واشنطن تمهد لـ«حرب دولية» في إدلب «أكبر معقل للقاعدة في العالم»

ثلاثة مواقف توضح المقاربة الأميركية للأزمة السورية

TT

واشنطن تمهد لـ«حرب دولية» في إدلب «أكبر معقل للقاعدة في العالم»

أظهرت مواقف ثلاثة من كبار المسؤولين الأميركيين مقاربة واشنطن للوضع السوري القائم على أساس تجميد الصراع بين القوات الحكومية والمعارضة مقابل التركيز على قتال «داعش» و«جبهة النصرة» وتوحيد القوى العسكرية كافة لهزيمة هذين التنظيمين، خصوصاً أن المبعوث الرئاسي الأميركي في التحالف الدولي ضد «داعش» برت ماغورك قال إن بلاده «ملتزمة» قتل جميع المقاتلين الأجانب، بينهم 40 ألفا انضموا إلى «داعش» و«النصرة» في سوريا والعراق، وعدم السماح لهم بالخروج من هذين البلدين.
وكان لافتاً أن ماغورك قال: إن إدلب، وهي المحافظة الخارجة عن سيطرة القوات الحكومية، باتت «أكبر معقل لتنظيم القاعدة في العالم»؛ ما يفتح الباب أمام احتمالات عدة لـ«معالجة هذه المشكلة الدولية» التي لا تثير اهتمام أميركا وروسيا وحسب، بل الصين بسبب وجود آلاف من «إيغور» ضمن «الجيش الإسلامي التركستاني» في ريف إدلب، إضافة إلى تركيا بوابة إدلب إلى العالم.

حل سياسي وخروج إيران
أولاً، الصورة السورية أميركياً، حدد وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون في بيان مكتوب تسلمت «الشرق الأوسط» نسخة منها، مبادئ موقف واشنطن من الأزمة السورية، قائلا: إنها الساحة الوحيدة التي وفرت فرصة للتعاون الأميركي - الروسي. وقال: «استكشفنا (مع موسكو) في الأيام الأولى مجالاً من مجالات الاهتمام المشترك، ألا وهو الإرهاب، واخترنا سوريا مكانا نختبر فيه قدرتنا على العمل معاً. نتشارك في اعتبارنا (داعش) تهديداً لكلا البلدين؛ لذا نحن ملتزمون هزيمة تنظيم داعش والمنظمات الإرهابية الأخرى، ثم استقرار سوريا في أعقاب هزيمة (داعش)». وتابع: «نعمل مع روسيا لنرى كيف نستطيع تحقيق الغاية النهائية، ألا وهي سوريا موحدة وغير مقسمة، لكن سوريا تقدم الفرصة للشعب السوري لوضع دستور جديد وإجراء انتخابات حرة ونزيهة واختيار قيادة جديدة. ولا تزال وجهة نظرنا هي أنه ليس لنظام (الرئيس بشار) الأسد دور في الحكم المستقبلي لسوريا. نحن منفتحون لتسلسل مختلف للأمور ما دام هذا ما سيتحقق في نهاية المطاف».
وأضاف نقطة ثانية، وهي «نفوذ إيران العسكري والوجود المباشر للقوات العسكرية الإيرانية داخل سوريا». وقال: «يجب أن يغادروا ويعودوا إلى ديارهم، سواء كانوا من قوات الحرس الثوري الإيراني أم من الميليشيات مدفوعة الأجر أم مقاتلين أجانب جلبتهم إيران إلى سوريا للمشاركة في هذه المعركة». هاتان، أي هزيمة «الإرهاب» وتقليص نفوذ إيران: «هما الحالتان اللتان نريدهما في نهاية المطاف، ويشاركنا في رأينا بشأنهما العديد من شركائنا في التحالف من مختلف أنحاء العالم... ونعمل مع حلفائنا في المنطقة للرد على جهود إيران التوسعية لزعزعة استقرار المناطق، ولا سيما في اليمن والعراق وسوريا، لكننا نراها أيضاً في أفغانستان».
ووضع تيلرسون ضمن ذلك الاتفاق الأميركي - الروسي - الأردني لـ«خفض التصعيد» جنوب غربي سوريا الذي هو «صامد حتى الآن، والإنجاز من هذا الموضوع هو عدم قتل المدنيين وكان هذا هدفنا، أي وقف الهجمات بالقنابل والهجمات المدفعية الضخمة التي أدت إلى مقتل الكثير من المدنيين».
ثانياً: «داعش» و«النصرة»: قدم ماغورك في جلسة مرئية في «معهد الشرق الأوسط» في واشنطن رؤية تفصيلية عن جهود التحالف الدولي لقتال «داعش» في العراق وسوريا ومدى التأثير الإيجابي لدى تفويض الرئيس دونالد ترمب إلى القادة العسكريين المحليين صلاحية اتخاذ قرارات من دون الرجوع إلى القيادة؛ ما أدى إلى استعجال السيطرة على مدينة الطبقة في ريف الرقة قبل القوات الحكومية و«حزب الله» المدعومين من روسيا وإسقاط قاذفة أميركية طائرة سورية في ريف الرقة قبل أسابيع. وقال: إن سوريا والعراق تضمان 40 ألف مقاتل أجنبي و«سيكونون هناك ونحن ملتزمون تحقيق ذلك». وأشار إلى الدور الذي تلعبه «قوات سوريا الديمقراطية» التي تضم 25 ألف مقاتل عربي ومثلهم من المقاتلين الأكراد، في تحرير الرقة، مشيراً إلى عودة الأهالي إلى مناطقهم لدى تحريرها من «داعش».
كان لافتاً، أن ماغورك سجل أن مناطق سيطرة القوات الحكومة السورية «تضم عشرة ملايين شخص 60 في المائة من السنة. هذا لا يعني أنهم يؤيدون النظام، لكن لم يجدوا سبباً لتركه»؛ الأمر الذي يفهم منه أن «قوات سوريا الديمقراطية» تقدم بديلاً للعرب السنة، بالنسبة إلى واشنطن التي دعمت تشكل مجلس مدني لحكم الرقة بعد تحريرها.

معركتا «وادي الفرات» وإدلب
بالنسبة لماغورك، هناك معركتان قادمتان: الأولى، في وادي الفرات بعد طرد «داعش» من الرقة على أيدي «قوات سوريا الديمقراطية» ومن دير الزور بأيدي قوات الحكومة بدعم روسي، خصوصاً أن واشنطن قبلت الأمر الواقع بتوغل هذه القوات من تدمر إلى دير الزور والالتفاف وراء قاعدة التنف الأميركية قرب العراق للوصول إلى البوكمال وشمال شرقي سوريا. الثانية، في إدلب؛ إذ قال ماغورك إنها «أكبر معقل لتنظيم القاعدة في العالم بعد 11 سبتمبر (أيلول) 2011، حيث ركز تنظيم القاعدة على إدلب التي تضم نائب التنظيم أيمن الظواهري» في إشارة إلى «أبو خيري المصري» الذي قتل بغارة أميركية ضمن سلسلة من الغارات ضربت قياديين في «النصرة» وتنظيمات قريبة من «القاعدة».
وانتقد ماغورك دور تركيا في «ترك السلاح» يصل إلى التنظيم في إدلب و«سنناقش ذلك مع حلفائها الأتراك لضبط الحدود». وإذ ذكر هذا بموقف واشنطن السابق بالضغط على أنقرة لإغلاق الحدود في مناطق سيطرة «داعش» شرق سوريا، فإن الخارجية التركية أعربت عن استيائها من موقف ماغورك.
الثالث: التمهيد لمعركة إدلب: وزع المبعوث الأميركي إلى سوريا السفير مايكل راتني أول من أمس بياناً خصصه للموقف من إدلب؛ إذ اعتبر أن الهجوم الذي شنته «هيئة تحرير الشام» ضد «حركة أحرار الشام» في إدلب «يعرض مستقبل شمال سوريا لخطر كبير، وشهد شمال سوريا واحدة من أكبر مآسيه». وقال راتني: «في حالة هيمنة (جبهة النصرة) على إدلب سيكون من الصعب على الولايات المتحدة إقناع الأطراف الدولية باتخاذ الإجراءات العسكرية اللازمة».
وكان تحالف «جيش الفتح» الذي يضم فصائل إسلامية بينها «النصرة» و«أحرار الشام» ويتعاون مع «الجيش الإسلامي التركستاني» (يضم نحو 2500 من إيغور الصين) سيطر على إدلب في ربيع 2015، قبل التدخل العسكري الروسي المباشر الذي أدى إلى تغيير المعادلة لصالح النظام. وبدأت سلسلة من «المصالحات» و«التسويات» التي أسفرت عن نقل مقاتلين معارضين وأسرهم ونازحين إلى إدلب كان آخرهم نحو ثمانية آلاف من جرود عرسال شرق لبنان، لتضم أكبر منطقة للمعارضة، حيث يعيش أكثر من مليوني شخص.
وشكل «جيش الفتح» مجلساً مدنياً لحكم إدلب و«قوة تنفيذية» من الفصائل لفرض السيطرة، إضافة إلى مؤسسات للخدمات وهيئات شرعية وقضائية ومدارسة ومجالس محلية. لكن «النصرة» التي باتت جزءا من «هيئة تحرير الشام» بقيادة هاشم الشيخ القيادي السابق في «أحرار الشام»، شنت الأسبوع الماضي هجوماً على «أحرار الشام» الحليف في «جيش الفتح». وبحسب مسؤول معارض، استخدمت «النصرة» تكتيكات للسيطرة واكتساح «الأحرار» بما في ذلك طردها من معبر باب الهوى مع تركيا. وأعيد فتح المعبر واستؤنف دخول المساعدات والسلع للمحافظة وهو ما خفف معاناة كثيرين.
وقال راتني: «يجب أن يعلم الجميع أن الجولاني وعصابته هم المسؤولون عن العواقب الوخيمة التي ستحل بإدلب» في إشارة إلى زعيم «جبهة النصرة» أبو محمد الجولاني الذي يقود «هيئة تحرير الشام». وحض راتني فصائل معارضة التي اضطرت إلى العمل مع «النصرة» بدافع من تحقيق منفعة أو الحفاظ على النفس، إن عليها أن تبتعد عن التنظيم «قبل فوات الأوان».
وقال راتني، إن واشنطن لا تزال ملتزمة توصيل المساعدات عبر قنوات تتفادى سقوطها في أيدي المتشددين، مكررا مخاوف عبرت عنها منظمات غير حكومية وهيئات معنية بتقديم المساعدات بعد مكاسبهم في الآونة الأخيرة. وقال: «خطة (النصرة) الاختباء وراء إدارة مدنية مجرد أساليب مراوغة... وهذه الإدارة مجرد واجهة زائفة».
وكانت أنقرة، التي لم تفعل الكثير لوقف تقدم «النصرة» على حساب «الأحرار»، أبدت رغبتها في دعم عملية جديدة في إدلب مشابهة لـ«درع الفرات» عندما قدمت غطاء جوياً لفصائل من «الجيش الحر» لطرد «داعش» من ريف حلب والسيطرة على ألفي كيلومتر مربع. كما أن إيران حضت النظام على التوغل إلى إدلب عبر السيطرة على جسر الشغور بين إدلب واللاذقية. وأبدت «قوات سوريا الديمقراطية» الرغبة للتقدم من عفرين، حيث يقع مركز للجيش الروسي، بدعم من موسكو لطرد «النصرة» من إدلب التي تشكل رابع منطقة لـ«خفض التصعيد» بعد غوطة دمشق وريف حمص وريف درعا التي ثبتت روسيا اتفاق «خفض التصعيد» في آستانة عبر اتفاقيات دولية - إقليمية. وأمام الاحتمالات الثلاثة، النظام وحلفاؤه أو الأتراك والمعارضة أو الأكراد وحلفاؤهم، عبر مسؤول غربي رفيع المستوى عن احتمال أن تشكل إدلب نقطة تقاطع بين الجيشين الأميركي والروسي باعتبار أن إدلب تتحول يوماً بعد يوم إلى «مشكلة دولية، وعلاجها يجب أن يكون دولياً». وقال راتني: «من الصعب إقناع الأطراف الدولية بعدم اتخاذ الإجراءات العسكرية المطلوبة» ضد إدلب.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».