قاصرون مهاجرون من أميركا الوسطى توحدهم كرة القدم في نيويورك

قاصرون مهاجرون من أميركا الوسطى توحدهم كرة القدم في نيويورك

تنسيهم احتمال ترحيلهم وتبعدهم عن مآسي الماضي وتهديدات الحاضر
الجمعة - 18 ذو القعدة 1438 هـ - 11 أغسطس 2017 مـ
نيويورك - لندن: «الشرق الأوسط»
يجتمع مهاجرون قاصرون من أميركا الوسطى في منطقة برونكس الشعبية بمدينة نيويورك الأميركية، كل سبت حول كرة القدم التي توحدهم وتنسيهم احتمال ترحيلهم من قبل إدارة الرئيس دونالد ترمب.

وصل معظم هؤلاء إلى الولايات المتحدة دون ذويهم بلا أي وثائق ثبوتية أو أموال. خاضوا رحلة محفوفة بالمخاطر للوصول، ووضعوا نصب أعينهم هدفا وحيدا: الهرب من العنف والفقر في بلدانهم.

باتت كرة القدم بالنسبة إليهم ملجأ علاجيا وفرصة للابتعاد عن مآسي الماضي وتهديدات الحاضر التي يواجهونها منذ تولي ترمب مهامه مطلع السنة الحالية، واعتماده سياسات مناهضة للهجرة إلى حد كبير.

ويقول ألفيس غارسيا كاخيياس الذي يعمل مدربا ومستشارا لهؤلاء القاصرين: «عندما تلعب كرة القدم، تنسى قضية الهجرة الخاصة بك، أو الأشخاص الذين يرغبون بأذيتك في بلادك، أو أن قاضيا ما قد يصدر قرارا بترحيلك من البلاد».

يضيف: «تركض خلف الكرة، هدفك الأساسي هو الفوز، اللعب كفريق، وتمضية وقت ممتع فقط».

أسس غارسيا كاخيياس، 27 عاما، دوري «الاتحاد» المصغر في 2014 العام الذي عبر خلاله نحو 70 ألف قاصر (رقم قياسي) نهر ريو غراندي الحدودي بين الولايات المتحدة والمكسيك، من دون ذويهم.

يقدم غارسيا كاخيياس المشورة بشأن قضايا الهجرة إلى عدد من الجمعيات الخيرية الكاثوليكية، وهو نفسه مهاجر وصل إلى الولايات المتحدة في سن الخامسة عشرة، متسللا عبر منفذ في منطقة إل باسو بولاية تكساس الجنوبية، بعيدا من أعين حرس الحدود. هو أيضا عاشق كبير لكرة القدم، ويرفع في مكتبه ملصقات لفريقيه المفضلين: برشلونة الإسباني وباريس سان جرمان الفرنسي.

يقوم غارسيا كاخيياس بزيارات دورية إلى مراكز احتجاز تابعة للسلطات، حيث يلتقي قاصرين وصلوا حديثا إلى البلاد، لتبيان ما إذا كانوا مؤهلين للحصول على أي نوع من الحماية.

عندما أطلق «الدوري» قبل 3 أعوام، اقتصر على 3 قاصرين من هندوراس يستخدمون سلال القمامة علامات لتحديد المرمى.

الآن، تخطى العدد الخمسين فتى من دول أميركا الوسطى، وبات يحظى بدعم من نادي «ساوث برونكس يونايتد» الذي يتولى تقديم خدمات عدة للاعبي الدوري من ضمن نشاطاته الاجتماعية التي تشمل مساعدة اليافعين المحتاجين في جنوب منطقة برونكس.

ويقول غارسيا كاخيياس «الأولاد الذين نعمل معهم يكبرون بشكل سريع (...) لكن على أرض ملعب الكرة، يمكنهم أن يعودوا إلى طفولتهم». وبحسب سلطات الحدود الأميركية، وصل أكثر من 200 ألف قاصر إلى الولايات المتحدة دون ذويهم منذ 2014، قادمين من أميركا الوسطى.

من هؤلاء، تيوفيلو تشافيز، وهو فتى واعد في السابعة عشرة من العمر، يحلم بأن يصبح لاعب كرة قدم محترفا. كان في الرابعة عشرة عندما ترك منطقة كوروزال على الساحل الكاريبي لهندوراس، وقدم ليقيم مع أقارب له في برونكس.

ويقول عن زملائه في كرة القدم: «هؤلاء هم أول أصدقاء لي في هذه البلاد... هذه الصداقة ستدوم إلى الأبد».

ورغم أن الإدارة الأميركية لا توفر أي محام لتولي قضاياهم، فإنه يجب على المراهقين المثول أمام المحكمة للدفاع عن أنفسهم إذا ما أرادوا البقاء. ويعتمد معظمهم على محامين يترافعون عنهم مجانا.

وتقول المحامية جودي زييسمير التي تتولى نحو 700 قضية لقاصرين من أميركا الوسطى، إن تيوفيلو بات قريبا من الحصول على إقامة دائمة في الولايات المتحدة، ما سيتيح له البقاء في البلاد.

وفي حين أن تشافيز محظوظ لوجود من يتابع قضيته، يضطر نحو 60 في المائة من «أقرانه» لمعالجة قضاياهم بمفردهم، والمثول أمام قاض في غياب محام، علما بأن غالبيتهم لا يتقنون اللغة الإنجليزية.

وترى زييسمير أن «الأمور اتخذت منحى دراماتيكيا منذ بدء ولاية ترمب، لجهة مدى تعاون الحكومة في حل هذه القضايا».

وتشير إلى أنه في عهد الإدارات السابقة «كان المدعون (القضائيون) أكثر تعاونا لجهة عدم السعي بشكل حثيث لترحيل الأطفال أو الذين يخضعون لعلاج أو يعانون من مشكلات طبية». تيوفيلو هو الأصغر سنا بين 5 أشقاء. وبعد وفاة والدته وهو في الثانية من العمر، ربته جدته، وبات شبه وحيد بعد وفاتها.

في سن الرابعة عشرة، انتقل وأحد أشقائه إلى نهر ريو غراندي على متن قطار شحن مكسيكي يطلق عليه لقب «الوحش» بسبب عدد المهاجرين الذين قضوا على متنه أو تعرضوا للتشويه والإصابة.

على الضفة المكسيكية للنهر، ودع الشقيقان سريعا كلاهما الآخر، «لئلا نبكي»، بحسب تيوفيلو الذي يقول إنه قام بعد ذلك «بالسباحة عبر النهر مع كيس من الملابس مربوط بخصري».

بات تيوفيلو على وشك التخرج في المدرسة الثانوية، إلا أنه لا يزال غير قادر على نسيان هندوراس. يغمض عينيه ويتذكر ما يفتقده في وطنه الأم «نور الشمس، الشاطئ، جوز الهند، أصدقائي، جدتي، والدي، المزروعات قرب منزلي...»... أصغر لاعب في الدوري هو ييفري، 15 عاما، الذي قدم قبل 3 أشهر من غواتيمالا برفقة شقيقه الذي يصغره بأربعة أعوام.

ويقول: «أتيت بحثا عن مستقبل، لأنه لا مستقبل في بلادي». يجيب ييفري عن الأسئلة بخجل، ويمتنع عن ذكر اسم عائلته. على جسده آثار اعتداءات تعرض لها من قبل عصابة حاولت تجنيده.

يقيم حاليا مع والدته التي ابتعد عنها لتسعة أعوام، إلا أنها حاليا تصر على الحضور إلى كل مباراة يخوضها، وتصفق له بحماس وتشجعه. وتقول الوالدة: «مر هؤلاء الفتية بتجارب متماثلة، يفهمون ويساعد بعضهم بعضا (...) هذا فعلا اتحاد، إنه أمر جميل».
أميركا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة