العمق المنسي... التطرف والقيم السائدة

جنود من القوات العراقية يرفعون علما كان يستخدمه «الدواعش} عقب طردهم من الموصل (ا ف ب)
جنود من القوات العراقية يرفعون علما كان يستخدمه «الدواعش} عقب طردهم من الموصل (ا ف ب)
TT

العمق المنسي... التطرف والقيم السائدة

جنود من القوات العراقية يرفعون علما كان يستخدمه «الدواعش} عقب طردهم من الموصل (ا ف ب)
جنود من القوات العراقية يرفعون علما كان يستخدمه «الدواعش} عقب طردهم من الموصل (ا ف ب)

توظف جماعات التطرف والتعصب الكثير من القيم السائدة - صحيحة أو خاطئة - للبناء والتأسيس عليها في تجنيد المتطرفين، فتشتغل في أوساط الجاليات المسلمة أزمة ازدواجية الهوية واللغة ورؤية العالم، كما توظف انتشار ثقافة الكراهية والتمييز والنظرة الطائفية وازدراء الآخر والصراعات السياسية والدولية وخطاب الأزمة في المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة لذات الغرض، من تأجيج توجهات التشدد والخلاص والخروج وما شابه.
لا تؤثر هذه القيم السلبية في العوام فقط، بل قد تؤثر في الخطابات الأعلى فقهاً وعلماً وفكراً أحياناً، مرحِّبَةً وتابعة لما يطلبه الجمهور وما يصادف شعبيتها، فتتردد بكائيات الماضي وترفع لواءات النصر والصراع الأبدي والعشوائي مع العالم والآخر، بينما تتراجع قم المواطنة والحوار والتسامح والنظام والقانون.
ومما ساعد في تصاعد هذا التأثير - تدريجيا - في العقد الأخير، هو السيولة في مصادرها في عصر الثورة المعلوماتية والمواقع التواصلية، والتشظي الفردي والجمعي، والانفتاح اللانهائي للمعنى وتصديره اللامحدود، وتأجج مشاعر الغضب والاحتجاج والنقد الجارح والفضائحي دون ضبط، وتطير دخاناً وغباراً لا يمكث في الأرض أمام خطابات التطرف والكراهية الصلبة القادرة على التمكن والمكوث والتأثير أحياناً.

خليط القيم: الحداثة والتقليد معاً
وكون مجتمعاتنا لم تدخل الحداثة بشكل كامل وتحمل قيمها في الاختلاف والتنوع والتسامح والعقلانية وغيرها، وما زالت مزجاً غريباً ومتناقضاً بين الحداثة وما قبل الحداثة، وما زال تجديد الخطاب الديني طرحاً نخبوياً تعيقه لوثات الطائفية والتعصب والانغلاق وحركاته وتنظيماته، يعيش الفرد المسلم البسيط توتر اللاحسم، كحال نهضته المستمرة منذ مائتي عام، يبحث عن الخلاص ويزاوج بين قيم التقدم والتخلف في آن، ويستثمر ويفاخر - شأن العربي القديم - بما يمتلكه من منجزات التحديث، ولكنه يبتغي به ما تكرس وساد عنه من قيم جاهلية في المفاخرة والمنافرة والتميز والاصطفاء، وربما يوظفها لقتل منتجها والانتحار في أغياره والمختلفين معه، من رجال الدولة وعناصر الأمن والمواطنين العاديين، مؤمنا ومحتكرا وحده للحق والحقيقة.
القيم، هي كل ما يثمنه أو يقبله الناس في قلوبهم ووجداناتهم من سلوك، قولاً أو فعلا، ومفردة «القيمة»، وتمتد لما هو مادي أيضاً بمعنى الثمن أو التقدير، ولكن جمعها يشير فقط لما هو «معنوي واجتماعي» يمثل المعايير الغالبة لتقييم توجهات وسلوكيات الناس والمجتمع.
ومن هنا، تمثل القيم السائدة - حسب مفهومها الاجتماعي - معايير أساسية للسلوك والتصورات، فردية وجماعية في آن واحد، وهي أيضاً ما يثمنه الجميع ويحافظ عليه المجتمع الواحد، وتصدر عنها طرق تعامل الأفراد معاً، محددة السلوك المقبول، من غير المقبول وفقها، وليس وفق قيم مختلفة زمانياً أو مكانية أخرى، أو وفق معايير العقل المحض المنفصل معها.
وليست القيم السائدة ثابتة في كلها، بل تتغير ببطء، تتطور وتتكيف مع سياقات الزمن والواقع وموازين التاريخ، بشكل بطيء ومبطن يسود متدرجاً، حسب ملامسات وتراكمات الوعي الفردي والجمعي، للفرد والمجتمع والأمة، انتصاراً وانكسارا، نجاحا وفشلا، عدلا وجورا، يأسا أو أملا وغيرها من النتائج والمستخلصات في هذه السياقات.

توظيف مشاعر المظلومية
ومن القيم السلبية التي توظف الانعزال والتحول للتشدد الأصولي والخلاص به نفسيا ولاوعيا على الأقل، تهميش دور الشباب والفرد في بعض المجتمعات، وغلبة الانتماءات الأولية في التقييم والتقديم والتأخير، كالطبقة الاجتماعية والنسب والعشيرة وما شابه من نسب، مما هو موهوب وليس مكسوباً من الفرد، لتمييزه عمن يفوقه في ممكنات وإمكانيات ومهارات ما هو متقدم إليه، مما يكرس الإحساس بالمظلومية وعدم العدل أحياناً، وتطرحه الأصولية والجماعات المتشددة دلالة على الظلم العام وتطالب بإزالته، كما تدمجه بما تصوره مظلومية خاصة بالأصولية وتيارات الأصالة بعموم لا تصح في الغالب.
لكن الانتقائية توظيف مشاعر «المظلومية الفردية»، أن عدم العدالة والقبول التاريخي لم تناقضه سوى الحداثة التي ركزت على الفرد ودولة القانون والمواطنة، ولكنه موجود في كل الثقافات والعصور قبل هذا الأزمنة الحديثة، وفي مختلف حقب تاريخها بالأساس، بل موجود في تركيبة التنظيمات الأصولية ذاتها التي تؤمن بأهمية الروابط العشائرية والشبكات العائلية في تكوينها ورفعة قيادييها.
وسنحاول فيما يلي العرض والتحليل لمجموعات من القيم التي يوظفها التطرف في التجنيد للأفراد والتبرير لممارساته واعتداءاته على الآخرين، والتأسيس لأهدافه في الصعود والتمكين.

أولاً: قيم مؤسسة للتطرف
تسكن المجتمعات التقليدية قيم غير عصرية وصراعية، تصر على الغلبة وتقدس التسلط والهيمنة على الآخرين، وترى كل آخر غريب محتقراً ومدنساً متآمراً أبداً وكارهاً أبداً، يتجسد فيه الشيطان صورة وفعلاً، فتتملك الذات طموحات غاضبة بحقها في الارتفاع والتميز والسيطرة على الآخرين المختلفين عرقيا أو طائفيا أو حضاريا أو فكريا، ومن هذه القيم يمكن أن نذكر ما يلي:
> قيم الغلبة والصراع الأبدي: مضمونها أن العالم والحياة البشرية قائمة على صراع مستمر بين الكيانات التي تمثل الحق والباطل وليس بين الحق والباطل الذي يعرف به الناس ولا يعرف بالناس، وأن الغلبة حق للدين وإيمان كل جماعة ولا يحق لغيرها الحضور أو المنافسة على فضاء الجماعة والمجتمع الخاص الذي يحمل هويتها بالخصوص، وهي قيمة قبل حداثية موجودة في الوعي التقليدي يوجهها التطرف دينيا وعاطفيا بشكل أوسع.
> شهوة التسلط والإمامة: كما انحصرت أدبيات وأفكار جماعات التطرف الديني على مدار التاريخ في الإمامة والحرب عليها، انحشرت جماعات التطرف المعاصر الحرب من أجلها، وتأليب الناس وتجنيدها من أجل هذا الهدف، وتغري به المهمشين في كل مكان، حتى داخل القبيلة والعشيرة الواحدة، ويطلبها حين تمكنها من تملكهم هذه الشهوة، كون التاريخ تاريخ «الكبار» وليس «تاريخ الأفراد والمجتمعات» فالقبيلة تتذكر شيخها والقرية تتذكر كبارها، وهو الأمر غير الصحيح إذ اتسع التاريخ والوعي دائما لمن رفضوا شهوة التسلط والإمامة، اتسع للعلماء كما اتسع للأولياء والأدباء والعارفين والخيرين وأصحاب الأوقاف، وبقي الكثير منهم في ذاكرة مجتمعاتهم وأممهم أكثر وأطول مما بقي كثير من حاكميهم.
> الرسالية وادعاء الطهورية: كون الإسلام بالخصوص دين رسالة ويحمل الأفراد فيه مسؤولية خاصة في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، توظف جماعات التطرف هذه القيمة والمشاعر الإيمانية والرسالية لدى الأفراد المستهدفين للقيام بدور وتحميل العامي مسؤولية تغيير العالم قبل فهمه وتفسيره، وشغله بإصلاح الآخرين قبل نفسه، وإن كان خارج إطار النظام العام والقانون للمجتمع والدولة ولكن لا بد أن يكون في إطار نظام الجماعة الصغرى التي ينتمي إليها، ووفق مبدأ السمع والطاعة القائمة عليه، ولا يجوز منه الخروج الذي قد يؤدي للاغتيال المعنوي أو المادي له إن وقع منه.
ومن القيم التي تنطلق منها وتعتمد عليها جماعات التطرف في هذا السياق قيم التمييز ضد الأقليات ووهم أننا «نعيش في العالم أو المجتمع وحدنا» وحق الاحتكار للحق وللحياة ولإدارتها والهيمنة عليها وفق ما تراه الجماعة وليس وفق ما تختاره الأغلبية أو يقره القانون والتوافق العام، حتى فيما هو بالغ الخصوصية في حياة الناس.
كما تستغل جماعات التطرف وَهْم شمول التراث، والاكتفاء المرجعي والنظري والمعنوي، فلا بأس من استخدام الهاتف وركوب السيارة الحديثة التي أنتجها الآخرون، ولكن لا يجوز لنا استخدام مبادئ كالديمقراطية التي تصر جماعات التطرف العنيف على تكفير من يؤمن بها أو يدعو إليها، كونها وفقط من إنتاج الآخرين وليس من إنتاجنا النظري والتراثي، رغم أنها أخت وبنت تشبه الشورى التي أقرها تراثنا وتنظمها.
كذلك ووفق هذا المنطق تكون المواطنة أو غيرها والمنظمات الدولية، بدعة لأنها لم ترد باسمها في التراث القديم رغم أنها ضرورة ومنتج حداثي لتجنب صراعات الطوائف والأديان والأعراق وسلامة الأوطان نفسها.

ثانيا: قيم للتوظيف والاستخدام
توظف جماعات التطرف العديد من القيم والمعاني السائدة، من أزمات الهوية المفتعلة، كالزي والشكل، إلى أزمات الهوية الحقيقية الناتجة عن أزمة النهضة والتقدم والرفاه قياساً للآخر الحضاري، في تأجيج مشاعر الكراهية وتوظيفها ضد هذا الآخر.
كذلك توظف جماعات التطرف المشاعر السلبية تجاه تفوق الآخر القريب - الطائفي أو المِلّي - أو البعيد الحضاري في طرح أفكار النظر التآمري غير العلمي وتحميله المسؤولية الدائمة عن فشلنا، دون مساءلة الذات أو المنافسة الصحية والمتعافية استفادة وتفاعلاً مع تفوق الآخر.
ومن القيم والمعاني السائدة التي تستغلها جماعات التطرف بشكل كبير هو هشاشة مفهوم الدولة في الوعي العربي، وغلبة وتردد شعور الانتماء «للأمة الواحدة» على الدولة القطرية والوطنية التي لم يظهر أغلبها عربيا وإسلاميا - باستثناء مصر وإيران - إلا بعد «سايكس بيكو»، قبل قرن من هذا الزمان، لتكريس الانتماء للأمة وتنفيس العداء في وجه الدولة وقوانينها التي تراها وضعية ومخالفة ومغالبتها على ذلك.
ومن القيم والمعاني السائدة التي تكرسها وتوظفها في آن جماعات التطرف مشاعر وصور غير دقيقة للهوية والتاريخ، وعن سيادة العالم تكرس صراع العنف وشهوات ونزعات الاستعادة للمجد القديم، رغم أن العودة لصفحات التاريخ تثبت أن هذا الوعي السحري والصورة المتخيلة غير حقيقية ولم تكن دائماً، فالتاريخ لم يتحرك في صراعات الحضارات والأمم إلا بقوانين القوة والضعف والتقدم والتخلف، ولم يكن ثابتاً أي منها لأمة أو دولة بعينها عبر التاريخ.
ختاماً، نرى أن مكافحة التطرف تتسع لما هو أوسع من تجديد الخطاب الديني فقط، الذي لا يزال يحتاج المزيد من الجهود والتخطيط والشجاعة، فتتسع جهود المكافحة للوعي الثقافي والقيمي والتفاعل الإيجابي مع الفرد والمجتمع ووعيه ومشاعره، وتفكيك كل أسانيد التطرف غير المباشرة ونقضها فكرا وممارسة، وتكريسا للانتماء والمبادئ الإنسانية القائمة على المساواة والمواطنة والتنافس والتعايش الحضاري.



رئيس بولندي سابق: ترمب إما «خائن» أو قائد «استثنائي»

رئيس بولندا السابق ليخ فاونسا (إ.ب.أ - أرشيفية)
رئيس بولندا السابق ليخ فاونسا (إ.ب.أ - أرشيفية)
TT

رئيس بولندي سابق: ترمب إما «خائن» أو قائد «استثنائي»

رئيس بولندا السابق ليخ فاونسا (إ.ب.أ - أرشيفية)
رئيس بولندا السابق ليخ فاونسا (إ.ب.أ - أرشيفية)

يرى ليخ فاونسا، الحائز على جائزة «نوبل للسلام»، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في تعامله مع روسيا، إما «خائن» أو «قائد استثنائي»، وذلك في تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية يوم الاثنين.

وقال الرئيس البولندي السابق، والزعيم السابق لنقابة «تضامن» (Solidarnosc)، عشية الذكرى السنوية الرابعة للغزو الروسي الشامل لأوكرانيا: «ظاهرياً، يبدو (ترمب) اليوم مجرد أداة في يد روسيا، خائن بكل بساطة. هذه إحدى وجهات النظر».

وأضاف فاونسا أنه من المحتمل أيضاً أن يكون ترمب «قائداً سياسياً ذكياً للغاية» يدرك أنه «إذا انضمت الولايات المتحدة إلى جوقة معارضي (الرئيس فلاديمير) بوتين، فلن يكون أمامه خيار سوى استخدام الأسلحة النووية».


إثيوبيا «الحبيسة» توسع تدريبها العسكري بـ«قدرات بحرية»... لأي معارك تتحضر؟

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أثناء كلمته في احتفال تأسيس القوات الخاصة الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أثناء كلمته في احتفال تأسيس القوات الخاصة الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

إثيوبيا «الحبيسة» توسع تدريبها العسكري بـ«قدرات بحرية»... لأي معارك تتحضر؟

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أثناء كلمته في احتفال تأسيس القوات الخاصة الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أثناء كلمته في احتفال تأسيس القوات الخاصة الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)

يثير توسع إثيوبيا، حبيسة البر، في تعزيز قدراتها العسكرية، وخصوصاً «البحرية»، تساؤلات حول المعارك والصراعات التي تستعد لها، لا سيما في ظل رغبتها في الحصول على منفذ بحري على ساحل البحر الأحمر، وسط اعتراضات دول في المنطقة من بينها مصر.

وتحدث رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد عن «توسيع بلاده تدريبها العسكري، والانتقال من البر والجبال إلى البحر»، مشيراً في كلمة بمناسبة الذكرى الخامسة والستين لتأسيس القوات الخاصة الإثيوبية إلى أن «بلاده باتت تمتلك قوة تقنية مزودة بالطائرات المُسيرة، والذكاء الاصطناعي، وقادرة على حسم الصراعات في أقصر وقت»، وذكر أن التعزيزات العسكرية تهدف إلى «منع نشوب الحروب، وانتشار الإرهاب».

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن إثيوبيا تعزز قدراتها العسكرية «استعداداً للوصول إلى ساحل البحر الأحمر على حساب إحدى دول الجوار بمنطقة القرن الأفريقي»، وأشاروا إلى أن «التحركات الأخيرة لا يمكن فصلها عن التصعيد الأميركي المحتمل ضد إيران، والذي قد تترتب عليه مواجهة عسكرية موازية في جنوب البحر الأحمر».

وقال آبي أحمد خلال اصطفاف القوات الخاصة الإثيوبية، الأحد، إن الاستعدادات العسكرية الجارية «تُعد ركائز للاستقرار، وتهدف لحماية السيادة، وضمان الوئام الإقليمي، والسلام في جميع أنحاء أفريقيا».

وعدَّ هذه الاستعدادات «جزءاً من فلسفة أوسع تستهدف استعادة وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر، وإعادة تعريف المياه كمصدر للحياة، والتنمية، والفرص الاستراتيجية، وليس كحاجز».

وإثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993 بعدما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت ثلاثة عقود؛ مما جعلها تعتمد على مواني جيرانها، لا سيما ميناء جيبوتي الذي أصبح منفذاً بحرياً رئيساً يخدم أكثر من 95 في المائة من تجارتها الدولية.

اصطفاف القوات الخاصة الإثيوبية يوم الأحد (وكالة الأنباء الإثيوبية)

ويرى الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج أن التعزيزات العسكرية الإثيوبية تجيء في إطار السعي للحصول على منفذ بحري على ساحل البحر الأحمر «على حساب إحدى دول الجوار»، متوقعاً «أن يكون الرهان الإثيوبي على إقليم أرض الصومال».

وعارضت مصر توقيع الحكومة الإثيوبية، في يناير (كانون الثاني) عام 2024، اتفاقاً مبدئياً مع إقليم أرض الصومال تحصل بموجبه أديس أبابا على منفذ بحري يتضمن ميناءً تجارياً، وقاعدة عسكرية في منطقة بربرة لمدة 50 عاماً، مقابل اعتراف إثيوبيا بالإقليم الصومالي دولة مستقلة، وعدّت القاهرة الاتفاق «مخالفاً للقانون الدولي، واعتداء على السيادة الصومالية».

وفي تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» قال اللواء فرج إن رئيس الوزراء الإثيوبي «ماضٍ في هدفه الوصول إلى ساحل البحر الأحمر رغم الاعتراضات المصرية»، مؤكداً أن مثل هذه التحركات «ستزيد من التوتر الأمني بمنطقة البحر الأحمر، ولا تعزز الاستقرار بمنطقة القرن الأفريقي».

وترفض مصر مشاركة أي دولة غير مشاطئة للبحر الأحمر في حوكمته، وتدعو إلى تفعيل «مجلس الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر» الذي تم تأسيسه عام 2020 في الرياض، ويضم ثماني دول عربية وأفريقية هي السعودية، ومصر، واليمن، والأردن، والسودان، والصومال، وجيبوتي، وإريتريا، ويهدف إلى تعزيز الأمن والتنمية بين أعضائه.

ويعتقد مدير وحدة العلاقات الدولية في المركز السوداني للفكر والدراسات الاستراتيجية، مكي المغربي، أن أديس أبابا «تتحضر لمعركة في البحر الأحمر، سواء على حساب الأراضي الصومالية، أو استعادة وجودها بميناء (مصوع) في إريتريا»، مشيراً إلى أن الحكومة الإثيوبية «باتت تفصح علانية عن رغبتها في استعادة وجودها البحري مرة أخرى، واستعداداتها العسكرية تهدف إلى ذلك».

وأشار رئيس الوزراء الإثيوبي في كلمته يوم الأحد إلى أن بلاده «مستعدة لحماية استقرار المنطقة من الحدود الصومالية حتى ميناء مصوع في إريتريا»، إلى جانب «محاربة الإرهاب العابر للبحار».

ويرى المغربي أنه «لا يمكن الفصل بين التوتر في منطقة القرن الأفريقي عن الأوضاع الإقليمية»، مشيراً في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن وجود الأسطول البحري الأميركي بالمنطقة تحسباً لهجوم محتمل على إيران «يمكن أن يمنح فرصة لحرب موازية في جنوب البحر الأحمر، خصوصاً في ظل تهديدات الحوثيين في اليمن لحركة الملاحة بمضيق باب المندب».

وفي نهاية شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلنت إسرائيل «اعترافها بإقليم أرض الصومال كدولة مستقلة»، وسط اعتراضات عربية، وأفريقية، وأممية ترى هذه الخطوة مخالفة للقانون الدولي، وتنتقص من السيادة الصومالية.

وباعتقاد المغربي، فإن «التحركات الإثيوبية لا يمكن فصلها عن التحركات الإسرائيلية بمنطقة القرن الأفريقي».

وأضاف: «إسرائيل لديها مصلحة في توتر الأوضاع الأمنية بالبحر الأحمر، وارتفاع تكلفة تأمين عبور السفن بالمجرى الملاحي، بما يمكّنها من تفعيل خط بري موازٍ لقناة السويس المصرية يربط بين الهند وحيفا».

فيما يرى اللواء فرج أن مواجهة التحركات الإثيوبية ستكون من خلال «الوسائل الدبلوماسية، وتعزيز قدرات الجيش الصومالي لفرض سيادته على كامل أراضيه»، منوهاً إلى أهمية «مشاركة القوات المصرية في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال لتحقيق هذا الهدف».


ترمب يدرس توجيه «صفعة تحذيرية» لإجبار طهران على نزع السلاح

ترمب يلقي كلمة خلال فعالية لإعلان «يوم عائلة الملاك» في البيت الأبيض بواشنطن اليوم (أ.ب)
ترمب يلقي كلمة خلال فعالية لإعلان «يوم عائلة الملاك» في البيت الأبيض بواشنطن اليوم (أ.ب)
TT

ترمب يدرس توجيه «صفعة تحذيرية» لإجبار طهران على نزع السلاح

ترمب يلقي كلمة خلال فعالية لإعلان «يوم عائلة الملاك» في البيت الأبيض بواشنطن اليوم (أ.ب)
ترمب يلقي كلمة خلال فعالية لإعلان «يوم عائلة الملاك» في البيت الأبيض بواشنطن اليوم (أ.ب)

سيكون هذا الأسبوع حاسماً في تحديد المسار الذي ستسلكه الإدارة الأميركية، بعدما سمحت بعقد جولة أخيرة من المحادثات غير المباشرة مع إيران في جنيف الخميس المقبل، بالتوازي مع رفع مستويات الجاهزية العسكرية بالمنطقة في إطار أوسع حشد عسكري أميركي منذ غزو العراق عام 2003، واقتراب انتهاء المهلة التي حدّدها الرئيس دونالد ترمب بأسبوعين لنفاد فرص الدبلوماسية.

ورغم تأكيد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، لشبكة «سي بي إس نيوز»، وجود «فرصة جيدة» للتوصل إلى حل دبلوماسي، فإن مجمل المؤشرات في واشنطن تفيد بأن الخيار العسكري قد يكون وشيكاً، في ظل غموض يكتنف الهدف الذي يسعى ترمب إلى تحقيقه، سواء كان الضغط لدعم المتظاهرين الإيرانيين وصولاً إلى إسقاط النظام، أو انتزاع تنازلات من طهران في ملفاتها النووية والصاروخية، ودعمها لحلفائها في المنطقة.

إيرانية تحمل لافتة عليها صورة ترمب خلال مسيرة تضامنية في برشلونة (رويترز)

ويتزامن هذا المشهد الغامض مع ما نشرته وسائل إعلام إيرانية رسمية بوصول رسائل نصية مجهولة المصدر إلى إيرانيين في مناطق متنوعة داخل إيران يوم الاثنين، تقول: «الرئيس الأميركي رجل أفعال - انتظروا وترقبوا»، حسبما نقلت قناة «إيران إنترناشيونال» المعارضة على منصة «إكس».

حسابات ترمب

وأفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» بأن ترمب يدرس توجيه ضربة محدودة لإيران، بهدف إجبارها على قبول تنازلات واسعة، موضحة أن الأهداف المحتملة تشمل مواقع عسكرية أو حكومية، من دون الوصول إلى مستوى هجوم شامل قد يستدعي رداً واسع النطاق. وأضافت أنه إذا رفضت طهران الامتثال لمطالب واشنطن، فقد يأمر ترمب بحملة أوسع قد تمتد إلى استهداف بنية النظام نفسه. وحتى الآن، لا تظهر مؤشرات على استعداد إيران لتقديم تنازلات شاملة؛ مثل التخلي عن برامجها النووية أو الصاروخية.

ونقلت الصحيفة عن الأدميرال المتقاعد هاوارد، نائب قائد القيادة المركزية الأميركية سابقاً، أن مستوى الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، يمنح واشنطن قدرة على توجيه ضربات قاسية لبنية السلطة الإيرانية خلال ساعات.

في المقابل، تفرض اعتبارات الداخل الأميركي قيوداً على تحرك ترمب، في ظل تراجع شعبيته واستياء من الأوضاع الاقتصادية، إضافة إلى تداعيات قرارات قضائية تتعلق برسومه الجمركية. كما تعارض قطاعات من قاعدته السياسية الانخراط في حرب جديدة بالشرق الأوسط، مع اقتراب الانتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني)، وسعي الجمهوريين للحفاظ على أغلبيتهم في الكونغرس.

ورغم ذلك، يصعب على ترمب التراجع عن مطالبه المتشددة، ما يجعل خيار الضربات الجوية وارداً، مع ما ينطوي عليه من مخاطر رد إيراني ضد القوات الأميركية وحلفائها. غير أن مراقبين يشيرون إلى أن الضربات الجوية، وإن كانت قادرة على إلحاق أضرار كبيرة، لا تضمن تغيير النظام؛ بل قد تثير تعاطفاً داخلياً يعزز تماسكه.

حسابات التكلفة والفائدة

ويقول محللون إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يجري حسابات شديدة الدقة: إنهاء ما يصفه بـ«التهديد الإيراني» من دون الانزلاق إلى حرب طويلة الأمد، أو التسبب في فراغ سلطة بطهران، مع مراعاة انعكاسات أي مواجهة على الناخب الأميركي الذي يرزح تحت ضغوط اقتصادية متزايدة.

وفي البيت الأبيض، أكد مسؤولون أن المحادثات مع الجانب الإيراني ستُستأنف الخميس في جنيف، غير أن ترمب أعاد التشديد على أنه «يفكر في ضربة عسكرية محدودة» لزيادة الضغط على طهران، محذراً من «أمور سيئة» إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق نووي «ذي معنى». وأشار موقع «أكسيوس» إلى أن ترمب ناقش مع مستشاريه سيناريوهات تصعيدية، من بينها طرح استهداف المرشد علي خامنئي ونجله مجتبى، بوصف ذلك خياراً في حال فشلت الدبلوماسية.

ويقول مستشارون للرئيس إن منطق ترمب الراهن يقوم على معادلة «التكلفة والفائدة» بالنسبة للناخب الأميركي، مع ضغط داخل فريقه لتجنب مغامرات عسكرية ممتدة. ووفقاً لمحللين، يرى ترمب في الملف الإيراني فرصة لتحقيق «انتصار سريع» يعزز صورته بوصفه قائداً حازماً من دون تحميل الاقتصاد تكلفة إضافية.

وفي هذا السياق، أشار تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» الاثنين، إلى أن ترمب أبلغ مستشاريه بأنه يفضّل «صفعة تحذيرية» محدودة؛ مثل تدمير مواقع نووية أو صاروخية، لدفع إيران إلى نزع القدرة العسكرية محل الخلاف من دون السعي إلى تغيير النظام، تفادياً لـ«حرب لا نهاية» على غرار أفغانستان أو العراق.

وتأتي جولة جنيف بوصفها اختباراً حاسماً، إذ يخوضها الوفد الأميركي، بحسب هذه المقاربة؛ ليس بهدف انتزاع تحول جذري فوري في موقف طهران، بل بوضعها أمام خيار «البقاء مقابل نزع السلاح»، في محاولة لانتزاع مكاسب من دون خطوة قد تشعل مواجهة إقليمية أوسع.

رسائل ترمب لخامنئي

صورة مركبة تظهر صورة للرئيس الأميركي دونالد ترمب وصورة للمرشد الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)

كشفت صحيفة «واشنطن بوست» مضمون رسائل بعثت بها إدارة ترمب إلى المرشد علي خامنئي، خيّرت فيها طهران بين خيارين: التخلي «سلمياً» عن كامل طموحاتها النووية والباليستية، أو مواجهة تدمير قدراتها بنيران أميركية (أو إسرائيلية)، من دون رد عسكري حفاظاً على بقاء النظام.

وبحسب الصحيفة، فإن بقاء النظام سيكون مرهوناً بعدم الرد على استهداف مواقع «الحرس الثوري» والمنشآت النووية والصاروخية، فيما سيقود أي رد جدي يستهدف مصالح أو منشآت أو قوات أميركية، إلى ضرب قيادات إيرانية.

ويرى محللون أن الخطة تقوم على «إذلال استراتيجي» قائم على معادلة «إذا - ثم»: «إذا ردت إيران بقوة، فإنها تخاطر بتوسيع الضربات لتشمل قصور القيادات وتصفية قادتها؛ وإذا التزمت الصمت، تبقى في السلطة لكنها تخسر هيبتها الإقليمية وربما الداخلية». ويخلق هذا النهج معضلة مزدوجة لـ«الحرس الثوري»: «الصمت خسارة معنوية، والرد خسارة وجودية».

ويقول خبراء أميركيون إن الاستراتيجية تهدف إلى إضعاف إيران من دون توسيع الحرب، مع الرهان على تآكل داخلي، محذرين من أن فشلها قد ينتج «نظاماً جريحاً متعطشاً للانتقام» بما يرفع التكلفة الاقتصادية والعسكرية.

وكتب جيسون برودسكي، المدير التنفيذي لجماعة الضغط المعروفة باسم «ضد إيران النووية»، في «فورين بوليسي»، أن محادثات الخميس قد تؤدي فقط إلى تأجيل الضربة، لأن طهران لن تقدم تنازلات جوهرية إلا تحت التهديد، وأن العقوبات الحالية فعالة لإضعاف النظام من دون حرب شاملة، لكن الهدف يجب أن يكون نزعاً كاملاً للقدرات النووية والباليستية. وأضاف أن إسرائيل تدفع نحو تصعيد واسع، بينما يفضل ترمب ضغطاً محدوداً لتجنب حرب إقليمية قد ترفع أسعار النفط وتضر بالناخب الأميركي.

مسيرة تضامنية نظمتها المعارضة الإيرانية في واشنطن العاصمة - 14 فبراير الحالي (أ.ف.ب)

أما داني سيترينوفيتش، المحلل في «معهد الدراسات الاستراتيجية»، فيرى أن توجيه ضربة أميركية محدودة قد يحافظ على الردع من دون الانزلاق إلى تصعيد واسع، معتبراً أن التهديدات الإيرانية برد قوي «هشة»، وواصفاً إيران بأنها «نمور ورقية». لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن فشل ضربة محدودة قد يستدرج رداً يشعل المنطقة. ويؤكد أن الخيار الأفضل يتمثل في إبقاء النظام تحت ضغط اقتصادي مستمر إلى أن ينهار من الداخل.

في المقابل، يقول بهنام بن طالبلو، من «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» (FDD)، في مقابلة مع «سي إن إن»، إن الرهان على إبقاء نظام «الملالي» قائماً خطأ جوهري، لأن «عدم قطع رأس الأفعى يسمح لها بإنبات أنياب جديدة». ويشدد على ضرورة أن يقترن أي تحييد عسكري بحصار اقتصادي صارم، موضحاً أن الهدف لا ينبغي أن يقتصر على منع إيران من امتلاك سلاح نووي؛ بل أن تصبح دولة منهكة بفقدان أصولها الاستراتيجية ومصادر دخلها الأساسية، بما يقود في النهاية إلى انهيار النظام داخلياً.

من جهته، حذر جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأميركي السابق، في تصريح لـ«فوكس نيوز»، من التردد في حسم خيار الضربة، سواء كانت محدودة أو واسعة، مشيراً إلى أن المواجهة قد تصبح مرجحة إذا تحولت إيران إلى «وحش ثائر» لا يملك ما يخسره. أما إليزابيث تسوركوف، من «نيو لاينز إنستيتيوت»، فاعتبرت أن التعويل على صمت إيراني طويل الأمد، ينطوي على مخاطر، إذا تحول هذا الصمت إلى انتقام مؤجل.