أغاثا كريستي... عندما اكتشفت منطقة الشرق الأوسط

أغاثا كريستي... عندما اكتشفت منطقة الشرق الأوسط

أحبت بغداد وأور والموصل وبدأت كتابة سيرتها الذاتية في النمرود
الخميس - 17 ذو القعدة 1438 هـ - 10 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [ 14135]
مواطن عراقي يشير إلى مكان بيت أغاثا كريستي بالنمرود جنوب الموصل (رويترز) - أغاثا كريستي (غيتي) - أغاثا كريستي مع زوجها قبل قيامهما برحلة مع المتحف البريطاني لشمال العراق في عام 1933 (غيتي)
هامبورغ - لندن: «الشرق الأوسط»
يعرف كثيرون عن أغاثا كريستي أنها ملكة القصص البوليسية التي تحولت لمادة خصبة للأفلام والمسلسلات التلفزيونية، ولكن هناك في حياة الكاتبة من الغموض ما يجذب الاهتمام، حسب تقرير بثته وكالة الأنباء الألمانية أمس.
ولدت أغاثا كريستي عام 1890، وتوفيت عام 1976، وكانت تبلغ من العمر 11 عاما، عندما بدأ عالمها الملموس يصطدم في بدايات القرن الماضي بالتقدم التقني، الذي كان يمثله بالنسبة لها قطار داخلي مُحدِثا ضوضاءَ عندما كان يسير بشكل متثاقل، وهو إحساس عبرت عنه ببيت شعر قالت فيه: «شاهدت أول ترام يسير في حُلته الذهبية، يقطع الشارع صعودا وهبوطا، ارتَعَدَتْ من هول سيره فرائصي».
لم يكن نشر هذا البيت من الشعر في الصحيفة المحلية لمنطقة إيلينج، التابعة لمدينة لندن في إطار حملة احتجاجية عامة من المواطنين ضد الترام، يوحي بأن صاحبة بيت الشعر سيصبح لها شأن غير تقليدي يوما ما.
استغرق الأمر 20 عاما إلى أن ظهرت أول رواية للمؤلفة البريطانية وهي «العضو المفقود من السلسلة»، واستغرق الأمر بضعة أعوام أخرى إلى أن حققت رواية «مقتل روجر أكرويد» النقلة النوعية في حياة كريستي الأدبية التي أثمرت عن 66 رواية بوليسية، وبعض المسرحيات والقصص والقصص القصيرة.
كان اسم كريستي قبل الزواج ميلر، واسمها بالكامل هو أغاثا ماري كلاريسا كريستي مالوفان.
يضاف إلى هذا الإنتاج سيرتها الذاتية التي نشرت لأول مرة عام 1977، وقدم حفيدها ماثيو بريتشارك لإحدى طبعات هذه السيرة.
إنها صدفة سعيدة لكل من وقع بيده هذا العمل، الذي يتضمن نحو 700 صفحة، لأن هذا العمل يعرف بشخصية جديرة بالحب وفريدة، وليست أقل تسلية وإمتاعا وإثارة من روايات المحققين والجواسيس التي كتبتها كريستي.
لا يقتصر الأمر على ذلك، حيث إن البريطانية كريستي تُشركنا في نحو 75 سنة من خبرة الحياة والحكمة ومعايشة التغيرات الفنية والاضطرابات المجتمعية بسبب حربين عالميتين وصراعات إقليمية خاصة في الشرق الأوسط، إحدى المناطق التي كانت تفضلها، إلى جانب وطنها إنجلترا.
وهنا بالضبط، وفي مدينة النمرود (كالح) الآشورية في العراق، بدأت كريستي كتابة سيرتها الذاتية.
هنا، حيث كان زوجها الثاني ماكس مالوفان (1978 - 1904) يرأس عمليات تنقيب عن الآثار، وهي العمليات التي شاركت فيها المؤلفة البريطانية بنفسها، وبالمناسبة فهذا هو المكان نفسه الذي دمر فيه تنظيم داعش قبل عامين نفائس أثرية للأبد في خضم هياجه. ولحسن الحظ أعفيت كريستي وزوجها من معايشة هذه الوحشية.
تعترف كريستي في نهاية سيرتها الذاتية بأن الرغبة في كتابة هذه السيرة «تملكتني بشكل مفاجئ تماما في منزلي بمدينة النمرود» وقالت إنها تذكرت خلال الكتابة ما أرادت تذكره. ويعني ذلك على الأرجح أيضا أنها أغفلت بعض الأحداث. تصف المؤلفة البريطانية الذكريات المؤلمة، إذا ذكرتها، بشكل غير مؤثر نسبيا. فمن المعروف مثلا أن كريستي، التي كانت قد اشتهرت بالفعل، اختفت بضعة أيام بلا أثر بعد أن تركها زوجها الأول بسبب امرأة أخرى.
لم تتكتم كريستي في سيرتها على الانفصال وسببه، ولكنها أخفت في هذه السيرة أمر اختفائها، وذلك على الرغم من أن «هروبها» أثار ضجة وكان مادة لفيلم «سر أغاثا كريستي»، وعلى الرغم من أن مشاهير مثل والد شيرلوك هولمز، والسير أرثور كونان دويل، شاركوا في عملية البحث.
أثار اختفاء كريستي بالإضافة إلى ذلك تكهنات إعلامية لا حصر لها، بل إن هذا الاختفاء كان مصدر إلهام لكاتب السير والصحافي البريطاني أندرو ويلسون بعد هذا الحادث بسنوات، حيث كتب رواية «موهبة للقتل» والتي نشرت مؤخرا بالألمانية أيضا. وتعتبر هذه الرواية تتمة جميلة للسيرة الذاتية الخاصة بأغاثا كريستي، حيث تواجه الشخصية الرئيسية في الرواية خطرا على حياتها الشخصية، وتحكي أحداث القصة بضمير المتكلم. وبالمناسبة، فإن السيرة الذاتية لرائدة الرواية البوليسية المعاصرة في بريطانيا لا تنتهج التسلسل الزمني، وهو أمر يميزها كثيرا، حيث يجعل ذلك ذكريات كريستي المتنوعة في كل الأحوال أكثر حياة ونشاطا.
تقول كريستي، إن أبويها الحنونين وفرا لها حياة آمنة، يكتنفها العطف والحنان في عائلة تعيش في رغد من العيش نسبيا.
وللأسف توفي الوالد، عندما كانت كريستي لا تزال في سن الحادية عشرة.
وكانت أغاثا تحسن التفاهم مع شقيقتها مادج، الأكبر سنا، وتفضل القرب منها أكثر من أخيها مونتي. ذهبت البساطة من حياة أغاثا كريستي باندلاع الحرب العالمية الأولى، وكان اسمها لا يزال ميلر، وكانت تقوم على رعاية الجنود المصابين، ثم عملت فيما بعد في صيدلية.
واستفادت كريستي كثيرا من خبرتها في هذا الوقت خصوصا مع السموم في كتابة رواياتها البوليسية. كما استفادت كريستي من هذه الخبرات في رحلاتها، حيث رافقت أمها وهي طفلة في رحلتها إلى مصر. وقضت كريستي بعض الوقت في فرنسا وقامت برحلة حول العالم مع زوجها الأول أرتشي كريستي، وكانت تسافر بين الفينة والأخرى وحدها أو برفقة ابنتها روزاليند إلى كثير من الدول الأوروبية.
ثم اكتشفت كريستي فيما بعد الشرق الأوسط، برفقة ماكس مالوفان بشكل خاص، وأحبت مدينة بغداد ومدينة أور والموصل والنمرود، وكثير من الأماكن الأخرى الشهيرة وتعرفت على هذه المدن عن قرب. من يعرف روايات أغاثا كريستي سيكتشف كثيرا من أحداثها مرة أخرى في سيرتها الذاتية، وذلك بشكل لم يكن ليسنح لأشخاص قابلوا المؤلفة يوما ما، حيث أدرجت كريستي في رواياتها كثيرا من الأماكن والمشاهد والتجارب وبالطبع وسائل الانتقال مثل السفن، ويجب ألا ننسى هنا قطار الشرق السريع.
ولكن كريستي لم تكن تحب الكتابة عن الشخصيات، التي لم تكن وليدة خيالها وحده، لأنها لم تكن تريد أن تنسخ شخصية أحد ما، حيث كانت ترى أن مثل هذه الشخصيات ستكون مصطنعة ولا تدب فيها الحياة.
كان منهج كريستي في الكتابة أن سمات شخصياتها وتعبيراتهم لا بد أن تكون نابعة من داخل هذه الشخصيات. غير أن ظاهر بعض الشخصيات الأساسية في الروايات ربما استند إلى إنسان «حقيقي»، وهكذا نشأت شخصيات أبطالها مثل هيركيول بوار، ذي الشخصية الشامخة، ولكنه كان محققا بلجيكيا ماكرا بشكل لا يبارى، ذلك المحقق الذي صحبته حول العالم وكذلك شخصية الآنسة ماربل، التي كانت تفضل دس أنفيها في كل شيء، وكانت تساعد بعض رجال الشرطة غير الأكفاء في أداء مهامهم.
الجميل في سيرة حياة أغاثا كريستي هو أنها كتبت بشكل يغيب فيه الإعجاب بالنفس، رغم أنه كان لدى سيدة الأدب البوليسي العظيمة ما يكفي من الأسباب للفخر بالنجاح الذي حققته في حياتها، والذي توجته ملكة بريطانيا عام 1971 بمنح كريستي لقب «قائدة الإمبراطورية البريطانية»، وهذا اللقب يعادل رتبة فارس.
ولكن ما لم تكن تعرفه كريستي آنذاك، هو أن مبيعات روايتها بلغت اليوم أكثر من ثلاثة مليارات نسخة، مما يجعلها صاحبة الكتب الأكثر مبيعا على مر العهود والأزمنة.
كما أن كريستي تحتل الصدارة بلا منازع في الأدب البوليسي.
تم تصوير نحو 100 فيلم سينمائي أو تلفزيوني، اعتمادا على روايات كريستي. وتعرض مسرحية «مصيدة الفئران» منذ عام 1952 يوميا في حي ويست آند للفن في لندن، وهي بذلك أكثر مسرحية يتم عرضها بلا انقطاع على مستوى العالم. وكانت كريستي تدري في حياتها بالفعل أن هذه المسرحية بالذات ستظل تشغل عالم الفن بشكل دائم، لأن هذه المسرحية التي كتبت في الأصل لتكون تمثيلية إذاعية عرضت على المسرح 24 سنة في حياة كريستي. ولكن كريستي لم تعش حتى ترى نشر سيرتها الذاتية التي ظلت تكتب فيها 15 عاما.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة