واشنطن تمهد لـ«حرب دولية» في إدلب «أكبر معقل للقاعدة في العالم»

ثلاثة مواقف توضح المقاربة الأميركية للأزمة السورية

TT

واشنطن تمهد لـ«حرب دولية» في إدلب «أكبر معقل للقاعدة في العالم»

أظهرت مواقف ثلاثة من كبار المسؤولين الأميركيين مقاربة واشنطن للوضع السوري القائم على أساس تجميد الصراع بين القوات الحكومية والمعارضة مقابل التركيز على قتال «داعش» و«جبهة النصرة» وتوحيد القوى العسكرية كافة لهزيمة هذين التنظيمين، خصوصاً أن المبعوث الرئاسي الأميركي في التحالف الدولي ضد «داعش» برت ماغورك قال إن بلاده «ملتزمة» قتل جميع المقاتلين الأجانب، بينهم 40 ألفا انضموا إلى «داعش» و«النصرة» في سوريا والعراق، وعدم السماح لهم بالخروج من هذين البلدين.
وكان لافتاً أن ماغورك قال: إن إدلب، وهي المحافظة الخارجة عن سيطرة القوات الحكومية، باتت «أكبر معقل لتنظيم القاعدة في العالم»؛ ما يفتح الباب أمام احتمالات عدة لـ«معالجة هذه المشكلة الدولية» التي لا تثير اهتمام أميركا وروسيا وحسب، بل الصين بسبب وجود آلاف من «إيغور» ضمن «الجيش الإسلامي التركستاني» في ريف إدلب، إضافة إلى تركيا بوابة إدلب إلى العالم.

حل سياسي وخروج إيران
أولاً، الصورة السورية أميركياً، حدد وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون في بيان مكتوب تسلمت «الشرق الأوسط» نسخة منها، مبادئ موقف واشنطن من الأزمة السورية، قائلا: إنها الساحة الوحيدة التي وفرت فرصة للتعاون الأميركي - الروسي. وقال: «استكشفنا (مع موسكو) في الأيام الأولى مجالاً من مجالات الاهتمام المشترك، ألا وهو الإرهاب، واخترنا سوريا مكانا نختبر فيه قدرتنا على العمل معاً. نتشارك في اعتبارنا (داعش) تهديداً لكلا البلدين؛ لذا نحن ملتزمون هزيمة تنظيم داعش والمنظمات الإرهابية الأخرى، ثم استقرار سوريا في أعقاب هزيمة (داعش)». وتابع: «نعمل مع روسيا لنرى كيف نستطيع تحقيق الغاية النهائية، ألا وهي سوريا موحدة وغير مقسمة، لكن سوريا تقدم الفرصة للشعب السوري لوضع دستور جديد وإجراء انتخابات حرة ونزيهة واختيار قيادة جديدة. ولا تزال وجهة نظرنا هي أنه ليس لنظام (الرئيس بشار) الأسد دور في الحكم المستقبلي لسوريا. نحن منفتحون لتسلسل مختلف للأمور ما دام هذا ما سيتحقق في نهاية المطاف».
وأضاف نقطة ثانية، وهي «نفوذ إيران العسكري والوجود المباشر للقوات العسكرية الإيرانية داخل سوريا». وقال: «يجب أن يغادروا ويعودوا إلى ديارهم، سواء كانوا من قوات الحرس الثوري الإيراني أم من الميليشيات مدفوعة الأجر أم مقاتلين أجانب جلبتهم إيران إلى سوريا للمشاركة في هذه المعركة». هاتان، أي هزيمة «الإرهاب» وتقليص نفوذ إيران: «هما الحالتان اللتان نريدهما في نهاية المطاف، ويشاركنا في رأينا بشأنهما العديد من شركائنا في التحالف من مختلف أنحاء العالم... ونعمل مع حلفائنا في المنطقة للرد على جهود إيران التوسعية لزعزعة استقرار المناطق، ولا سيما في اليمن والعراق وسوريا، لكننا نراها أيضاً في أفغانستان».
ووضع تيلرسون ضمن ذلك الاتفاق الأميركي - الروسي - الأردني لـ«خفض التصعيد» جنوب غربي سوريا الذي هو «صامد حتى الآن، والإنجاز من هذا الموضوع هو عدم قتل المدنيين وكان هذا هدفنا، أي وقف الهجمات بالقنابل والهجمات المدفعية الضخمة التي أدت إلى مقتل الكثير من المدنيين».
ثانياً: «داعش» و«النصرة»: قدم ماغورك في جلسة مرئية في «معهد الشرق الأوسط» في واشنطن رؤية تفصيلية عن جهود التحالف الدولي لقتال «داعش» في العراق وسوريا ومدى التأثير الإيجابي لدى تفويض الرئيس دونالد ترمب إلى القادة العسكريين المحليين صلاحية اتخاذ قرارات من دون الرجوع إلى القيادة؛ ما أدى إلى استعجال السيطرة على مدينة الطبقة في ريف الرقة قبل القوات الحكومية و«حزب الله» المدعومين من روسيا وإسقاط قاذفة أميركية طائرة سورية في ريف الرقة قبل أسابيع. وقال: إن سوريا والعراق تضمان 40 ألف مقاتل أجنبي و«سيكونون هناك ونحن ملتزمون تحقيق ذلك». وأشار إلى الدور الذي تلعبه «قوات سوريا الديمقراطية» التي تضم 25 ألف مقاتل عربي ومثلهم من المقاتلين الأكراد، في تحرير الرقة، مشيراً إلى عودة الأهالي إلى مناطقهم لدى تحريرها من «داعش».
كان لافتاً، أن ماغورك سجل أن مناطق سيطرة القوات الحكومة السورية «تضم عشرة ملايين شخص 60 في المائة من السنة. هذا لا يعني أنهم يؤيدون النظام، لكن لم يجدوا سبباً لتركه»؛ الأمر الذي يفهم منه أن «قوات سوريا الديمقراطية» تقدم بديلاً للعرب السنة، بالنسبة إلى واشنطن التي دعمت تشكل مجلس مدني لحكم الرقة بعد تحريرها.

معركتا «وادي الفرات» وإدلب
بالنسبة لماغورك، هناك معركتان قادمتان: الأولى، في وادي الفرات بعد طرد «داعش» من الرقة على أيدي «قوات سوريا الديمقراطية» ومن دير الزور بأيدي قوات الحكومة بدعم روسي، خصوصاً أن واشنطن قبلت الأمر الواقع بتوغل هذه القوات من تدمر إلى دير الزور والالتفاف وراء قاعدة التنف الأميركية قرب العراق للوصول إلى البوكمال وشمال شرقي سوريا. الثانية، في إدلب؛ إذ قال ماغورك إنها «أكبر معقل لتنظيم القاعدة في العالم بعد 11 سبتمبر (أيلول) 2011، حيث ركز تنظيم القاعدة على إدلب التي تضم نائب التنظيم أيمن الظواهري» في إشارة إلى «أبو خيري المصري» الذي قتل بغارة أميركية ضمن سلسلة من الغارات ضربت قياديين في «النصرة» وتنظيمات قريبة من «القاعدة».
وانتقد ماغورك دور تركيا في «ترك السلاح» يصل إلى التنظيم في إدلب و«سنناقش ذلك مع حلفائها الأتراك لضبط الحدود». وإذ ذكر هذا بموقف واشنطن السابق بالضغط على أنقرة لإغلاق الحدود في مناطق سيطرة «داعش» شرق سوريا، فإن الخارجية التركية أعربت عن استيائها من موقف ماغورك.
الثالث: التمهيد لمعركة إدلب: وزع المبعوث الأميركي إلى سوريا السفير مايكل راتني أول من أمس بياناً خصصه للموقف من إدلب؛ إذ اعتبر أن الهجوم الذي شنته «هيئة تحرير الشام» ضد «حركة أحرار الشام» في إدلب «يعرض مستقبل شمال سوريا لخطر كبير، وشهد شمال سوريا واحدة من أكبر مآسيه». وقال راتني: «في حالة هيمنة (جبهة النصرة) على إدلب سيكون من الصعب على الولايات المتحدة إقناع الأطراف الدولية باتخاذ الإجراءات العسكرية اللازمة».
وكان تحالف «جيش الفتح» الذي يضم فصائل إسلامية بينها «النصرة» و«أحرار الشام» ويتعاون مع «الجيش الإسلامي التركستاني» (يضم نحو 2500 من إيغور الصين) سيطر على إدلب في ربيع 2015، قبل التدخل العسكري الروسي المباشر الذي أدى إلى تغيير المعادلة لصالح النظام. وبدأت سلسلة من «المصالحات» و«التسويات» التي أسفرت عن نقل مقاتلين معارضين وأسرهم ونازحين إلى إدلب كان آخرهم نحو ثمانية آلاف من جرود عرسال شرق لبنان، لتضم أكبر منطقة للمعارضة، حيث يعيش أكثر من مليوني شخص.
وشكل «جيش الفتح» مجلساً مدنياً لحكم إدلب و«قوة تنفيذية» من الفصائل لفرض السيطرة، إضافة إلى مؤسسات للخدمات وهيئات شرعية وقضائية ومدارسة ومجالس محلية. لكن «النصرة» التي باتت جزءا من «هيئة تحرير الشام» بقيادة هاشم الشيخ القيادي السابق في «أحرار الشام»، شنت الأسبوع الماضي هجوماً على «أحرار الشام» الحليف في «جيش الفتح». وبحسب مسؤول معارض، استخدمت «النصرة» تكتيكات للسيطرة واكتساح «الأحرار» بما في ذلك طردها من معبر باب الهوى مع تركيا. وأعيد فتح المعبر واستؤنف دخول المساعدات والسلع للمحافظة وهو ما خفف معاناة كثيرين.
وقال راتني: «يجب أن يعلم الجميع أن الجولاني وعصابته هم المسؤولون عن العواقب الوخيمة التي ستحل بإدلب» في إشارة إلى زعيم «جبهة النصرة» أبو محمد الجولاني الذي يقود «هيئة تحرير الشام». وحض راتني فصائل معارضة التي اضطرت إلى العمل مع «النصرة» بدافع من تحقيق منفعة أو الحفاظ على النفس، إن عليها أن تبتعد عن التنظيم «قبل فوات الأوان».
وقال راتني، إن واشنطن لا تزال ملتزمة توصيل المساعدات عبر قنوات تتفادى سقوطها في أيدي المتشددين، مكررا مخاوف عبرت عنها منظمات غير حكومية وهيئات معنية بتقديم المساعدات بعد مكاسبهم في الآونة الأخيرة. وقال: «خطة (النصرة) الاختباء وراء إدارة مدنية مجرد أساليب مراوغة... وهذه الإدارة مجرد واجهة زائفة».
وكانت أنقرة، التي لم تفعل الكثير لوقف تقدم «النصرة» على حساب «الأحرار»، أبدت رغبتها في دعم عملية جديدة في إدلب مشابهة لـ«درع الفرات» عندما قدمت غطاء جوياً لفصائل من «الجيش الحر» لطرد «داعش» من ريف حلب والسيطرة على ألفي كيلومتر مربع. كما أن إيران حضت النظام على التوغل إلى إدلب عبر السيطرة على جسر الشغور بين إدلب واللاذقية. وأبدت «قوات سوريا الديمقراطية» الرغبة للتقدم من عفرين، حيث يقع مركز للجيش الروسي، بدعم من موسكو لطرد «النصرة» من إدلب التي تشكل رابع منطقة لـ«خفض التصعيد» بعد غوطة دمشق وريف حمص وريف درعا التي ثبتت روسيا اتفاق «خفض التصعيد» في آستانة عبر اتفاقيات دولية - إقليمية. وأمام الاحتمالات الثلاثة، النظام وحلفاؤه أو الأتراك والمعارضة أو الأكراد وحلفاؤهم، عبر مسؤول غربي رفيع المستوى عن احتمال أن تشكل إدلب نقطة تقاطع بين الجيشين الأميركي والروسي باعتبار أن إدلب تتحول يوماً بعد يوم إلى «مشكلة دولية، وعلاجها يجب أن يكون دولياً». وقال راتني: «من الصعب إقناع الأطراف الدولية بعدم اتخاذ الإجراءات العسكرية المطلوبة» ضد إدلب.



ما خيارات مصر إزاء الاتفاقية البحرية التركية - الليبية؟

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
TT

ما خيارات مصر إزاء الاتفاقية البحرية التركية - الليبية؟

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)

في ظل إصرار مصري وأوروبي على رفض الاعتراف بـ«مذكرة التفاهم» التركية - الليبية لتحديد مناطق الصلاحية البحرية الموقعة أواخر عام 2019، والتي صادق عليها مجلس النواب الليبي أخيراً، ومع تجدد عرض أنقرة توقيع اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع مصر «يحقق المصالح المشتركة للبلدين»، يبدو أن «دبلوماسية الحوار» ستكون خيار القاهرة الأقرب لمعالجة التباينات بشأن الحدود مع أنقرة، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

وصوّت مجلس النواب الليبي الأسبوع الماضي بالموافقة على اتفاقية «ترسيم الحدود البحرية» مع تركيا، وهو ما رفضته القاهرة في حينه، مؤكدة أن «الاتفاقية باطلة بطلاناً مطلقاً».

وأشار الأمين العام لاتحاد الموانئ البحرية العربية اللواء عصام الدين بدوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «ترسيم الحدود البحرية عادة ما يتم عبر التفاوض القانوني والدبلوماسي»، مرجحاً «عقد اجتماعات خلال الفترة المقبلة تضم لجاناً قانونية تمثل كافة الأطراف بهدف الوصول إلى صيغة تحقق مصالح الجميع وتتوافق مع القانون الدولي».

لقاء سابق بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

من جانبه، أكد اللواء محمد إبراهيم خليل، مدير الكلية البحرية الأسبق، رفض مصر «مذكرة التفاهم» بين تركيا وليبيا، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق التركي - الليبي ينتهك الحقوق الاقتصادية لمصر في المياه الإقليمية، ويشكل حاجزاً يقطع البحر المتوسط، ويمنع أي حقوق مستقبلية لمصر في المياه الاقتصادية وما يتعلق بحقوق استكشاف الغاز والموارد الطبيعية».

وقال إن «مواجهة مثل هذا الاتفاق تتم عبر الجهود الدبلوماسية والرجوع لاتفاقيات التقسيم البحري»، مشيراً إلى أن «الحل سيكون عبر عقد جولات من التفاوض القانوني من أجل الوصول إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف، ويحفظ حقوق مصر السيادية».

وأكد مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور عمرو الشوبكي، أن «قضايا ترسيم الحدود البحرية تخضع لمشاورات مع الدول الجارة والصديقة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر أمام خيارين، من بينهما التفاوض مع تركيا في ضوء العلاقات الطيبة بين البلدين، وعرض أنقرة توقيع اتفاق لترسيم الحدود»، مشيراً إلى أن «الطرح التركي قد يفضي إلى اتفاق جديد يرضي البلدين، ويراعي شواغل اليونان وقبرص».

أما الخيار الثاني، بحسب الشوبكي، فيتعلق بـ«تعديل مذكرة التفاهم الحالية اعتماداً على علاقات القاهرة القوية مع حكومة شرق ليبيا، والتي سبق أن أكّدت تفهمها لمخاوف مصر».

وأثارت «مذكرة التفاهم» التركية - الليبية اعتراضات عدة، لا سيما من جانب اليونان وقبرص والاتحاد الأوروبي. وتعليقاً على الانتقادات قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الاثنين الماضي، إن بلاده «لا تسعى لتحقيق مكاسب سياسية على حساب أي طرف في شرق المتوسط»، وإنها تدعو إلى الحوار مع جميع دول المنطقة، وستحافظ على علاقاتها مع جميع الأطراف الفاعلة في ليبيا.

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أكد خلال لقائه نظيره التركي هاكان فيدان، الجمعة الماضي في إسطنبول، على هامش اجتماعات «الآلية الرباعية»، على «رفض مصر القاطع للتصديق على مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019»، مشدداً على «أهمية احترام مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، فيما يتعلق بتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وفقاً لمبادئ العدل والإنصاف بين الدول»، بحسب إفادة «الخارجية» المصرية آنذاك.

ومن جانبه، أكد الوزير التركي «تفهمه للشواغل المصرية إزاء تطورات الأوضاع في ليبيا، وأهمية مواصلة التشاور والتنسيق والعمل المشترك للتعامل مع هذه الشواغل، ودعم جهود تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا»، بحسب الإفادة.


10 آلاف ضحية للتصعيد في اليمن ... واختناق تعز صحياً

الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
TT

10 آلاف ضحية للتصعيد في اليمن ... واختناق تعز صحياً

الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)

بينما بلغت أعداد ضحايا التصعيد العسكري في اليمن نحو 10 آلاف إنسان، دخل النظام الصحي منعطفاً كارثياً هو الأشد خطورة منذ سنوات، متحولاً من حالة «الهشاشة المزمنة» إلى ما تصنفه الوكالات الدولية اليوم بحالة طوارئ معقدة غير قابلة للاحتواء، في ظل حصار على ثالثة كبرى مدن البلاد.

وأطلقت وزارة الصحة اليمنية تحذيراً من تدهور وشيك في القطاع الصحي بمحافظة تعز، مؤكدةً أن مخزون الأدوية والمستلزمات الطبية والأكسجين وصل إلى مستويات حرجة، بعد نحو 3 أشهر من التصعيد العسكري الحوثي والأعمال العدائية التي تطول المدنيين والبنية التحتية، مع تراجع حاد وغير مسبوق في التمويل الدولي.

وتتعرض مدينة تعز (جنوب غرب) لحصار تفرضه الجماعة الحوثية، مصحوباً بتصعيد عسكري في عدد من المناطق، يتركز أغلبها في المدينة ومناطق محيطة بها أو قريبة منها، وهو ما تسبب في رصد موجة نزوح جديدة شملت أكثر من رُبع مليون شخص في أرياف محافظتي لحج وتعز جراء استمرار القصف في مناطقهم.

وتُظهر أحدث البيانات الميدانية الموثقة من منظمة الصحة العالمية، حجم الكارثة الإنسانية؛ إذ خلّفت موجة التصعيد العسكري الأخيرة حصيلة ثقيلة من الضحايا بلغت 9072 ضحية جرى رصدهم عبر أنظمة الترصد الصحي المتبقية.

وتؤكد التقارير تسجيل 1677 حالة وفاة، كمنعكس مباشر للأعمال العدائية، بالإضافة إلى 7395 جريحاً غصّت بهم مراكز الصدمات والطوارئ، مما وضع ضغطاً هائلاً تفوق طاقته القدرات الجراحية للمنظومة الطبية المتهالكة أساساً.

وتتهم السلطات الصحية في تعز استهداف الجماعة الحوثية، الأربعاء، سيارة إسعاف في أثناء محاولتها نقل مدني مصاب من إحدى القرى التي تعرضت للقصف في منطقة العاوات بمديرية صبر الموادم، جنوب المدينة، خلال قصف مكثف استهدف القرى في المنطقة.

وللمرة الثانية خلال التصعيد العسكري الحالي تستهدف الجماعة سيارات الإسعاف بعد استهداف سابق الأسبوع الماضي أسفر عن مقتل سائق السيارة وفتاة مصابة كان يجري نقلها لتلقي العلاج بعد إصابتها بقصف سابق، وإصابة أحد الممرضين في طاقم الإسعاف بجروح.

كما اتهمت السلطات الصحافية في المحافظة الحوثيين بنهب 15 سيارة إسعاف من مكاتب الصحة والمراكز الصحية في المديريات الريفية.

نداء استغاثة أخير

في مدينة تعز، بلغت الأزمة الإنسانية ذروتها الحادة؛ حيث تواجه 42 منشأة ومرفقاً صحياً في المحافظة شبح التوقف التام والنهائي عن العمل خلال أيام، نتيجة النفاد الوشيك لمخزونات الأدوية، والمستلزمات الطبية المنقذة للحياة، وأسطوانات الأكسجين الطبي، وفقاً لوزارة الصحة اليمنية.

ويهدد هذا التوقف بشكل مباشر خدمات حيوية لا يمكن استبدالها؛ كحضانات الأطفال حديثي الولادة، وغرف العناية المركزة، وجلسات غسيل الكلى المنتظمة لمئات المرضى.

وتتضاعف هذه المعاناة مع استمرار الاستهداف المباشر للمنشآت، والتي كان آخرها إطلاق مسلحي الجماعة الحوثية النار على مستشفى الثورة العام، مما أسفر عن سقوط جرحى بين المرضى والكوادر الطبية.

حضانات الأطفال حديثي الولادة والخدج في مستشفيات مدينة تعز أمام خطر التوقف التام (رويترز)

ويحذّر مسؤولو الصحة العامة من تفشٍّ خطير لوباء الكوليرا الذي بات خارج السيطرة، بعد تضاعف معدلات الإصابة 3 مرات خلال أسابيع قليلة فقط، مدفوعةً بالدمار الكامل الذي لحق بشبكات المياه والصرف الصحي وتدهور خدمات الإصحاح البيئي.

ويتلازم هذا التفشي مع أزمة سوء التغذية الحاد؛ حيث تفتقر أجساد آلاف الأطفال النازحين للمناعة الأساسية اللازمة لمقاومة البكتيريا المنقولة عبر المياه الملوثة، مما يرفع مؤشرات الوفيات بين الأطفال دون سن الخامسة إلى مستويات قياسية.

دعم شحيح

ووسط تصاعد الاحتياجات على الأرض، تواجه العمليات الإغاثية الدولية والمحلية جداراً مسدوداً بسبب ما توصف بـ«أزمة جفاف التمويل الخانقة».

وحددت منظمة الصحة العالمية، أوائل الشهر الجاري، الاحتياجات المالية لإنقاذ العمليات الصحية الأساسية في البلاد بـ31 مليون دولار بشكل عاجل وفوري، إلا أنها لم تتلقَّ من المانحين سوى 2.1 مليون دولار فقط، أي بفجوة تمويلية مرعبة تصل إلى 93 في المائة.

القصف الحوثي يتواصل على المساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)

وتُرجم هذا العجز التمويلي على الفور إلى كارثة ملموسة؛ حيث أُغلقت 15 منشأة صحية حيوية بشكل نهائي، وتم تسريح عشرات الفرق الطبية المتنقلة التي كانت تمثل شريان الحياة الوحيد للمجتمعات النائية ومخيمات النازحين في محافظات مواجهة ساخنة مثل مأرب.

وتُجمع الأوساط الإنسانية الدولية والمحلية على أن الوقت قد نفد بالفعل؛ وما لم يتدخل المجتمع الدولي فوراً للضغط نحو وقف الأعمال العدائية، وفتح ممرات إنسانية آمنة لفك الحصار الإمدادي عن تعز، وضخ سيولة مالية إسعافية عاجلة، فإن اليمن يتجه نحو أكبر انهيار طبي في تاريخه الحديث.


«محطات عائمة»... مصر مهتمة بامتلاك مفاعلات نووية روسية جديدة

أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
TT

«محطات عائمة»... مصر مهتمة بامتلاك مفاعلات نووية روسية جديدة

أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)

أبدت مصر اهتماماً بامتلاك محطات نووية جديدة تزامناً مع استمرار العمل في بناء محطة «الضبعة النووية» التي تنفذها بالتعاون مع روسيا، في ظل رغبتها بتنويع مصادر الطاقة بما يلبي احتياجاتها من الكهرباء.

وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال محادثاته مع نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، مساء الأربعاء، إن مصر تتطلع لزيادة التنسيق بين البلدين في ما يتعلق بالوحدات الإضافية التي يمكن تركيبها في موقع «محطة الضبعة» للطاقة النووية بعد عام 2030، فضلاً عن إمكانيات التعاون في مجال «المفاعلات النووية العائمة» وتحلية مياه البحر والطباعة ثلاثية الأبعاد ودعم الصناعات المتخصصة.

وحظي التعاون بين مصر وروسيا في مجال الطاقة النووية بنقاشات واسعة على هامش زيارة الرئيس المصري إلى موسكو للمشاركة في القمة «الروسية - الأفريقية» الثالثة، والتقى، الخميس، المدير العام لـ«الوكالة الحكومية الروسية للطاقة النووية» (روساتوم) أليكسي ليخاتشوف، وشدد على أهمية مشروع «محطة الضبعة» للطاقة النووية، الذي يأتي في إطار حرص مصر على زيادة إنتاج الطاقة المتجددة لرفع مساهمتها في إجمالي مزيج الطاقة.

السيسي خلال لقائه المدير العام لشركة «روساتوم» (الرئاسة المصرية)

وتعد محطات الطاقة النووية العائمة، مفاعلات نووية مدمجة الحجم، تُثبَّت على سفن أو منصات بحرية مصممة خصيصاً لهذا الغرض، وتستخدم في توليد الكهرباء، وإنتاج المياه المحلاة، وتتمتع بمعدلات أخطار محدودة داخل المياه الإقليمية، بحسب أستاذ هندسة البترول والطاقة في «الجامعة الأميركية» بالقاهرة، الدكتور جمال القليوبي، الذي أضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاتجاه لمزيد من محطات الطاقة النووية «يرجع إلى توجه القيادة السياسية للدولة للبحث عن مزيد من مزيج الطاقة إلى جانب الوقود الأحفوري والطاقة المتجددة وطاقة الهيدروجين، ومشروعات محاكاة السدود عبر مشروع (جبل الطور) و(جبل عتاقة) في جنوب سيناء، لتوليد الطاقة الكهرومائية في مصر».

ويضم «مفاعل الضبعة النووي» أربع وحدات نووية من طراز VVER - 1200، بقدرة 1.200 ميغاواط لكل وحدة، وبإجمالي قدرة مركبة تبلغ 4800 ميغاواط، بما يسهم في دعم مزيج الطاقة المصري وتعزيز أمن واستدامة إمدادات الكهرباء. وبحسب القليوبي، فإن مصر اتفقت مع روسيا على زيادة وحدة خامسة ليصل مقدار الطاقة الكهربائية المولدة إلى 6000 ميغاوات.

وأعلن رئيس «روساتوم» ليخاتشوف، أن مصر قدمت مقترحات بشأن عدة مواقع محتملة لإقامة محطات نووية عائمة على أراضيها، مشيراً في تصريحات لصحيفة «إزفيستيا» الروسية، إلى أن المباحثات «لم تصل بعد إلى مرحلة تقديم عروض تجارية نهائية»، لكنه أعرب عن أمله «في أن تسهم لقاءاته مع المسؤولين المصريين، في دفع هذه المشروعات قُدماً».

محادثات مصرية- روسية تستهدف توسيع التعاون في مجال الطاقة النووية (مجلس الوزراء المصري)

ويؤكد القليوبي أن «روسيا شريك قديم - حديث لمصر في مجالات الطاقة النووية، وأن أول مفاعل مصري في إنشاص، كان بخبرات روسية، كما أن موسكو على المستوى السياسي قدمت دعماً للقاهرة في كثير من الأزمات التي مرت بها، خاصة في ثورة 30 يونيو (حزيران)، إلى جانب التعاون الغذائي المتزايد، عبر صفقات القمح والغاز المسال والتكنولوجيا العسكرية لدعم الجيش المصري».

وقال الخبير في الشأن الروسي، نبيل رشوان، «إن التعاون بين مصر وروسيا في المجال النووي يمضي بشكل مستقر، ولا يوجد ما يعرقل العمل في محطة الضبعة النووية أو في مشروعات نووية جديدة رغم الأحاديث عن وجود معوقات نتيجة العقوبات على موسكو»، مشيراً إلى أن مصر «اختارت روسيا رغم وجود عروض من دول مثل كوريا الجنوبية وكندا وفرنسا، اعتماداً على سداد القروض التي تحصل عليها من روسيا لبناء المحطة النووية من خلال عوائد بيع الطاقة الكهربائية».

وكان الرئيس السيسي قد شدد خلال لقائه مع نظيره الروسي على ضرورة «انتظام التدفقات المالية المخصصة للمشروع دون تأخير»، مع التشديد على «عدم اعتماد أي تعديلات جديدة على الجدول الزمني، إلا بعد تقديم المبررات الفنية والتعاقدية المؤيدة لها والموافقة عليها».

وأوضح رشوان في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن العقوبات التي تعرضت لها روسيا «لم تؤثر حتى الآن على معدلات إنجاز المشروع، وأن توقعات تهدئة الحرب بين روسيا وأوكرانيا، أو الذهاب باتجاه إنهاء الصراع، من الممكن أن تصب في صالح إنهاء المشروع في توقتيه، وهو ما تعول عليه القاهرة، خاصة بعد أن أبدت رغبتها في مزيد من التعاون في الطاقة النووية مع روسيا».

جانب من أعمال محطة «الضبعة النووية» في مصر (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

وتمضي مصر وروسيا نحو استكمال المشروع، حيث من المتوقع أن يبدأ تشغيل مرحلته الأولى في منتصف عام 2028، حسب ما أعلن عنه وزير الكهرباء المصري محمود عصمت في وقت سابق.

وبحث لقاء عقده وزير الكهرباء المصري محمود عصمت مع المدير العام لـ«روساتوم»، سبل «دعم وتعزيز الشراكة والتعاون في مجالات الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية والمفاعلات الصغيرة والمفاعلات العائمة لتوليد الكهرباء، وكذلك المفاعلات البحثية، وتعظيم العوائد من البنية التحتية في منطقة الضبعة، وإقامة مشروع متكامل لتحلية مياه البحر بالتعاون مع شركة البنية التحتية التابعة لمؤسسة (روساتوم)»، بحسب بيان صادر عن وزارة الكهرباء المصرية، الخميس.