«إضاءات على مسيرة كارتييه»... معرض يطير بنا من الماضي إلى الحاضر

ولادة أول ساعة معصم في عام 1904 تعكس حقبة شهدت عدة تغيرات اجتماعية وفنية واختراعات تكنولوجية

ساعة المعصم «سانتوس» بنظام حركة ذاتي اللف... صُنع هذا النموذج عام 1978 من الذهب والفولاذ مع حجر شباينل أحادي الوجه باللون الأزرق... من «فينسنت وولفيريك»... تشكيلة «كارتييه»© «كارتييه»- ألبرتو سانتوس دومونت في منزله الباريسي يتناول الطعام مع أصدقائه على كراسٍ مرتفعة بهدف اختبار شعور «الارتفاع عن الأرض»... نحو عام 1900...من أرشيف «كارتييه»© «كارتييه» - ألبرتو سانتوس دومونت  على متن طائرته رقم «15» عام 1907... من أرشيف «كارتييه» © «كارتييه»
ساعة المعصم «سانتوس» بنظام حركة ذاتي اللف... صُنع هذا النموذج عام 1978 من الذهب والفولاذ مع حجر شباينل أحادي الوجه باللون الأزرق... من «فينسنت وولفيريك»... تشكيلة «كارتييه»© «كارتييه»- ألبرتو سانتوس دومونت في منزله الباريسي يتناول الطعام مع أصدقائه على كراسٍ مرتفعة بهدف اختبار شعور «الارتفاع عن الأرض»... نحو عام 1900...من أرشيف «كارتييه»© «كارتييه» - ألبرتو سانتوس دومونت على متن طائرته رقم «15» عام 1907... من أرشيف «كارتييه» © «كارتييه»
TT

«إضاءات على مسيرة كارتييه»... معرض يطير بنا من الماضي إلى الحاضر

ساعة المعصم «سانتوس» بنظام حركة ذاتي اللف... صُنع هذا النموذج عام 1978 من الذهب والفولاذ مع حجر شباينل أحادي الوجه باللون الأزرق... من «فينسنت وولفيريك»... تشكيلة «كارتييه»© «كارتييه»- ألبرتو سانتوس دومونت في منزله الباريسي يتناول الطعام مع أصدقائه على كراسٍ مرتفعة بهدف اختبار شعور «الارتفاع عن الأرض»... نحو عام 1900...من أرشيف «كارتييه»© «كارتييه» - ألبرتو سانتوس دومونت  على متن طائرته رقم «15» عام 1907... من أرشيف «كارتييه» © «كارتييه»
ساعة المعصم «سانتوس» بنظام حركة ذاتي اللف... صُنع هذا النموذج عام 1978 من الذهب والفولاذ مع حجر شباينل أحادي الوجه باللون الأزرق... من «فينسنت وولفيريك»... تشكيلة «كارتييه»© «كارتييه»- ألبرتو سانتوس دومونت في منزله الباريسي يتناول الطعام مع أصدقائه على كراسٍ مرتفعة بهدف اختبار شعور «الارتفاع عن الأرض»... نحو عام 1900...من أرشيف «كارتييه»© «كارتييه» - ألبرتو سانتوس دومونت على متن طائرته رقم «15» عام 1907... من أرشيف «كارتييه» © «كارتييه»

إنه معرض يطير بك إلى السماء... إنه يأخذك من عام 1904 إلى الحاضر في رحلة مثيرة تذكرنا أنه لولا الاختراع والبحث الدائم عن الجديد لما تطورت الحياة. والحقيقة أنه عندما أعلنت دار «كارتييه» عن معرضها الجديد في «متحف التصميم»، The Design Museum، بلندن، لم يتوقع أحد ما ستقدمه فيه. كل التفاصيل التي توفرت أن بطلته هي ساعة «سانتوس» التي غيرت صناعة الساعات إلى الأبد. كان ذلك في عام 1904 عندما طلب الطيار البرازيلي ألبرتو سانتوس ديمون من السيد لويس كارتييه أن يصمم له ساعة يضعها على معصمه حتى يسهل عليه قراءة الوقت وهو يقود طائرته. كان له ما أراد، وهكذا ولدت أول ساعة تزين المعصم كان الغرض الأساسي منها وظيفياً، قبل أن تتحول إلى رمز للترف والفخامة.
«إضاءات على مسيرة (كارتييه)» هو عنوان المعرض. أشرف عليه المعماري نورمان فوستر بالتعاون مع ديان سودييتش، مدير المتحف. وفي حين يسرد نورمان فوستر قصة المعرض كونه القيم عليه، فإن الفيلسوف ألان دو بوتون يناقش فيه القوة الرمزية للأشياء، بينما يعاين نيكولاس فولكس الحضور اليومي لـ«كارتييه»، وتستكشف الممثلة روزي دو بالما شاعرية تصاميم الدار الفرنسية، وتعرّف كارول كاسابي (مديرة قسم إنتاج منظومات الحركة لدى «كارتييه») القرّاء على أهم الإنجازات والابتكارات في صناعة الساعات.
من جهة أخرى، يستعرض المؤرخ جان بيير بلاي بعض التغييرات التي شهدها مطلع القرن العشرين، فيما يتحدث بوب كولاكيلو (المؤلّف والصديق المقرّب لآندي وورهول) عن حفلة «ليلة سانتوس» في نيويورك.
على خلاف كثير من المعارض المماثلة، فإن معرض «إضاءات على مسيرة (كارتييه)» مركز من ناحية المساحة التي خُصصت له ومن ناحية المعلومات البصرية والسمعية والمكتوبة فيه، وهو ما كان في صالحه. فهو لم يُصب بالتعب أو الملل على الإطلاق؛ بل العكس تماما تخرج وكل حواسك قد تزودت بمعلومات كانت غائبة عنك وتتطلع للمزيد.
المعرض كان بطلب من متحف التصميم في لندن. فعندما حصل على ساعتي المعصم «تانك» و«سانتوس» من «كارتييه» على أساس أن يُضيفهما إلى تشكيلته الدائمة (المصمم، الصانع، المستخدم) المعروضة ضمن مبناه الجديد في شارع «كينسيغتون هاي ستريت»، راودته الفكرة. كان تصميم الساعتين مثيرا وشجع على فتح حوار بين مدير المتحف ديان سودييتش و«كارتييه» كانت نتيجته الاتفاق على تنظيم معرض يكون نورمان فوستر قيّماً عليه. لم يتردد هذا الأخير في القبول. كان يكفي أن يسمع بأن ساعة «سانتوس» المستوحاة من عالم الطائرات والتحليق الذي يعشقه، ستكون نجمته ليتحمس له. بعد عدّة لقاءات في باريس وجنيف ولندن وميلانو وطبعا لوشو - دو - فون، حيث توجد معامل «كارتييه» في سويسرا، تبلورت الفكرة. كان مهما أن يحكي نورمان فوستر تطور صناعة الساعات وولادة أول ساعة معصم. وطبعا لم يكن هذا ممكنا من دون تسليط الضوء على التغيرات الاجتماعية والثقافية الكبيرة التي شهدها مطلع القرن العشرين على جميع الأصعدة؛ من الفن والتصميم المعماري، إلى السفر وطريقة التعامل مع الوقت. 170 قطعة معروضة كانت كافية لإعطاء درس مفيد؛ بعضها يعود إلى دار «كارتييه»، وبعضها استعاره المتحف من القصر الأميري في موناكو، ومن متحف الطيران والفضاء في مطار «لو بورجيه»، و«مركز روكفلر».
وتم التركيز في المعرض على 6 موضوعات أساسية؛ أولها التطورات التي شهدتها باريس وتأثيرها على تصاميم «كارتييه»، تليها صلات لويس كارتييه مع ألبرتو سانتوس - دومونت وغيره من روّاد تلك المرحلة، وثالثا ولادة مفهوم ساعة المعصم الحديثة، فضلا عن الإكسسوارات اليومية التي ظهرت خلال فترة ما بين الحربين. الموضوع الخامس ركز على تطور تصاميم ساعات المعصم من «كارتييه»، بينما السادس على البراعة الحرفية للدار باستعراضها أنظمة حركة الساعات المكشوفة (skeleton movements).
وبالنتيجة لم يكن المعرض مجرد قراءة في تاريخ «كارتييه» وحرفيتها ولا دورها في تطوير ساعات اليد فحسب؛ بل قراءة في التاريخ المعاصر عموما، وباريس خصوصا.
فعندما تسلم لويس فرنسوا كارتييه إدارة مشغل معلّمه أدولف بيكار الواقع في المبنى رقم 29 من شارع مونتورغوي، كانت باريس التي نعرفها اليوم مجرّد صورة تُدغدغ خيال المهندس المعماري جورج هاوسمان، الذي كلفه الإمبراطور نابليون الثالث بمهمة «تهوية، وتوحيد، وتجميل» العاصمة. ترجمة هاوسمان لهذا الطلب تجسدت في وضعه تصميما يتمحور حول التناظر والمنطق والدقّة. بمعنى أن تكون الساحات والحدائق الجديدة للمدينة مترابطة بشبكة من الجادات المتقاطعة. غني عن القول إن تشييد برج «إيفل» في تلك الفترة تقريبا كان حدثاً قائماً بحد ذاته، رغم أنه صُمم بشكل مؤقت لاستضافة معرض «إكسبو» العالمي بباريس في عام 1889. لكنه تحول إلى معلم ورمز لعاصمة النور. في العام نفسه، أي 1899، افتتح كارتييه مشغلاً له في شارع «رو دو لا باي»، قلب باريس النابض كما تصوره وصممه هاوسمان. لهذا كان من الطبيعي أن تُشكل الهندسة المعمارية الجديدة إلى جانب «الفن الجديد» أو «نوفو آرت» مصدر إلهام لـ«كارتييه»، وهو ما تجلى في تصاميم كثير من ساعاتها المعروضة.
جانب آخر من المعرض يسلط الضوء على علاقة الأخوين كارتييه (لويس وبيير) بعملائهما من الشخصيات البارزة، وكيف أثرت هذه العلاقات على عملهما؛ فقد كانا يتسمان بروح رياضية وفضول لا محدود لكل جديد. كانا مثل والدهما ناشطين في جمعية «الدائرة الفنية والأدبية»، وراعيين لجمعية «دائرة الاتحاد الفنّي»، وأعضاء في «نادي الطيران الفرنسي»، حيث كانا يلتقيان بعقول فذة في مجالات العلوم والصناعة والرياضة. كانا يتابعان بشغف التطورات التقنية التي مهدّت الطريق لابتكارات المستقبل، والأهم من هذا؛ لم يكونا مجرد متلقيين، بل كانا باحثين مجتهدين.
كان لويس يهتم بشكل خاص بأعمال باحثي نادي الطيران الذين كانوا يقيسون وقت التحليق، ويسجلون الأرقام القياسية، ويحددون عدد المرات التي يُسمح فيها بتشغيل المحركات، وكميات الوقود، وما إلى ذلك من الإجراءات. وفي هذه الأجواء، التقى لويس كارتييه بألبرتو سانتوس دومونت (1873 - 1932). هذا الأخير كان من أهم الشخصيات في عالم الطيران حينها، وشكّل مصدر إلهام كارتييه في ابتكار أولى ساعاته الرجالية المصممة للارتداء على المعصم. كان اختراعا ثوريا بكل المقاييس في زمن كانت فيه ساعات الجيب هي السائدة. وتجدر الإشارة إلى أن موديلات من هذه الساعة أُنتجت خصيصاً من أجل المعرض، بالرجوع إلى وثائق أرشيف «كارتييه»، بما في ذلك تصاميم خاصة بالطائرات والسيارات وقوارب بخارية، يحمل بعضها توقيع لويس كارتييه بنفسه.
ورغم أن الساعة صُممت لألبرتو سانتوس دومونت، في عام 1904، فإن تداولها تجاريا لم يتم حتّى عام 1911، لتُصبح أداة لا غنى عنها لعشّاق الطيران. ولا تزال لحد الآن معشوقة من قبل الرجل العصري الذي تفرض عليه هواياته أو أعماله السفر والترحال. ولحد الآن أيضا لا يزال التصميم يفتح حوارا إبداعيا في عالم الساعات يجمع التقني والعملي بالأنيق والعصري. في بداية القرن الماضي، لم تكتف «كارتييه» بهذا النجاح، فقد أتبعته، حسب ما يُشير إليه المعرض، بكثير من ساعات المعصم الناجحة، مثل «تونو» (1906)، و«تورتي» (1912)، و«تانك» (1917). وكانت كلها تحمل آنذاك قيمة شخصية وعاطفية خاصة. الغطاء الذهبي لساعة «سانتوس دومونت» التي صدرت في عام 1912، مثلا، جاء مزيّناً بتواقيع محفورة لنحو 30 شخصية مؤثرة في عالم الطيران. كان ألبرتو سانتوس دومونت واحدا منهم، إلى جانب رولاند جارو.
ساعة أخرى جاءت مزيّنة بخريطة تصوّر المسار الذي اتبعه الطيار ديودونيه كوست في رحلته الجوية عبر الأطلسي عام 1927؛ إذ قدمت الدار له هذه الساعة هدية تكريماً لإنجازه.
في هذه الفترة، يقول المعرض إن ساعات المعصم أصبحت منافسا قويا للأقلام، وعلب السيجار، والساعات المكتبية، وسكاكين قص الأوراق، وغيرها من الإكسسوارات التي كان يُقبل عليها الرجل الأرستقراطي آنذاك. فهذه الأدوات كانت تقوم بدورها الأساسي، إضافة إلى قراءة الوقت، لأن «كارتييه» وفرت فيها ساعات صغيرة، وهو ما يؤكد مهارات حرفيي الدار منذ أكثر من قرن من الزمن إلى اليوم. فهم لم يتوقفوا مطلقا عن البحث والاستكشاف.
في ستينات القرن الماضي، تم تطوير ساعات مثل «سانتوس» و«تانك» و«أوفال» (1958)، و«كراش» (1967)، و«ماكسي أوفال» (1969)، و«بانتير دو كارتييه» (1983)، و«باشا» (1985)، و«بالون بلو دو كارتييه» (2007)، و«درايف دو كارتييه» (2015)... وغيرها.
في عام 1969، واحتفاء بعلوم الفضاء الخارجي، أطلقت الدار 3 نسخ ذهبية طبق الأصل عن المركبة القمرية التابعة لوكالة الفضاء الأميركية «ناسا». ومع تسارع وتيرة التطورات في السبعينات وبدء عصر المحركات النفّاثة مع طائرة «كونكورد» عام 1976، أطلقت عام 1978 نسخة محدّثة من ساعة المعصم «سانتوس» صنعتها من خليط من الذهب والفولاذ. وفي العام التالي احتفلت بالذكرى الـ75 لإطلاق خط «سانتوس» في نيويورك، بمعرض كان حديث الساعة حضره الأديب الشهير ترومان كابوتي، والراقص رودولف نورييف، ونجمة هوليوود بوليت جودارد... وآخرون. وسرعان ما أصبحت ساعات «كارتييه» مصدر فخر للنجوم على ضفتي الأطلسي، بدءاً من آندي وورهول، إلى شون كونري، وكاثرين دونوف، وإنغريد بيرغمان، وعمر الشريف، والمصمم إيف سان لوران، ومادونا، وأخيرا؛ وليس آخرا، كيت ميدلتون.
* لمحة عن متحف التصميم
يعد متحف التصميم في لندن أبرز متحف مكرّس للعمارة والتصميم في العالم؛ فهو يغطي جميع عناصر ومجالات التصميم؛ من الأزياء، إلى فن الغرافيك، بدليل أنه احتضن منذ افتتاحه عام 1989 معارض متنوعة؛ منها عن بنادق «كلاشنيكوف»، وأخرى عن أحذية «لوبوتان» ذات النعل الأحمر والكعوب العالية.  لحد الآن شهد أعمال أكثر من مائة مصمم ومعماري من أمثال بول سميث، وزها حديد، وجوناثان آيف، وميوتشيا برادا، وفرنك جيري، وآيلين جري، وديتير رامس.



كيف تنسّقين تنورة «الميدي» لإطلالة أنيقة؟

بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
TT

كيف تنسّقين تنورة «الميدي» لإطلالة أنيقة؟

بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)

هناك تصميمات تنتشر انتشار النار في الهشيم، في وقت معيَّن، بعضها يبقى مع المرأة طول العُمر، دون أن يُؤثِر الزمن على جماله، وبعضها الآخر تُقبِل عليه، وبعد سنوات عندما تتطلع إلى صورها فيه تنتابها نوبة من الضحك، أو الخجل كيف كانت تلك الثقة ممكنة. من بين هذه التصميمات تبرز التنورة «الميدي» الصامدة منذ منتصف القرن الماضي إلى اليوم، أبدعها الراحل كريستيان ديور في الخمسينات من القرن الماضي متميِزة باستدارتها الفخمة وأنوثتها الرومانسية، ثم قدَّمها أوسي كلارك في السبعينات من القرن نفسه، مُفعمة بروح شبابية تتراقص على العملية والتمرُّد. الاثنان أيقونتان لا غبار عليهما.

لكن من هذين التصميمين، وُلدت تنورة هجينة، تنسدل من الخصر وتتسع قليلاً، مع طيات قليلة، قد يكون المراد منها إضفاء العملية عليها، إلا أنها لا تخدم كل مقاسات ومقاييس الجسم، إذ يمكنها أن تجعل حتى المرأة الأكثر رشاقة وشباباً تبدو أكبر سناً، أو على الأصح «دقّة قديمة». هذا التصميم خاصة ليس سهلاً ويحتاج إلى كثير من الذوق والتفكير لكي ترتقي به إلى مظهر أنيق.

أميرة وايلز مع ميلانيا ترمب وتنورة من تصميم «رالف لورين» (رويترز)

أحد الأمثلة لهذه التنورة تلك التي ظهرت بها أميرة وايلز، كاثرين ميدلتون، خلال مرافقتها ميلانيا ترمب، زوجة الرئيس الأميركي دونالد، في زيارتهما الرسمية لبريطانيا، العام الماضي. كانت من التويد بلون بُني مع خصر مزوّد بأزرار عند الحزام، مع طيات ناعمة تنسدل من الأمام. ورغم أن هذه الإطلالة لا تُعدّ من أفضل ما ظهرت به حتى الآن، فإن تنسيق الألوان المدروس ولفتتها الدبلوماسية جنّباها أي انتقادات. فالبوت البُني والسترة ذات اللون الأخضر الزيتوني، وكذلك الإيشارب الحريري، أضفت عليها طابعاً ريفياً إنجليزياً متناغماً مع المناسبة الرسمية. أما اللمسة الدبلوماسية، والتي تمثلت في أن التنورة من تصميم دار «رالف لورين» الأميركية، فأسهمت في تقبُّلها.

يُعد هذا الطول حالياً ماركة مسجلة لأميرات أوروبا وأميرة وايلز لأناقته الراقية وكلاسيكيته المعاصرة (رويترز)

باستثناء هذه الإطلالة، لا يمكن اتهام أميرة وايلز بأنها لا تعرف التعامل مع التنورة، «الميدي» تحديداً. بالعكس تماماً، أثبتت أنها ورقتها الرابحة منذ عام 2010. تلعب عليها دائماً بأسلوب يعكس دورها كزوجة ولي العهد البريطاني، وفي الوقت نفسه يُبرز قوامها الرشيق، فقد تعلّمت أن هذا الطول، مستقيماً كان أم مستديراً، منسدلاً ببساطة أم ببليسيهات، يتمتع بحشمة معاصرة، لا تحميها فحسب من انتقادات «شرطة الموضة» المتحفزين، بل أيضاً من أي مطبات هوائية مِن شأنها أن تطير بالتنورة فتفضح المستور. ففي بداياتها، تعرضت لمواقف حرجة بسبب تنورات قصيرة بأقمشة خفيفة.

طول التنورة... ترمومتر اقتصادي

بعيداً عن سيدات المجتمع والنجمات، ما تؤكده الموضة أن التنورة عموماً ليست مجرد قطعة أزياء ترتفع وتنخفض على مستوى الركبة وفق المزاج، بل هي مرآة للمجتمع و«ترمومتر» للتذبذبات الاقتصادية. هذا ما وضّحه الاقتصادي جورج تايلور منذ قرن تماماً عندما وضع، في عام 1926، نظرية تُعرف بـ«مؤشر طول التنورة»، ربط فيها طول الفساتين بالأداء الاقتصادي العالمي: عندما ينتعش ترتفع بجُرأة إلى أعلى الركبة، وعندما يصاب بالركود والانكماش تنخفض لتغطي نصف الساق.

تنورة لمصمم «ديور» جوناثان أندرسون استوحاها من التنورة المستديرة التي تشتهر بها الدار (ديور)

التنورة القصيرة «الميني، مثلاً ظهرت في العشرينات وانتشرت أكثر في الستينات من القرن الماضي، وهما حقبتان شهدتا طفرة اقتصادية. في الأربعينات، أدت الحرب العالمية الثانية إلى تطويلها لتغطي الركبة حتى تكتسب عملية كانت المرأة تحتاج إليها بعد دخولها مجالات عمل ذكورية. ربما تكون نهاية الحرب العالمية الثانية حقبة استثنائية كسَر فيها كريستيان ديور قواعد اللعب عندما قرر أن ينتقم للمرأة ويعيد لها أنوثتها، من خلال تنورات مستديرة بخصور ضيقة وأمتار سخية من الأقمشة المترفة. أصبحت هذه التنورة معياراً للأناقة الراقية، لكنها بقيت محصورة بالمناسبات المهمة. في أواخر الستينات، أخرجها المصمم أوسي كلارك من هذه الخانة بتقديمه نسخة مرنة وعصرية مناسبة للحياة اليومية.

الموضة المعاصرة

بيوت أزياء مهمة مثل «شانيل» وغيرها طرحتها بخامات مختلفة ما جعلها أكثر جاذبية (لاكوست، شانيل، رالف لورين)

في عروض الأزياء لخريف وشتاء 2025، تصدَّر التصميم المستقيم المشهد، ونجح تجارياً، مما شجَّع على التوسع لأشكالٍ أكثر جرأة من باب التنويع. وربّما هذا ما أسهم في ظهور التنورة الهجينة في عروض كل من «شانيل» و«ديور» و«أكني استوديو» و«بوتيغا فينيتا» و«عز الدين علايا»، أسماء أكسبتها مصداقية، وفتحت عيون المحلات الشعبية مثل «مانغو» و«زارا» و«إتش أند إم» عليها، التي التقطت إشاراتها وطرحت فساتين ومعاطف وتنورات بطول «الميدي»، تخاطب شرائح واسعة بأسعار معقولة. لم تكتفِ بتصميماتها، واستعانت بمؤثرات السوشيال ميديا للترويج لها باستعراض طرق مُثيرة لتنسيقها مع باقي القطع والاكسسوارات، على صفحاتهن.

كيف تختارينها؟

أصبحت متوفرة بشتى الألوان والأشكال لهذا الصيف (موقع زارا)

ورغم أن الألوان الكلاسيكية والأحادية مضمونة أكثر، فلا تترددي في تجربة ألوان زاهية بنقشات صارخة على شرط تنسيقها مع قطعة علوية بلون أحادي؛ حتى لا يحصل أي تضارب بينهما. ويفضل أيضاً أن تكون القطعة العلوية محددة لإبراز نحول الخصر والتنورة. في الصيف ومع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن الاستعاضة عن القميص ببلوزة قصيرة عند الخصر أو فوقه بقليل.

اختيار الخامات لا يقل أهمية عن التصميم نفسه. فالأقمشة الخفيفة مثل الحرير أو الموسلين تمنحها انسيابية وتضفي نعومة على صاحبتها، بينما تضيف الأقمشة الثقيلة مثل التويد طابعاً أكثر رسمية.

كما يلعب الحذاء دوراً حاسماً في إنجاح هذه الإطلالة أو العكس. فبينما يمنحها الكعب العالي أناقة أنثوية، والحذاء الرياضي أو الصندل دون كعب شبابية، يُفضل تجنب الحذاء الرياضي السميك، ولا سيما إذا كُنت ناعمة.

التوازن ثم التوازن

بعد ظهورها على منصات عروض الأزياء التقطت محلات شعبية إشاراتها وطرحتها بألوان وأشكال متنوعة (موقع زارا)

في النهاية، ورغم أهمية التصميم والخامة والألوان والاكسسوارات، يبقى العامل الأهم في منح هذه القطعة جاذبيتها وأناقتها، هو أنت، وذلك بأن تأخذي في الحسبان النسبة والتناسب. فبعض النساء يفضّلنها أطول ببعض السنتيمترات عن نصف الساق أو أقصر بقليل، وهذا يعتمد على طول وحجم الجسم. فسنتيمترات قليلة جداً، زائدة كانت أم ناقصة، يمكن أن تُغير الإطلالة تماماً: ترتقي بها أو تُفسدها.


حقائب اليد هذا الموسم... تصاميم تجمع بين الإبداع والهوية

تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
TT

حقائب اليد هذا الموسم... تصاميم تجمع بين الإبداع والهوية

تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)

عندما أعلنت دار «مالبوري» مؤخراً تعيين الاسكوتلندي كريستوفر كاين، مديراً إبداعياً لها، ركَزت في بيانها وتصريحات مسؤوليها على دوره في إعادة إحياء خط الأزياء الجاهزة المتوقف منذ عام 2017. غير أن ما يُدركه المتابعون والعارفون لخبايا صناعة الموضة، أن التحدي الحقيقي الذي سيواجهه المصمم، لا يكمن فقط في إبداعه أزياء مفعمة بالأناقة والجمال، بل في ابتكار حقيبة يد قادرة على تحقيق النجاح التجاري. فهذا الإكسسوار هو الترمومتر الذي يرفع من أسهم أي مصمم في السوق أو يؤثر على سمعته بالقدر نفسه. وهو أيضاً الورقة التي تراهن عليها بيوت الأزياء لزيادة الأرباح.

حقيبة «مانتا» بتصميم هندسي مستوحى من شكل سمكة المانتا تحصل على أول حملة مصورة في مشهد مائي مثير (ماكوين)

ولعل ما نشهده اليوم من سباق محموم بين بيوت الأزياء لإعادة طرح تصاميم مستلهمة من أرشيفها، يؤكد هذه الحقيقة، وكأنها بها تحاول استعادة «سحر» نجاحات سابقة، يعينها على مواجهة التراجع الذي تعيشه. فالأزمات الاقتصادية المتتالية زادت حجم الضغوط، كما جعلت المستهلك أكثر انتقائية وتطلباً، ولم تعد الخامات المترفة وحدها تكفيه، ولا التصاميم الموسمية قادرة على إقناعه.

عناصر أخرى أصبحت ضرورية، مثل كيفية تقديم هذه الحقائب للسوق، سواء من خلال التصوير والترويج والقصص السردية. دار «ماكوين» مثلاً، كشفت مؤخراً عن حقيبتها «مانتا» مُطلقة، ولأول مرة، حملة مصورة مُخصَّصة لها. صوَّرتها عدسة البريطاني تيم ووكر، في مشهد مائي حالم يستلهم قوة الطبيعة وجمالها. وتجدر الإشارة إلى أن التصميم نفسه ليس جديداً بالكامل، فهو استعادة لتصميم «دي مانتا» الذي قُدِّم ضمن مجموعة أزياء ربيع وصيف 2010 أطلقت عليها الدار تحت عنوان «Plato’s Atlantis».

«أختين» والتفصيل الخاص

هذا التحول والاهتمام بأدق التفاصيل يتجلّى بوضوح في كيفية تقديم معظم حقائب هذا الموسم. انتبه الكل إلى أنها لم تعد مجرد إكسسوار مكمل للإطلالة بقدر ما أصبحت قطعاً تُعبِّر عن شخصية صاحبتها وذوقها الخاص، وبالتالي يُفضَّل أن تحمل في طيَّاتها قصة عندما تُروى، تزيد جاذبيتها.

توفر «أختين» كل ما تحتاج إليه المرأة لتصميم حقيبة مُطرَزة ببصماتها الخاصة (أختين)

ما قدّمته علامة «أختين» المصرية، بإدارة الشقيقتين آية وموناز عبد الرؤوف، مؤخراً، خير دليل على هذا التحول. فقد أدخلتا المرأة عالمهما بإطلاق خدمة تفصيل في الإمارات والسعودية تتيح لها تصميم حقيبتها وفق رؤيتها وذوقها الخاص. تُوفِران لها الأقمشة المطرزة يدوياً، والزخارف وكل التفاصيل من أحجار كريستال وغيرها، لتختار منها ما يروق لها ويُعبِّر عنها. بعد انتهائها من وضع لمساتها عليها، تضع الأحرف الأولى من اسمها داخل الحقيبة، وهكذا تتحول التجربة من مجرد احتفاء بالحرفية ومفهوم «صُنع باليد» إلى قطعة تحمل طابعاً شخصياً خاصاً، يبقى معها طول العمر، تُورِّثه للبنات وتحكيه للحفيدات.

موسكينو... بين الدعابة والفن

حقائب مستوحاة من الـ«بوب آرت» (موسكينو)

على طرف آخر من الإبداع الفني، تقف دار «موسكينو» وفية لأسلوبها المفعم بروح الدعابة. قدّمت خلال عرضها الأخير حقائب تنبض بروح الـ«بوب آرت» تمزج الجريء بالفني المبتكر في تودّد صريح لامرأة لا تكتفي بالتميز فحسب، بل تسعى للفت الأنظار بخفة الظل. فقد استلهمت الدار أشكالها من عناصر يومية غير متوقعة، مثل قطع حلوى وحصالات نقود وهواتف كلاسيكية من الخمسينات وغيرها من الأشكال التي من شأنها أن تخلق نقاشات فنية وفكرية حول مفهوم الحقيبة في عصرنا الحالي.

«كارولينا هيريرا»... الكلاسيكية الأنثوية

حقيبة «ميمي» مستوحاة من علبة أحمر شفاه (كارولينا هيريرا)

حقائب دار «كارولينا هيريرا» في المقابل تعيدنا إلى الكلاسيكي المعاصر. استوحت تصاميمها من فن العمارة في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، مع تركيز واضح على نقاء الخطوط الهندسية وعلى بُعدها النحتي، كما تَصوَّره مديرها الإبداعي ويس غوردن.

غير أن تفاصيلها المستوحاة من عالم الأزياء هي ما يمنحها فرادتها: نقشة «البولكا» تتحول إلى أقفال، والشرابات تعيد تشكيل الأحزمة فيما تضيف السلاسل الذهبية لمسة بريق. لم يكتف المصمم بهذا، بل جعل كل حقيبة تحمل اسم امرأة تركت بصمتها في الدار أو حياة كارولينا هيريرا، المؤسسة. حقيبة «ميمي بوكس» مثلاً تستحضر ذكرى والدة زوجها، التي كانت لا تستغني عن صندوق صغير خاص بأحمر الشفاه تحمله معها أينما كانت.

تستمدّ حقيبة «كونسويلو فان» شكلها من مراوح يدوية قابلة للطي اعتادت كونسويلو كريسبي وهي صديقة مقرَبة لكارولينا حملها (كارولينا هيريرا)

وتستمر هذه اللغة الشعرية في حقائب أخرى مثل «فيغا» المستوحاة من انعكاسات ضوء القمر على نوافير مزرعة «هاسيندا» التابعة لعائلة هيريرا. تأتي بشكل هلال يعكس ملمسها الضوء. هناك أيضاً حقائب «بيا» و«كونسيلو» وغيرها من التصاميم التي تُوازن بين الفن والوظيفة.

«ديور كرنشي»... العملية الأنيقة

حقيبة كرنشي الجديدة من تصميم جوناثان أندرسون (ديور)

من جهتها، قدمت دار «ديور» حقيبة «ديور كرنشي»، موضحة أن مديرها الإبداعي الجديد جوناثان أندرسون أعاد فيها تفسير نمط «كاناج» الأيقوني بأسلوب معاصر. أكثر ما يُميزها تفاصيل ثلاثية الأبعاد، وجلد مُجعّد يضفي عليها عمقاً بصرياً وملمساً غنياً، إضافة إلى كثافة «الكرانش» ومرونة الجلد، تتمتع الحقيبة بالعملية بفضل حجمها ومقابضها التي تتيح حملها بطرق متعددة تلائم إيقاع الحياة اليومية.


جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.