مصر... وجدل المواقع المحجوبة

خسرت زوارها على الإنترنت... وبعضها يواجه تهماً بالإرهاب

نقابة الصحافيين المصرية تحقق في شكاوى حجب مواقع على الإنترنت (رويترز)
نقابة الصحافيين المصرية تحقق في شكاوى حجب مواقع على الإنترنت (رويترز)
TT

مصر... وجدل المواقع المحجوبة

نقابة الصحافيين المصرية تحقق في شكاوى حجب مواقع على الإنترنت (رويترز)
نقابة الصحافيين المصرية تحقق في شكاوى حجب مواقع على الإنترنت (رويترز)

تعرّض أكثر من مائة موقع إخباري في مصر للحجب، خلال الشهور الثلاثة الأخيرة. ولم يعد في مقدور متصفّحي الإنترنت الوصول إليها، بعدما حققت شهرة ونسبة زوّار وإعلانات من غوغل لا يستهان بها. وبينما تقدم عدد من أصحاب هذه المواقع بشكاوى إلى نقابة الصحافيين، فإن التحقيق في الأمر قد يستغرق أسابيع عدة، وفقا لما قاله لـ«الشرق الأوسط» مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى للإعلام. وللعلم، منذ أحداث 2011 التي ضربت المنطقة العربية، شهدت التداعيات اللاحقة استخداماً واسعاً للإنترنت في نشر أخبار وقصص مثيرة، لها علاقة بالسياسة والحكم والفوضى. وقال اللواء هاني عبد اللطيف، المتحدث السابق باسم وزارة الداخلية المصرية، لـ«الشرق الأوسط»: إن «كل دول العالم القوية ذات السيادة، تتخذ إجراءاتها التي تتماشى مع مصالح أمنها القومي»، مشددا على ضرورة التفريق بين الإعلام ونشر الشائعات «الذي تقف وراءه أجهزة مخابرات تحاول إفشال الدولة المصرية».
وتواجه بعض المواقع المحجوبة تهماً بالترويج للإرهاب، وغموضا في تمويلها المالي، ومن بينها عشرات من المواقع المصرية، وعدد آخر من المواقع العربية. ودافع عدد من أصحاب هذه المواقع عن أنفسهم، وقالوا إن حجب مواقعهم كبّدهم خسائر مالية ضخمة، ونفوا صلتهم بالإرهاب. وقال خالد البلشي، رئيس تحرير موقع «البداية» الإخباري (تم حجبه في مصر)، وهو ذو توجه يساري، لـ«الشرق الأوسط»: أعتقد أن الأمر يتعلق برفض الرأي الآخر.
ووفقا لمسؤول أمني مصري، بدأ الحجب بالفعل على عدد محدود من المواقع، بداية من شهر مايو (أيار) الماضي، لكن العدد ارتفع بعد قرار مصر مقاطعة قطر، مشيراً إلى أن الحجب شمل مواقع ممولة من الدوحة، وأخرى تقف وراءها تنظيمات مشبوهة، و«تمويل مالي غير شفاف».
ومن بين نحو مائة موقع مصري محجوب، لم يتقرر النظر إلا في شكاوى تخص سبعة فقط، من بينها موقع «المصريون» الذي يصدر نسخة ورقية أيضاً. وقال جمال سلطان، رئيس تحرير «المصريون» لـ«الشرق الأوسط» موضحاً «أي تحقيق نزيه سيكشف أن موقعي بريء من أي تهمة». ومن جانبه، أكد عبد المحسن سلامة، نقيب الصحافيين المصريين، لـ«الشرق الأوسط» أن مجلس النقابة ناقش المشكلة، وسيتعامل معها بكل شفافية وحياد.
وليس من السهل على الحكومات حجب مواقع على الإنترنت، حسب خالد عبد الراضي، المتخصص في الشبكات الإنترنتية بالقاهرة، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأن الأمر مكلف ويحتاج إلى أموال وتقنيات... «مثل هذه الإمكانية لم تكن متوافرة في مصر، لكن يبدو أنها أصبحت متاحة في الفترة الأخيرة».
انقرْ على زر الإدخال. لن يظهر الموقع الإخباري الذي تريده. جرِّب موقعاً آخر.. لا يعملُ. ثالث... المشكلة نفسها. ليست مواقع سياسية فقط، هناك مواقع تخص أشياء أخرى مثل لعبة كرة القدم.
ما السبب يا ترى؟ أجاب مكرم محمد أحمد، قائلا: «كثرة من مثل هذه المواقع تابعة لجماعة الإخوان، والكثير منها صدرت عليها قرارات حراسة».
ومنذ ضربت موجة الإرهاب الكثير من دول العالم، اتخذت السلطات في بلدان مختلفة إجراءات لحماية أمنها القومي، كان آخرها روسيا، قبل ثلاثة أيام، سبقها في هذا مجموعة الدول العربية الأربع؛ مصر والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات المتحدة والبحرين. لقد اتهمت هذه الدول قطر بتمويل ودعم منظمات وجماعات إرهابية، عبر منطقة الشرق الأوسط، على رأسها جماعة الإخوان. وطالت العقوبات حجب مواقع محسوبة على قطر.
فكرة الحجب الإنترنتي اجتاحت أوروبا أيضا، بعد هجمات نفذها متطرّفون، وبخاصة تنظيم داعش في الأعوام الأخيرة. وقامت بها كذلك دول عربية في إجراء مبكر للجم انتشار دعاوى نشر الفوضى والقتل والتفجير. وعقب ترؤس عبد المحسن سلامة، نقيب الصحافيين، اجتماعاً في مبنى نقابة الصحافيين المصريين، الكائن في شارع عبد الخالق ثروت بوسط القاهرة، قال سلامة: «نحن في مصر في مشكلة، ويوجد إرهاب».
كان اجتماع مجلس النقابة مخصّصاً لبحث قضايا عدة، من بينها شكاوى من أصحاب مواقع إنترنت مصرية، محجوبة في البلاد، لمناقشة المشكلة. حدث هذا قبل يومين. ولقد تعرّضت مواقع عدة لخسائر مالية، بعد حجبها منذ أسابيع، في حين يقول بعض أصحابها إنه لا علاقة لهم بالإرهاب ولا بالتمويل المشبوه. كذلك اضطرت مواقع من هذا النوع إلى تسريح عاملين لديها، كما يقول جمال سلطان.
ويبدو أن مصر اتخذت إجراءات مشددة ضد مزيد من المواقع التي يعتقد أنها تحض على الكراهية، خلال الفترة الأخيرة. ولكن من بين نحو مائة صاحب موقع مصري محجوب، لم يتم التعامل إلا مع سبع شكاوى فقط، حتى الآن. وعن سبب حجب موقعه، قال خالد البلشي إن الموقع «ليس عليه قضايا، أو مشاكل قانونية، أو غيرها. أنا أبث من داخل مصر.. وفجأة جرى حجب موقعنا، ولم تخطرنا أي جهة بأي شيء. تقدمنا بشكوى لنقابة الصحافيين، لكن يبدو أنه لم يتم النظر فيها بعد».

القانون الجديد

ووضعت مصر قانوناً جديداً، في الفترة الأخيرة، لتنظيم عمل المواقع الإخبارية على الإنترنت، بعدما انفتحت سوق النشر في الفضاء الإلكتروني على مصراعيها في أعقاب ما يعرف بثورات «الربيع العربي». وقال البلشي «كنا نستعد لتوفيق أوضاعنا مع قانون الصحافة والإعلام الجديد... في كل الأحوال لم يكن هناك قانون يحكم المواقع الإلكترونية. كانت تنشأ هكذا، وفي الفترة الأخيرة بدأت تقوم بتأسيس كيانات قانونية لها، حتى تدخل ضمن الحالة الجديدة للقانون المستحدث».
وعن الخسائر التي تعرّض لها موقع «البداية» بسبب الحجب، أوضح البلشي «أولها أن موقعي لم يعد يقرأ في مصر... هذه خسارة معنوية بأنك لم تعد تقدم رسالة. وبطبيعة الحال تراجع القراءات يعني تراجع الإعلانات، ويعني تراجع الدخل المالي»، مشيرا إلى أن عدد الصحافيين في الموقع «ليس كبيراً؛ إذ إن عدد المنتظمين في العمل لا يزيد على عشرة، لكن كان لدى الموقع متعاونون من الخارج، ومتطوّعون يرسلون مواضيع مكتوبة، وكُتاب، وغيرهم... نحن كنا نعمل بأقل إمكانات».
جمال سلطان وآخرون من أصحاب المواقع الإخبارية، تقدموا بتظلم من الحجب على الإنترنت لكل من نقابة الصحافيين والمجلس الأعلى للإعلام. لكنه مثل كثيرين آخرين، لا يعوِّل على وجود حل في الأفق المنظور. إذ يقول: «كان عدد المواقع المحجوبة 22 فقط، لكن العدد زاد الآن وأصبح هناك 128 موقعاً مصرياً محجوباً، منها نحو 10 أو 12 موقعاً أجنبياً، مثل موقع (الجزيرة) ومواقع تابعة لـ(الإخوان) تبث من الخارج، منها موقع (مكملين)».
المواقع التي تقدَّم أصحابها بمذكرات لرفع الحجب عنها، لنقابة الصحافيين، ويطلبون التحقيق في مدى التزامهم بالقانون المصري، هي - بالإضافة إلى «المصريون» - موقع «مصر العربية»، و«مدى مصر»، و«البورصة» و«ديلي نيوز مصرية (باللغة الإنجليزية)»، و«محيط»، و«كورابيا»، وهذا الأخير معني بشؤون الكرة، ولقد ذكرت مصادر أمنية أن حجبه له علاقة بمشكلة شغب الملاعب.
من جهته، يقول البلشي إنه لا يعرف سبب عدم إحالة شكواه للتحقيق مع باقي المذكرات المقدمة من أصحاب المواقع المتضررة. وحول ما إذا كان لموقعه، وكثير المواقع المحجوبة الأخرى، أي علاقة بالإرهاب أو بالخروج على القانون، وبخاصة في «شفافية التمويل» قال: «هذا مبرر غير دقيق، لأن موقعا مثل (مدى مصر) تعرض للحجب وهو ليس موقعا له صلة بالإرهاب... كما إن موقع يناير (كانون الثاني) تعرّض للحجب، وهو ليس إرهابيا أيضا. أما في موضوع التمويل، فلم تُخضع السلطات المختصة أي أحد للحساب، ولم تحقق في هذا الأمر... أغلقت المواقع وخلاص». وتابع: «أعتقد أن ما حدث هو كراهية للرأي الآخر. موقعي معروف أنه ضد الإرهاب وضد داعمي الإرهاب».

النقابة تبحث الشكاوى

وفي النقابة، أكد سلامة، الذي يشغل أيضا موقع رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام، أنه مستمر، بصفته نقيبا للصحافيين، في بحث الشكاوى التي تقدم بها أصحاب تلك المواقع السبعة، مع رئيس المجلس الأعلى للإعلام. وأضاف: «نعمل على حل المشكلة، ونأمل خيرا، إن شاء الله». وعما إذا كان هناك تواصل مع أصحاب المواقع المحجوبة، المشار إليها، قال سلامة «بالطبع، يوجد... استمع إلى مشاكلهم لحلها، بقدر المستطاع».
وحول ما إذا كان حجب أي من هذه الموقع يعود لأسباب مهنية أو سياسية، أو غيرها، قال سلامة «نحن في ظل أزمة تعاني منها البلاد... نحن في مشكلة، ويوجد إرهاب، وهناك أحداث عنف». وأردف بشأن الطلبات القليلة المقدمة لرفع الحجب «كل مشكلة هذه المواقع، على ما أعتقد، تتلخص في شكوك حول مصادر التمويل». وتابع نقيب الصحافيين «نحن نحاول أن نوضح الموقف بالنسبة لأصحاب القرار، ونوضح رؤية (أصحاب) هذه المواقع لهم، ونوضح الأسباب التي يمكن أن تكون مدعاة للحجب، ونحن في حوار مستمر بهذا الخصوص، ونأمل أن ينتهي على خير».
لكن سلطان يبدو محبطا من طول فترة الحجب المستمرة منذ نحو سبعين يوماً؛ إذ قال معلقاً «لا أعرف من هي الجهة التي أصدرت قرار الحجب حتى الآن حتى يمكن أن أقاضيها، أو أن أتعامل معها وفقا لمرجعية قانونية». واستطرد «هناك غرائب وعجائب في هذا الحجب. هناك موقع للكرة... لماذا يحجب؟ لا أحد يجيب. الأمور أصبح فيها غموض، وشبهات من أن البعض يمكن أن يتخذ أي ستار، لأي شيء، حتى لو كان بعيدا عن السياسة، من أجل مصالح شخصية».
وطبعاً، يؤدي الحجب في داخل الدولة إلى خفض عدد زوار الإنترنت للموقع، وبالتالي، تراجع حصيلة الإعلانات المُدرجة فيه تلقائيا من موقع (غوغل)، والتي يقدرها مالياً بحسب نسبة الزيارات. وشدّد جمال سلطان على أن موقع «المصريون» لا علاقة له بجماعة الإخوان «كما حاول البعض أن يصوره»، مضيفا: «بالعكس... نحن لدينا مشاكل طويلة مع الإخوان، وما زالت». وتابع موضحا فيما يتعلق بالخسائر التي تكبدها موقعه «لقد تضرّرنا بطبيعة الحال من الناحية المادية. لأن الذي قام بالحجب يعرف أين يقوم بالضرب؛ فالدخل الوحيد هو من الإعلانات التي يبثها (غوغل) على موقعنا».
في هذه الأثناء، يرى مسؤول في أمن الإنترنت بالقاهرة، أن مشكلة استخدام المتطرفين لمنصات الفضاء الإلكتروني ارتفع بشكل غير مسبوق، خلال السنوات الأخيرة، مشيرا إلى أن الكثير من دول العالم، وليست مصر أو الدول العربية فقط، بدأت في اتخاذ إجراءات تتبع ومراقبة وحجب. ثم ذكر أن بعض مواقع الكرة على الإنترنت ساهمت في إثارة الفوضى في مدرجات الملاعب، وهذا يندرج ضمن المنصات الخطرة على سلامة المجتمع؛ ولهذا تعرّضت للحجب.
وأشار المسؤول نفسه - الذي رفض الكشف عن اسمه - لأنه غير مخوّل له التحدث للإعلام - إلى أن المواقع الجادة... «أي التي ليس لها علاقة بالفكر المتشدّد، ولا تخفي مصادر تمويلها، يمكن أن تتقدم للسلطات لمراجعة موقفها، وتقنين عملها». وكشف عن أن بعض التطبيقات الإخبارية على الهواتف المحمولة، والتي تعرّضت للحجب بمصر في الأسابيع الماضية «عدّلت من وضعها، وتخلّصت من بث الأخبار من مواقع مشبوهة، وعليه أزيل الحجب عنها».
مع هذا، فإن معظم أصحاب المواقع المحجوبة لا يتوقعون البت في أمرهم في وقت قريب، مثل البلشي الذي تعرض موقعه للحجب داخل مصر منذ نحو ستين يوما. وحول هذا الجانب قال سلطان «لقد وعدونا مرات ومرات، لكن لا نتيجة حتى الآن... لدينا 80 صحافياً أعضاء في نقابة الصحافيين. لقد أدى الحجب إلى انخفاض العائد من الإعلانات. واضطررنا لهذا السبب إلى تسريح عدد من الصحافيين، والاعتذار لعدد من المتدرّبين. بدأنا في تقليص أمورنا من أجل الاستمرار».
إلا أن اللواء هاني عبد اللطيف، المتحدث السابق باسم وزارة الداخلية، يرى أنه لا بد من أن «نفرّق بين الإعلام، ونشر الشائعات المضللة والأخبار الكاذبة». وأوضح، أن مثل هذه المواقع المحجوبة «دأبت على نشر شائعات وأخبار كاذبة، وهذا أمر يمثل خطورة بالغة على الأمن القومي المصري، ولا يُعد إعلاما، بل هناك أجهزة دولية تستخدمه كأداة للهجوم والتهديد للأمن القومي المصري بشكل عام».
ثم أضاف: إن «دور الإعلام أن ينشر الحقائق، وأن يتواصل مع المواطنين، وأن ينشر بشفافية كاملة، والتأكد من الأخبار قبل نشرها، من خلال مصادرها... لكن للأسف الشديد، هذه المواقع لا نطلق عليها أساسا مسمى الإعلام، بل تقف وراءها أجهزة مخابرات دولية تعمل ضد مصر، ولا بد أن نكون حذرين منها جداً، وبخاصة خلال هذه المرحلة التي تشهد محاولات لإفشال الدولة المصرية منذ 30 يونيو (حزيران) 2013 (إطاحة المصريين بحكم الإخوان)، وبالتالي، لا بد أن يكون هناك موقف واضح حيال المواقع التي ليس لها علاقة بالإعلام».
كذلك، أشار عبد اللطيف إلى أن «المنطقة العربية، ومنطقة الشرق الأوسط، تشهد تحديات ضخمة خلال هذه المرحلة، ولا بد أن نكون حذرين تماما من تسلل مثل هذه الأجهزة المخابراتية التي تهدد الأمن القومي». ووفقا لمسؤولين أمنيين، فإن الأمر لا يقتصر على مصر، لكن كثيرا من دول العالم بدأت تتخذ إجراءات ضد فوضى الإنترنت، بعد أن أصبحت تنظيما إرهابية، وأخرى مشبوهة، تبث شائعات من شأنها أن تثير الفوضى في بلدانها. وفي آخر إجراء قامت به روسيا على سبيل المثال، قبل أيام، كان يتعلق بالتصدي لتحايل البعض للوصول لمواقع حجبتها السلطات.
وفي تعليق له، قال الخبير خالد عبد الراضي «نعم... البعض يتحايل ويصل إلى مواقع محجوبة على الإنترنت». وأضاف أنه «يمكن الدخول للمواقع المحجوبة بإخفاء هوية المتصل ومكانه، وتغييره»، لافتا إلى أن عملية حجب المواقع تتم «عن طريق خوادم شركات الإنترنت»، وأن «الشركة الكبيرة التي تمتلك خطوط الإنترنت أغلب أسهمها حكومية... الحجب تكاليفه عالية فنيا؛ يحتاج لتقنيات معينة لم تكن متوفرة بمصر، وتم توفيرها أخيرا على ما يبدو».
من جانبه، شدّد مكرم محمد أحمد - الذي هو من الصحافيين المخضرمين في مصر، لدى التطرق إلى المواقع التي تعرضت للحجب، وعلى أن معظم هذه المواقع تابعة جماعة الإخوان المسلمين بطريقة أو بأخرى، والكثير منها صدرت عليه قرارات حراسة لأسباب مختلفة. أما فيما يتعلق بالمواقع التي تقدمت بشكاوى، لرفع الحجب عنها، فـ «نحن تلقينا أربع شكاوى وجدنا فيها درجة من المعقولية، ثم ثلاث شكاوى أخرى (عن طريق النقابة)، ونحقق في هذه الشكاوى، على أعلى درجة من الحيادية، ونتقصى من أصحابها، ومَن هُم، ومِن أين لهم هذه الأموال. وإذا تمكنا من أن نعيد الحق لبعض هذه المواقع، أو لجميعها، فنحن سنكون أسعد الناس. هذا على الأقل يستغرق أسابيع».



حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
TT

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)

معركة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الإعلام، لم تعد خلافاً على سؤال مستفز أو تقرير سلبي. فمع منع الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من دخول البيت الأبيض، وتعليق الشبكات الكبرى التغطية التلفزيونية المشتركة لأنشطته، انتقل النزاع إلى اختبار حدود السلطة على المعلومات، وقدرة الصحافة على الدفاع عن استقلاليتها أمام جمهور تتراجع ثقته بها. وتجمع المواجهة بين أسئلة يصعب فصلها: أين تنتهي صلاحية الإدارة في تنظيم الوصول إلى المؤسّسات الحكومية؟ وأين تبدأ معاقبة التوجه التحريري؟ وهل أضعفت بعض وسائل الإعلام موقعها حين غلَّبت الخصومة السياسية على تفسيرها للوقائع؟ ثم هل يفسر أسلوب ترمب وحده هذا التصعيد، أم أنه يكشف عن أزمة أوسع في العلاقة بين المؤسسات المنتخبة والصحافة والمواطنين؟ وبين رئيس يرى في التغطية «المعادية» تشويهاً لسياساته، ومؤسسات تعد استبعادها اعتداء على حرية الصحافة، يدور صراع يتجاوز الطرفين: من يحدد المعلومات التي تصل للأميركيين عن حكومتهم، وبأي شروط؟

بدأ الفصل الأخير، الأسبوع الماضي، حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب حظر الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو»، متهماً إياها بنشر أخبار كاذبة. وبعد ذلك منع صحافيوها من الدخول وسحبت تصاريحهم. ودخل القضاء على خط المواجهة بعدما لجأت المؤسسات إليه يوم الاثنين. ويوم الأربعاء أمر القاضي تيموثي كيلي، الذي عيّنه ترمب عام 2017، بإعادة اعتمادات صحافيي المؤسسات الثلاث فوراً، ووقف تنفيذ الحظر لمدة 14 يوماً. ورجح القرار مخالفة الحظر للضمانات الدستورية، واعتبر أن مبررات الأمن القومي تفتقر إلى سند واقعي كاف. وهو تدخّل مؤقت يضع إجراءات الإدارة تحت الرقابة القضائية، فيما يستمر النزاع بشأن حدود سلطتها على وصول الصحافة.

جذور في ولاية ترمب الأولى

للخلاف جذور في ولاية ترمب الأولى، حين ألغى اعتماد مراسل الـ«سي إن إن» جيم أكوستا عام 2018، قبل أن يأمر كيلي بإعادته لغياب الضمانات الإجرائية اللازمة. لكن الانتقال من إجراء ضد مراسل إلى استبعاد مؤسسات كاملة يوسع نطاق السؤال: هل ينظم عمل الصحافة وفق قواعد معلنة، أم يصبح استمرار وجودها رهناً بتقييم الرئيس لتغطيتها؟

وامتد النزاع في ولايته الثانية إلى مواقع أخرى. ففي فبراير (شباط) 2025، أخرج البنتاغون مؤسسات من مساحات عملها ضمن برنامج قال إنه يوسع فرص الوصول لمؤسسات أخرى. ثم أثارت شروط الاعتماد اللاحقة نزاعاً قضائياً، وفي مارس (آذار) 2026، حكم قاض بعدم دستورية السياسة المطعون فيها، قبل أن تعلن الوزارة تعديلات ومواصلة الاستئناف.

وتكشف هذه الوقائع عن أن القضية تتصل بقواعد مؤسسية قابلة للاستمرار بعد مغادرة ترمب منصبه. وفي المقابل، فإن اختزال خيارات اليمين، من الهجرة إلى التجارة والسياسة الخارجية، في شخصية الرئيس، يحجب النقاش حول أسباب تأييدها. فالإعلام يستطيع مساءلة الخيارات ونتائجها، لكن تفسير كل منها بوصفه نزوة شخصية قد يضعف قدرته على فهم المجتمع الذي يمنحها التأييد. كما أن «شخصنة» الصراع تؤدي أيضاً خدمة سياسية للرئيس: فحين تتحوّل المناقشة إلى محاكمة طباعه، يسهل تقديم الاعتراض على قراراته، باعتباره خصومة معه ومع ناخبيه. وعندئذ تتراجع الأسئلة القابلة للتحقق، مثل كلفة السياسة ونتائجها والبدائل المتاحة، لمصلحة سجال حول النيات والولاءات. وتلك مشكلة تحريرية حتى حين تكون الانتقادات الأصلية مبرّرة.

الصحافة تحت الاختبار

تمنح أزمة الثقة هذا الخطاب أرضية أوسع؛ ففي استطلاع «غالوب»، نشر في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قال 28 في المائة من الأميركيين إن لديهم ثقة كبيرة أو معقولة بقدرة الصحف والتلفزيون والإذاعة على تقديم الأخبار بدقة وإنصاف وشمول. وبلغت النسبة 8 في المائة بين الجمهوريين، و27 في المائة بين المستقلين، و51 في المائة بين الديمقراطيين.

وحقاً، لا تثبت هذه الأرقام أن الأخبار خاطئة، لكنها تظهر أن المؤسسات الإعلامية لا تخاطب جمهوراً يتفق على أهليتها للحكم على الوقائع. كما أن ضعف الثقة بين المستقلين، وتراجعها حتى عند الديمقراطيين، يمنعان تفسير المشكلة كنتيجة لخطاب ترمب وحده.

ومع ذلك، يحتاج اتهام الإعلام بالتحول إلى معارضة سياسية إلى أدلة تتجاوز عدد الأخبار السلبية: هل تُمنح المعلومات المخالفة للرواية الغالبة مكانها؟ هل يظهر التصحيح بوضوح؟ وهل يستطيع القارئ تمييز الخبر من التحليل والرأي؟ وهي معايير يمكن تطبيقها على المؤسسات الليبرالية والمحافظة معاً.

في تغطية حرب إيران، على سبيل المثال، يتهم وزير الخارجية ماركو روبيو وسائل الإعلام بأنها بدت وكأنها تدافع عن طهران. هنا يختلف نقد قرار الحرب أو مساءلة الرواية الرسمية عن تفاصيل عملياتية قد تعرّض أفراداً للخطر. كما يختلف التحقيق في خسائر أو إخفاقات عن افتراض سوء نيات الإدارة سلفاً. وحين تصف السلطة النقد بالخيانة أو بتشويه الحقائق، وحين تتعامل التغطية مع كل تفسير رسمي بوصفه تضليلاً محسوماً، تضيع هذه الفروق.

بيد أن مشكلة المصالح تظهر في ملفات أخرى، كالجدل الدائر حول «أخطار» الذكاء الاصطناعي. ففي مقال رأي في الـ«وول ستريت جورنال»، جادل غابرييلي مازيني الذي يشغل منصب زميل في مبادرة «إم آي تي كونيكشن ساينس»، وقاد الفريق الذي صاغ مقترح قانون الذكاء الاصطناعي الخاص بالمفوضية الأوروبية، بأن تضخيم شركات الذكاء الاصطناعي أخطار تقنياتها، قد يخدم مصالح تنظيمية وتجارية واحتكارية. وهذه حجة تستدعي اختبار روايات الشركات ومصادرها، من دون أن تثبت أن الأخطار مختلقة أو أن الصحافة تتبنى أجندة موحدة ضد الرئيس.

والاختبار هنا عملي: هل تُعامل ادعاءات شركة نافذة بالمقدار نفسه من التدقيق الذي يواجه به تصريح سياسي؟ وهل يوضح التقرير ما ثبت بالتجربة وما بقي متوقعاً؟ هذه الأسئلة تصلح أيضاً للتعريفات الجمركية والهجرة والحروب، حيث تتنافس مصادر رسمية وتجارية وحزبية على توجيه التغطية. ومن نافلة القول إن مهنية الصحافة تقاس بقدرتها على كشف هذه المصالح، بما فيها مصالح المصادر التي تتفق معها.

في دفاعها أمام المحكمة،

قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض

«امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات

المستبعدة بمخالفة معايير المهنية

الأمن القومي وحدود السلطة

في دفاعها أمام المحكمة، قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض «امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات المستبعدة بمخالفة معايير المهنية ونشر معلومات حساسة وسرية. وبحسب «نيويورك تايمز»، استشهدت الرسائل الموجهة إليها بتقارير عن منشآت البيت الأبيض وترتيبات أمنية، وأخرى عن تقديرات ترمب للحرب مع إيران.

هذه حجج للسلطة التنفيذية في دعوى جارية، وليست أحكاماً تثبت وقوع مخالفات. وتقول المؤسسات الإعلامية إن العقوبة استهدفت توجهها التحريري ونُفذت من دون إنذار أو فرصة مسبقة للاعتراض، بينما تتمسك الإدارة بأن الإجراءات التي وفرتها بعد المنع كانت كافية. والتمييز القانوني أساسي: ليست الصحافة صاحبة حق مطلق في دخول كل مكان أو حضور كل لقاء رئاسي. لكن سابقة «شيريل ضد نايت» عام 1977 قررت أن إدارة نظام التصاريح الصحافية تخضع لضمانات دستورية، تشمل معايير واضحة وإخطاراً بأسباب الرفض وفرصة الرد.

ومن هنا، لا يكفي وصف الدخول بالامتياز لإعفاء قرارات الاستبعاد من المراجعة. وتزداد حساسية المساءلة عندما يتسع مفهوم الأمن القومي ليشمل نشر تقدير سياسي لا يعجب الرئيس. ونقلت الـ«نيويورك تايمز» عن أستاذة القانون باربرا ماكويد قولها، إن المحاكم تمنح السلطة التنفيذية هامشاً في المسائل الأمنية، لكنها حذرت من أن الاستخدام غير الجدي لهذه الذريعة قد يضعفها حين تكون ضرورية بالفعل.

ويشمل النزاع توقيت تقديم أسباب المنع والضمانات المتاحة للاعتراض عليه. وتقول المؤسسات الثلاث إن الإدارة سحبت اعتمادات صحافييها من دون إخطار مسبق أو فرصة للطعن، بينما يتمسك البيت الأبيض بكفاية الإجراءات التي أتاحها بعد تنفيذ القرار. ونقلت الصحيفة عن غيب روتمان، نائب رئيس السياسات في لجنة المراسلين لحرية الصحافة، اعتراضه على تعليق الاعتماد ثم تقديم مبررات لاحقة. وبذلك، يمتد الخلاف إلى الإجراءات التي اتبعتها الإدارة، إلى جانب النزاع بشأن مضمون التغطية الصحافية.

السوابق ومعيار المقارنة

يدافع نائب الرئيس جي دي فانس عن القرار بعدّه حجباً لوصول مميز عن مؤسسات تمارس، وفق وصفه، الدعاية، ويستشهد بمعاملة وسائل محافظة في عهدي أوباما وبايدن. وتقول الإدارة إن المؤسسات المستبعدة ما زالت قادرة على النشر، بينما ترى تلك المؤسسات أن استمرار البث لا يعوض حرمانها من جمع الأخبار داخل المقر الرئاسي.

وتوجد بالفعل سوابق لضغوط اتخذتها إدارات ديمقراطية، أبرزها تحقيقات التسريبات في عهد أوباما التي شملت سجلات الـ«أسوشييتد برس» ومراسل «فوكس نيوز» جيمس روزن. غير أن هذه السوابق لا تنتج تبريراً تلقائياً للإجراء الحالي، ولا تسمح بنسبة حسابية تختزل المقارنة بين الحزبين.

إذ إن ملاحقة مصدر، والحصول على سجل اتصالات، والاستبعاد من مقابلة، وسحب اعتماد مؤسسة، إجراءات تختلف في طبيعتها وآثارها. وقد يكون إجراء محدود العدد بالغ التأثير إذا أخاف المصادر وعطل التحقيقات. المعيار الأكثر جدية يجمع بين نطاق الإجراء ومدته، وضمانات الاعتراض عليه، ومدى ارتباطه بمخالفة محددة أو بموقف تحريري.

وتعقّد مشاركة «فوكس نيوز»، المحسوبة على الجمهوريين، في موقف الشبكات اختزال المواجهة بأنه صراع مع الإعلام الليبرالي. ففي بيان مشترك نشرته الشبكة مع الـ«إيه بي سي» والـ«سي بي إس» والـ«سي إن إن» والـ«إن بي سي»، أكّدت المؤسسات «مصلحة الجمهور في معلومات مستقلة»، ورفضت تقييد مؤسسة بسبب الاعتراض على تقاريرها. غير أن هذا «التضامن» وإن كان لا يلغي المنافسة أو الانحيازات بين الشبكات، لكنه يوضح وجود مصلحة مهنية مشتركة في منع السلطة من اختيار من يراقبها. وأيضاً يضع سؤالاً أمام الإعلام نفسه عن كيفية الدفاع عن حق الوصول مع استمرار تزويد الجمهور بالمعلومات، حتى في أثناء الاحتجاج على القيود.

الديمقراطية وأزمة الثقة

قابل البيت الأبيض تراجع التغطية المشتركة بإطلاق بث «ترمب تي في»، الذي يقدم محتوى تختاره الإدارة. وبدأ بخطابات الرئيس ومشاهد عسكرية، من دون برامج أصلية. وهو ما يبرز إمكانية تجاوز الوسيط الصحافي والوصول مباشرة إلى الجمهور، مع غياب الأسئلة المستقلة عن الشاشة الرسمية. غير أن أزمة الوساطة ليست أميركية حصراً، فقد وجد تقرير «معهد رويترز لدراسة الصحافة» لعام 2026 أن الثقة بالأخبار انخفضت في 29 من أصل 48 سوقاً شملها، وبلغ متوسطها 37 في المائة. ويربط التقرير هذا التراجع بتحولات استهلاك الأخبار والقلق الأوسع من المؤسسات، مع بقاء الثقة بعلامات إعلامية محددة أكثر تماسكاً من الثقة بالإعلام عموماً.

وتدعم النتائج بحث أزمة أوسع في الديمقراطيات الغربية، لكنها لا تكفي لإعلان انهيار نموذج واحد. فالفروق بين الدول، وأنظمة الإعلام، واستقلال المحاكم، وملكية المؤسسات، تؤثر في قدرة كل مجتمع على مواجهة الضغط. كما أن تراجع الثقة قد يطال الحكومة والصحافة معاً، فلا تستفيد منه السلطة بالضرورة على المدى الطويل.

وفي الولايات المتحدة يختبر اللجوء إلى القضاء والتضامن بين شبكات متنافسة قدرة المؤسسات على فرض حدود للصراع. ومع أن القضاء تدخل لإعادة الاعتمادات مؤقتاً، فإن قراره لا يعالج وحده شكوك جمهور يرى الصحافة خصماً، ولا يعفي غرف الأخبار من مراجعة أخطائها.

والواقع أن المواجهة الجارية بين ترمب ووسائل الإعلام تكشف عن تاريخ أوسع من استخدام السلطة التنفيذية أدواتها للضغط على الصحافة؛ إذ شهد عهد الرئيس الديمقراطي باراك أوباما إجراءات طالت اتصالات الصحافيين ومصادرهم، وأثارت اعتراضات حادة على إدارة تعهدت بالشفافية، ثم وسعت ملاحقة تسريبات المعلومات الحكومية.

في مايو (أيار) 2013، كشفت وكالة الـ«أسوشييتدبرس» أن وزارة العدل حصلت سراً على سجلات 21 خطاً هاتفياً استخدمها صحافيوها ومكاتبها خلال فترة شهرين. واعترض رئيس الوكالة آنذاك، غاري برويت، على اتساع الإجراء وتنفيذه من دون إخطار مسبق يتيح الطعن فيه، محذراً من أثره في قدرة الصحافة على جمع الأخبار.

وطالت التحقيقات جيمس روزن، مراسل «فوكس نيوز»؛ إذ حصل المحققون على سجلات اتصالاته وبريده الإلكتروني في قضية تسريب معلومات عن كوريا الشمالية. ولقد وصفته وثائق التحقيق بأنه شريك محتمل في مخالفة قانون التجسس، بما أثار مخاوف من التعامل مع العمل الصحافي نفسه بوصفه نشاطاً جنائياً. ولم توجّه إليه اتهامات، لكن الإجراء وضع سرية علاقته بمصادره تحت ضغط مباشر.

وبحسب تقرير «لجنة حماية الصحافيين» في أكتوبر 2013، شملت الملاحقات بموجب قانون التجسّس منذ 2009 ستة موظفين حكوميين ومتعاقدَين اثنين، مقارنة بثلاث ملاحقات مماثلة في الإدارات السابقة مجتمعة. وتتعلق هذه الأرقام بقضايا التسريب، لكنها تكشف عن حجم التصعيد الذي رافق خطاب الإدارة عن الانفتاح.

وتبرز هذه الوقائع وجهاً للضغط لا يظهر بالضرورة في منع كاميرا أو سحب اعتماد: حين يخشى المصدر كشف اتصالاته، قد تتوقّف المعلومة قبل وصولها إلى الصحافي. ولذلك، لا يكفي استمرار مؤسسة إعلامية في النشر للقول إن حريتها لم تتأثر. وتمنح هذه السوابق أساساً للاعتراض على انتقائية الدفاع عن الصحافة وفق هوية الرئيس أو المؤسسة المستهدفة. فالمعيار هو ما تفعله السلطة بأدواتها، ومدى خضوعها للمساءلة. ومن مراقبة الاتصالات في عهد أوباما إلى سحب الاعتمادات في عهد ترمب، يبقى السؤال: كيف تُحمىَ قدرة الصحافة على كشف ما تُفضِّل الإدارة حجبه عن الجمهور؟


أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
TT

أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني

عبر مكبر الصوت في أحد التجمعات الانتخابية في ولاية سكسونيا-أنهالت في شرق ألمانيا، يخرج هتاف «زيغ»، الذي في الألمانية يعني «النصر». دلالات الهتاف التاريخية لا تخفى على أحد في ألمانيا ولا خارجها؛ ذلك أن «زيغ هايل»، ومعناه «يعيش النصر»، كان شعار النازيين الذي تردد لسنوات، وأصبح محظوراً في ألمانيا بعد هزيمة النازيين من ضمن مساعي البلاد للابتعاد عن إرثها الداكن. ومع ذلك، يلعب مرشح حزب «البديل من أجل ألمانيا» الفائر بالانتخابات في ولاية سكسونيا-أنهالت، أولريش (أولي) زيغموند، على الكلمات، ويحمّس مؤيديه على الرد لدى سماع كلمة «زيغ» في تجمّعاته، بكلمة «موند»، وهي تعني بالألمانية «فم»، ثم يمازح قائلاً إن اسمه «زيغ موند»، وإن الهتاف هو هتاف لاسمه، ضاحكاً ومتسائلاً: «ما المشكلة في اسمي؟!». لعل هذه القصة تلخّص الكثير عن الرجل الذي تحوّل إلى نجم من دون منافس لدى الحزب اليميني المتطرف، والذي سيصبح قريباً أول رئيس حكومة محلية في ألمانيا ينتمي إلى حزب يميني متطرف منذ هزيمة النازيين. فهو يستخدم خليطاً من الفكاهة و«الكاريزما» ليرى إلى أي مدى يمكنه تخطي الخطوط الحمراء. وكما حول الشعار المحظور إلى دعابة، يسعى الشاب البالغ من العمر 35 سنة إلى فرض واقع جديد في ألمانيا. ويسعى حزبه إلى أن يختبر عبره إلى أي مدى يمكن الذهاب في ولاية صغيرة، على أمل نقل التجربة على الصعيد الوطني قريباً.

في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، وقف أولريش زيغموند أمام قرابة 20 شخصاً، بينهم نازيون جدد ومتطرفون يمينيون، داخل فندق فخم ناءٍ في مدينة بوتسدام القريبة من برلين، يتكلم أمام مشاركين في اجتماع سرّي دُعي إليه برسائل ورقية.

كان حينذاك رئيس الكتلة النيابية لحزبه «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت. ووقف داعياً المشاركين إلى تقديم تبرعات لحملته الانتخابية التي كان بدأ يعد لها منذ ذلك الوقت، وعارضاً أفكاره لـ«تغيير صورة الشوارع في ألمانيا».

في ذلك التجمع قال إنه في حال فوزه، فإن «المطاعم الأجنبية» في ولايته «ستصبح تحت ضغوط كبيرة»، وإنه سيجعل العيش في سكسونيا-أنهالت «غير جذاب بأكبر قدر ممكن لهذه الفئة»، قاصداً بذلك المهاجرين ومَن هم من أصول مهاجرة، الذين كانوا حقاً موضوع نقاش الاجتماع السرّي. وتابع يقول إن تحقيق ذلك «سيكون سهلاً جداً جداً».

فضح الاجتماع السرّي

الاجتماع السرّي فضحه لاحقاً صحافيون ألمان من موقع «كوريكتيف» الاستقصائي الذي كشف أن إحدى الرسائل سُربت إليه، وأنه أرسل صحافياً إلى الفندق لكي يراقب الاجتماع ويكتب عنه.

وكان هدف الاجتماع الذي دعا إليه اثنان من كبار رجال الأعمال والمموّلين الألمان، مناقشة خطة لترحيل ملايين المهاجرين والألمان من أصول مهاجرة، بحسب الموقع الاستقصائي.

أثار الكشف عن الاجتماع آنذاك غضباً كبيراً في ألمانيا وإدانات سياسية واسعة؛ خاصة لأنه حمل أصداء تاريخية، مذكّراً باجتماع النازيين لمناقشة وإقرار «الحل النهائي» الذي شكّل بداية المحرقة (الهولوكوست). وللعلم، أيضاً عُقد اجتماع النازيين في مدينة بوتسدام في مكان قريب من موقع الاجتماع الحديث الذي شارك فيه زيغموند.

اللافت أن زيغموند كان واحداً من 3 سياسيين في حزب «البديل من أجل ألمانيا» شاركوا في الاجتماع، والثلاثة يعتبرون من المتطرفين داخل الحزب؛ ولذا حاول الحزب إبعاد نفسه عنهم، مدّعياً أنهم حضروا «بصفة شخصية»، وأن ما نوقش ليس سياسة يتبناها الحزب. غير أن الحزب لم يتمكن من إنكار ما نوقش بسبب وجود تسجيلات تثبت ذلك.

لا ذكر للاجتماع في الإعلام

أيضاً، كان لافتاً أنه رغم الصدمة والنقمة التي تسبب فيها الكشف عن الاجتماع في ذلك الحين، لم تُذكر القصة في الإعلام الألماني خلال حملة زيغموند الانتخابية وتغطية الانتخابات التي سبقت فوزه، وكأن الجميع نسي أنه شارك في ذاك الاجتماع، علماً بأنه في ذاك الوقت لم يكن معروفاً خارج ولايته، على عكس الوضع اليوم؛ فهو الآن بات معروفاً ليس فقط في كامل ألمانيا، بل في العالم بأسره؛ ذلك أن فوزه جذب الإعلام العالمي وترددت أصداء فوزه في كل مكان. وقد تكون مجلة «دير شبيغل» قد ساهمت عن غير قصد في تحويله إلى «نجم» بعدما وضعته على غلافها قبل الانتخابات، في صورة تثني عليه مع عنوان «أخطر رجل في ألمانيا»، ولكن من دون مضمون يعكس العنوان. زيغموند، نفسه، استغل ذلك لينشر صوراً له مع المجلة مبتسماً، والحزب اشترى كل الأعداد ليوزّعها على مؤيديه الذين بدأوا يصطفون في تجمّعاته حاملين المجلة للحصول على توقيعه.

وعندما سئل زيغموند أخيراً عن مشاركته في اللقاء قبل سنتين في سؤال عابر ضمن مقابلة مع مجلة «بوليتيكو» أخيراً، قلّل القيادي اليميني المتطرف من أهمية اللقاء، منتقداً في المقابل الصحافة التي زعم أنها «ضخّمت القصة!». أيضاً رفض زيغموند وصفه بـ«رجل متطرّف خطير»، مدّعياً أنه «شخص عادي يقلق على بلده، ويريد بلداً أفضل له ولعائلته وأولاده». وأردف: «ببساطة لا أستطيع أن أقف على الحياد في حين أشاهد بلدي يتطوّر بهذا الشكل السلبي وبسرعة». ولكن رغم إنكار الحزب تبنّي السياسات التي ناقشها الاجتماع السرّي، فإن الحملة الانتخابية في سكسونيا-أنهالت، التي قادها زيغموند وأوصلته إلى الفوز، أثبتت أن «البديل من أجل ألمانيا» تبنّى الكثير منها، ثم إن تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني؛ فزعيمته أليس فايدل، التي تحظى بإعجاب «أغنى رجل في العالم» إيلون ماسك، تكرّر أنه يجب إعادة كل السوريين إلى بلدهم. والحزب أيضاً استخدم التعبير مراراً في بيانه الانتخابي في ولاية سكسونيا-أنهالت الذي امتد على أكثر من 140 صفحة. وفيه يتعهد الحزب بإلغاء المشاريع المموّلة من الحكومة والمخصّصة لدمج المهاجرين، وإلغاء مسؤولي ومفوّضي الدمج وإبدال «مفوضي إعادة الهجرة» بهم.

نشأة زيغموند وتدرّجه

وُلد أولريش زيغموند عام 1990 في بلدة هافلبرغ بولاية سكسونيا-أنهالت لعائلة كاثوليكية. وهو متزوّج من يوليا، التي تعمل مدرّسة، ولديهما ابنة، ويعيشان في بلدة تانغرمونده القريبة من مكان ولادته في هافلبرغ.

في بدايات حياته المهنية، تلقى زيغموند تدريباً في تجارة الجملة والتجارة الخارجية، وأسّس شركة عطور عام 2014. وتخرّج لاحقاً عام 2016 في جامعة هامبورغ ببكالوريوس في العلوم الإدارية وعلم النفس الاقتصادي.

وعام 2017 هجر زيغموند الكنيسة الكاثوليكية بسبب «دورها السياسي المشين» بحسب زعمه. وللعلم، تدافع الكنيسة الكاثوليكية عن اللاجئين بشكل مستمر، وتفتح أبوابها للذين تصدر بحقهم طلبات ترحيل.

وقبل الانتخابات التي فاز بها حزب «البديل من أجل ألمانيا» في سكسونيا-أنهالت، حذّرت الكنيسة الكاثوليكية في ماغدبورغ، عاصمة الولاية، من التصويت للحزب. وعلّقت لافتات ضخمة على الكاتدرائية وسط المدينة تذكّر فيها بالأخلاق المسيحية، وتدعو إلى التصويت «بضمير»، ومما كتبت: «أَحِب جارك، الحوار، الكرامة الإنسانية، التضامن، صوّت بضمير!». وبعد فوز الحزب المتطرف، أعرب مطران الكاتدرائية، إلى جانب الكنيسة البروتستانتية، عن صدمته وقلقه الكبير من زيادة الانقسام في المجتمع.

العداء للهجرة واللاجئين

من ناحية أخرى، مع أن زيغموند وُلد وكبر في ريف سكسونيا-أنهالت، حيث أعداد اللاجئين ضئيلة، فهو بنى شعبيته في الولاية على مهاجمة اللاجئين وسياسات الحكومة الفيدرالية «وسخائها» في المعونات المقدّمة لهم، مدّعياً أنه يعبر عن مشاعر أبناء الولاية. وهو دائماً يكرّر في مقابلاته أن الشوارع في ألمانيا «لم تعُد آمنة»، ويزعم أن طفولته في المقابل كانت «مليئة بالحرية... وكان بإمكانك اللعب بأمان في الشوارع ليلاً». ومن ثم، يقول إن هذه ألمانيا التي يريد إعادتها. بالطبع، هو يلمِّح إلى مسؤولية اللاجئين والمهاجرين عن جعل الشوارع أقل أماناً.

في المقابل، رغم تسخيف حزب «البديل من أجل ألمانيا» التهم الموجّهة إليه بأن بعض أفكاره تحمل صدى النازية، فإن زيغموند نفسه تكلّم عن «استخدام القوة» لتنفيذ خطط «إعادة المهاجرين».

وعندما سئل عن موقفه من خطط فتح مصنع سلاح في الولاية، قال إنه لا يعارض الفكرة، مضيفاً: «سنحتاج بطبيعة الحال إلى الموارد اللازمة لحملة إعادة الهجرة والترحيل اللاحقة، وهذا يصب في مصلحة الأمن الداخلي واستقرارنا الذاتي والدفاع الوطني»، ثم عاد ليوضح لاحقاً أن «المصنع سيصنع أيضاً المعدات والآليات ووسائل تكنولوجية وغيرها لتستخدمها القوات المسلحة الألمانية والشرطة والسلطات الأمنية». ولكن الشركة التي يتكلم عنها شركة تصنيع أسلحة إسرائيلية متخصصة فقط في تصنيع تكنولوجيا عسكرية وأنظمة دفاع وآليات مدرعة، ولا علاقة لها بتصنيع معدات للشرطة.

على خطى أبيه

في الحقيقة، لا يحمل «أولي» زيغموند أفكاراً بعيدة عن أفكار عائلته؛ فوالده يعمل لدى أحد نواب حزب «البديل من أجل ألمانيا»، وهو ما دفع كثيرين لاتهامه وأعضاء في الحزب بالمحسوبية. ومثل معظم المنتمين إلى اليمين المتطرف، يتشكك زيغموند من الإعلام، ويتكلم عن خطط لـ«إصلاحه»، وإقفال القناة الرسمية المموّلة من أموال دافعي الضرائب في الولاية. وعوضاً عن ذلك، يترافق بشكل شبه عام مع «مؤثرين» على «يوتيوب» يحملون أفكاراً يمينية متطرفة، يروّجون له وينتقدون الإعلام المهني.

ويدعو برنامج الحزب إلى وقف توظيف الأجانب حتى في الوظائف المتخصصة، في مقابل إعداد خطط لإعادة جذب الألمان الذين هاجروا لملء تلك الوظائف.

وعن طلاب المدارس من أبناء المهاجرين أو المتحدّرين من أصول مهاجرة، يقول إنه يريد فصلهم في صفوف خاصة، والإحجام عن دمجهم مع الطلاب الألمان، وبدلاً من ذلك تعليمهم بمناهج بلدهم الأصلي، وبواسطة أساتذة مهاجرين، إذا أمكن، وذلك «تمهيداً لترحيلهم إلى بلدانهم» عندما تسمح الظروف بذلك.


ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
TT

ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)

يدخل أولريش زيغموند زعيم التنظيم المحلي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت الألمانية مفاوضات مع حزب «تحالف زارا فاغنكنيشت» الشعبوي اليساري المتطرف لتشكيل حكومة جديدة للولاية، وذلك بعدما تبين أن هذا الحزب كان الوحيد الذي وافق على التفاوض مع الحزب اليميني لتشكيل حكومة.

تلاقى الحزبان المتطرفان - يميناً ويساراً - بأفكارهما حول تشديد الهجرة وإعادة العلاقات مع روسيا. وبالتالي، يأمل زيغموند أن يصبح قريباً أول رئيس حكومة ولاية ينتمي لحزب متطرف في ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

خطط الحزب تمتد إلى المناهج التعليمية التي يريد تعديلها لكي تخفّف التركيز على الشعور بالذنب الذي يلاحق الألمان بسبب ما ارتكبوه أيام النازيين، وإعادة توجيهها بحيث تركز على «الوطنية والجوانب الإيجابية».

ولا يتردد زيغموند نفسه في الكلام عن ذلك؛ إذ ينتقد فكرة أن النازيين ارتكبوا «أعظم جريمة ضد الإنسانية في التاريخ»، ويقول إن ما يبدو إنكاراً للمحرقة النازية، وهي جريمة يعاقب عليها القانون الألماني، «لا أدعي القدرة على الحكم على ذلك؛ لأنني لا أستطيع تقييم البشرية جمعاء». ويضيف: «أرى أن هذا التفسير مبالغ فيه للغاية ومنفصل تماماً عن الواقع، فبالنسبة لي من المهم التطلع إلى المستقبل لا النظر إلى الماضي. وبالطبع يجب علينا دائماً أن نتعلم من التاريخ، ليس فقط من جوانب محددة منه، بل من التاريخ ككل».

أفكار زيغموند هذه نجح في إيصالها إلى أعداد كبيرة من مؤيديه من خلال متابعيه على شبكات التواصل الاجتماعي التي ينشط عليها بشكل كبير، خاصة على منصتَي «تيك توك» و«إنستغرام» اللتين يتابعه عليهما أكثر من 600 ألف شخص، ما يجعله من ثم السياسي الألماني الأكبر شعبية على المنصتين، ثم إنه غالباً ما ينشر صوراً له تظهره «واحداً من الشعب»، في نقيض للسياسيين المنتمين للأحزاب الأخرى.

بداية مشوار زيغموند مع التطرف غير واضحة، ولكن على الأرجح أنه كان دائماً يحمل أفكاراً متطرفة تطوّرت مع الوقت لتطول اللاجئين والمهاجرين. بداياته السياسية تظهر أنه بدأ مشواره عندما كان يبلغ 19 سنة مع أكثر الأحزاب محافظةً آنذاك، وهو حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، الذي يتزعمه اليوم المستشار الألماني فريدريش ميرتس.

في حينه، لم يكن حزب «البديل من أجل ألمانيا» قد أُسس بعد، ولم تكن هناك أحزاب على يمين الديمقراطيين المسيحيين، ولكن بعد تأسيس «البديل من أجل ألمانيا» عام 2013، انضم زيغموند للحزب عام 2015.