فينيسيا تئن من {هجوم السياح} وأهلها يغادرونها

مظاهرات ضد مرور السفن السياحية الضخمة

يعاني من تبقى من سكان فينيسيا من طوفان السياح الذين يتجاوز عددهم 20 مليوناً سنوياً («نيويورك تايمز»)
يعاني من تبقى من سكان فينيسيا من طوفان السياح الذين يتجاوز عددهم 20 مليوناً سنوياً («نيويورك تايمز»)
TT

فينيسيا تئن من {هجوم السياح} وأهلها يغادرونها

يعاني من تبقى من سكان فينيسيا من طوفان السياح الذين يتجاوز عددهم 20 مليوناً سنوياً («نيويورك تايمز»)
يعاني من تبقى من سكان فينيسيا من طوفان السياح الذين يتجاوز عددهم 20 مليوناً سنوياً («نيويورك تايمز»)

أمرت الشابة الأميركية أصدقاءها قائلة: «ما عليكم سوى القول: سكوزي، وبعدها واصلوا السير»، وذلك بعد أن علقوا في أكثر المناطق اختناقاً. فتلك المنطقة تمثل عنق الزجاجة بالنسبة للسياح في شوارع مدينة فينيسيا (أو البندقية)، الضيقة التي باتت خانقة للمرور إلى ميادينها العريقة، الأمر الذي يؤدي إلى هروب سكان تلك المدينة الساحلية الساحرة بعيداً، ربما إلى أراضٍ جافة كئيبة. وأضافت: «ليس لدينا الوقت، ولا تأبه الحكومة الإيطالية لذلك ولا فينيسيا».
لا تنظر لحال فينيسيا الآن، فقد كانت يوماً ما تمثّل قوة بحرية وتجارية كبيرة، لكنّها باتت مهددة بغزو سياح رحلات اليوم الواحد. أصبح الصوت المعتاد هنا أزيز عجلات الحقائب التي تجرها مجموعات السياح على جسور المشاة فوق القنوات المائية التي تشق المدينة، لكنّك قد تسمع بين الفينة والأخرى، لكنة أهل فينيسيا الأصليين عندما يصادفك مثلاً زوجان يستقلان قارباً من القوارب ذات المجدافين في مدينة البندقية العريقة، ليلتقطا صورة «سيلفي». لكن اللغة المشتركة بين السكان هي خليط أجنبي من الإنجليزية والصينية وأي لغة أخرى قد تكون قد جلبتها المراكب والرحلات زهيدة الثمن، صباح ذلك اليوم، لتحل بعدها الفنادق مكان البيوت. يفكر مسؤولو الحكومة الإيطالية الذين عبّروا عن أسفهم لما يسمى «السياحة منخفضة الكلفة»، في تقليص أعداد السياح المسموح لهم بدخول المدينة وزيارة ميادينها الشهيرة.
ونصح داريو فرانسشيني، وزير الثقافة الإيطالي، السياح قائلاً: «إن وصلت على متن سفينة كبيرة، عليك أن تهبط بسرعة، لأن الوقت المتاح أمامك لن يتعدى ساعتين أو 3. اتبع المرشد الذي يحمل راية دوّن عليها أسماء أماكن مثل ميدان (بيازالي روما)، وجسر بونتي دي ريالتو، وساحة سان ماركو، ثم عاد إلى السفينة»، معبراً عن أسفه لنوع من السياحة يطلق عليه «كُل وانطلق» الذي أدى إلى تراجع مستوى المدينة بدرجة كبيرة.
وأضاف فرانسشيني: «لا يكمن جمال المدن الإيطالية في المعمار فحسب، بل أيضاً في النشاطات التي يمارسها السكان وفي متاجرها وورشها. ولذلك علينا أن نحافظ على هويتها».
ويعاني من تبقى من سكان المدينة من طوفان السياح الذين يتجاوز عددهم 20 مليوناً سنوياً إلى حد جعل كثيراً من السكان يعلّقون لافتات على نوافذ بيوتهم لتدل السياح على الاتجاه إلى ميادين سانت مارك أو بونتي دي ريالتو، وذلك ليخفّف عن أهل البلدة عناء وملل تكرار الإجابة لكل سائح يمر إلى جوار بيتهم ليسألهم عن الطريق.
تعدّ السفن السياحية التي تسير في «غراند كانال»، أو القنال الكبير، بمثابة الكسوف الذي يحجب ضوء الشمس. ونظم بعض سكان المدينة البالغ عددهم نحو 50 ألفاً - وهو العدد الذي تبقى من 175 ألف فينيسي عام 1951 - تحالفات مناهضة لتسيير رحلات السفن السياحية والقيام بإجراءات سلمية مثل بيع قمصان تحمل صوراً للسفن السياحية بأسنان سمكة القرش لتهديد الصيادين. في يونيو (حزيران) الماضي، صوّت تقريباً جميع من شارك في الاستفتاء غير الرسمي، الذي بلغ عددهم 18 ألفاً لخروج تلك السفن من مياههم.
من جانبه، أشار وزير الثقافة إلى أن «السفن السياحية تمثل إحدى المشكلات»، ووصف مرورهم على صفحات الماء أمام ميدان سانت مارك بـ«المشهد غير المقبول». لكن الواقع يقول إن تلك السفن تجلب كثيراً من المال، ولأنّها لم تعد تمثل قوة تجارية كما كانت في السابق، فإن فينيسيا الآن في حاجة إلى كل يورو تستطيع الحصول عليه. السفن السياحية لا تمثل مصدراً للمال لتلك المدينة فحسب، فهي أيضاً قادرة على توفير فرص العمل من خلال منظومة عملها الكبيرة وكذلك سداد الضرائب المفترض سدادها للبلدة.
عندما يصل زائر مثلاً إلى محطة قطارات فينيسيا ويرى ذلك الممر المائي، سيخالجه شعور غريب بأنّه في لاس فيغاس الثانية، لا في فينيسيا. وسيصطدم بمشهد الحقائب والتسوق، ولن يرى سوى قلة من الإيطاليين من حوله. فالسياح الذين يرغبون في شراء الهدايا للعودة بها إلى بلادهم، مثل الأقنعة الفينيسية، والتحف على شكل مراكب صغيرة وتلك المصنوعة من الزجاج، أو قبعات البحارة وقمصان فرق كرة القدم وغيرها، جميعها باتت أشياء نادرة الوجود. لكنّ الأصعب من كل هذا أن تصادف شاباً صغيراً يدير بوتيكاً، فالشباب قد هاجروا من البلدة.
وحسب برونو رافغانا (33 سنة)، أحد سكان المدينة الذي يعمل سائقاً لحافلة تنقل السياح وحقائبهم، فقد «أصبح من الصعب أن تعيش هنا»، إذ إن كثيراً من سكان فينيسيا انتقلوا للعيش في جانب من المدنية يسمى «كاستيلو» الذي يبتعد بمسافة كبيرة عن ميدان سان ماركو الذي يعد قلب المدينة ومركز الجذب السياحي بها. والسبب في ذلك يرجع إلى رغبة السكان في العيش بصورة تقترب من الحياة الطبيعية. وقال توماسو منغاتي (41 سنة)، أحد سكان فينيسيا: «إن أردت مثلاً الحصول على بعض اللحم الإيطالي المقدّد، فلن تستطيع، لأن المتاجر المختصة ببيعها قد رحلت عن المدينة». لا تزال عائلة توماسو تحتفظ بشقة صغيرة هنا، لكن شأن غالبية السكان السابقين، انتقلت عائلته إلى خارج المدينة، تحديداً إلى جانب من المدينة يسمى مستري. وعبرت والدته عن أسفها لتحول المدينة إلى ما يشبه «ديزني لاند على البحر»، فيما أشار منغاتي إلى أن تحوّل المدينة إلى نمط «المبيت والإفطار» السياحي بات طارداً الناس حتى خارج «مستري».
فكل تلك الفنادق التي تقدم المبيت والإفطار والتي يقدر عددها بنحو 2500 فندق، لديها أعداد كبيرة من المناشف والمفارش التي تحتاج إلى الغسيل، وهو ما لم يعد بمقدور فينسيا تحمله. ولذلك، يتعيّن على السفن السياحية حمل المناشف وكل ما يحتاج إلى الغسيل والتوجه به إلى جزيرة ترونشيتو، حيث تنتظر الشاحنات بأعداد كبيرة للتوجه بها إلى المدن الإيطالية.
وفي المقابل، تحمل تلك الشاحنات قوارير ماء الشرب والعصائر وأواني الطعام، وكل ما تحتاجه الحياة والسياح في تلك المدينة.
أسبوع واحد في العام، تحديداً في عيد الخلاص، هي الفترة التي يتمكن فيها سكان فينيسيا من استرداد مدينتهم. ففي تلك الفترة، يعود السكان من مستري لتناول الطعام على شاطئ «غراند كانال» والاستمتاع بالألعاب النارية التي تتضاءل إلى جوارها ألعاب احتفالات نيويورك.
تزامنت الاحتفالات العام الحالي مع بينالي فينيسيا الذي يجتذب آلافاً من أبرز محبي الفنون والرقص والمسرح، ولذلك تعين على سكان فينيسيا الوقوف في مواجهة طوفان البشر الذي يعج بهم ميدان سانت مارك.
قال باولو براتا، رئيس البينالي، بينما يشاهد الألعاب النارية من مكان المهرجان: «نحن نموذج لما يمكن أن يحدث»، مشيراً إلى أن الناس قد أخلت الطرقات للمهرجان. وتابع: «في المساء، يعود كثير من السياح إلى السفن السياحية أو يهدأون قليلاً بعد تناول العشاء. في الحقيقة، النتيجة تبدو كأن فينيسيا عادت لبعض الوقت إلى عهدها القديم». ثم أضاف: «بالنسبة لي، تذكرني فينيسيا بالمدينة التي كانت منذ 20 عاماً قبل ظهور خرائط غوغل، عندما كنت أُضل الطريق وكأنني وسط صحراء موحشة. في ذلك الحين، كان مشهد عروسين يحتفلان بالزفاف هو أقصى ما يمكن أن تراه من مظاهر الصّخب في كافتيريا. كان ذلك العهد أجمل أيام فينيسيا قبل أن تتعرض لطوفان السياح، حينها كنت تستطيع مشاهدة ميدان سانت مارك خالياً، باستثناء بعض المارة المتوجهين إلى أعمالهم».
لكن الآن فقط إن استيقظت مبكراً في الصباح ستستمتع بمشاهدة فينيسيا كما كانت في السابق، وهذا ما يجعلنا نفكر في حتمية حمايتها، وهذا هو السبب في تفكير الإيطاليين في اتخاذ موقف جدي.
اختتم وزير الثقافة الإيطالي بقوله إنّ «المشكلة تنحصر الآن في بيازا سان ماركو، أو ميدان سانت ماركو وفي جسر بونتي ريالتو، لكن بعد سنوات معدودة، سيتّسع نطاق المشكلة ليشمل غيرها من الأماكن».
* خدمة «نيويورك تايمز»



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».