حين تراجع ذاكرتنا الحياة

حين تراجع ذاكرتنا الحياة

الاثنين - 22 ذو القعدة 1438 هـ - 14 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14139]
فاضل السلطاني
يقال إن الذاكرة لحظة الموت تراجع الحياة. ماذا ستراجع ذاكرة إنساننا المسكين حين تحين تلك اللحظة الرهيبة؟ أية محطة يمكن أن يتوقف عندها وهو يواجه تلك اللحظة، آخر ما تبقى له من تلك النعمة الكبرى: الحياة؟ كان الشاعر الفرنسي لويس أراغون قد كتب مرة مستنجداً بالسماء أن تريحه من هذه المهمة الصعبة: مراجعة الحياة في لحظة الموت. ماذا سيقول إنساننا المسكين؟ أية مهمة مستحيلة!
محطات حياتية مجرد التوقف عندها مميت بحد ذاته، ولو في الذاكرة: قمع، وذل، وسجن، وقتل، وحروب داخلية وخارجية، و«داعش»، ومنفى. مرحلة تمضي لترثها مرحلة أشقى. جنون يولّد جنونا، وعنف يحبل بالعنف، ووحوش تختال على الأرض، طاردة إيانا إلى الغابات. أوطان تقسّم نفسها أقساماً، ونصف يقسم نصفاً، وأرض تلفظ أبناءها كما يلفظ المرء سناً نازفاً. ما الذي هناك في الذاكرة المثقوبة منذ ولدنا؟ العنف السيّد في أعلى درجات عنفوانه، الهجرة التي اختزلت تاريخ الهجرات، بيع النساء كما تباع الخضراوات في السوق، احتلال أنفار مجانين لمدن كبرى قاومت التاريخ قروناً، نازعت الحر والقرّ، ورماد الدنيا وغبارها، لكنها سقطت في إغماضة عين. زمن الفيل. زمن غامض كمصائرنا، لا يعرف فيه القتيل من قتله. براميل متفجرة تنهال كالحجر السجيل. مقابر جماعية فاتحة أفواهها. فساد لا يعرف التاريخ له مثيلاً منذ زمن نبوخذ نصر. زمن الدب القطبي، والقيصر الأخير على الأرض، وهو يلكأ جراحه في المكان الخطأ والزمان الخطأ. زمن رجال ألسنتهم تحكم العالم. ألسنة تسبق العقول.
كانت لإنساننا المسكين أوطان ولا أجمل. كانت يوماً ماء ومزرعة وقمحاً وخبزاً للجميع. لكنها صارت اليوم أحياء تحارب أحياء، وشوارع تحارب شوارع، وبيوتاً تحارب بيوتاً. وجدت نفسها فجأة تدور عكس دواليب الزمن. قبل أفضل من الآن. أولها أشرف من آخرها. الأوطان الوحيدة في التاريخ التي تلتفت للماضي، تعشقه كأنه الزمن الوحيد في الحياة، وتمعن في طرد أهلها وكأنهم أولاد حرام.
ماذا ستراجع الذاكرة؟ لحظات مشرقة هنا وهناك كادت أن تنير الحياة، وتبدأ بنا من جديد، تعيد لنا بعضاً من وهجنا المفقود، لكنها انطفأت.. انطفأت سريعاً، أسرع من لهيب شمعة في الريح، فهبط الظلام مرة أخرى، ومع الظلام عاد الوحوش، الذين كمنوا طويلاً في الغابات بانتظار الإشارة. أم أنهم كانوا كامنين بيننا، ونحن لا نرى؟ عاد أولئك الذين تواروا خلف ظهورنا، وتصورنا أنهم اختفوا للأبد. عادوا بديكورات أخرى، أكثر تزويقاً ولمعاناً وبريقاً يعمي العيون، وألسنة قادرة على النفاذ إلى العقول. إنهم، كما يبدو، باقون وكأنهم أقدارنا في هذه الحياة التي تصورناها نعمة كبرى، وعطية مقدسة لا يحق لأحد مهما كان أن ينتهكها. لكنهم فعلوا، ولا عقاب هناك. فلتوا من العقاب مرة أخرى، وتماهوا حتى معنا، فلم نعد نراهم، أو نميز أثوابهم وروائحهم. صاروا نحن.
اختلط القاتل والقتيل، والجرح والسكين، والحبل والرقبة، والليل والشبح. ما عدنا نرى شيئاً. ولكن ألم نكن دائماً هكذا؟ لا نرى إلا حين تهبط فوق رؤوسنا المطارق، وتلدغ جحورنا أفاعي الصحراء السامة. ما الذي ستراجعه ذاكرتنا غير ذلك حين تحل تلك اللحظة الرهيبة؟

اختيارات المحرر