الغموض يحيط بعملية دهس نفذها الجزائري بن الأطرش في باريس

الغموض يحيط بعملية دهس نفذها الجزائري بن الأطرش في باريس

المحققون لم يستجوبوه بسبب إصاباته البليغة... والقوى الأمنية نفذت عمليات دهم
الجمعة - 18 ذو القعدة 1438 هـ - 11 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [ 14136]
رجال الأمن يحيطون بسيارة منفذ حادث الدهس في العاصمة باريس عقب إيقافه أول من أمس (أ.ف.ب)
باريس: ميشال أبو نجم
ما زال الغموض يحيط بعملية الدهس (المشتبه بها حامو بن الأطرش جزائري الجنسية) لعدد من العسكريين في مدينة لوفالوا - بيريه صباح أول من أمس، في سادس عملية من هذا النوع يتعرض لها عسكريون، إلى جانب رجال شرطة ودرك مهمتهم السهر على أمن وراحة المواطنين الفرنسيين.

ويرقد المشتبه به حامو بن الأطرش في المستشفى الجامعي، في مدينة ليل (شمال باريس)، الذي نُقِل إليه عقب توقيفه في عملية أمنية معقدة أصيب خلالها بخمس رصاصات.

ووفق معلومات الشرطة وأخرى طبية، فإن عملية جراحية أجريت لحامو بن الأطرش، وإن حياته «لم تعد مهدَّدَة». لكن الإصابات الخطيرة التي تعرض لها حالت حتى الآن دون استجوابه على أيدي الأجهزة الأمنية المكلفة القيام بالتحقيق القضائي الذي أمرت به النيابة العامة المتخصصة بشؤون الإرهاب. لذا، فإن المصادر الأمنية والقضائية ما زالت «متحفِّظَة» في الحديث عن هذه العملية التي لم تصفها حتى الآن بـ«الإرهابية»، بانتظار أن تتوافر لديها معلومات وأدلة حول نيات المشتبه به وأغراضه وارتباطاته ومعرفة ما إذا كان قد تصرف تنفيذاً لأوامر جاءته من الخارج، وإمكانية حصوله على مساعدة لوجيستية.

وتتجه الأجهزة الأمنية التي نفذت مجموعة من عمليات الدهم وصادرت هواتف جوالة وحواسيب إلى استجواب عدد من الأشخاص الذين تعتقد أنهم كانوا على علاقة بالمشتبه به، أو قد يكونوا قد قدموا له مساعدة ما لتحضير عمليته ومن ذلك مثلاً استئجاره لسيارة «بي إم دبليو» ألمانية الصنع، التي استخدمها لارتكاب الاعتداء الذي يبدو أنه خطَّط له بعناية، فضلاً عن ذلك يريد المحققون أن يعرفوا الأسباب التي جعلت الجاني يتجه، عقب ارتكاب الاعتداء في الساعة الثامنة صباحاً إلى شمال فرنسا على الطريق السريع الذي يقوده إلى بلجيكا بحيث قطع 300 كلم قبل أن تلقي القوى الأمنية المتخصصة القبض عليه.

وقد نشرت الوسائل الإعلامية الفرنسية كثيراً من التفاصيل حول عملية التوقيف التي نفذها 300 رجل شرطة وأمن وتدخل سريع. وقد نجح هؤلاء في مهمتهم بعد إطلاق نار كثيف على الجاني الذي لم يتردد في صدم إحدى سيارات الشرطة محاولاً الإفلات من الفخ الذي نُصِب له على الطريق السريع. وبحسب صحيفة «لو باريزيان»، فإن الشرطة التي لاحقته بفضل متابعة جهاز «جي بي إس» الموجود في السيارة المستأجَرَة، وبفضل مراجعة تسجيلات كاميرات المراقبة المنصوبة في مدينة لوفالوا بيريه، عمدت إلى الإطباق عليه بعد إحكام طوق من سيارات الشرطة أمامه ووراءه.

وأفادت وسائل إعلامية أخرى بأن أفراد الأجهزة الأمنية لم يترددوا في إطلاق النار عليه بعد أن صدم سيارة وقام بحركة فسرها هؤلاء بأنها لإخراج سلاح وإطلاق النار عليهم. لم يكن حامو بن الأطرش، البالغ من العمر 37 عاماً، مسلحاً لحظة القبض عليه، كما أنه ليست له سوابق على علاقة بأعمال عنيفة أو إرهابية. كذلك فإنه لم يكن معروفاً لدى الأجهزة الأمنية، ولم يكن اسمه على اللوائح الموضوعة تحت حرف «إس» أي الذين يشكلون خطراً على الأمن العام. وتبين أنه يمتلك بطاقة إقامة قانونية على الأراضي الفرنسية، وأنه كان يشغل وظيفة حقيقية (سائق سيارة سياحية خاصة)، ولم تُعرَف له ميول متشددة أو راديكالية. وجل ما قام به من مخالفات تناول قوانين الإقامة التي يبدو أنه نجح في تسويتها، والدليل على ذلك بطاقته القانونية.

وقال عمه للقناة الإخبارية «بي إف إم» إنه «فوجئ» بظهور اسم ابن أخيه الذي وصفه بالشاب «الهادئ» و«دمث الأخلاق». كذلك أعرب جيران له في مدينة بيزون (منطقة فال دواز - شمال باريس)، حيث كان يسكن، عن «دهشتهم» لما سمعوه ورأوه. ولذا، فإن أحد الأسئلة التي يسعى المحققون لمعرفة الإجابة عنها يتناول «المسار» الذي سلكه، والذي أودى به إلى التشدد والراديكالية، وما يمكن أن يفسر العمل الذي قام به.

وفي الصورة التي نشرتها له الوسائل الإعلامية أمس، يبدو حامو بن الأطرش كث اللحية، أحول العينين وقاسي النظرات. ويسعى المحققون للتحري حول علاقة له بمجموعات سلفية موجودة في مدينة سارتروفيل «القريبة من بيزون مقر سكنه». وبحسب عمه، فإنه كان يذهب للمسجد كالآخرين وأنه لم يسمعه يوماً بما ينمّ عن تشدده أو سلوكه درباً أصوليّاً.

وفي أي حال، فإن الثابت (حتى مساء أمس)، أن عملية الدهس في لوفالوا بيريه لم يتبنّها أحد، كما أن المحققين لم يكشفوا بعد عن أدلة مادية تثبت علاقة حامو بن الأطرش بمجموعات إرهابية أو متطرفة خارج الحدود. فضلاً عن ذلك، لم يفد أحد بأن بن الأطرش قد تلفظ بالعبارات التقليدية التي تربطه بالمتشددين، كما حصل في المرات السابقة في فرنسا، كما أنه لم يُعثر له (حتى اليوم) على شهادة أو وصية أو فيديو يرجح فرضية ارتباطه بتنظيم إرهابي، الأمر الذي يدفع بالمسؤولين الرسميين وحتى بالإعلام الفرنسي لأن يكون أكثر حذراً مما كان عليه في المرات السابقة. بانتظار جلاء مناطق الظل في عملية الدهس أول من أمس، فإن الجدل في فرنسا يدور حول فائدة استمرار العمل بحالة الطوارئ من جهة، وحول نجاعة العملية المسماة «سانتينيل» (أي العسس أو الحرس)، التي انطلقت في يناير (كانون الثاني) من عام 2015، عقب مجزرة صحيفة «شارلي إيبدو» الساخرة والمتجر اليهودي.

وأهمية هذه العملية أنها تستدعي القوات المسلحة المعدَّة أساساً للحروب من أجل المحافظة على الأمن في الداخل. وتعبئ وزارة الدفاع لهذه العملية 7 آلاف جندي و3 آلاف من الاحتياط، ما يشكل ثلث القوات الفرنسية المنتشرة في الداخل والخارج.

وبحسب وزير الدفاع السابق (وزير الخارجية الحالي)، جان إيف لو دريان، فإن هذه العملية تكلف يوميّاً مليون يورو. لكن المشكلة ليست في تمويلها بقدر ما هي في نجاعتها وفائدتها في منع حصول أعمال إرهابية. والحال أن هذه العملية وكذلك العمل بحالة الطوارئ منذ نحو عامين لم يمنعا الإرهابيين من الاستمرار في القيام باعتداءاتهم، إلى درجة أن فرنسا فقدت 239 قتيلاً في العمليات الإرهابية منذ 30 شهراً، كما سقط عدة مئات من الجرحى. والأسوأ من ذلك أن أفراد العملية تحولوا إلى أهداف للإرهابيين.

وقال جيرار كولومب، وزير الداخلية أول من أمس إن ست عمليات استهدفت الجنود. فضلاً عن ذلك، فإن الاستعانة بهذا العدد الضخم من الجنود للأمن الداخلي يحرم قيادة الأركان من حرية الحركة والتصرف، ويُسهِم في إيجاد حالة من التململ لدى الجنود. وقال الجنرال ديبورت وهو مسؤول عسكري كبير سابقاً إن عملية «سانتينيل»... «لم تنجح قطّ في السابق في تعطيل أية عملية إرهابية».

وفي السياق ذاته، قالت النائبة عن كتلة اليسار المتشدد كليمانتين أوتين، إن «(سانتينيل) ليست العملية الأكثر نجاحاً، لأن أفرادها يعملون على حماية أنفسهم بالدرجة الأولى لأنهم أصبحوا أهدافاً».

لكل هذه الأسباب، وعد الرئيس إيمانويل ماكرون، في كلمة له بتاريخ 13 يوليو (تموز) الماضي أمام الضباط والجنود، بـ«إعادة النظر بالعمق» بهذه العملية في شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. لكن حتى الآن، لم تتضح بعد صورة التغييرات التي يريد الرئيس إدخالها، والتي ستتزامن مع التاريخ المبدئي لرفع حالة الطوارئ. والجدير ذكره أن الحكومة قدمت مشروعي قانون إلى البرلمان: الأول يمدد حالة الطوارئ حتى الأول من نوفمبر (تشرين الثاني)، فيما يوسع الآخر صلاحيات الأجهزة الأمنية والقضاء الإداري استباقاً لعزمها على وضع حد لحالة الطوارئ.

ولم يُعرَف ما إذا كانت عملية لوفالوا بيريه ستدفع الحكومة إلى تعديل مشاريعها أو سياساتها إزاء التعامل مع ظاهرة الإرهاب، لكن الثابت أنها لا تمتلك حلاّ سحريّاً، كما أن مخاوفها تتزايد من عودة المتطرفين الفرنسيين أو المقيمين على الأراضي الفرنسية الذين ذهبوا إلى ميادين القتال في سوريا والعراق ومالي، والذين قد يعودون إلى الأراضي الفرنسية، لأنها ترى فيهم تهديداً جديّاً للأمن على أرضيها.

ومن العاصمة الرياض، عبر مصدر مسؤول بوزارة الخارجية السعودية، عن إدانة بلاده واستنكارها الشديدين لحادث الدهس الذي وقع في ضاحية لوفالوا بيريه في العاصمة الفرنسية باريس، وجدد المصدر وقوف السعودية وتضامنها {مع حكومة وشعب الجمهورية الفرنسية الصديقة}.
فرنسا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة