاسية ثانية.
فعلى الرغم من شهرة موريتانيا بأنها بلد الانقلابات، وأن أهلها ينامون كل ليلة وهم لا يستبعدون أن يستيقظوا على موسيقى عسكرية يعقبها «البيان الأول» ورئيس جديد يرتدي بزة العسكر، فإنها في السنوات الأخيرة عاشت عدة مناسبات انتخابية، فلا يكاد يضع انقلاب أوزاره إلا وينتهي بانتخابات تسمح بالعودة إلى الوضع الدستوري، مما جعل البلاد تعيش بشكل دوري ثنائية «الانقلاب والانتخاب»، وهي وضعية جعلت مراقبي الشأن الموريتاني يتحدثون عن حالة التهاب أصابت الخريطة السياسية في البلاد منذ انقلاب 2005 الذي أطاح بنظام الرئيس الأسبق معاوية ولد سيد أحمد الطايع.

أسهمت الانتخابات الرئاسية التي نظمت سنة 2007 في إحداث نوع من الاستقرار السياسي مع تنصيب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله كأول رئيس مدني للبلاد، لكن حكم ولد الشيخ عبد الله لم يدم طويلا بسبب النفوذ المتزايد للمؤسسة العسكرية التي تدخلت لتزيحه في انقلاب قاده الرئيس الحالي الجنرال محمد ولد عبد العزيز في أغسطس (آب) 2008، لتدخل البلاد في أزمة سياسية ودستورية تطلبت تدخل المجموعة الدولية بقيادة فرنسا التي ضغطت من أجل الدخول في مفاوضات في العاصمة السنغالية دكار انتهت بتوقيع «اتفاق دكار» الذي مكن من تنظيم انتخابات رئاسية سنة 2009 فاز بها ولد عبد العزيز الذي استقال من المؤسسة العسكرية وترشح كمنافس مدني في انتخابات شاركت فيها المعارضة بجميع أطيافها.
في هذا السياق، يقول مدير المركز المغاربي للدراسات الاستراتيجية الدكتور ديدي ولد السالك إن «الأزمة السياسية التي تعيشها موريتانيا بدأت منذ انقلاب 2008، ورغم المحاولات المستمرة لجمع الأطراف حول طاولة الحوار للخروج من الأزمة، فإن كل تلك المحاولات فشلت في وضع حد للأزمة، حيث إن النظام متمسك بالآليات التي تضمن فوزه المريح وبالتالي بقاءه في السلطة؛ بينما تصر المعارضة على المطالبة بضمانات تفرض شفافية الانتخابات لتكون نتائجها مقبولة وتخرج البلاد من الأزمة، وطبعا النظام لن يقبل بتنازلات تهدده». وأشار ولد السالك في حديث مع «الشرق الأوسط» إلى أن «النظام قدم تنازلات مهمة خلال انتخابات 2009 بضغط من المجموعة الدولية، لكن هذه التنازلات لم تجد الوقت الكافي لتؤثر على العملية الانتخابية، وبالتالي فاز ولد عبد العزيز في الشوط الأول من الانتخابات وتنكر لبقية (اتفاق دكار) الذي ينص في بعض بنوده على مواصلة الحوار بعد الانتخابات ومناقشة علاقة المؤسسة العسكرية بالسياسة وأمور كثيرة مهمة».
وشدد مدير المركز المغاربي للدراسات الاستراتيجية الدكتور ديدي ولد السالك، على أن «الانتخابات الرئاسية التي تستعد لها موريتانيا في 21 يونيو المقبل، تواجه مأزقا حقيقيا بسبب أزمة ثقة متجذرة بين النظام والمعارضة الراديكالية، فالمعارضة تعتقد أنها مضطرة لمقاطعة الانتخابات لأن ضمانات الشفافية غير متوافرة، ومشاركتها لن تكون سوى تشريع ثان لنظام ولد عبد العزيز بعد أن شرعته في انتخابات 2009، وقد لا تكون المعارضة مستعدة لتقديم هذه الهدية بلا ثمن لأن نظام ولد عبد العزيز حصل بعد انتخابات 2009 على شرعية دستورية، لكنه لم يستطع خلال السنوات الماضية الحصول على المشروعية وبالتالي بقي البلد في الأزمة».
وأكد ولد السالك أنه «للخروج من الأزمة التي تعيشها موريتانيا لا بد أن يحصل توافق بين الفرقاء السياسيين، والمفروض في الحالة العادية أن تكون مسؤولية النظام القائم أكبر من مسؤولية المعارضة، لأنه الطرف القوي ولديه كل الضمانات، وكان من المفروض أن يقدم هذه الضمانات في الحوارات السابقة لتكون انتخابات توافقية قادرة على إنهاء الأزمة».
من جهتها، بذلت الحكومة الموريتانية خلال الشهرين الماضيين جهودا كبيرة لتنظيم حوار مع المعارضة يفضي إلى توافق سياسي يسبق الانتخابات الرئاسية، وفي كل مرة يتعثر الحوار ويتبادل الطرفان الاتهامات ويتدافعان مسؤولية إفشاله، وتعليقا على هذه الوضعية قال الباحث الموريتاني المقيم في الولايات المتحدة أبو العباس ولد أبراهام، في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط»، إن «النضال الديمقراطي في موريتانيا، وفي إطاره نضال المعارضة، يُريد تكسير العوائق التي تقف في وجه العملية الديمقراطية. لقد تمّ القيام في هذا الإطار بمشاريع حوار كبيرة، لكنها كانت تتكسّر في كل مرة أمام تصلّب النظام أو قوله بعدم معقولية الشروط المقدمة له.. إنه في مرحلة من التسلطية أو الخوف من السباحة بعيدا عن الحاجز».
ويضيف ولد أبراهام أنه «في الأجواء الحالية المتسمة بعدم تنازل النظام بما يسمح بمنافسته لا يبدو أن مرشح السلطة سيواجه منافسة كبيرة. يجب ألا ننسى أن الديمقراطية تتعلّق بإتاحة هامش استقلال عن السلطة والمجموع من أجل أن يقدر الأفراد على اتخاذ قرارات حرة. هذه القرارات مستحيلة الحدوث في ظل نظام يدفع فيه الموظفون والعشائر والممثليات النقابية والتابعة للمجتمع المدني أثمانا باهظة نتيجة اتخاذهم لقرارات لا تريدها السلطة».
في غضون ذلك، أغلق الباب أمام استقبال ملفات الترشح للانتخابات الرئاسية، في ظل مقاطعة المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة، وهو أكبر كتلة سياسية معارضة تضم عددا من أبرز الأحزاب السياسية وهيئات المجتمع المدني والنقابات العمالية؛ كما قاطع الانتخابات حزب التحالف الشعبي التقدمي الذي يرأسه مسعود ولد بلخير، الرئيس السابق للبرلمان وأحد أبرز الزعامات المعارضة، والذي كان وإلى وقت قريب يوصف بأنه على علاقة حسنة بنظام الرئيس محمد ولد عبد العزيز. كما انسحب من السباق الرئاسي المترشح أحمد سالم ولد بوحبيني، نقيب المحامين السابق وأحد أبرز الأسماء التي قررت الأسبوع الماضي خوض السباق الانتخابي.
ومع اتساع خندق مقاطعي الانتخابات، ينحسر السباق الرئاسي بين خمسة مترشحين، يتقدمهم الرئيس المنتهية ولايته محمد ولد عبد العزيز، مرشح حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم والساعي نحو الفوز بمأمورية رئاسية ثانية هي الأخيرة له وفق ما ينص عليه الدستور الموريتاني؛ وينافسه في ذلك أربعة مترشحين بعضهم قادم من خارج الحقل السياسي ولم يعرف عنه أي نشاط أو عمق انتخابي يذكر. ومن أبرز منافسي ولد عبد العزيز رئيس حزب الوئام الديمقراطي الاجتماعي بيجل ولد هميد، الذي يخوض السباق الرئاسي للمرة الأولى، ويعد أحد الوجوه المعروفة إبان حكم الرئيس الأسبق معاوية ولد سيدي أحمد ولد الطايع، وطالما اتهم ولد هميد بالتورط في ملفات فساد على غرار من تولوا مناصب سامية خلال حكم ولد الطائع، دون أن يكون محل متابعة أمام القضاء الموريتاني.
ثالث المترشحين رئيس حزب التحالف من أجل العدالة والديمقراطية - حركة التجديد، إبراهيما مختار صار، النائب البرلماني الذي يعد أحد زعماء القومية الزنجية، وهذه هي المرة الثالثة التي يقدم فيها أوراق اعتماده كمنافس على منصب رئيس الجمهورية، حيث سبق أن شارك في انتخابات 2007 وحصل آنذاك على نسبة 7.9 في المائة، كما شارك في انتخابات 2009 ليحصل على نسبة 4.5 في المائة، ويسعى في ترشحه الثالث على التوالي إلى الاستفادة من تذمر الزنوج من نظام ولد عبد العزيز، ومحاولة الحصول على أصوات عدة آلاف من الزنوج العائدين إلى أرض الوطن بعد عقدين من الزمن قضوهما لاجئين في السنغال عقب الأحداث العرقية التي شهدتها موريتانيا مطلع تسعينات القرن الماضي.
من خارج الحقل السياسي برزت المرأة الوحيدة التي قررت خوض غمار المنافسة على أعلى منصب في البلاد، مريم بنت مولاي إدريس، الحاصلة على درجة الدكتوراه في الهندسة المالية، وتتولى حاليا رئاسة مجلس إدارة وكالة الأنباء الموريتانية (الوكالة الرسمية)؛ بالإضافة إلى بيرام ولد أعبيدي، أحد أبرز الناشطين الحقوقيين ورئيس حركة مناهضة للعبودية. وقد حصل ولد أعبيدي العام الماضي على جائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وأبدى منذ أشهر ميولا نحو خوض غمار السياسة حين حاول تأسيس حزب سياسي رفضت السلطات الموريتانية الترخيص له، قبل أن يقرر الترشح بصفة مستقلة لمنصب رئيس الجمهورية، معتبرا أن فوزه سيمكن من القضاء بشكل نهائي على العبودية في موريتانيا.
وحول السباق الرئاسي قال الباحث الموريتاني المقيم في الولايات المتحدة أبو العباس أبراهام، في اتصال مع «الشرق الأوسط»، إنه «بغض النظر عن كون انسحاب الأستاذ أحمد سالم ولد بوحبيني من السباق الرئاسي مناورة معدّة عن سبق إصرار أم نتيجة حساب ميداني؛ وهنالك فرق كبير في الحالتين؛ فإنه يعد محرجا لبعض المترشحين لأنه يضع ولد عبد العزيز في تقاليده الانتخابية الحقيقية ما بين انتخابات 1997 الأوتوقراطية وانتخابات 2009/6/6 الفاشلة. باختصار إن انسحاب ولد بوحبيني من السباق الرئاسي يكشف القناع عن بعض المترشحين الساعين إلى مكاسب انتخابية قد لا توفرها هذه الانتخابات التي تبدو غير جدية، لكن هذه الانتخابات لن تحرج مريم بنت مولاي إدريس، لأن غايتها وضع اسمها الأنثوي في القائمة».
من جهته، أكد وزير الإعلام الموريتاني سيدي محمد ولد محم، في رده على سؤال لـ«الشرق الأوسط» الأسبوع الماضي، أن «الدولة رفعت يدها عن تنظيم العملية الانتخابية، وأصبحت في يد لجنة مستقلة يختارها أطرف المشهد السياسي، ونحن من الدول النادرة في العالم التي لا تتم فيها العملية الانتخابية تحت إشراف وزارة الداخلية أو أي جهاز رسمي آخر، وإنما تتم عبر جهاز مستقل تشارك فيه الأغلبية والمعارضة ولديه قانونه المنظم». واتهم وزير الإعلام المعارضة «بعدم الجدية في الحوار لأنها غير جاهزة للانتخابات، وأحزابها غير قادرة على تقديم مرشح جدي، لأنهم قاطعوا الانتخابات البلدية والبرلمانية الأخيرة، لكن ذلك لم يمنع مستوى المشاركة من الوصول إلى 75 في المائة وهو رقم غير مسبوق في تاريخ الانتخابات في موريتانيا منذ أن أصبحت تتوفر على أدنى مستويات الشفافية».
في غضون ذلك، تكثف اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات من جهودها لتهيئة الظروف الفنية قبل موعد الانتخابات الرئاسية، في يونيو المقبل، وهي اللجنة التي واجهت انتقادات واسعة من طرف أغلب الطيف السياسي بما في ذلك أحزاب في الأغلبية الرئاسية، بعد إشرافها على الانتخابات البلدية والنيابية الأخيرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2013، وهي الانتخابات التي قاطعتها أحزاب منسقية المعارضة احتجاجا على ما سمته نقص ضمانات الشفافية.
وفي تصريح مع «الشرق الأوسط»، قال رئيس الشبكة الموريتانية لمراقبة الانتخابات (الرقيب) محمد الأمين ولد الكتّاب، إن «الانتخابات البلدية والنيابية في نوفمبر الماضي شابتها نواقص كثيرة، ورغم أن اللجنة الانتخابية تحاول تلافي بعض هذه النواقص خلال الانتخابات الرئاسية فإن هذه المحاولات والاستعدادات لا تزال دون ما هو متوقع ومرتقب منها». وأشار ولد الكتّاب إلى أن «أبرز ما تعانيه اللجنة هو عدم كفاءة طواقمها، المكونة من أشخاص غير مؤهلين ولم يسبق أن تلقوا تكوينا ملائما يكفي لأن يعطيهم الحد الأدنى من الخبرة المطلوبة».
وخلص ولد الكتّاب إلى أنه لحد الساعة لا يرى مخرجا أو يلمس رغبة أكيدة لدى الأطراف السياسية من أجل تخطي الانسداد القائم «فهناك خطاب جيد يظهر الاستعداد للحوار والوفاق، لكن هذا الخطاب لا يتماشى مع الواقع، إذ إن هناك تناقضا بين ما يقال وما يفعل، وهذا أمر مربك ويجعلنا نخاف أن نقبل على انتخابات أحادية لا تكون ذات مصداقية، وبالتالي فعلى الجميع أن يفهم أن انتخابات تعددية يشارك فيها الجميع هي أحسن وأكثر مصداقية وأكثر نفعا للبلد وسمعته وتجربته الديمقراطية».
وبالنظر إلى حالة القطيعة بين النظام والمعارضة، وتوعد الأخيرة بإفشال الانتخابات من خلال بعض الأنشطة الاحتجاجية، يبقى الحديث عن أدوات الصراع الانتخابي مؤجلا، وفي هذا السياق يقول مدير المركز المغاربي للدراسات الاستراتيجية الدكتور ديدي ولد السالك، إن «المفارقة في التاريخ الموريتاني أنه منذ انتخابات 1946 إبان حقبة الاستعمار، ظهر عاملان ظلا هما أبرز مؤثر في الانتخابات: العلاقة بالسلطة القائمة والمال؛ عدا هذين العنصرين هنالك عناصر أخرى متغيرة كالقبيلة والطائفة والجهة والانتماء العرقي، قد تؤثر لكن تأثيرها ليس حاسما؛ لكن كل هذه الأمور لن يحتاجها النظام الحالي في انتخابات يونيو في ظل غياب المعارضة».

* المرأة تشارك.. شرط ألا تفوز
* بدأ الحضور السياسي للمرأة الموريتانية يزداد خلال العقدين الأخيرين، حيث ترشحت عيشة منت جدان، كأول سيدة للانتخابات الرئاسية عام 2003، لتنافس الرئيس الأسبق معاوية ولد سيدي أحمد الطايع وعددا من أبرز السياسيين في البلد، وهي ترفع شعار «جربتم الرئيس فلم لا تجربون الرئيسة؟».
وفي السباق الانتخابي الحالي يظهر اسم مريم بنت مولاي إدريس (57 عاما)، وهي تعيد تجربة منت جدان في منافسة الرجال على أعلى منصب في البلاد. وتتولى بنت مولاي إدريس حاليا رئاسة مجلس إدارة وكالة الأنباء الموريتانية الرسمية، وهي أم لأربعة أطفال وتحمل شهادة عليا في الهندسة المالية.
حضور المرأة في لوائح المترشحين للانتخابات الرئاسية يعيد إلى الأذهان الجدل الفقهي الذي ما فتئ يظهر بين الفينة والأخرى في الساحة الموريتانية، وعلى الرغم من عجز المرأة الموريتانية عن تحقيق مكاسب انتخابية في السابق الرئاسي فإنها دوما تنجح في إثارة الجدل الفقهي والحقوقي، وكانت آخر محطات هذا الجدل منذ أقل من عامين حين أفتى إسلمو ولد سيدي المصطف، وهو فقيه كان مستشارا للرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز، بجواز ترشح المرأة لمنصب رئيس الجمهورية، لكنه أكد وجوب منعها من مواصلة الترشح إذا غلب الظن أنها ستفوز.
وقال ولد سيدي المصطف في تصريحات بثها التلفزيون الرسمي إنه «يمكن للمرأة المشاركة في الانتخابات ما لم يجري التأكد من نجاحها، لكن إذا كان الأمر لعبة فيمكن السماح للمرأة بالمشاركة فيها لتزيين اللوائح المترشحة أو بطاقات التصويت»، وقد أثارت هذه التصريحات انتقادات واسعة داخل أوساط الحركات النسائية والحقوقية، واعتبرت «رابطة النساء معيلات الأسر» أن هذه الفتوى «تصادر حقوق المرأة وتستهزئ بالإرادة الشعبية والقوانين المعمول بها في موريتانيا».
وبين الجدل الفقهي والصخب السياسي، ظل ترشح المرأة الموريتانية لمنصب رئيس الجمهورية مجرد ديكور انتخابي لا يترتب عليه أي تغيير في المعادلة السياسية في البلد الذي لا تزال المرأة فيه تعاني من تهميش في المجتمع والسياسة والتشغيل، ويعاني أغلب النساء الموريتانيات من الأمية والفقر.
وخلال السنوات الأخيرة انتهجت السلطات الموريتانية سياسة تمييز إيجابي تجاه المرأة، حيث سنت قوانين تمنح المرأة الحق في نسبة 20 في المائة من المجالس البلدية والنيابية، مما مكنها من الحصول على 30 مقعدا تحت قبة البرلمان من أصل 147 مقعدا.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.