«بؤرة» إدلب تترقب مصيرها

بعد التقارير عن حملة عسكرية دولية للقضاء على «النصرة»

«بؤرة» إدلب تترقب مصيرها
TT

«بؤرة» إدلب تترقب مصيرها

«بؤرة» إدلب تترقب مصيرها

يغلب التشاؤم التام على ما تبقى من قياديين في «الجيش السوري الحر» بمحافظة إدلب في أقصى شمال غربي سوريا؛ وذلك بعد تحويل منطقتهم إلى «بؤرة» لتجميع المجموعات المتطرفة، وبخاصة عناصر «هيئة تحرير الشام» وعلى رأسهم مقاتلو «جبهة النصرة»، الذين وصل أخيراً قسم منهم من جرود بلدة عرسال الحدودية اللبنانية. وما يزيد الطين بلة بالنسبة للمقاتلين المعتدلين في المحافظة هو بسط «النصرة» نهاية شهر يوليو (تموز) الماضي سيطرتها على معظم أرجائها بعد اقتتال عنيف نجحت خلاله في تقليص حجم «حركة أحرار الشام» التي كانت تتقاسم وإياها الحضور والنفوذ في إدلب، ريفاً ومدينة.
مع إمساك «هيئة تحرير الشام» بكل المعابر الحدودية الشمالية الغربية السورية مع تركيا، سواءً عسكرياً أم عبر «واجهة الإدارة المدنية»، تكون «الهيئة» كمن يستجدي تدخلاً دولياً بات على نار حامية، كما تؤكد مصادر متعددة، آخرها صحيفة «قرار» المُقرَّبة من حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا. فلقد كشفت الصحيفة أن أنقرة بالتشاور مع التحالف الدولي وضعت خطة من أجل تنفيذ عملية عسكرية مشتركة في إدلب، وذلك بعد سيطرة «هيئة تحرير الشام» على المنطقة.
الصحيفة ذكرت أيضاً في أحد تقاريرها أن «سيطرة هيئة تحرير الشام، المرتبطة بتنظيم القاعدة، على معبر باب الهوى الحدودي من الجانب السوري أدى لزيادة خطرها». وأضافت: «مع وصول معلومات تفيد بالتحاق عناصر تنظيم داعش الهاربين بصفوف (هيئة تحرير الشام)، يجري العمل على إنشاء حلف روسي - أميركي - تركي - فرنسي من أجل شنّ عملية ضد التنظيم الإرهابي، مع العلم أن (هيئة تحرير الشام) كانت قد أعلنت فكّها ارتباطها بتنظيم القاعدة قبل ما يقارب السنة، إلا أنها بحسب المعلومات المتوافرة ما زالت على علاقة وثيقة به».
هذا، وتحاول «هيئة تحرير الشام» بعد فرض سيطرتها على نحو 70 في المائة من محافظة إدلب، على خلفية المواجهات الدامية التي خاضتها بوجه «أحرار الشام» الشهر الماضي، الاستعانة بما تسميه «إدارات مدنية» للتخفيف من وطأة الحملة التي استهدفتها. وهو «سيناريو» اعتمدته بوجه خاص في معبر باب الهوى الذي كان تحت سيطرة «أحرار الشام» فحوّلته إلى «إدارة مدنية» يؤكد قياديون في «الجيش السوري الحر» أن موظفيها يخضعون مباشرة للهيئة ويسلمون مداخيله لـ«أبو محمد الجولاني» زعيم «النصرة».
ودعت «الهيئة» نهاية الشهر الماضي جميع الفصائل العاملة في الشمال السوري، إضافة إلى العلماء والنخب الثورية والكوادر المدنية، إلى اجتماع عاجل للوقوف على تحديات المرحلة «والخروج بمشروع يحفظ الثورة». ويؤكد مقرّبون من «الهيئة» أن تسليمها معبر باب الهوى الحدودي والمجلس المحلي في إدلب لجهات إدارية مدنية «رسالة إيجابية تعكس رغبتها في أن تنزع عن نفسها تهمة السعي لفرض لون واحد على المحافظة»، كما يؤكدون وجود إمكانية أن «تجلس الهيئة على طاولة المفاوضات مع جهات دولية حتى تنزع عنها الشكوك والتهم المثارة ضدها بانتماء بعض مكوّناتها للقاعدة».
من ناحية أخرى، تنظر فصائل المعارضة المعتدلة بريبة إلى التطورات الأخيرة التي شهدتها محافظة إدلب ككل، وهي تلمّح إلى وقوف أنقرة «طرفاً متفرجاً» رغم كل ما سبق تداوله عن استعدادها للتدخل لدعم «أحرار الشام» في المعارك التي خاضوها بوجه «النصرة». وفي هذا السياق، يدّعي أحد القياديين في «الجيش الحر» موجود في إدلب أنه «لو أرادت أنقرة لمنعت تمدّد (الهيئة) بالشكل الذي تمدّدت فيه الشهر الماضي، لكنها تتبع خطة دولية تتقاطع فيها مصالحها مع مصالح دول أخرى تقضي بتحويل إدلب إلى قندهار أو موصل ثانية، أو على الأقل تصويرها كذلك؛ ما يعطي نوعا من الشرعية لتدخل دولي ينهي ما تبقى من ثورة تحت ذريعة القضاء على (النصرة)». ويضيف القائد العسكري - الذي فضل التكتم على هويته - في تصريح لـ«الشرق الأوسط» قائلا: «كل المؤشرات توحي بعملية عسكرية مقبلة على المحافظة، ولقد رصدنا أخيراً وجوداً كثيفاً لعربات مصفّحة تركية عند معبر أطمة، وكذلك لا تغادر طائرات الاستطلاع أجواء إدلب منذ نحو شهر».

«موصل ثانية»؟!
في هذا السياق، لم يعد التنبيه من تحويل إدلب إلى «موصل ثانية» يقتصر على طرف معين، باعتبارها باتت عبارة تتردد في مجالس متعددة. ولفت أخيراً ما نقلته صفحة «قاعدة حميميم» غير الرسمية على موقع «فيسبوك» نقلا عن المتحدث الروسي باسمها ألكسندر إيفانوف عن «تحويل مدينة إدلب إلى(موصل ثانية) في حال تمكنت (هيئة تحرير الشام) من السيطرة على كامل إدلب». وأضافت الصفحة أن استهداف «الهيئة» في إدلب «سيتسبب في حدوث دمار واسع في المنطقة، وسيكون للقوات الروسية دور مباشر في المعركة، كما كان في مدينة تدمر ومناطق ريف محافظة حمص الشرقي». وتزامنت هذه التصريحات مع تحذيرات أطلقها القائد العام السابق لـ«حركة أحرار الشام»، علي العمر، قبل الإعلان عن توقيع اتفاق تهدئة مع «جبهة النصرة»، اعتبر فيها أن «اعتداء (هيئة تحرير الشام) على (الأحرار) يهدف لإنهاء الثورة السورية، وتحويل مناطق أهل السنة إلى رقّة وموصل جديدتين». وظهر العمر في شريط فيديو بثه المكتب الإعلامي للحركة على أحد محاور الاشتباك مع «هيئة تحرير الشام» في ريف إدلب، متحدثا عن «معلومات تؤكد تجهيز (تحرير الشام) للهجوم على الحركة منذ أكثر من شهر، حيث أقامت معسكرات خاصة لعناصرها من أجل ذلك»، مطالباً الشعب السوري بـ«الدفاع عن الثورة».
من جانبه، يعتبر «أبو علي عبد الوهاب»، القيادي في «جيش الإسلام» أن وجود تركيا شريكاً في أي تحالف دولي جديد سيتولى معركة القضاء على «جبهة النصرة» في محافظة إدلب «سيجعل حجم التداعيات على المدنيين وعلى فصائل المعارضة أقل وطأة»، لافتا في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «التحذيرات المتتالية التي نسمعها من تحويل إدلب إلى موصل 2، تخيفنا باعتبار أننا تابعنا أن المدنيين هم مَن يدفعون ثمن الضربات العشوائية التي ينفذها طيران التحالف، إن كان في الرقة أو دير الزور أو الموصل».
وإذ يؤكد عبد الوهاب أن تركيا لا تنسّق مع أي من الفصائل بخصوص أي معركة مرتقبة في إدلب، يشير إلى «هدوء يسيطر على المحافظة ككل منذ أكثر من أسبوع بعدما انكفأت حركة (أحرار الشام) في منطقة جغرافية محددة تمتد من جبل الزاوية الشرقي مرورا بجبل شحبشو في ريف محافظة حماة وصولا إلى سهل الغاب»، لافتا إلى «وجود بقايا صغيرة لـ«الأحرار» في ريف إدلب الشمالي وريف محافظة حلب الغربي لكنّهم منكفئون في مقراتهم».
وهنا يعتبر خبراء معنيون بشؤون المجموعات المتطرفة، أن الخيار الوحيد أمام «هيئة تحرير الشام» أو «جبهة النصرة» لإنقاذ إدلب من مصير حلب، الذي سيكون على الأرجح أصعب ألف مرة من مصير الموصل، هو حل نفسها وترحيل القيادات الأجنبية (المهاجرون).
ويرى الخبراء أن «النصرة» لا تزال تراهن على «وهم الاعتراف بها سلطة أمر واقع، وهذا مجرد وهم، باعتبار أن مصيرها محسوم هو مصير (داعش)». وينقل معهد «كارنيغي» عن سام هيلر، من مؤسسة «سنشوري فاونديشن» Century Foundation أن ما يجعل النظام السوري عاجزاً، سواء بمفرده أو حتى بالتعاون مع المجموعات التي تدعمه، على السيطرة على إدلب «هو مجموعة عناصر، أبرزها الجغرافيا الجبلية الصعبة التي تعقّد الأمور العسكرية عليه، إضافة إلى خطوط الإمداد المفتوحة للمقاتلين عبر الحدود التركية». ويضيف أن «قوات النظام تتعاطى مع إدلب كمشكلة دولية، وتحاول تصويرها كذلك للقوى الدولية، وهي تنتظر حالياً تفاهماً بين الدول الكبرى لدعمها أو خوض الحرب عنها لاستئصال المجموعات القتالية المتشددة من المحافظة».

موقف النظام من إدلب
تقع محافظة إدلب في شمال غربي سوريا، وهي محاذية للحدود مع تركيا، وتقع بين محافظة اللاذقية الساحلية ومحافظتي حلب وحماة. وفي العام 2015 سيطر تحالف «جيش الفتح»، الذي كان يضم «جبهة النصرة» سابقاً و«حركة أحرار الشام» على كامل محافظة إدلب باستثناء بلدتين شيعيتين (الفوعة وكفريا). وتشكل محافظة إدلب اليوم إحدى المناطق الأربع التي يتضمنها «اتفاق خفض التصعيد» الموقع في العاصمة الكازاخية آستانة في بداية مايو (أيار) برعاية روسية - تركية - إيرانية.
وكان علي حيدر، وزير «المصالحة» في النظام السوري، قد تحدث في وقت سابق عن إمكانية أن تكون إدلب «ساحة لمعركة مفتوحة في المستقبل». وقال حيدر في مقابلة مع وكالة «رويترز» قبل أشهر مع بدء حملات ترحيل المقاتلين إلى المحافظة الشمالية ضمن إطار «اتفاقات مصالحة»، إن «الدولة لن تسمح ببقاء إدلب في يد مقاتلي المعارضة إلى الأبد، فقد كانت الدولة واضحة في سياستها عندما قالت إنها لن تتخلى عن أي بقعة من بقاع سوريا، وأظن أن إدلب هي من الساحات الحارة القادمة التي تضطلع الدولة السورية بمسؤوليتها في مواجهة الإرهابيين في تلك المساحة».
واعتبر حيدر أنه «إذا لم يكن هناك من توافق دولي على حل الأزمة السورية يُخرِج المسلحين الأجانب ويقطع الطريق على الإمداد والتمويل والتسليح، وإن بقي هذا الظرف الموضوعي قائماً وبقيت إدلب ساحة لهؤلاء، فالخيار الآخر هو الذهاب إلى معركة مفتوحة معهم في تلك المناطق».
وكان النظام كثّف العام الماضي ما أسماها «اتفاقات مصالحة» كانت تفضي في معظم الأوقات إلى تهجير معارضيه وترحيلهم إلى إدلب. وتم ذلك في محافظات حلب وريف دمشق وحمص وحماة واللاذقية وغيرها. ويرجِّح معنيون بهذا الملف أن يكون مليونا نسمة يعيشون حالياً في محافظة إدلب التي كان عدد سكانها قبل اندلاع الانتفاضة السورية في العام 2011 نحو مليون ونصف المليون.

البعد الدولي للتجميع
من ناحية ثانية، يعتبر الباحث المتخصص بشؤون الجماعات المتشددة عبد الرحمن الحاج، أن عملية «التجميع المستمرة في إدلب لا تلحظ في الواقع (النصرة) والمتطرفين فقط، بل كل المناهضين لنظام الأسد لحصرهم في مكان واحد محدد يمكن عزله أو السيطرة عليه بالتدريج، بحيث تفضي الهُدَن إلى تسليم المناطق للنظام وإخلائها من المظاهر المسلحة لتصبح فعلياً مثبتة لسلطة النظام».
ويرى الحاج في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه «بعد سيطرة (جبهة النصرة) على إدلب صار الأمر أكثر تعقيدا وصار سيناريو عملية عسكرية كبيرة بدعم من التحالف الدولي وتركيا أمراً مرجحاً»، مشددا في الوقت عينه على أن «المعركة لن تكون سهلة، ولن يكون بالإمكان اقتلاع (النصرة) بسهولة؛ كونها استطاعت تكوين قاعدة اجتماعية لها». ويتابع: «كذلك لن يكون بالإمكان استخدام قوات كردية أو من غيرها في المنطقة لإن ذلك سيدفع الفصائل إلى التحالف مع النصرة بدافع عرقي، وبخاصة أن معظم مقاتلي (النصرة) هم من السكان المحليين، وهذا ما يميّزها عن (داعش) لجهة العلاقة بالمجتمع السوري. ولهذا؛ فإن المعارك معها ستكون صعبة وشرسة في إدلب».
في هذه الأثناء، وجه محمد علوش، رئيس وفد الفصائل المعارضة إلى محادثات السلام في جنيف والقيادي البارز في فصيل «جيش الإسلام»، أخيراً، نداء إلى أهالي محافظة إدلب دعاهم فيه إلى «الاعتبار مما جرى في الموصل»، قائلا: «فصائلكم تبخّرت والقرار بيدكم إن قبلتم بسيطرة هؤلاء (في إشارة إلى «النصرة» سابقاً) سيخذلونكم عند القتال وسيكونون أول الهاربين». وكان أحد المسؤولين في المعارضة السورية قد كشف عن أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري «اعترف» له قبل مغادرة منصبه أن الولايات المتحدة «أخطأت وغرَّرت بالشعب السوري»، مؤكدا أن «مصير مدينة إدلب هو الإبادة». كذلك أشار إلى أن «كيري أكد وجود اتفاق عالمي على تجميع المتطرفين، حسب قوله، في إدلب، وأنهم لن يرحلوا إلا بالقوة».

كلام بريت ماكغورك
وبخصوص الموقف الأميركي، عادت العلاقات الأميركية – التركية لتتفاقم مجدداً على خلفية الملف السوري. ونددت تركيا الثلاثاء الماضي بتصريحات الموفد الأميركي لدى التحالف الدولي ضد تنظيم داعش بريت ماكغورك الذي لمّح إلى احتمال أن تكون أنقرة «أفسحت مجالاً لتشكل معقل لتنظيم القاعدة» بالقرب من الحدود مع سوريا. وكان ماكغورك قد لمّح في خطاب ألقاه في معهد الشرق الأوسط في واشنطن إلى أن «أنشطة تركيا سمحت بطريقة غير مباشرة لفصائل مرتبطة بالقاعدة، مثل (جبهة فتح الشام) (النصرة سابقا) بالسيطرة على محافظة إدلب» في شمال سوريا. وأردف ماكغورك «تشكل إدلب مشكلة كبيرة اليوم. فهي معقل للقاعدة قريب جداً من الحدود مع سوريا. وهي مسألة سنناقشها حتماً مع الأتراك». وبسرعة، استنكر إبراهيم كالن، الناطق باسم الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، بشدة تصريحات ماكغورك واعتبرها مرفوضة؛ إذ قال إن «تلميحاً من هذا القبيل يربط بين تركيا وهذه المنظمة الإرهابية في إدلب غير مقبول». واستطرد، إن تصريحات المسؤول الأميركي لم تأت «بنية حسنة». ويذكر أنه سبق لوزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أن دعا لتنحي ماكغورك في مايو الماضي، غير أن واشنطن جددت تأييدها لمبعوثها.
في هذه الأثناء، ما زال عدد من القياديين في «الجيش السوري الحر» يعتقدون أن أي حملة دولية على إدلب للقضاء على «جبهة النصرة» لن يكون ممكناً من دون التعاون مع الفصائل الموجودة في المنطقة، وعلى رأسها «حركة أحرار الشام»، وإن كانت المواجهات التي خاضتها في شهر يوليو الماضي تركتها منهكة ومفككة إلى حد كبير. وحالياً تحاول «الحركة» على ما يبدو إعادة تجميع صفوفها وشد عصبها، من خلال الإعلان عن تغيير قائدها العام يوم الثلاثاء الماضي، وتعيين رئيس «مجلس الشورى» حسن صوفان خلفاً لعلي العمر (أبو عمار) المستقيل. وصوفان، المتحدر من محافظة اللاذقية، كان معتقلا في سجون النظام السوري منذ 12 سنة، ولقد خرج خلال العام الماضي بـ«صفقة تبادل للأسرى بين كتائب الثوار وقوات النظام في حلب».
ويرجع خبراء بشؤون التنظيمات المتطرفة تعيين صوفان قائداً عاماً لـ«الحركة» إلى «بحثها عن زعيم يتمتع بالقدرة والكاريزما، وقادر على جمع شتاتها بعدما عانت من أزمة تفكيك مارستها (النصرة) بحقها». ويعتبر هؤلاء أن من أبرز التحديات التي تنتظر صوفان «إيجاد حل للأزمة الوجودية الداخلية التي تعصف بـ(الأحرار)»، ويرجحون أن اختياره قائداً عاماً جاء بعد استشارة حلفائهم وداعميهم، ليكون جزءا من أي عملية عسكرية كبيرة محتملة ضد (النصرة)».
وفي هذا الصدد، يقول مصدر قيادي في «الجيش الحر» تعليقا على تغيير القائد العام لـ«حركة الأحرار» أن «أبو عمار أظهر أنه غير كفء، وقد ترهّلت الحركة على أيامه وخسرت الكثير من مكتسباتها، فكان من الضروري تعيين بديل عنه ينتشل (أحرار الشام) من حالتهم الراهنة، ومع أن صوفان ليس ابن الثورة، فإنه على ما يبدو قد تم التفاهم على اسمه لغياب خيارات أخرى مناسبة».
وتزامن تعيين صوفان قائدا لـ«حركة أحرار الشام» مع تناقل مواقع معارضة معلومات عن نية «جيش الأحرار» الانفصال عن «هيئة تحرير الشام» خلال الساعات القليلة المقبلة، وهو جيش يضم في صفوفه أكثر من ألفي مقاتل، ويعتبر من أبرز الملتحقين بـ«الهيئة» في وقت سابق، بعد الانفصال عن حركة «أحرار الشام». وانضم «جيش الأحرار» إلى صفوف الهيئة، آتياً من «الحركة» في شهر يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، برفقة عدد من قيادات الحركة، أبرزهم هاشم الشيخ، المعروف بـ«أبي جابر» القائد العام لـ«الهيئة» حالياً.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.